Indexed OCR Text
Pages 1-20
جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الوَزاءَّة
عناصر الموضوع
مفهوم الوراثة
٤٤
الوراثة في الاستعمال القرآني
٤٥
الألفاظ ذات الصلة
٤٦
الوراثة في حقّ الله تعالى
٤٧
أنواع الوراثة
٥١
أسباب الوراثة
٧٦
مقاصد الوراثة
٧٩
المُجَلَّدَ الخَامِسْ، وَالثَّلاثُونْ
حرف الواو
مفهوم الوراثة
أولا: المعنى اللغوي:
الوراثة أصلها: ورث، والواو والراء والثاء: كلمةٌ واحدةٌ، هي الورث، وهو أن يكون
الشيء لقومٍ ثم يصير إلى آخرین بنسبٍ أو سببٍ(١).
قال في الصحاح: الميراث أصله موراثٌ، انقلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها (٢).
وقال أبو عبيد: الإرث أصله من (الميراث) إنما هو (ورثٌ) فقلبت الواو ألفا مكسورة
لكسرة الواو كما قالوا للوسادة: إسادة وللوكاف: إكاف.
ويقال: ورثت فلانا من فلان: أي جعلت ميراثه له، وأورث الميت وارثه ماله، أي تركه
له (٣).
ثانيا: المعنى الاصطلاحي:
الوراثة في الاصطلاح: هو حوز الإنسان ما كان يملكه آخر بعد موت هذا الآخر (٤).
وإذا أطلق في اصطلاح الفقهاء فيراد به: أنه حق قابل للتجزئة، ثبت لمستحقه بعد موت
من كان له ذلك، لقرابة بينهما، أو نحوها(٥). والمعنى بينهما قريب.
بهذا يظهر أن المعنى الاصطلاحي توضيح للمعنى اللغوي وتفصيل له.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠٥/٦.
(٢) الصحاح، الجوهري ٢٩٥/١.
(٣) تهذيب اللغة، الأزهري ١٥/ ٨٥.
(٤) المعجم الاشتقاقي المؤصل، محمد حسن جبل، ص ٧٥٤.
(٥) القاموس الفقهي ص ٣٧٧.
٤٤
القرآن الكريمِ
الوراثة
الوراثة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ورث) في القرآن الكريم (٣٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٣
﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ, وَلَّدٌ وَوَرِثَّهُ، أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلْثُ﴾ [النساء: ١١]
الفعل المضارع
١٢
﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَمَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]
اسم الفاعل
٦
﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ١٠]
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَِّرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
الاسم
٤
[الحديد: ١٠]
وجاءت الوراثة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو أن يكون الشيء لقوم ثم
يصير إلى آخرين، والوراثة الحقيقية هي أن يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه فيه تبعة، ولا
عليه محاسبة (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٧٤٨.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠٥/٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١٩٤/٥، ١٩٥،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٦٣-٨٦٤، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢٩٨/٤-٣٠٠.
www. modoee.com
٤٥
حرف الواو
الألفاظ ذات الصلة
الوصية:
١
الوصية لغةً:
الإيصال، مأخوذة من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته، وسميت الوصية وصية؛ لأن
الميت لما أوصى بها وصل ما كان فيه من أمر حياته بما بعده من أمر مماته (١).
الوصية اصطلاحًا:
هي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، وسميت وصية لاتصالها بأمر الميت(٢)، والمراد
بها ما جاء في مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَّرَكَ خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ
لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ
﴾ [البقرة: ١٨٠].
الصلة بين الوصية والميراث:
أن الوصية قد تكون حقًا واجبًا مثل الدين، وقد تكون تبرعًا بإرادة الموصي، والميراث
حق واجب في مال الموروث وبغير إرادته، والوصية عطية من المالك، والميراث عطية من
الله تعالى (٣).
التركة:
٢
التركة لغةً:
بفتح التاء وكسر الراء، وفي اللغة: هي ما يتركه الشخص ويبقيه (٤).
التركة اصطلاحًا:
هو ما يتركه الميت من ممتلكاته بعد موته، وتخفف بكسر التاء وسكون الراء (٥).
الصلة بين التركة والميراث:
لما كان الميراث مما يتركه الميت سمي تركة، وقد ورد اللفظ بهذا المعنى في قوله تعالى:
﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١].
وفي الآية التي تليها، وفي آخر سورة النساء.
(١) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٢/ ٦٦٢، تاج العروس، الزبيدي ٢٠٧/٤٠.
(٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٢٥٢، تاج العروس، الزبيدي ٢٠٩/٤٠.
(٣) انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٦٥، المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص ٣٣٢.
(٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٥٦.
(٥) انظر: المصباح المنير ١/ ٧٤.
٤٦
جوية
القرآن الكريم
الوراثة
الوراثة في حق الله تعالى
أخبر الباري جل جلاله أنه الوارث، وهو
اسم من أسمائه الحسنى جل وعلا.
قال الزجاجي: ((الله وراث الخلق
أجمعين لأنه الباقي بعدهم وهم الفانون،
كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ
عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]))(١).
قال الخطابي: الوارث هو الباقي بعد
فناء الخلق، والمسترد أملاكهم وموارثهم
بعد موتهم، ولم يزل الله باقيا مالكا لأصول
الأشياء (٢)
وقد ورد الاسم في القرآن في مواضع
متعددة وصیغ شتی:
فجاء الإخبار عن ذلك بصيغة الجمع
فقال جل جلاله: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُّحِّي، وَنُمِيتُ
وَفَحْنُ الْوَرِثُونَ ﴾ [الحجر: ٢٣].
قال الطبري: (( ونحن نرث الأرض ومن
عليها بأن نمیت جمیعهم فلا یبقی حي سوانا
إذا جاء ذلك الأجل))(٣).
وقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ
مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُتْكَنْ مِّنْ
بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِينَ ﴾
[القصص: ٥٨].
وجاء في دعاء زكريا: ﴿وَزَكَرِنَّ إِذَ
(١) اشتقاق الأسماء ص ١٧٣.
(٢) شأن الدعاء ص٩٦.
(٣) جامع البيان ١٤ / ٤٧.
نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ
الْوَرِئِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
وجاء بصيغة الفعل في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا
نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ )﴾
[مريم: ٤٠].
وجاء التعبير بصيغة المصدر في قوله
جل وعلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا
ءَاتَنَّهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ. هُوَ خَيْ لُّ بَلَّ هُوَ شَرٌّلَهُمَّ
سَيُطَوَّقُونَ مَا يَحِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةُ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌّ ◌َـ
[آل عمران: ١٨٠].
