Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ مُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الْوَصِيَّة عناصر الموضوع مفهوم الوصية ١١٨ الوصية في الاستعمال القرآني ١١٩ الألفاظ ذات الصلة ١٢٠ ١٢٢ حكم الوصية ١٢٢ الموصي ١٢٧ الموصى به ١٤١ الموصى ١٤٧ صيغ عرض الوصية ١٤٩ ثمرات الوصية الدنيوية والأخروية المُجَلَّدَ الخَامِسْ، وَالثَّلاثُونْ حرف الواو مفهوم الوصية أولًا: المعنى اللغوي: الوصية لغةً: الإيصال، مأخوذة من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته، وسميت الوصية وصية؛ لأن الميت لما أوصى بها وصل ما كان فيه من أمر حياته بما بعده من أمر مماته(١). قال ابن فارس: (((وصى) الواو والصاد والحرف المعتل: أصل يدل على وصل شيء بشيء، ووصيت الشيء: وصلته، ويقال: وطئنا أرضا واصية، أي: إن نبتها متصل قد امتلأت منه، ووصيت الليلة باليوم: وصلتها، وذلك في عمل تعمله، والوصية من هذا القياس، كأنه كلام يوصى أي: يوصل، يقال: وصيته توصية، وأوصيته إيصاء)) (٢). والخلاصة: أن الوصية في اللغة، طلب فعل الشيء بعد موت الموصي، أو هي العهد بفعل الشيء بعد الموت، وهي مشتقة من الوصل وهي إيصال خير الدنيا بخير الآخرة. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: أن الوصية لها معنیان: الأول: عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التبرع. والثاني: ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات، وهو ما يعهد إلى الإنسان أن یعمله من خير أو ترك شر بما یرجی تأثيره. قال الراغب: الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ(٣). والمتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما، حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ، وهذا مرتبط بمعنى الوصية في اللغة، فيعطي معنى قوة الارتباط والاتصال لخير الدنيا بالآخرة. (١) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٢/ ٦٦٢، تاج العروس، الزبيدي ٤٠ /٢٠٧. (٢) مقاييس اللغة ٦/ ١١٦. (٣) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٣١٩/١، المفردات، الراغب الأصفهاني ص٨٧٣. ١١٨ لِلْقُرآن الكَرِيمِ لوصية الوصية في الاستعمال القرآني وردت مادة (وصي) في القرآن الكريم (٣٢) مرة، يخص موضوع الميثاق منها (٢٦) مرة والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١٢ ﴿وَوَصَّى بِهَآ إَِّهِعُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَنَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى (١٣٢) [البقرة: ١٣٢] الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ◌َ الفعل المضارع ٥ [النساء: ١٢] ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِنْمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَّ إِنْحَ عَلَيْةٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ١٨٢] اسم الفاعل ١ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا المصدر ٨ أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠] وجاءت الوصية في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ (٢) (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الواو، ص١٤١٣. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٨٧٣. ١١٩ www. modoee.com وَمِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤْصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍ﴾ حرف الواو الألفاظ ذات الصلة النذر: ١ النذر لغةً: ما يقدمه المرء لربه، أو يوجبه على نفسه من صدقة أو عبادة أو نحوهما، وما كان وعدًا على شرط، فعلي إن شفى الله مريضي كذا نذر(١). النذر اصطلاحًا: أن توجب على نفسك ما ليس بواجب (٢). الصلة بين الوصية والنذر: أن كليهما قربة، لكن الوصية يجوز الرجوع عنها والنذر لا يجوز الرجوع عنه. الهبة : ٢ الهبة لغةً: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض(٣). الهبة اصطلاحًا: تمليك المال بغير عوض (٤). الصلة بين الوصية والهبة: أن كلا من الوصية والهبة تمليك، لكن الوصية بعد الموت والهبة حال الحياة (٥) الوقف: ٣ الوقف لغةً: الحبس، قال ابن فارس: ((وقف: الواو والقاف والفاء: أصل واحد يدل على تمكث في شيء ثم يقاس عليه))(٦). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٢٠٠، القاموس الفقهي، سعدي أب جيب ص ٣٥٠، المعجم الوسيط لعدد من المحققين ٢/ ٩١٢. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٩٧، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣٤/٥. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٨٠٣/١، المصباح المنير، الفيومي ٢/ ٦٧٣، تاج العروس، الزبيدي ٣٦٤/٤. (٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٨٤، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢٨٥/٥. (٥) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢٢/٤٣. (٦) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ١٣٥، لسان العرب، ابن منظور ٣٥٩/٩، الكليات، الكفوي ص صَوَبُورَةَ النَّفِيـ القرآن الكريم ١٢٠ الوصية الوقف اصطلاحًا: حبس العين على ملك الواقف أو على ملك الله تعالى(١). الصلة بين الوصية والوقف: أن کلیھما تبرع، لکنهما يفترقان في أن الوصية تكون بعد الموت وقد تكون بالعين، وقد تكون بالمنفعة، أما الوقف فهو تبرع في حال الحياة وبالمنفعة فقط (٢). المواريث: ٤ المواريث لغةً: جمع ميراث، وهو المال المخلف عن الميت، ولفظ ميراث يطلق في اللغة العربية على معنيين: أحدهما: البقاء، وثانيهما: انتقال الشيء من قوم إلى آخرين (٣). الميراث اصطلاحًا: عند الجمهور: ما تركه الميت من أموال