Indexed OCR Text

Pages 41-54

نوح عليه السلام
وعنادهم عن قبول الحق والاستجابة له (١). فاحذروا أيها الكفار أن يصيبكم مثل ما
أصابهم، فتعجل عليكم العقوبة كما عجلت
عليهم، وليست هذه العقوبة إلا بسبب
ظلمهم لأنفسهم(٢).
وأخيرًا هذا نبينا خاتم الأنبياء والرسل
محمد صلی الله علیه وسلم، یذکر الكفار
من قريشٍ وغيرها بقول الله تعالى: ﴿أَلَمـ
بَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحِ
وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمٍ إِنْزَهِيمَ وَأَصْحَبٍ
مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَّفِكَتِ أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم
بِالْبَيْنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن
﴾ [التوبة: ٧٠].
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
والمعنى: لقد أتاهم خبر الأقوام الماضية
كيف أهلكهم الله عز وجل حين خالفوا أمره
وعصوا رسله، أمثال قوم نوح، فقد أهلكهم
بالطوفان، وعاد أهلكهم بالريح العقيم،
وثمود أهلكهم بالرجفة، وقوم إبراهيم
أهلكهم بسلب النعمة، وأهلك النمرود
ببعوضة، وقوم شعيب بعذاب يوم الظلة،
والمؤتفكات التي هي قرى قوم لوط أهلكها
الله تعالى بالخسف.
وخص الله تعالى ذكر إهلاك هؤلاء
الأقوام؛ لأن آثارهم باقية، وبلادهم الشام
والعراق واليمن قريبة من بلادهم الحجازية،
وكانوا يمرون عليها، ويعرفون أمرها، فإن
هؤلاء الأقوام أتتها رسل الله عز وجل
بالمعجزات الباهرات على صدقهم في
دعوتهم، ولكنهم كذبوهم وخالفوا أمرهم،
(١) انظر: أوضح التفاسير، محمد الخطيب،
٥٧٤/١.
وفي موضع آخر یسلي الله عز وجل
نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم - وهو
أشرف الخلق- بالأنبياء والرسل السابقين
الذين كذبهم أقوامهم ورفضوا الاستجابة
لدعوتهم، فيقول جل جلاله: ﴿وَإِن
يُكَذِّبُوَ فَقَدْ كَتَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ
وَثَمُودُ ، وَقَوْمُ إِّزْهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ () وَأَصْحَبُ
مَدْيَنٌ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ
فَكَاَيِّن
أَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ ®)
مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ
خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُّعَظّلَةٍ وَقَصْرٍ
مَّشِيدٍ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ
قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَانَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا
لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُالَّتِي فِ
الصُّدُورِ ﴾ [الحج: ٤٢- ٤٦].
والمعنى: لا تحزن يا أكرم الرسل على
تكذيب قومك لك، فلست وحدك الذي
كذبه قومه، فإن الأمم السابقة جميعهم قد
کذبوا أنبیاءهم ورسلهم، فکذب نوح وهود
وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى
-عليهم السلام أجمعين- فأمهلت هؤلاء
الأقوام حتى أخذتهم بعذاب الاستئصال،
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٣٨٢/٢.
www. modoee.com
٤٧