وفي قوله: ﴿وَمَا لَكُنْ أَلَّا تُنْفِقُواْ فِي سَبِ اللَّهِ
وَلَّهِ مَِثُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ لَا يَسْتَوِى مِنْكُمْ مَّنْ
أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ
الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ
وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [الحديد: ١٠].
قال الطبري: ((فإن قال قائل: فما معنى
قوله: ﴿وَلَّ مِبَّثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ والميراث
المعروف هو ما انتقل من ملك مالك إلى
وارثه بموته ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟
قيل: إن معنى ذلك ما وصفنا من وصفه
نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتب عليهم
الفناء و ذلك أن ملك المالك إنما یصیر ميراثا
بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه: ﴿وَللَّهِمِيرُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إعلاما بذلك منه عباده
أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم،
وأنه لا أحد إلا وهو فان سواء، فإنه الذي إذا
www. modoee.com
٤٧
حرف الواو
هلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم لم المتكبرون؟)(٢).
يبق أحد يكون له ما كانوا يملكونه غيره)) (١).
والمتأمل في سياق الآيات التي وردت
في لفظ الوراثة في حق الله يتلمس ما يورثه
هذا الاسم من آثارٍ ومعانٍ تزید في إيمان
العبد، ومن ذلك:
١. الملك الحقيقي لله الواحد القهار.
الذي ما من ملك ملكِ طال ملکه أم قصر
إلا وهو راجع إليه سبحانه، وهذا المعنى
پورث في النفس تعظيم الله وتقديره حق
قدره، وما أعظم هذا الموقف يوم يرث
الله الأرض ومن عليها ويجمع الملوك
والمملوكين في موقف واحد ثم ينادي
فيهم: (لمن الملك اليوم) كما قال تعالى:
﴿يَوْمَ هُمْ بَرِرُونَّ لَا يَخْنَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ
الْمُلْكُ الْيَوْمّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزَى
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَّوْمَّ إِنَّ اللَّهَ
سَرِيعُ الْحِسَابِ:
﴾ [غافر: ١٦ - ١٧].
١٧
ويبين هذا المعنى ما رواه ابن عمر رضي
الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (يطوي الله عز وجل السماوات
يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم
يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين
المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله،
ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين
٢. السعي في الدنيا للتقرب إلى الله تعالى
بما يرضيه ويقرب إليه.
فإن كان ملوك الدنيا يملكون ملكًا
نسبيًّا في الدنيا، فيوم القيامة ملك الله الذي
مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ
اختص به لنفسه فقال:
﴾ [الفاتحة: ٤].
وهو سبحانه يورث جنته في ذلك اليوم
المتقين من عباده كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ
اُلْنَّةُ الَّتِ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا
[مريم: ٦٣].
٣. تهيئة النفس وتربيتها أن تكون من الذين
يورثهم الله الأرض فيعملون فيها
بتحقيق العبودية.
فما من جيل يقدم إلا وقد أورثه الله
دیار وتراث من سبقه، فهل سيعمل فيها بما
يرضي الله تبارك وتعالى.
وقد حذر الله عباده من ذلك فقال:
( يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ
يَأْتِ اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً
لَآَ يِدَّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ
(٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
ولا شك أن هذا الإبدال نوع من أنواع
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، باب قول الله
تعالى: (لما خلقت بيدي)، رقم ٧٤١٢،
ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، رقم ٢٧٨٨.
(١) المصدر السابق ٦/ ٢٧٧.
مَوَسُو ◌َرَ النَفسِير
القرآن الكريم
٤٨
الوراثة
الوراثة التي يورثها الله تعالى لعباده.
ومن التهيئة كذلك التهيئة لخلافة الأرض
وعمارتها وسياستها كما يريد الله تعالى،
ومن تأمل ما قصه الله تعالى بين موسى
وقومه يجد هذا المعنى واضحا جليا، كما
سيأتي بيانه، فالإيمان بأن الله هو الوارث
وهو الذي يورث من يشاء من عباده تجعل
العبد بل الأمة جمعاء على قدر من التأهيل
الإيماني والاستعداد العملي لحمل هذه
الأمانة إذا ورثوها.
٤. عدم الاغترار بقوة الباطل وانتفاشه.
فإن الله تعالى له بالمرصاد، وسيأتي
الوقت الذي يزهقه الله فيه ويورث عباده
المؤمنین دیار الکافرین ویمکنهم فيها.
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَنَافِى الزَّبُورِ
مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ
١٠٥ ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
الصََّلِحُونَ {
فقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة
وطغاة، وقد يغلب عليها همج وغزاة، وقد
يغلب عليها كفار فجار يحسنون استغلال
قوی الأرض وطاقاتها استغلالا مادیا ولکن
هذه ليست سوى تجارب الطريق، فلا يغتر
العبد بهذه القوة، فالوراثة الأخيرة هي للعباد
الصالحين الذين يجمعون بين الإيمان
والعمل الصالح. فلا يفترق في كيانهم هذان
العنصران ولا في حياتهم (١).
(١) انظر: في ظلال القرآن ٢٤٠٠/٤.
ويقول تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ
كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ
وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِيَهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ
اٌلْحُسْنَى عَلَى بَنِّ إِسْرَّهِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا
مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ, وَمَا كَانُواْ
يَعْرِشُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٣٧].
٥. عدم الاغترار بالدنيا والحذر من الركون
إليها.
لأن مآلها إلى فناء ولا يبقى إلا ما قدمه
العبد لنفسه يوم القيامة (٢)، وما أشد ارتباط
هذا المعنى بقول الحق تبارك وتعالى ﴿وَكَمْ
أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ
مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًاٌ وَكُنَّا
غَقْنُ الْوَرِئِينَ ﴾ [القصص: ٥٨]!
٦. الحث على الإنفاق في سبيل الله.
فقد جاء الإخبار عن وراثة الله
السماوات والأرض في موطنين، الأول:
في ذم الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله
وحبسه وعدم الإنفاق منه، وبيان مالهم في
الآخرة من العقوبة، كما قال تعالى:
﴿وَلَّا
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،
هُوَ خَيْرُالَهُّ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْبِهِ،
يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَإِلَّهِ مِيرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
وفي ذلك يقول الراغب: ((ونبه بقوله:
(٢) انظر: ولله الأسماء الحسنى، عبد العزيز
الجليل ص١٨٤.
www. modoee.com
٤٩
حرف الواو
﴿وَلِلَّهِ مِيرَثُ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ﴾ على انتقال
ما في أيديهم إليه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا
فُرَدَىْ كَمَا خَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤].