وحقوق، وعند الحنفية: هي ما تركه الميت من الأموال صافيا عن تعلق حق الغير بعين من الأموال، فالأصل عند الحنفية: أن الحقوق لا يورث منها إلا ما كان تابعًا للمال أو في معنى المال، كحق التعلي وحقوق الارتفاق، أما حق الخيار وحق الشفعة وحق الانتفاع بالعين الموصى بها فلا تورث عند الحنفية، ويدخل في التركة اتفاقا الدية الواجبة بالقتل الخطأ أو بالصلح عن العمد أو بانقلاب القصاص مالا بعفو بعض الأولياء فتقضى منه ديون الميت وتنفذ وصاياه(٤). الصلة بين الوصية والميراث: أن الوصية قد تكون حقًا واجبًا مثل الدين، وقد تكون تبرعًا بإرادة الموصي، والميراث حق واجب في مال الموروث وبغير إرادته، والوصية عطية من المالك، والميراث عطية من الله تعالى(٥). ٩٤٠. (١) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٢٥٣، أنيس الفقهاء، القنوي ص ٧٠، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣٤٠. (٢) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ٤٤ / ١١٠. (٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٩٥/١، المطلع على ألفاظ المقنع، البعلي ص ٣٦٢، لسان العرب، ابن منظور ٢/ ٢٠٠، الكليات، الكفوي ص ٧٨. (٤) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ١٩/٣. (٥) انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٦٥، المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص ٣٣٢. www. modoee.com ١٢١ حرف الواو حكم الوصية أجمع العلماء على أنها واجبة على من عنده ودائع وعلیه دیون أو نحوها، وأکثر العلماء على أن الوصية غير واجبة على من ليس عليه شيء من ذلك، موسرًا کان الموصي أو فقيرًا، وقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر القرآن (١). (١) انظر: الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٥٧٩/١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٩/٢، فتح القدير، الشوكاني ٢٠٥/١. الموصي لقد ذكر القرآن الكريم وصايا ربنا جل وعلا، ووصايا الأنبياء والرسل، ووصية المؤمن لوالده ولولده، ووصيته في ماله، وسنتناول ذلك فيما يأتي: أولًا: الله جل جلاله: الوصية من الله عز وجل: هي ما عهد إلى العباد أن يعملوه، من فعل خير، أو ترك شر، وكلمة وصية تشعر المتلقي لها بحب الموصي للموصى. فالله جل جلاله یحب عباده، ويحب لهم الخير، ويكره لهم الشر، ولذلك وصاهم بهذه الوصايا الجليلة العظيمة، وما دام الله تعالى هو الموصي فمعنى ذلك أنها افتراض، والوصية من الله تعالى لا تكون إلا للأمور المهمة التي لا تستقيم الحياة إلا بالقيام بها، وهي في أمهات المسائل التي لا يصح أن نغفلها، والتوصية تخصيص للتشريع؛ لأن التشريع يعم أحكامًا كثيرة جدا، ولكن الوصية التي يوصي الله بها تکون هي عیون التشريع، ولقد وصی الله تعالى عباده بوصايا جليلة تشمل خير الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿﴿ قُلْ تَعَالَوَا أَثْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَيِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ جُوبُواحَرَ النَّفتبـ القرآن الكريمِ ١٢٢ الوصية إِمْلَقٍّ ◌َحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُوا اٌلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَّ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦) وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ اَلْيَّنِيِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ اُلْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْقَىٌ وَبِعَهْدِ اَللَّهِ أَوْ فُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا تَذَكَّرُونَ ® فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَلْسُبُلَ فَنَفَوَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ [الأنعام: ١٥١-١٥٣]. (١٥٣) إن الله تعالی رحیم بنا يوصينا بأحسن الوصايا التي تنفعنا في الدنيا والآخرة، وأول وصية وصانا الله تعالى بها هي ألا نشرك به شيئا، ثم وصى بواجب الإنسان تجاه والديه وأقاربه والمساكين وأبناء السبيل والأيتام من بر وقول معروف وحفظ حق، ثم واجب الاعتدال والقصد في حالة اليسر وعدم التبرم بأحداث الحياة وضيق المعيشة وكثرة الولد في حالة الفقر والعسر. ثم واجب احترام أعراض الناس ودمائهم وعهودهم وأسرارهم واجتناب الإثم والفحش والبغي والكبر والخيلاء والتصدي للأمور بدون علم وبينة وفائدة بأسلوب قوي محکم الحلقات، وجاءت هذه الوصايا بصيغة الأوامر والنواهي والوصايا والإلزام والتنبيه، وهي من هذه الناحية أجمع وأقوى جوامع القرآن في صدد الأخلاق الدينية والاجتماعية والشخصية التي من شأنها أن تكفل رضاء الله وعنايته، وأن تحفظ الناس من الشرور والمهالك، وأن تضمن لهم السعادة والطمأنينة، وأن تبث فيهم روح التعاون والتراحم والإخاء، وأن تجنبهم ما لا يليق بالكرامة الإنسانية والشعور الإنساني من مواقف وحركات، وهذه هي الوصايا العشر التي أجمعت عليها جميع الشرائع ولم تنسخ قط في ملة. قال ابن عباس رضي الله عنه عن هذه الآيات: ((إنها محكمات لم ينسخهن شيء من جمیع الکتب». وقيل: «إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار))، ولم يوجد شرع جاء لينسخ واحدة من هذه الوصايا. ولذلك يقول كعب الأحبار رضي الله عنه: ((والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة، ﴿ قُلْ تَعَالَواْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]))(١). (١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٨/٢، النكت والعيون، الماوردي ١٨٦/٢، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢٧٩/١، التفسير الحديث، محمد عزت ٣٧٥/٣، تفسير