حرفالنون
فانظر يا سيد الرسل، كيف غيرت حياتهم
من العمار إلى الخراب! والآن أغفل أهل
مكة فلم يسافروا في تجاراتهم فتكون لهم
قلوب يعقلون بها ويعتبرون بها سنة الله
تعالى في الكون فيوحدوه؟! أو تكون لهم
آذان يسمعون بها أخبار النبي محمد صلى
الله عليه وسلم ؟ ثم أكد الله تعالى على
أن الأبصار لا تعمى، فليس الخلل في
حواسهم، بل هو في عقولهم عندما اتبعوا
أهواءهم، وانهمکوا في غفلتهم، واعتمدوا
في ذلك على تقليدهم الأعمى لدين آبائهم
وأجدادهم، وهي الأصنام والأوثان التي
كانوا يعبدونها من دون الله عز وجل (١).
نوح عليه السلام وابنه وزوجته
أولًا: نوح عليه السلام وابنه:
عندما أمر الله تعالى نوحًا عليه السلام
بصناعة السفينة؛ لینجیه والذين آمنوا معه من
العقاب الذي سوف يحل على المشركين
من قومه، نفذ نوح عليه السلام أمر ربه عز
وجل، وعندما انتهى من صناع أمره الله
تعالی أن یحمل فیھا ذکرًا وأنثی من کل نوع
من الحيوانات والطيور، وكذلك يحمل
فيها أهله المؤمنین معه، حينئذٍ نادی نوح
علیه السلام ابنه و کان کافرا؛ لیر کب معه في
السفينة، فلن ينجو اليوم أحدٌ من عذاب الله
عز وجل إلا من هو داخل السفينة، فحملته
الشفقة على مناداة ابنه؛ للركوب معه.
قال جل جلاله: ﴿وَنَادَى نُوعُ أَبْنَهُ.
وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَبُنَّ أَرْكَبِ مَّعَنَا وَلَا
تَكُنْ مَعَ الْكَفِرِينَ ﴾ قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ
يَعْصِمُفِىِ مِنَ الْمَآءِّ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ
اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ
:[هود: ٤٢ - ٤٣].
الْمُغْرَقِينَ (٤٢)
وكان هذا النداء قبل حدوث الغرق،
ولكن ابنه أجاب على هذا النداء الذي يحمل
معنى الرحمة والشفقة وعاطفة الأبوة، أجاب
بكل عنادٍ وتكبرٍ وصلف، فقال: سأحتمي
وأتحصن بجبل يمنعني ارتفاعه من وصول
الماء إلي. فرد عليه أبوه نوح عليه السلام
(١) انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي،
٧٥/٢.
٤٨
جوبيين
القرآن الكريم

نوح عليه السلام
بأن هذا اليوم لیس کأي يوم عادي، بل هو يسأل الله تعالى عن مصير ابنه الذي غرق،
قال عز وجل: ﴿وَنَادَىُّ نُوحٌ رَّبَّهُ، فَقَالَ رَبِّ
إِنَّأَبْنِىِ مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحَكُمْ
اَلَْكِينَ ﴾ [هود: ٤٥].
یوم قد حق فیه العذاب، وهو واقع لا محالة،
فليس هناك عاصم أو مانع من نفاذ أمر الله
جل جلاله إلا من قدر الله تعالى له الهداية
من قبل فكان من المؤمنين، وفي أثناء هذا
الحوار بين الأب وابنه بدأ الماء بالارتفاع
حتى حال الموج بينهما، فتعذر على نوح
علیه السلام إقناعه بالرکوب معه؛ ليخلص
وینجو من الغرق، فكان ابنه من ضمن من
أصابه الطوفان فغرق(١).
ويلاحظ من هذا أن ابن نوح کان عنده
عجب وغرور کبیر بنفسه، والعجب كما
عرفه الجرجاني بقوله: ((هو عبارة عن تصور
استحقاق الشخص رتبةً لا يكون مستحقًّا
لها)»(٢)، كما عرفه الإمام الغزالي فقال: «هو
استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان
إضافتها إلى المنعم»(٣).
فقد اغتر بنفسه، وأنه ابن نبي الله تعالى،
ولكن هذا النسب لم ينفعه؛ لأنه خلا من
الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح، وفي
المجتمع أناس کثیرون یزعمون أنهم أفضل
من العلماء والفقهاء، وهم جاهلون بکتاب
ربهم جل وعلا.
وبعد انتهاء هذا الحدث الجسيم دفعت
عاطفة الأبوة نبي الله نوحًا عليه السلام أن
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ٥٦٧.
(٢) التعريفات، ص ١٤٧.
(٣) إحياء علوم الدين، ٣٧١/٣.
أي: يا رب إن ابني هذا من أهلي الذين
وعدتني بنجاتهم عندما أمرتني بحملهم في
السفينة، وذلك عندما قال الله عز وجل:
﴿قُلْنَا أَحْمِلْ فِيَهَا مِن كُلِ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ
وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠].
فأجابه الله تعالى بقوله: ﴿قَالَ يَنُّوحُ إِنَّهُ
لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحٍ فَلَا تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ، عِلْمٌ إِنَّ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ
٤٦
[هود: ٤٦].
أي: يا نوح، إنه ليس من أهلك الذين
أمرتك بحملهم في السفينة؛ لإنجائهم،
والسبب في ذلك أنه كان يعمل أعمالًا غير
صالحة، فقد التزم الفساد منهجًا في حياته،
وتنكب عن طريق الهداية والصلاح.
ثم نهاه الله تعالى عن سؤال ما ليس له
به علم صحيح، فيكون من زمرة الجاهلين،
فيسألون الله تعالى إبطال حكمته وتقديره
في خلقه إجابةً لشهواتهم وأهوائهم.
وبعد هذا النهي الصريح طلب نوح عليه
السلام المغفرة من ربه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ
أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإلَّا
تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ
٤٧
[هود: ٤٧].
www. modoee.com
٤٩