ونبه أن ما خولهم لو أنفقوا على ما يجب
وكما يجب لاستحقوا ثوابًا، فلما لم يفعلوا
ذلك؛ انتقل عنهم، وصار عقوبة لهم، وكأنه
إلى مقتضى معناه أشار من أوصى فقال:
اكتبوا: هذا ما خلف فلانٌ، يسوؤه وبنوه،
انتقل عنه نفعه، وخفي عليه وزره، وبين أنه
عالم ببخلهم، وما يؤول إليه حالهم))(١).
والموطن الثاني: في الحث على الإنفاق
والدعوة إليه وأنه المال الذي أورثه الله إياه
إن لم يدخره المؤمن لنفسه بالإنفاق، فإنه
صائر إليه سبحانه، وذلك في قوله: ﴿مَامِنُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ مُسْتَخْلَفِينَ فِيَّةٍ
قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَأَنَفَقُواْ لَمْ أَبْرٌ كَبِدٌ ﴾
[الحديد: ٧].
وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَللَّهِ
مِيَّثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠].
٧. التوجه إلى الله بسؤال الذرية
الصالحة (٢).
فكان من دعاء زكريا عليه السلام
﴿وَزَكَرِنَّ إِذْ نَادَىْ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا
﴾ [الأنبياء: ٨٩].
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِثِنَ الأَ
فاستجاب الله دعاءه فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا
لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ,
(١) تفسير الراغب الأصفهاني ٣/ ١٠١٣.
(٢) انظر: النهج الأسمى ٢/ ٢٩١.
زَوْجَهُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ
الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّاً وَكَانُواْ لَنَا
فَشِعِينَ
• [الأنبياء: ٩٠].
قال القاسمي: وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ
الْوَرِئِينَ﴾ ثناء مناسب للمسألة(٣).
ومن أوجه المناسبة:
الثناء على الله بما يقتضي المقام، فهو
سبحانه خیر الباقين، وخير من يخلف
بخير، وهو أرحم بعباده من أنفسهم.
النية الصالحة في طلب الذرية، وأنه
كما يسأل الله الذرية فيسأله أن يورثه
من يخلفه بخير، ولذا جاء في سورة
﴿يَرِثُّبِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ
مریم:
وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (١﴾ [مريم: ٦].
الرضا بالله وبما قسم، وفإنه قال: إن لم
ترزقني ولدًا يرثني فأنت خير الوارثين
فحسبي أنت.
٨. الإيمان بهذا الاسم فيه الرد على
المشركين في إنكارهم البعث والجزاء.
ففي قول الله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ
وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٥)﴾ [مريم: ٤٠].
قال ابن عاشور: ((وتأكيد جملة إنا
نحن نرث الأرض بحرف التوكيد لدفع
الشك؛ لأن المشركين ينكرون الجزاء، فهم
ينكرون أن الله يرث الأرض ومن عليها بهذا
المعنى»(٤).
(٣) محاسن التأويل ٢١٩/٧.
(٤) التحرير والتنوير ١٦/ ١١٠.
جوسين
القرآن الكريمِ
الورطاعة
أنواع الوراثة
أولًا: الوراثة الدنيوية:
١. وراثة الدين.
من الحقائق القرآنية المسلمة حقيقة
الاصطفاء، فالله تبارك وتعالى يصطفي من
خلقه من يشاء ويصطفي لدينه من يشاء، كما
قال تعالى: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إِبْرَهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٣)﴾ [البقرة: ١٣٢].
أي: إن الله اختار لكم هذا الدين الذي
عهد إلیکم فيه واجتباه لكم، فاتقوا الله ولا
تفارقوا الإسلام فتأتيكم مناياكم وأنتم على
غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا
وربكم ساخط عليكم فتهلكوا(١).
ومن الوراثة الدينية التي أخبر عنها القرآن
الكريم:
١. وراثة النبوة.
من المقرر أن الله تبارك وتعالى يختار
من صفوة خلقه من يشاء فيجعلهم رسلًا
كما قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ
الَّذِينَ أَصْطَفَىُّ ءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
٥٩
[النمل: ٥٩].
وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلْبِكَةِ
رُسُلًا وَمِنَ النَّاسَِّ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
(١) جامع البيان ٢/ ٥٨٤.
﴾ [الحج: ٧٥].
فالله تبارك وتعالى يختار من رسله من
أزكى الخلق وأجمع لصفات الخير وأحق
بالاصطفاء، فهو تعالى سميع بأقوال عباده
بصير بمن هو أحق بالاصطفاء.
وكما اصطفى تعالى من رسله من يشاء
فقد فضل الله تعالی بحكمته وفضله بعض
النبيين على بعض فقال تعالى:
تَلْكَ
الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمٌ
اَلْبَيْنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:
٢٥٣].
ومن هذا الاصطفاء أن يصطفى تعالى
رسلًا فيجعل في ذريتهم النبوة والكتاب
ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهُ أَصْطَفَىْ ءَدَمَ وَنُوحًا
وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْزَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ
٣٣
[آل عمران: ٣٣].
وإنما خص الله تعالى هؤلاء الأنبياء
الكرام بالذكر لأن الأنبياء والرسل من
نسلهم(٢).
وكما قال تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيْنَ مِنْ ذُرِيَّةِ ءَآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوْجِ
وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَهِيمَ وَإِسْرَّهِيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَبَيْنَاْ إِذَا
تُثْلَى عَلَيْهِمْءَآَيَنْتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَتَكِيًّا (١ )﴾
[مريم: ٥٨].
فجعل الله تعالى من ذرية آدم نوحًا
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٩/٢.
www. modoee.com
حرف الواو
وإدریس، وجعل من ذرية نوح إبراهيم، و
وجعل من ذرية إبراهيم إسماعيل وإسحاق،
وجعل من ذرية إسرائيل موسى وهارون
وزكريا ويحيى وعيسى، وقال تعالى عن
نوح وإبراهيم عليهما السلام: ﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ
وَالْكِتَبَ﴾ [الحديد: ٢٦].
وقال عن إبراهيم: ﴿وَجَعَلْنَا فِ ذُرِيَّتِهِ
النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧
وكون النبوة في ذرية هؤلاء الأنبياء عليهم
السلام فهو نوع من أنواع الوراثة في الدين،
وليس المراد بالإرث هنا إرث الاستحقاق،
وإنا هو إرث خاص بالنبوة يهبه الله تعالى
لمن يشاء من عباده من ذريته من اصطفاهم
جل وعلا.