الشعراوي ٤/ ٢٠٣٤. www. modoee.com ١٢٣ حرف الواو ثانيًا: الأنبياء والرسل والحكماء: إن الأنبياء عليهم السلام هم القدوة الحسنة التي يجب أن نقتدي بهم في أقوالهم وأفعالهم، ولذلك جعل الله تعالى الوصية في القرآن على ألسنتهم، وإن وصايا الأنبياء عليهم السلام هي دين وتشريع من الله تعالى يجب اتباعها والعمل بها، وفيها سعادة الدنيا والآخرة، ولقد كانت وصية الأنبياء إلى أممهم هي إقامة الدین. فقال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَهِمَ إلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَةُ، وَلَقَدٍ أَصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ، فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ ١٣٠) قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ وَوَضَّى بِهَآ إَِّهِمُ بَنِيِهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُّ الدِّينَ فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ١٣٢ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَ إِلَهَ ءَابَآيَكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلٌ وَ إِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ، مُسْلِمُونَ (١٣٣ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٣]. وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الدعاء إلى الله تعالى، حتى جعلوا ذلك وصية يوصون بها واحدا بعد واحد، وبينت الآية الكريم أن إبراهيم عليه السلام أوصى بملته الحنيفية بنيه، وأن يعقوب أوصى بذلك، وقدم بين يدي وصیته اختیار الله لهم هذا الدين، ليسهل عليهم اتباع ما اختاره الله لهم، ويحضهم على ذلك، وأمرهم أنهم لا يموتون إلا عليه، لأن الأعمال بخواتيمها، ثم ذكر سؤال يعقوب لبنیه عما يعبدون بعد موته، فأجابوه بما قرت به عينه من موافقته وموافقة آبائه الأنبياء من عبادة الله تعالى وحده، والانقياد لأحكامه. وحكمة هذا السؤال أنه لما وصاهم بالحنیفیة، استفسرهم عما تکن صدورهم، وهل يقبلون الوصية؟ فأجابوه بقبولها وبموافقة ما أحبه منهم، ليسكن بذلك جأشه، ويعلم أنه قد خلف من يقوم مقامه في الدعاء إلى الله تعالى. وصدر سؤال يعقوب بتقريع اليهود والنصارى بأنهم ما كانوا شهدوا وصية يعقوب، إذفاجاه مقدمات الموت، فدعواهم اليهودية والنصرانية على إبراهيم ويعقوب وينيهم باطلة، إذ لم يحضروا وقت الوصية، ولم تنبئهم بذلك توراتهم ولا إنجيلهم، فبطل قولهم، إذ لم يتحصل لا عن عيان ولا عن نقل، ولا ذلك من الأشياء التي يستدل عليها بالعقل، ولم يقل: ووصى بها إبراهيم ويعقوب بنيهما، لئلا يتوهم أن الوصية كانت منهما في وقت واحد أو أنها خاصة بأبنائهما معا، وهم أولاد يعقوب (١). (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٦٦٣/١، تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٩١/١. ١٢٤ الْقُرْآن الكَرِيمِ الوصية عليه السلام وهو يوصي ابنه بالتوحيد والنهي عن الشرك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ، وَوَضَيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلْهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ وَإِنِ أَشْكُرْ لِي وَلَوْ لِدَيْكَ إِلَىّ الْمَصِيرُ ) جَهَدَالَكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ، يَبُنَّ إِنَّ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّقٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةِ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهَ إِنَّ يَبُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَوةَ ١٦ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَّآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ، وَلَا تُصَعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشِْكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ * [لقمان: ١٣ - ١٩]. شملت هذه الوصية قضية التوحيد وإخلاص العقيدة لله وحده لا شريك له؛ فالشرك بالله ظلم عظیم وجرم کبیر، وکون الشرك ظلما؛ لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه، وكونه عظيما؛ لما فيه من التسویة بین من لا نعمة إلا منه سبحانه ومن وقد ذكر القرآن الكريم لقمان الحكيم لا نعمة له، كما شملت الحرص على طاعة الوالدين والبر بهما، ومراقبة الله له في كل حين، وإحاطته بكل شيء؛ وأداء الصلاة، ومواصلة الصبر في المعاملة مهما كانت الشدائد والعقبات، والحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ والنهي عن الكبر والخيلاء والإعجاب بالنفس وهتك الحرمات، والخوض في أعراض الناس وتلويث البيئة بالأفعال القبيحة والصور المنفرة والأصوات المزعجة، وذلك في صور يهتز لها الوجدان، وينخلع منها القلب، وتتفق مع الفطرة والعقل جميعًا. قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَذََّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨](١). ثالثًا: عموم الناس: ذكر القرآن الكريم وصية المؤمن لوالده وولده ووصيته في ماله. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ ١٨٠ [البقرة: ١٨٠]. وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة وصية المؤمن لوالده وولده ووصيته في ماله وكانت هذه الآية أول ما نزل في الأموال، (١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٨٤/١١، التصوير القرآني للقيم الخلقية والتشريعية، علي صبح ص ١٩٧. www. modoee.com ١٢٥ حرف الواو وهذه الوصية تتوقف على نظر الموصي بالذكر تشريفا للرتبة ليتبارى الناس إليها، وخص الوالدين والأقربين لأنهم مظنة النسيان من الموصي، لأنهم كانوا يورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة. وأمانته وعدله فقد یجور فیھا ویظلم، وقد يعدل فيها ويحسن، والمطلوب العدل من الموصي فیما أوصى به. وقد بين الله تعالى قدر هذه الوصية في قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ والمعروف الفعل الذي تألفه العقول ولا تنكره النفوس، فهو الشيء المحبوب المرضي، سمي معروفا؛ لأنه لکثرة تداوله والتأنس به صار معروفا بین الناس، وضده يسمى المنكر، والمراد بالمعروف هنا العدل الذي لا مضارة فيه ولا یحدث منه تحاسد بین الأقارب؛ بأن ينظر الموصي في ترجيح من هو الأولی بأن يوصي إليه لقوة قرابة أو شدة حاجة، فإنه إن توخی ذلك استحسن فعله الناس ولم یلوموه. ومن المعروف في الوصية ألا تكون للإضرار بوارث أو زوج أو قريب، ووكل ذلك إلى نظر الموصي فهو مؤتمن على ترجيح من هو أهل للترجيح في العطاء كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾. وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبا في الرضى به؛ لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية، وخص المتقون وقدم الوالدين للدلالة على أنهما أرجح في التبدیة بالوصية، و کانوا قد یوصون بإيثار بعض أولادهم على بعض أو يوصون بكيفية توزيع أموالهم على أولادهم، وخوفًا من الحيف أو الجنف تولى الشرع الحنيف تعيين المقدار الموصى به من المال وهو الثلث، والثلث کثیر. فقد ثبت في الحديث أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: (جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: (یرحم الله ابن عفراء)، قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: (لا)، قلت: فالشطر، قال: (لا)، قلت: الثلث، قال: (فالثلث، والثلث کثیر)(١)(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٧٤٢، ٣/٤، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، ومسلم في صحيحه، رقم ١٢٥٢/٣،١٦٢٨، كتاب الهبة، باب الوصية بالثلث. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٦/٢، في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٨٩/١، روح المعاني، الألوسي ١/ ٤٥١. ١٢٦ جوي القرآن الكريمِ الوصية الموصى به مما جاء من الوصايا في القرآن الكريم ما يأتي: أولًا: أمور العقائد: ذكرت العقيدة في القرآن الكريم في عدة آيات، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَّبِعُوا السُبُلَ فَتَغَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهَ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. إن هذه الآية تتكلم عن العقيدة التي يجب أن يتمسك بها الناس، والحاكمة في عبادتهم وجميع أعمالهم وأخلاقهم وسلوكهم، عقيدة واحدة وطريق واحد هي الطريق الموصلة إلى الله تعالى، وهو التوحيد وإخلاص العبادة، وأصول الشرائع والأحكام مما لا يختلف باختلاف الأعصار كالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة واكتساب مكارم الأخلاق وفاضل الصفات، وهي العقيدة التي جاء بها جميع الأنبياء والرسل، فالعقيدة هي أول دعوة الرسل ومعركتهم مع العقائد الأخرى التي كانت سائدة في مجتمعاتهم والتي وقفت أمام كل الأنبياء، وعن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَبِعُواْ السُبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قال: ((البدع والشبهات، وهذه السبل تعم اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وعباد القبور، وسائر أهل الملل والأوثان، والبدع والضلالات من أهل الشذوذ والأهواء، والتعمق في الجدل، والخوض في الكلام، فاتباع هذه من اتباع السبل التي تذهب بالإنسان عن الصراط المستقيم إلى موافقة أصحاب الجحيم))، وذكر الصراط المستقيم منفردًا، معرفًا تعريفين: تعريفا باللام، وتعريفا بالإضافة، وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها(١). وهذه العقيدة هي التي أخبر عنها القرآن في قوله تعالى: ﴿* شَرَعَ لَكُم مِّنَ اُلِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا يِّ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ أَلِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَهْ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ [الشورى: ١٣]. بينت هذه الآية الكريمة أن من وصية الله تعالى لجميع الأمم والرسل إقامة الدين بکلیته، وقد كانت هذه الوصية عمل الرسل لأممهم ومن بعدهم، فنفذها إبراهيم عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَآ إَِّاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَنَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٨/٧، تفسير المراغي ٢٥/٢٥، في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢١٧/٣. www. modoee.com ١٢٧ حرف الواو ﴾ [البقرة: ١٣٢]. تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( ومن بعد إبراهیم يعقوب عليه السلام، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَّرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآيَكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْطَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ. مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٣]. ١٣٣ فهذا تواصي الأمم بأصل الإيمان وعموم الشريعة، وقوله تعالى: ﴿مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]. مقدر فيه مضاف، أي: مثل ما وصى به نوحا، أو هو بتقدير كاف التشبيه على طريقة التشبيه البليغ مبالغة في شدة المماثلة حتی صار المثل کأنه عین مثله، والمراد: المماثلة في أصول الدين مما يجب لله تعالى من الصفات، وفي أصول الشريعة من كليات التشريع، وأعظمها توحيد الله، ثم ما بعده من الكليات