حرفالنون
أي: يا رب، إني ألجأ إليك وأحتمي بك
من أن أسألك في المستقبل سؤالًا ليس لي به
علم، وإن لم تغفر لي ذنب هذا السؤال الذي
كان من باب شفقتي على ابني ومن باب
طمعي في رحمتك أکن من الخاسرين فيما
كان مني من محاولة إنجاء أبنائي كلهم (١).
ويلاحظ من هذا أن نوحًا عليه السلام
اجتهد فأخطأ؛ لذلك لم يقره الله تعالی علی
خطئه، بل عاتبه وأرشده إلى الاستغفار. وقد
يستعظم البعض نسبة الخطأ إلى الأنبياء،
متوهمين أن الخطأ هو الإثم، أو الانحراف
الذي يتنافى مع عصمة الأنبياء الثابتة لهم،
فليس المقصود بالخطأ هذا المعنى، بل
المقصود به هو عدم مطابقة اجتهاد النبي
لما هو الكمال الثابت في علم الله جل
جلاله(٢).
ثانيًا: نوح عليه السلام وزوجته:
تحدث القرآن الكريم عن امرأة نوح
عليه السلام في سياق الذم والإنكار لما
بدر منها، فقال الله عز وجل: ﴿ضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلًاٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَقْرَأَتَ
لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ
فَخَاتَتَاهُمَا فَوْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ الَّهِ شَيْئًا
وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّارِينَ
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٢/ ٤٠.
(٢) انظر: فقه السيرة النبوية، د. محمد سعيد
رمضان البوطي، ص ١٦٥.
[التحريم: ١٠].
وحقيقة الخيانة هي: ((عمل من اؤتمن
على شيء بضد ما اؤتمن لأجله بدون علم
صاحب الأمانة)) (٣).
وتفسير الآية ومعناها: أن الله عز وجل
ضرب مثلاً للذين كفروا في مخالطتهم
للمسلمين ومعاشرتهم، فإن هذه المخالطة
والمعاشرة لا تجدي عن الكافرين شيئًا،
ولن تنفعهم عند الله عز وجل إن لم تكن
قلوبهم مليئة بالإيمان بالله جل جلاله، وذکر
مثلًا على ذلك هما امرأتا نوح ولوط عليهما
السلام فكانتا زوجتين لنبيين، يصاحبانهما
في الليل والنهار، ويؤاكلانهما، ويعاشرانهما
أشد المعاشرة والاختلاط، ولكنهما خانتا
زوجيهما في الإيمان، حيث لم تؤمنا بنبوة
ورسالة زوجيهما.
فهذه العشرة والصحبة للنبيين لم تجد
عنهما شيئًا، ولم تدفع عنهما محذورًا؛
لأنهما كافرتان؛ لذلك قيل لهما: ﴿أُدْخُلًا
النَّارَ مَعَ الذَّاِخِلِينَ﴾. فلا يراد بالخيانة: الخيانة
الزوجية، فإن نساء الأنبياء جميعًا -وإن
كن كافرات- معصومات عن الوقوع في
الفاحشة؛ لحرمة أزواجهن الأنبياء (٤).
وذكر الرازي أن خيانة امرأة نوح ولوط
-عليهما السلام- كانت في نفاقهما
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١١٦/٢٤.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٨/ ١٧١.
القرآن الكريمِ