ولذا فإن زكريا عليه السلام حين خشي
ألا يكون من عصبته من يكون صالحًا
لوراثة العلم والنبوة، وكان يرجو أن يكون
من ذريته من يخلفه في ذلك دعا ربه فقال:
﴿وَ إِّ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ
أَمْرَأَتِ عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (٥)
يَرِثُنِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
[مريم: ٥ - ٦].
والوراثة التي كان يرجوها عليه السلام
هي وراثة النبوة والدين (١).
(١) جماهير المفسرين على أن الوراثة هنا وراثة
النبوة والدين، واختلفوا هل يدخل في ذلك
وراثة المال كذلك أم لا، وقد لخص ابن
قال البغوي: ((والمعنى: أنه خاف تضييع
بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما كان
شاهده من بني إسرائيل من تبدیل الدین وقتل
الأنبياء، فسأل ربه وليا صالحا يأمنه على أمته
ویرث نبوته وعلمه لئلا یضیع الدین»(٢).
وكما أجاب الله دعاء زكريا عليه السلام
فقد أنعم الله على سليمان بأن ورث النبوة
من أبيه دون سائر ولده، فقال تعالى:
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدٌ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا
مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوِنَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهَوَ الْفَضْلُ
الْمُبِينَ
[النمل: ١٦].
مما يبين أن وراثة النبوة فضلٌ يهبه الله
لمن يشاء، فقد خصه الله بها دون سائر ولد
الجوزي هذه الأقوال فقال: وفي المراد بهذا
الميراث أربعة أقوال: أحدها: يرثني مالي،
ويرث من آل يعقوب النبوة، أخرجه عكرمة
عن ابن عباس، وبه قال أبو صالح. والثاني:
يرِثني العلم، ويرث من آل يعقوب الملك،
فأجابه الله تعالى إلى وراثة العلم دون الملك،
وهذا مروي عن ابن عباس أيضًا. والثالث:
يرثني نبوتي وعلمي، ويرث من آل يعقوب
النبوة أيضًا، قاله الحسن. والرابع: يرثني
النبوة، ويرث من آل يعقوب الأخلاق.
انظر: زاد المسير ١١٨/٣.
ويرجح البغوي ٢١٩/٥ وابن كثير ٢١٢/٥
والشنقيطي أن وراثة المال غير داخلة في
مفهوم الآية، وعلى فرض دخولها فلا تنافي
بينها وبين حديث: ( لا نورث ما تركناه
صدقة) فيكون ذلك من خصائصه التي أكرمه
بها.
انظر: فتح الباري، ابن حجر ١٢ / ٩.
(٢) معالم التنزيل ٢١٩/٥.
٥٢
جَوَسُور
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
الوراثة
أبيه، ولذا قال بعدها: ﴿إِنَّ هَذَا لَهَوَ الْفَضْلُ
الْمُِّينُ﴾ وقال قبلها: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى
[النمل:
١٥
فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
١٥].
٢. وراثة الكتاب والعلم.
لما كان الدين قائمًا على الرسل وعلى
أتباع الرسل وكانت النبوة فیمن اجتبی الله
واختار من عباده، فكانت وراثة الكتاب
لأتباع الرسل ومن يخلفهم دون وراثة النبوة.
ولما كانت وراثة النبوة اصطفاء واختيارًا
من الله تبارك وتعالى، فقد جعل وراثة العلم
والكتاب اختبارًا وابتلاء، ليعلم الله تبارك
وتعالى، من يأخذ عن الأنبياء حمل هذا
الدین بقوة وحق ومن یفرط فيه ویضیعه، فإن
ضيعوه كانوا أبعد الناس عنه، وإن حفظوه
وقاموا به كان أحق الناس به وشملهم
الاصطفاء الذي جاء في قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَتَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ
عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٣٣].
عِمْرَانَ﴾ تشمل من اتبع هؤلاء الأنبياء
بإحسان فيكون من ورث الكتاب بحق من
المصطفين من أتباع الأنبياء.
والآيات التي جاء الحديث فيها عن وراثة
الكتاب تدل على هذا المعنى، فقد قال تعالی
عن بني إسرائيل بعد ذکر خبر نبي الله موسى
وهارون عليهما السلام: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ
خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُ بَأْخُذُوهٌ أَلَّـ
يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا
الْحَقِّ وَدَرَسُواْ مَافِيَةٍ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ
يَّقُونُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٦٩].
فيخبر الله تعالى عن قوم خلفوا من
قبلهم ورثوا الكتاب، أي: انتقل إليهم انتقال
الميراث، من سلفٍ إلى خلف(١).
فعهد الله إليهم بهذا الكتاب عملًا
وتطبيقًا، ولكنهم خالفوا ذلك واستبدلوا
الذي هو أدنى بالذي هو خير فكانوا خلف
سوء، كما قال قتادة: ((والله لخلف سوء،
ورثوا الکتاب بعد أنبیائھم ورسلھم، ورثهم
الله وعهد إليهم، فتمنوا على الله أماني وغرة
يغترون بها، لا يشغلهم شيء عن شيء، ولا
ينهاهم شيء عن ذلك، كلما هف لهم شيء
من أمر الدنيا أكلوه، ولا يبالون حلالا كان
أو حراما)» (٢).
وهذا هو معنى قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا
إذ إن ((الآل: في ﴿وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ الْأَرْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ.
يَأْخُذُوهُ﴾.
وقال ابن زيد: ((﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا
الاثنى﴾ قال: الکتاب الذي کتبوه، وإن یآتهم
المحق برشوة، فيخرجوا له كتاب الله ثم
يحكموا له بالرشوة. وكان الظالم إذا جاءهم
(١) انظر: معالم التنزيل ٢٩٦/٣، زاد المسير
١٦٥/٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٨/٣.
www. modoee.com
٥٣
حرف الواو
برشوة أخرجواله المثناة، وهو الكتاب الذي الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما
يخلع اللباس.
کتبوه، فحكموا له بما في المثناة بالرشوة،
فهو فيها محق، وهو في التوراة ظالم، فقال
الله: ﴿أَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ اَلْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ
عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَانِيةٍ﴾))(١).