الخمس الضروريات، ثم الحاجيات التي لا يستقيم نظام البشر بدونها، فإن كل ما اشتملت عليه الأديان المذكورة من هذا النوع قد أودع مثله في دين الإسلام. فالأديان السابقة كانت تأمر بالتوحيد، والإيمان بالبعث والحياة الآخرة، وتقوى الله بامتثال أمره واجتناب منهيه على العموم، وبمكارم الأخلاق بحسب المعروف، وتختلف في تفاصيل ذلك وتفاريعه، ودين الإسلام لم يخل عن تلك الأصول وإن خالفها في التفاريع تضييقا وتوسيعا، وامتازت هذه الشريعة بتعليل الأحكام وسد الذرائع والأمر بالنظر في الأدلة وبرفع الحرج وبالسماحة وبشدة الاتصال بالفطرة، ثم بين الله تعالى وصيته لجميع أنبيائه، فقال سبحانه: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ أَلْدِينَ وَلَا تَنَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. والمراد: إقامة دين الإسلام الذي هو توحید الله وطاعته، والإيمان برسله و کتبه، وبيوم الجزاء، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة. قال جل وعلا: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: ٩٢](١). ٩٢ وفي هذه الآيات: أن جميع الأديان وصايا الله إلى خلقه، وأن دين الإسلام هو دين جميع الأنبياء السابقين بلا استثناء، وأنه لا يخالف هذه الشرائع المسماة، وأن اتباعه (١) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١٢٤٥/٣، الكشاف، الزمخشري ٢١٥/٤، لباب التأويل، الخازن ١٧٣/٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٨/٧، أضواء البيان، الشنقيطي ٩/ ٩٤. ١٢٨ صَوْسُو القرآن الكريم الوصية يأتي بما أتت به من خير الدنيا والآخرة، وفيه هي معركة الحاكمية وتقرير لمن تكون، لذلك خاضها وهو فى مكة، خاضها وهو إشارة إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى باتباعه، والتعريض بالكفار الذين أعرضوا عنه. ینشئ العقيدة، ولا يتعرض للنظام والشريعة، خاضها ليثبت في الضمير أن الحاكمية لله وحده لا يدعیھا لنفسه مسلم ولا یقر مدعیھا على دعواه مسلم. فهذه هي أصول الدين التي بينتها الآيات والتي هي عقيدة كل الأنبياء والرسل عليهم السلام، وهذه العقيدة هي التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، ثم قال: (هذا سبيل الله)، ثم خط خطوطا عن یمینه وعن شماله، ثم قال: (هذه سبل) - قال يزيد: متفرقة - على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَغَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِ﴾ [الأنعام: ١٥٣])(١) (٢). قال سيد قطب: ((لقد كانت المعركة الأولى التي خاضها الإسلام ليقرر وجوده (١) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، رقم ٢٤١، ١٩٧/١، وأحمد في مسنده، رقم ٤١٤٢، ٢٠٧/٧، والدارمي في سننه، رقم ٢٠٨، ١/ ٢٨٥ كتاب العلم، باب في كراهية أخذ الرأي، والنسائي السنن الكبرى رقم ١١١٠٩، ١٠/ ٩٥ كتاب التفسير فاتحة الكتاب، قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيمًا). وحسنه التبريزي في مشكاة المصابيح ٥٨/١. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٨/٧، في ظلال القرآن، سيد قطب ٠١٢١٧/٣ فلما أن رسخت هذه العقيدة في نفوس العصبة المسلمة في مكة، يسر الله لهم مزاولتها الواقعية في المدينة، فلينظر المتحمسون لهذا الدين ما هم فيه وما یجب أن يكون، بعد أن يدركوا المفهوم الحقيقي لهذا الدین، إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله، فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين. وإن مشكلة هذا الدين في الأرض اليوم، لهي قيام الطواغيت التي تعتدي على ألوهية الله، وتغتصب سلطانه، وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع في الأنفس والأموال والأولاد، وهي هي المشكلة التي كان يواجهها القرآن الكريم بهذا الحشد من المؤثرات والمقررات والبيانات، ويربطها بقضية الألوهية والعبودية، ويجعلها مناط الإيمان أو الكفر، وميزان الجاهلية أو الإسلام»(٣). (٣) في ظلال القرآن ١٢١٧/٣. www. modoee.com ١٢٩ حرف الواو ثانيًا: أمور العبادات: ولقد وصى القرآن الكريم بإقامة العبادات. * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِينِ مَا قال تعالى: وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيَةٍ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ ٢﴾ [الشورى: ١٣]. مَن ◌ُنِیبُ بينت هذه الآية الكريمة أن من وصية الله تعالى لجميع الأمم والرسل إقامة الدين بكليته، والعبادات من صلاة وصيام وزكاة وغيرها هي من الدين الذي وصى الله تعالى عباده بإقامتها والمواظبة عليها، فمن ترك هذه العبادات من صلاة وصيام وزكاة وغيرها من العبادات فهو من الذين تركوا وصية الله تعالى بإقامة الدين، بل إن هذه العبادات تعد من أصول الدين وتاركها متعمدا كافر بهذا الدين الذي أمر الله تعالى بإقامته. قال ابن عباس ومجاهد: ((لم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم». ووصى الله تعالى إبراهيم وإسماعيل بإقامة العبادات، قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلطَِّفِينَ وَاَلْعَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. العهد أصله الوعد المؤكد، فإذا عدي بإلى كان بمعنى الوصية المؤكد على الموصى العمل بها فعهد هنا بمعنى أرسل عهدا إليه أي أرسل إليه يأخذ منهم عهدا، فالمعنى وأوصينا إلى إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من كل رجس معنوي كالشرك بالله وعبادة الأصنام، أو رجس حسي كاللغو والرفث والتنازع فيه، حين أداء العبادات كالطواف به والسعي بين الصفا والمروة والعكوف فيه والركوع والسجود، وسماه الله بيته لأنه جعله معبدا للعبادة الصحيحة، وأمر المصلين بأن يتوجهوا في عبادتهم إليه(١). والصلاة والزكاة، أول ما نطق به عيسى عليه السلام في المهد إذ قال: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَ كًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيَّا (٦)﴾ [مريم: ٣١]. يعنى: أمرني بالمحافظة على حدود الصلاة وإقامتها على ما فرضها على، فإن قيل: كيف يؤمر بالصلاة والزكاة، في حال طفوليته وقد جاء من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يبلغ)(٢). (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٦١٠، الوجيز، الواحدي ص ١٣٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٧١١. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، رقم ٤٣٩٨، ١٣٠ مُؤَسُولَةُ النَّفِيَّة جوبيين القرآن الكريم الوصية والجواب: إن قوله: ﴿وَأَوْصَغِى بِالصَّلَوَةْ وَالزَّكَوْةِ﴾ لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال، بل المراد أو صاه بأدائهما في الوقت المعين لهما وهو البلوغ، وقيل: إن الله تعالی صیره حین انفصل عن أمه بالغا عاقلا، وهذا القول أظهر في سياق قوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيَّ﴾ [مريم: ٣١]. فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه إليه في زمان جميع حياته حين كان في الأرض، وحين رفع إلى السماء وحين ينزل الأرض بعد رفعه، وفى الزكاة معنيان: أحدهما: زكاة الأموال أن يؤديها، والآخر: تطهير الجسد من دنس الذنوب، فيكون معناه: وأوصاني بترك الذنوب واجتناب المعاصي (١). ثالثًا: أمور التشريع: جعل الله تعالى لكل أهل ملة شريعة ومنهاجا، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل ٤/ ١٤٠، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا، والترمذي في سننه، رقم ١٤٢٣، ٤/ ٣٢، أبواب الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، والنسائي في سننه، رقم ٣٢٣٤، ١٥٦/٦، كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، وابن ماجه في سننه، رقم ١،٢٠٤١ / ٦٥٨، كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم. وصححه الألباني في الإرواء ٥/ ٢٧٤. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ /١٩١، تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٣٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/١٦، لباب التأويل، الخازن ٣/ ١٨٧. الإنجیل شريعة، ولأهل القرآن شریعة، يحل فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، والدين واحد والشرائع مختلفة. قال تعالى: ﴿لَكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨](٢). ومن التشريعات الدينية التي وصى الله تَعَالَوْاْ أَتْلَ تعالى بها: قوله تعالى: مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَيَأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَكَدَكُمْ مِّنْ إِمّلَقٍّ ◌َحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمٌّ وَلَا تَقْرَبُوا اُلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَّ وَلَا تَقُّْلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ [الأنعام: ١٥١]. وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمٍ نَعْقِلُونَ ﴾ بينت هذه الآية الكريمة أن من وصية الله تعالى لجميع الأمم التوحيد والإخلاص في العبادة وطاعة الوالدين واجتناب الفواحش، والاهتمام بحقوق اليتيم، والعدل في القول مع القريب والبعيد، والعدل في البيع، وجاءت الوصية الرابعة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. نهي عن كل الأخلاق القبيحة والقذرة التي تدمر الروابط والعلاقات الأسرية والاجتماعية، والفواحش: جمع فاحشة، وهي: ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال، يقال: فحش فلان، أي: صار فاحشًا مرتكبًا للقبائح، والمتفحش هو الذي يأتي بالفحش (٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٤/ ٧٤. www. modoee.com ١٣١ حرف الواو من القول أو الفعل، كالسرقة والزنا والنميمة لأنه من المتعارف أن يقال ذلك في الأمور المستقرة في الأمكنة إذا قيل لا تقرب منها فهم النهي عن القرب منها ليكون النهي عن ملابستها بالأحرى، فلما تعذر المعنى المطابقي هنا تعينت إرادة المعنى الالتزامي بأبلغ وجه(١). وشهادة الزور، وقد تعلق التحريم والنهى بهذا الوصف الذي يشعر بالعلة- كما يقول علماء الأصول- فکأنه قال: إن کل قول أو فعل تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب البعد عنها، وحمل لفظ الفواحش على العموم في جميع الفواحش المحرمات والمنهيات فیدخل فيه الزنا وغيره؛ لأن المعنى الموجب لهذا النهي هو كونه فاحشة. فحمل اللفظ على العموم أولى من تخصيصه بنوع من الفواحش، وأيضًا فإن السبب إذا كان خاصًّا لا يمنع من حمل اللفظ على العموم. وفي قوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ دقيقة، وهي أن الإنسان إذا احترز عن المعاصي في الظاهر ولم يحترز منها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودیة الله وطاعته فیما أمر به أو نھی عنه، ولكن لأجل الخوف من رؤية الناس ومذمتهم، ومن كان كذلك استحق العقاب. ومن ترك المعصية ظاهرًا وباطنًا؛ لأجل خوف الله وتعظيمًا لأمره، استوجب رضوان الله وثوابه، وقد نهى عن القرب منها، وهو أبلغ في التحذير من النهي عن ملابستها: لأن القرب من الشيء مظنة الوقوع فيه، ولما لم یکن للإثم قرب وبعد کان القرب مرادا به الكناية عن ملابسة الإثم أقل ملابسة، وفي الآية: إن القاعدة التي يقوم عليها المجتمع قاعدة النظافة والطهارة والعفة والأخلاق، فنهاهم الله تعالى عن الفواحش ظاهرها وخافيها؛ لأنه لا يمكن قيام أمة، ولا استقامة مجتمع، ولا أسرة