فهذا صنف من الأصناف الذين ورثوا
الكتاب فضلوا وحادوا ولم ينفعهم ذلك
الميراث شيئًا مع شرفه وفضله، والسياق
في هذه الآيات يتحدث عن بني إسرائيل،
ولشناعة هذا الأمر وقبحه أمر الله نبيه أن
یقص قصة رجل ورث الکتاب و آتاه الله آياته
فانسلخ من هذا الميراث عياذا بالله، فقال
تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ مَايَدِنَا
فَأَفْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ
اَلْفَاوِينَ { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ:
أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَةٌ فَثَلُهُ كَمَثَلِ
اَلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكُهُ
يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَتِنَّاً
فَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
[الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
فبعد أن علمه الله الكتاب فصار العالم
الكبير والحبر النحرير انسلخ من الاتصاف
الحقيقي بالعلم بآيات الله الذي يصير
صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن
الأعمال،، فترك کتاب الله وراء ظهره، ونبذ
(١) جامع البيان، الطبري ٥٣٩/١٠.
جوسين
القرآن الكريمِ
فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان، أي:
تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين،
وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي
أزَّا بعد أن كان من الراشدين المرشدين،
وهذا لأن الله تعالى خذله ووكله إلى
نفسه، ولكنه فعل ما يقتضي الخذلان،
فأخلد إلى الأرض، أي: إلى الشهوات
السفلية والمقاصد الدنيوية. واتبع هواه بترك
طاعة مولاه (٢).
والآية وإن كان الحديث فيها عمن جاء
من بني إسرائيل ممن أوتوا التوراة إلا أن
حکمها عامٌّ فیمن ورث کتاب الله فضیعه.
ولذا حکی ابن الجوزي في قوله: (ورثوا
الكتاب) ثلاثة أقوال:
الأول: أنه التوراة.
والثاني: الإنجيل.
والثالث: القرآن (٣).
وقال ابن كثير بعد أن ذكر أن المراد
وهذا بلا شك أنموذج في غاية السوء بالكتاب أنه التوراة: ((وقد يكون اللفظ أعم
من ذلك))(٤)
ولذا قال الله تعالى عن اليهود والنصارى
محذرًا أتباع النبي صلى الله عليه وسلم من
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن بتصرف ص
٣٠٩.
(٣) زاد المسير ١٦٥/٢.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٤٩٨/٣.
٥٤
الورطاعة
الوقوع فيما وقعوا فيه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِقُوا
اَلْكِتَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مُرِبٍ
:[الشورى: ١٤].
أما الصنف الآخر من الذين يرثون
الكتاب فقد جاء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
فَمِنْهُمْ ظَالٌِّ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ
سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
الْكَبِيرُ ﴾﴾ [فاطر: ٣٢].
وهذا الصنف من الذين ورثوا الكتاب
فعملوا بما ورثوا وما أوتوا - على تفاوتٍ
بينهم - فأخبر الله تعالى أنهم من أهل
الاصطفاء.
وفي ذلك يقول السعدي: ((فكلهم
اصطفاه الله تعالى لوراثة هذا الكتاب، وإن
تفاوتت مراتبهم وتميزت أحوالهم، فلكل
منهم قسط من وراثته، حتى الظالم لنفسه،
فإن ما معه من أصل الإيمان وعلوم الإيمان
وأعمال الإيمان من وراثة الكتاب، لأن
المراد بوراثة الكتاب وراثة علمه وعمله،
ودراسة ألفاظه، واستخراج معانیه))(١).
وقد جاءت الوراثة في سياق التكريم
بأن نسب الله الإيراث لنفسه جل وعلا،
فهو الذي أورث، بخلاف السیاق في سورة
الأعراف والشورى، وفي هذا تكريم لأمة
محمد وبيان للصورة التي ينبغي أن يكونوا
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٨٩.
عليها، ومع التفاوت الموجود بينهم، شريطة
أن لا يرتكسوا في الهاوية ویستبدلوا عرض
الدنيا بكتاب الله وينسلخون مما آتاهم الله،
وفي ذلك يقول سيد قطب ((وهي كلمات
جديرة بأن توحي لهذه الأمة بكرامتها على
الله كما توحي إليها بضخامة التبعة الناشئة
عن هذا الاصطفاء وعن تلك الوراثة. وهي
تبعة ضخمة ذات تکالیف، فهل تسمع الأمة
المصطفاة وتستجيب؟!))(٢).
وقد عد الشنقيطي هذه الآية من أرجى
الآيات في القرآن الكريم حيث قال: ((ثم
إنه تعالى بين أن إيراثهم الكتاب هو الفضل
الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميع بجنات
عدن وهو لا يخلف الميعاد في قوله:
وجَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا
يَمَشُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ والواو في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾
شاملة للظالم والمقتصد والسابق على
التحقيق، ولذا قال بعض أهل العلم: حق
لهذه الواو أن تكتب بماء العينين، فوعده
الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه
الأمة، وأولهم الظالم لنفسه، يدل على أن
هذه الآية من أرجى آيات القرآن)» (٣).
وهكذا کل من ورث الكتاب فقام به حق
قيام كان له الفضل الكبير والأجر من الله،
ولقد أثنى الله على من ورث الكتاب من بني
(٢) في ظلال القرآن ٢٩٤٤/٥.
(٣) أضواء البيان ٤٨٩/٥.
www. modoee.com
حرف الواو
إسرائيل فحفظ هذا الميراث فقال: ﴿ وَالَّذِينَ
يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ
﴾ [الأعراف: ١٧٠].
أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ
وبهذا يتبين أن وراثة الكتاب لغير الأنبياء
إنما هي وراثة اختبار وابتلاء، فمن ضيعها
ضيعه الله، ومن حفظها وعمل بما ورث من
هذا العلم فهو من المصطفين من عباده.
وفي ختام هذا النوع نلحظ أن الآيات
التي جاء الحديث فيها عن وراثة الدین تدعو
إلى مايلي:
أن الله تعالى سمى أخذ الكتاب والعلم
ميراثًا، وهذا الاسم يستدعي المحافظة
على هذا العلم وعدم التفريط فيه بلا
شك.
اتباع سنن الأنبياء وهديهم الذين
اجتباهم الله واصطفاهم لحمل
رسالته، ولما ذكر الله في سورة الأنعام
الأنبياء وذريتهم ممن أورثهم النبوة
والكتاب قال: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فَبِهُدَ لُهُمُ أَقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠].