في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إنه لا بد من طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع. والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار المجتمع، والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة، منتهية حتمًا إلى الدمار، والحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية والحضارة الفارسية، شواهد من التاريخ، ومقدمات الدمار والانهيار في الحضارة الغربية تنبئ بالمصير المرتقب لأمم ينخر فيها كل هذا الفساد، والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات، مجتمع مهدد بالدمار، ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٧٢/٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨، أ/١٥٩، التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٢١٧/٥. جَوَسُوع القرآن الكريمِ ١٣٢ الوصية هذه الجرائم هي أقسى العقوبات، لأنه يريد سيده أبعد، ورعاية حق الوالد من حيث الاحترام، ورعاية حق الأم من حيث الشفقة حماية مجتمعه من عوامل الدمار(١). والإكرام. ومن التشريعات الدينية الإحسان للوالدين، قال تعالى: ﴿﴿ قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ وقال سبحانه: حُسْنَّاً وَإِن جَهَدَالكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِء عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاْ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنْبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٨]. وقال جل وعلا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىّ الْمَصِيرُ ١٠﴾ [لقمان: ١٤]. وقال عز من قائل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنَا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرُمَّاً وَحَمْلُهُ، وَفِصَلُهُ تَثُونَ شَهْرًا حَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَىّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنُهُ وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيٌَّ إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: ١٥]. وصى الله تعالى الإنسان بالإحسان إلى والديه والحنو عليهما، والبر بهما في حياتهما وبعد مماتهما، لما لهما عليه من حق التربية والإنعام، وإذا لم يحسن الإنسان حرمة من هو من جنسه فهو عن حسن مراعاة (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٢٣٠. وذكره جل وعلا بر الوالدين مقرونا بتوحيده جل وعلا في عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين، والحسن: مصدر حسن، أي: وصيناه بحسن المعاملة، والکره: أي کان حمله مکروها لها، أي حالة حمله وولادته لذلك، وانتصب كرها على الحال، أي کارهة أو ذات کره. والمعنى: أنها حملته في بطنها متعبة من حمله تعبا يجعلها كارهة الأحوال ذلك الحمل، ووضعته بأوجاع وآلام جعلتها كارهة لوضعه، وفي ذلك الحمل والوضع فائدة له هي فائدة وجوده الذي هو كمال حال الممكن وما ترتب على وجوده من الإيمان والعمل الصالح الذي به حصول النعم الخالدة، والفصال: الفطام. وذكر الفصال لأنه انتهاء مدة الرضاع، فذكر مبدأ مدة الحمل بقوله: ﴿وَحَمْلُهُ﴾ وانتهاء الرضاع بقوله: ﴿وَفِصَلُهُ﴾. والمعنى: وحمله وفصاله بينهما ثلاثون شهرًا، ومن بديع معنى الآية جمع مدة الحمل إلى الفصال في ثلاثين شهرا لتطابق مختلف مدد الحمل، إذ قد يكون الحمل ستة أشهر وسبعة أشهر وثمانية أشهر وتسعة وهو الغالب، قيل: كانوا إذا كان حمل المرأة www. modoee.com ١٣٣ حرف الواو تسعة أشهر وهو الغالب أرضعت المولود قوله: ﴿وَحَمْلُهُ, وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾، وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، فرجع عثمان إلى ذلك)(١). أحد وعشرين شهرا، وإذا كان الحمل ثمانية أشهر أرضعت اثنين وعشرين شهراً، وإذا كان الحمل سبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرا، وإذا كان الحمل ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا، وذلك أقصى أمد الإرضاع فعوضوا عن نقص کل شهر من مدة الحمل شهرا زائدا في الإرضاع؛ لأن نقصان مدة الحمل يؤثر في الطفل هزالا. ومن بديع هذا الطي في الآية أنها صالحة للدلالة على أن مدة الحمل قد تكون دون تسعة أشهر و لولا أنها تكون دون تسعة أشهر لحددته بتسعة أشهر؛ لأن الغرض إظهار حق الأم في البر بما تحملته من مشقة الحمل، فإن مشقة مدة الحمل أشد من مشقة الإرضاع، فلولا قصد الإيماء إلى هذه الدلالة لكان التحديد بتسعة أشهر أجدر بالمقام. وقد جعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿ وَالْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. دليلا على أن الوضع قد یکون لستة أشهر، ورووا عن معمر بن عبد الله الجهني قال: (تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت لتمام ستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فذكر له فبعث إليها عثمان، فلما آتي بها أمر برجمها، فبلغ ذلك علیا فأتاه، فقال: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: أما سمعت وهو استدلال بني على اعتبار أن شمول الصور النادرة التي يحتملها لفظ القرآن هو اللائق بکلام علام الغيوب الذي أنزله تبيانا لكل شيء من مثل هذا، ووعد الله على بر الوالدين قبول الطاعة بقوله جل ذكره: ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَشَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِ أَصْحَبِ الْجَنَّةِ وَهْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ [الأحقاف: ١٦]. فقبول الطاعة وغفران الزلة مشروطان بير الوالدين، وسبيل العبد في رعاية