أن العبد كما يحرص أن يترك ورثته
أغنياء فليحرص أن يترك ورثته على
دين وصلاح فيرثون الخير والصلاح
والعبادة وهكذا تكون ذريته أهل دین
وصلاح، فهذا نبي الله زكريا يقول:
﴿﴿وَ إِ خِفْتُ اَلْمَوَلِىَ مِنْ وَرَآَِّى
وَكَانَتِ أَمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن
لَّدُنكَ وَلِيًّا ٥ يَرِثُّبِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ
يَعْقُوبِّ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
[مريم: ٥- ٦]، فكان حرصه عليه السلام
أن يكون من ورثته ذرية صالحة طيبة.
والذي يتأمل آيات القرآن يرى أن الدعاء
للذرية حاضر في القرآن، كما جاء من
دعاء الأنبياء والصالحين في القرآن
الكريم، والملاحظ في هذه الآيات أن
الدعاء للذرية شمل الذرية القريبة ومن
يأتي بعدهم، وهذا تأكيد على أن العبد
يرجو من ربه أن تستمر ذريته في وراثة
الصلاح والتقوى وعمارة الأرض بما
يحبه الله ويرضاه.
أن وراثة الدين بعد النبوة لیست تشريفًا
محضًا، وإنما هو ابتلاء واختبار،
فليست القضية بالتمني، فالدعاوى
ما لم يصدقها العمل تغدو هباءً، ولذا
قال تعالی مخاطبًا عامة الناس: ﴿لَّْسِ
بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِّ أَهْلِ الْكِتَبُ
مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ
مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢) وَمَنْ
يَعْمَلْ مِنَ الصََّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ
أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَيْكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (٢) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا
مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ
مِلَّةَ إِبْرَهِيمٌ حَنِيفًا وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ
خَلِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٢٣ - ١٢٥].
٥٦
مُوسُو ◌َةُ النَّفِيَّة
جوبيبو
القرآن الكريمِ
الوراثة
وهذه الآية قاطعة أن المعيار الحقيقي
هو اتباع ملة إبراهيم حنيفاً، وهذا هو
معنى وراثة الدين على الحقيقة، لا
المحاجة في دین إبراهيم وأن يدعي کل
فريق أن إبراهيم عليه السلام كان منهم.
ومن الادعاء في وراثة الدين والكتاب
دراسة مسائله دراسة ظاهر دون العمل به
والتمسك بما فيه، ولذا بين الله أن حقيقة
الوراثة هو الاستمساك بالكتاب لا دراسته
فقط فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَبِ أَنْ
لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ وَالنَّارُ
اَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
[الأعراف: ١٦٩].
«فهم درسوا هذا الكتاب وعرفوا ما فيه!
بلى! ولكن الدراسة لا تجدي ما لم تخالط
القلوب. وكم من دارسين للدين وقلوبهم
عنه بعید. إنما يدرسونہ لیتأولوا ويحتالوا،
ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويجدوا
المخارج للفتاوى المغرضة التي تنيلهم
عرض الحياة الدنيا، وهل آفة الدين إلا
الذين يدرسونه دراسة ولا يأخذونه عقيدة
ولا يتقون الله ولا يرهبونه؟!))(١).
أما التشريف الحقيقي: أن تكون وراثة
الدین وراثة حقيقية بالاستمساك به والعمل،
وهذا ظاهر من اللفظ القرآني حيث حذف
الفاعل حين جاء الحديث في سياق الذم
(١) في ظلال القرآن ١٣٨٧/٣.
لمن ورث الکتب و لم يعمل به كما في سورة
الأعراف: ﴿وَرِثُواْ الْكِنَبَ﴾ وفي سورة
الشورى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِثُوا الْكِنَبَ ﴾
[الشورى: ١٤].
ولما جاء الحديث فى سياق المدح جاء
ذكر الفاعل كما في آية سورة فاطر:
أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ﴾ [فاطر: ٣٢](٢)
ثُمَّ
تذكر الدار الآخرة من أعظم ما يعين على
وراثة الدين، وقد ختم الله جل وعلا الآية
السابقة بقوله: ﴿وَالنَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
يَتَّقُونُ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
وكما ذكر ابن القيم في معرض حديثه
على الذي آتاه الله الآيات فانسلخ منها:
((إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه
عن الله والدار الآخرة)»(٣).
ويقول سيد: (( لا شيء يثبت على الغير
والأحداث وتقلبات الأحوال في هذا
الخضم الهائج وفي هذه المعركة الكبرى إلا
اليقين في الآخرة، وإنها خیر للذين يتقون،
ويعفون، ويترفعون، ويثبتون على الحق
والخير في وجه الزعازع والأعاصير والفتن،
ويمضون في الطريق لا يتلفتون مطمئنين
واثقين، ملء قلوبهم اليقين)) (٤).
٢. وراثة الأرض.
(٢) انظر: التفسير القيم ص ٦٢٠.
(٣) التفسير القيم ص ٢٩٠.
(٤) في ظلال القرآن ١٣٨٨/٣.
www. modoee.com
٥٧
حرف الواو
سبق الحديث عن الوراثة في حقِّ الله
تعالى، وأنَّ لله تعالى ميراث السماوات
والأرض كما في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
وإذا كان الله جلَّ وعلا هو وارث أملاك
الخلائق بعد فنائهم، وكلُّ ما في الأرض
صائر إليه، فالله تعالى هو مالكها من حيث
الابتداء، وهو يورثها من يشاء من عباده،
ولذا قال تعالى: ﴿إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا
مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
وردت في القرآن إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تملك الكافرين والظالمين
واستخلافهم.
وقد جاءت الإشارة إلى ذلك في قوله
تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ اْأَرْضَ مِنْ
بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ
١٠٠
وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَاً وَلَقَدْ جَآءَتُهُمْ
رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا
كَذَّبُواْ مِن قَبْلُّ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ
﴾ [الأعراف: ١٠٠ - ١٠١].
الْكَفِرِينَ
والآية وإن كانت عامة فالسياق يدل على
أنهم خلف سوء، ولذا ختمت الآية بقوله:
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِ اَلْكَفِرِينَ
وقال السدي: أولم يتبين للذين
يرثون الأرض من بعد أهلها هم المشركون
(١)، وكما قال تعالى في حديثه عن الظالمين:
﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ
وَضَرَ بْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ﴾ [إبراهيم: ٤٥].
وقد تضمنت الآية معنى الوراثة بلا شك،
فدلت الآيات على ما يحصل من تسلط
الكافرين والظالمين في هذه الأرض، وقد
قصَّ الله تعالى علينا من قصصهم في القرآن
ما فيه عبرة وتذكرة للمعتبرين.
ومن الأمثلة التي ضربها الله وقصها
ومن ثَمَّ يمكن تقسيم وراثة الأرض كما وصرفها في القرآن علو فرعون وتكبره،
فقد أخبر الله تعالی عن شدة عتوه أن قال:
﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ، قَالَ يَقّوْمِ أَلَيْسَ لِ
مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْبِىّ أَفَلَا
تُبْصِرُونَ ﴾ [الزخرف: ٥١].
ولذا قال تعالى مبينا شدة ظلمه:
﴿إِنَّ
فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
يَسْتَضْعِفُ طَآَيِفَةً مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَآءُ هُمْ وَيَسْتَخِْء
نِسَآءَ هُمَّ إِنَّهُ, كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
٤
[القصص: ٤].
لقد بلغ من عتۇ فرعون وعلوه في الأرض
من درجات الإفساد أشدها وأعظمها ومن
تلك المفاسد:
أولًا: التكبر والتجبر؛ فإنه مفسدة نفسية
عظيمة تتولد منها مفاسد جمة من احتقار
الناس والاستخفاف بحقوقهم وسوء
(١) جامع البيان ٣٣٥/١٠.
٥٨
جَوَبُو
القرآن الكريمِ
الورطاعة
معاشر تهم وبث عداوته فیهم.
ثانيًا: أنه جعل شعبه شيعًا، فقرب بعضهم
وأبعد بعضهم، وتولدت بينهم مفاسد عظيمة
من الحقد والحسد والوشاية والنميمة.
ثالثًا: أنه جعل طائفة من أهل مملكته
في ذلِّ وصغار واحتقار، عذبهم ونكل بهم
ومنعهم من حقوقهم وجعلهم عبيدًا للطائفة
المقربة لديه.
رابعًا: اجتهد في قتل أطفال الطائفة
المعذبة من الذكور حتى لا يكون لبني
إسرائیل قوة من رجال قبیلتهم وحتی یکون
النفوذ في الأرض لقومه خاصة.
خامسًا: كان يستحيي النساء، أي: يستبقى
علی حیاة الإناث من الأطفال حتى يصبحن
بغایا إذ ليس لهن أزواج، وكان قوم فرعون
یحتقرونھن ویأنفون أن يتزوجوا بهن، ولم
بيق لهن حظّ من رجال القوم إلا قضاء
الشهوة، فانقلب استحياء البنات إلى مفسدة
عظيمة تصل إلى منزلة تذبيح الأبناء(١).
إن هذا مثال صارخ لنوع من وراثة
الأرض، ولكنها وراثة بالظلم والقهر
والإفساد في الأرض والقتل والبغي بغير
الحق و وبما لا يرضي الله تعالى فكان
جزاؤهم كما أخبر الله: ﴿فَأْتَقَمْنَا مِنْهُمْ
فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ أَلْيَمِّ ◌ِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَكَانُواْ
﴾ [الأعراف: ١٣٦].
عَنْبَا غَفِلِينَ
(١) انظر: التحرير والتنوير ٦٨/٢٠.
ضربة واحدة، فإذا هم هالكون، ومن
التعالى والتطاول والاستكبار، إلى الهوي
في الأعماق والأغوار، جزاء وفاقا بأنهم
كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (((٢) وهذا
جزاء كل وارث يبدل دين الله، ويظلم الناس
ويقتلهم.
توريث المستضعفين
القسم الثاني:
وتملیکھم.
وهذه من سنن الله في وراثة الأرض کما
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ
لَمُخْرِحَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَ فِي
مِلَتِنَا فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ رَبُهُمْ لَتُلِكَنَّ الظَّالِينَ
﴿ وَلَنُسْكِنَتْكُمُ اْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ
لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ ﴾ [إبراهيم:
١٣ - ١٤].
فلا يمكن للظلم أن يستمر، ومهما
طال الظلم وانتفش، فقد اقتضت سنة الله
أن يورث الأرض من بعده من وقع عليهم
الظلم وذاقوا ويلاته.
وقد أخبر الله تعالى عن إرادته التي لا
راد لها أنه سيورث الأرض من بعد فرعون
﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلى
لبني إسرائيل فقال:
الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَجَعْمَلَهُمْ أَيِمَّةً
وَجْعَلَهُمُ الْوَِّثِنَ ا وَتُمَكِّنَ لَمْ فِي الأَرْضِ
وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا
[القصص: ٥ - ٦].
كَانُوا يَحْذَرُونَ
(٢) في ظلال القرآن، بتصرف ١٣٦٠/٣.
www. modoee.com
٥٩
حرف الواو
لقد كان بنو إسرائيل ينتظرون هذه الوراثة
ويترقبونها، فمما کانوا یتدارسونه في قول
إبراهیم الخلیل علیه السلام حین ورد الديار
المصرية وجری له مع جبارها ما جری حین
أخذ سارة ليتخذها جارية فصانها الله منه
ومنعه منها بقدرته وسلطانه، فبشر إبراهيم
علیه السلام ولده أنه سیولد من صلبه وذريته
من يكون هلاك مصر على يديه ومع هذا
الوعد الذي كانوا يتناقلونه ومع خروج نبي
الله موسى بينهم كان العذاب والاضطهاد
والإيذاء الذي يجدونه من فرعون يكاد
ينسيهم هذا الوعد، حتى قال لهم موسى
عليه السلام مذكرًا ومصبرًا: ﴿أَسْتَعِينُواْ
بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾
[الأعراف: ١٢٨].
فما كان منهم إلا أن قالوا: ﴿أُوْذِينَا
مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَأَ
قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ
وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ
تَعْمَلُونَ ﴾﴾ [الأعراف: ١٢٩].
وتأمل قوة يقين موسى عليه السلام وفقهه
السني، فهو لا يحمل هم وراثة الأرض
والاستخلاف، فهو وعد الله جل وعلا،
إنه يحمل هم العمل بعد وراثة الأرض، إنه
یحمل هم التمکین بعد التوريث، ولذا قال
لهم: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
٢٩
ويستمر الاضطهاد والتعذیب حتى يأتي
وعد الله ويتحقق ما أراد الله: ﴿وَأَوْرَثْنَا
اَلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِفَ
الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا أَلَتِى بَرَكْنَا فِيَهَا وَتَمَّتْ
كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِّ إِسْرَّهِ يلَ بِمَا صَبِّرُواْ
وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ, وَمَا
كَانُواْ يَعْرِشُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٣٧].
أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة
لآل فرعون، يسومونهم سوء العذاب(١)،
وكما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَهُمْ مِنِ جَنَّتٍ وَعُونِ
﴾ وَكُنُزٍ وَمَقَامٍ كَرِيٍِ ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِّ
إِسْرَوِيلَ ﴾ [الشعراء: ٥٧-٥٩].
وقد جاء الحديث عن بعض مظاهر هذه
الوراثة في مثل قوله تعالى: ﴿يَبَنِيّ إِسْرَّوِيلَ
قَدْ أَنْيَّنَكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَعَدْنَكُوْ جَانِبَ اُلُورِ الْأَيْمَنَ
وَفَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيْبَتِ
مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَواْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ
وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِىِ فَقَدْ هَوَى { وَإِ
لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى
﴾ [طه: ٨٠-٨٢].
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَهُمْ أَقْنَىْ عَشْرَةَ
أَسْبَاطًا أُمَمَّاً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَنُهُ
قَوْمُهُ: أَنِ أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ
فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْئًاً قَدْ عَلِمَ
كُلُّ أُنَاسِ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ
وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىِّ كُلُواْ مِنْ
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٣٠١.
٦٠
جوسى
القرآن الكريم
الوراثة
طِيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها))(١).
١٦٠
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[الأعراف: ١٦٠].
والذي يظهر من هذه الوراثة أنها وراثة
تمليك وتقلب، جزاء صبرهم وما لاقوه
من الأذى والاضطهاد، وهي كذلك وراثة
تمحیص وابتلاء كما هو ظاهر من تذييل
الآيات السابقة، وقد روى الطبري في ذلك:
(( أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل
مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، وإنما
ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في
حرب الجبابرة إذ قال لهم: ﴿يَقَوْمِ أَدْ خُلُواْ
اُلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَلَّتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا زَرْتَدُواْ
[المائدة :
عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِيُواْ خَسِينَ ﴾﴾
٢١].
إلى قوله: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا
أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاً
إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ ﴾ [المائدة: ٢٤].
فحرم الله جل وعز على قائل ذلك
فيما ذكر لنا دخولها حتى هلكوا في التيه
وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة،
ثم أهبط ذريتهم الشام، فأسكنهم الأرض
المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم
مع یوشع بن نون بعد وفاة موسى بن عمران.
فرأینا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه کتب
لهم الأرض المقدسة ولم يخبرنا عنهم أنه
من خلال ما سبق يتبين أن هذه الوراثة
وراثة تمليك وتقلب في البلاد لجيلٍ ذاق
الظلم والاضطهاد والاستضعاف، حتى
خرج من بوتقة العبودية وظلام الاستعباد
إلى رحابة الحرية ونور الاستخلاف، وهذه
نعمة وأي نعمة كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ
◌َّنَكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ
الْعَذَابِ يُذَ بِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَ كُمْ وَفِى
ذَلِكُمْ بَلَهٌ مِّن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
[البقرة:
٤٩
٤٩].
ولكن هذه الوراثة لا تؤهله بعد لوراثة
التمكين، لقد خرج من الاستعباد نعم ولكنه
خرج مثقلا بآثار الاضطهاد والاستضعاف،
وليس أفسد للنفس البشرية من الذل
والخضوع للطغيان طويلًا، ومن الحياة في
ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء
لتفادي الأخطار والعذاب والحركة في
الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم
للبلاء!
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب
طويلًا، فأورثهم الله الأرض ليمحصهم
ويهذبهم ويستصلح نفوسهم من هذه الآثار
حتی یکون فيهم أو منهم جيل الوراثة التي
يريدها الله، وهو النوع الثالث من أنواع
وراثة الأرض.
(١) جامع البيان ٢/ ٢٣.
www. modoee.com
٦١
حرف الواو
القسم الثالث: وراثة التمكين في الأرض.
وهذه الوراثة تفهم من عمومات الآيات
التي تحدث عن وراثة الأرض كقوله تعالى:
﴿وَزُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي
اَلْأَرْضِ وَغَجْعَلَهُمْ أَيِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ
[القصص: ٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِهُ وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ (٠١٢٨﴾ [الأعراف: ١٢٨].
النوع.
كما دل على هذا النوع قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَافِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ
اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ ﴿٥
[الأنبياء: ١٠٥].
أي: أرض العدو، یورثها الله المؤمنین
في الدنيا(١)، كما قال تعالى في مبينا نعمته
على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
ومبشرًا لهم بقوله: ﴿وَأَوْرَنَّكُمْ أَرْضَهُمْ
وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَعُوهَاً وَكَانَ اللّهُ
عَلَ كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢٧].
ومن الآيات الدالة على ذلك کذلك قوله:
﴿ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ مَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى
(١) انظر: أضواء البيان ٤/ ٢٥٠.
وفي الآية قول آخر تحتمله الآية: أن الوراثة
هي وراثة الجنة.
آرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُ مِنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَأْ
يَعْبُدُ ونَفِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ
ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [النور: ٥٥].
وحقيقة هذه الوراثة يبينها سيد قطب
بقوله: ((لقد استخلف الله آدم في الأرض
لعمارتها وإصلاحها، واستخدام الكنوز
والطاقات المرصودة فيها، والبلوغ بها إلى
الكمال المقدر لها في علم الله.
وفي الطريق لبلوغ ذلك التوازن والتناسق
فالوراثة عامة تشمل النوع الثاني وهذا تشيل (٢) كفة وترجح كفة، وقد يغلب على
الأرض جبارون وظلمة وطغاة، وقد يغلب
عليها همج ومتبربرون وغزاة، وقد يغلب
عليها كفار فجار يحسنون استغلال قوى
الأرض وطاقاتها استغلالا ماديا، ولكن
هذه ليست سوى تجارب الطريق، والوراثة
الأخيرة هي للعباد الصالحين الذين يجمعون
بين الإيمان والعمل الصالح، فلا يفترق في
كيانهم هذان العنصران ولا في حياتهم.
وحيثما اجتمع إيمان القلب ونشاط
العمل في أمة فهي الوارثة للأرض في أية
فترة من فترات التاريخ، ولكن حين يفترق
هذان العنصران فالميزان يتأرجح، وقد تقع
الغلبة للآخذين بالوسائل المادية حين يهمل
الأخذ بها من يتظاهرون بالإيمان، وحين
تفرغ قلوب المؤمنين من الإيمان الصحيح
(٢) أي: تخف كفة، تقول العرب: شال الميزان،
إذا ارتفعت إحدی کفتیه لخفتها.
انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١١/ ٢٨٢.
جَوَسُوع
القرآن الكريم
٦٢