حق الوالدین أن یصلح ما بینه وبین الله، فحينئذ يصلح ما بينه وبين غيره على العموم، وأهله على الخصوص، وشر خصال الولد في رعاية حق والديه أن يتبرم بطول حياتهما، ويتأذى بما يحفظ من حقهما، فبر الوالدين أعظم ما يتقرب به إلى الله جل ذكره، وعقوقهما من أعظم الكبائر المهلكات، وبينه الله عز وجل بقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل ◌َّمَا أُفٍ﴾ [الإسراء: ٢٣]. فنهى الله عز وجل الولد أن يقول أف إذا شم منهما رائحة يكرهها، فالنهي لما فوق (١) أخرجه مالك في الموطأ رقم ١١، ٨٢٥/٢، كتاب المدبر، باب ما جاء في الرجم. ١٣٤ القرآن الكريمِ الوصية ذلك أعظم، وهذا باب مختصر في الحض إحداث شيء غير معروف، لذلك لا يحتاج فيها إلى مزيد تنبيه لتلقي الحكم. على بر الوالدين (١). ومن التشريعات الدينية إعطاء الوالدين والأقربين حقهم من المال، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُّ إِن تَّرَكَ خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ ١٨٠ [البقرة: ١٨٠]. بينت هذه الآية حكم المال بعد موت صاحبه، وكان هذا أول تشريع في المال، وكانت عادة العرب في الجاهلية أن الميت إذا كان له ولد أو أولاد ذكور استأثروا بماله کله، وإن لم يكن له ولد ذكر استأثر بماله أقرب الذکور له من أب أو عم أو ابن عم الأدنین فالأدنین، وكان صاحب المال ربما أوصی ببعض ماله أو بجمیعه لبعض أولاده أو قرابته أو أصدقائه، فلما استقر المسلمون بدار الهجرة واختصوا بجماعتهم شرع الله لهم تشريك بعض القرابة في أموالهم ممن كانوا قد يهملون توريثه من البنات والأخوات والوالدين في حال وجود البنين ولذلك لم يذكر الأبناء في هذه الآية، ولم يفتتح بـ(يا أيها الذين آمنوا) لأن الوصية كانت معروفة قبل الإسلام، فلم يكن شرعها (١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٦٨٣٠/١١، لطائف الإشارات، القشيري ٣٩٨/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/٢٦. وكان السبب في نزول هذه الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بما لهم للبعداء رياءً وسمعةً، فصرف الله تعالى بهذه الآية ما كان يصرف إلى البعداء إلى الأهل والأقرباء، والخير ههنا المال قليلًا كان أو كثيرًا، وقال بعض الناس: الخير لا يتناول إلا الكثير، والخير قد ورد في القرآن بمعنى المال، قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. ٨ وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨]. وقيل: إن المال کما یکون خیرا قد يكون شرًا، لكن جعل الله تعالى ههنا خيرًا تنبيهًا على أن الوصية يستحب في المال الطيب دون الخبيث والمغصوب، فإن ذلك يجب رده إلي أربابه ومما تم بالوصية فقط، ثم بين الله تعالى قدر هذه الوصية في قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. والمعروف الفعل الذي تألفه العقول ولا تنكره النفوس، فهو الشيء المحبوب المرضي، سمي معروفا؛ لأنه لكثرة تداوله والتأنس به صار معروفا بين الناس، وضده يسمى المنكر، والمراد بالمعروف هنا العدل الذي لا مضارة فيه ولا يحدث منه تحاسد بين الأقارب؛ بأن ينظر الموصي في ترجيح www. modoee.com ١٣٥ حرف الواو من هو الأولى بأن يوصي إليه لقوة قرابة أو من السدس والثلث والنصف والثمن لا يمكن تغيرها فتحول من جهة الإيصاء إلى الميراث. شدة حاجة، فإنه إن توخى ذلك استحسن فعله الناس ولم يلوموه، ومن المعروف في الوصية ألا تکون للإضرار بوارث أو زوج أو قریب، ووكل ذلك إلى نظر الموصي فهو مؤتمن على ترجيح من هو أهل للترجيح في العطاء كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبا في الرضى به؛ لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية، وخص المتقون بالذکر تشریفا للرتبة لیتباری الناس إليها، وخص الوالدين والأقربين لأنهم مظنة النسيان من الموصي، لأنهم كانوا يورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة، وقدم الوالدين للدلالة على أنهما أرجح في التبدية بالوصية، وكانوا قد يوصون بإيثار بعض أولادهم على بعض أو يوصون بكيفية توزيع أموالهم على أولادهم. ثم لما کان الموصي قد لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصي لكل واحد منهم وربما كان يقصد المضارة تولى بنفسه بيان ذلك الحق على وجه تيقن به أنه الصواب وأن فیه الحكمة البالغة، وقصره على حدود لازمة قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِّ فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَجِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَّهُ، أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثَّ فَإِن كَانَ لَهُوَ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسَُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنُّ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعَا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: ١١]. وصى الله تعالى في هذه الآية في الأولاد، ثم بين ما هي هذه الوصية، فقال تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَبَيْنِ﴾ بيان لنصيب كل من الولد والبنت في تركة والدهما المتوفى، فللذكر ضعف الأنثى، أو مثل نصيب الأنثيين. وقوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ اُثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ أي: إن كان المتوفى لم يعقب ذكرا، وكانت ذريته إناثا، فإن كن اثنتين فأكثر، فلهما أو لهن الثلثان، ﴿وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً فَلَهَا النَّصِّفُ وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: ويوصيكم الله أن تفرضوا لأبوي المتوفى، جَوَسُو القرآن الكريمِ ١٣٦