نوح عليه السلام
وإخفائهما الكفر، وكانتا تعينان قوميهما
على زوجيهما الرسولين، فامرأة نوح قالت
لقومه: إنه مجنون. وامرأة لوط كانت تدل
قومها على ضيوف زوجها؛ لفعل الفاحشة
بهم(١).
وأخيرًا يظهر من هذا المبحث أن عذاب
الله عز وجل وعقابه لا يمكن أن يدفع
بالوسيلة، لا بشفقة الأب على ابنه، ولا
بكون المرأة زوجة لنبي، بل يدفع بطاعة الله
جل جلاله وحده.
نوح عليه السلام والسفينة
إن دعوة نوح عليه السلام معرضةٌ الآن
للخطر والتهديد من قومه؛ فلهذا السبب
أوحى الله تعالی إلیه أنه لن يؤمن من قومك
إلا من قد آمن واستجاب. فلجأ نوح عليه
السلام متضرعًا إلى الله عز وجل شاكيًا
إياه ما أصاب دعوته، مناجيًا إياه أن ينصر
دعوة الحق، ويهلك الظالمين، فاستجاب
الله تعالى لنبيه نوح عليه السلام، وأمره
بصناعة الفلك قائلًا: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ
أَصْنَعِ الْقُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ
التَّنُورِّ فَأَسْلُكْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ
وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقُوَلُ مِنْهُمٌّ وَلَا
تُخَطِبْنِىِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ تُغْرَقُونَ ))
[المؤمنون: ٢٧].
أي: أوحى الله تعالى إليه صناعة
السفينة، والله تعالى حافظٌ له؛ لئلا يفسدها
علیه قومه. وأثناء صناعته لها كان نوح عليه
السلام يلاقي من قومه السخرية والاستهزاء،
فلم یبال بصنیعھم هذا ولم یکترث له، بل
ذكر لهم أنهم سوف يعلمون من الأولى
بهذه السخرية عندما يحل عليهم عذاب الله
عز وجل بالطوفان فيهلكوا ويغرقوا جميعًا.
وبهذا يعد نوح عليه السلام أول من صنع
السفينة؛ لذلك سخر منه قومه، ولو كان
(١) انظر: مفاتيح الغيب، ٥٧٥/٣٠.
www. modoee.com

حرفالنون
يصنع شيئًا عاديًّا معروفًا لما سخروا منه(١). للنار وليس للماء، فالتقى ماء السماء مع
وأعطاه الله تعالى علامةً يعرف بها ماء الأرض بأمر الله عز وجل بذلك، وكان
قد كتب هذا الأمر منذ الأزل عقوبةً لهؤلاء
الظالمين الطغاة(٤)، فقال تعالى مصورًا هذا
المعجزة: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَكَةِ بِمَّوْ مُنُّهَيٍِ (١)
وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْنَّقَى الْمَآءُ عَلَ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
إرادة الله عز وجل عند وقوع العذاب على
قومه، وهي فوران التنورالذي هو موضع
النار بالماء. حينئذٍ أمره الله تعالى إذا رأى
هذه العلامة أن يدخل في السفينة من كل
حیوان موجود في عصره فردین مزدوجین،
ذكرًا وأنثى؛ حتى لا ينقطع نسل ذلك
الحيوان. كما أمره أن يدخل في السفينة من
أهل بيته المؤمنين فقط، أما الكافرون منهم
فمحكومٌ عليهم بالغرق والهلاك لا محالة،
ويدخل كذلك الذين آمنوا معه وصدقوه من
قومه(٢).
وذكر الله تعالى أن سفينة نوح عليه السلام
كانت مملوءةٌ بالمؤمنين، والحيوانات
التي أمره الله تعالى بحملها معه (٣)، فقال:
﴿فَأَغْيَّنَهُ وَمَنْ مَّعَدُ فِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴾
[الشعراء: ١١٩].
وبعد أن تجهز نوح عليه السلام، واستعد
لأمر الله تعالى عندها أمر الله عز وجل
السماء أن تنزل المطر الكثير على غير العادة،
والأرض أن تتفجر كلها حتى التنور الذي لم
تجر العادة بوجود الماء فيه؛ لأنه موضع
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ٧٨٤٨/١٣.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٧/ ٤٦٥، مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي،
٨٧/٢.
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج، ٤ / ٩٥.
جَوْسُور
القرآن الكريم
(١٢ )
﴾ [القمر: ١١- ١٢].
أما نوح عليه السلام ومن معه فقد قال
الله تعالى في نجاتهم: ﴿وَحَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَح
وَدُسُرٍ ◌َ تَجْرِىِ يِأَعْيُنِنَا جَزَآءُ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ (
[القمر: ١٣ - ١٤].
أي: حمله الله تعالى ومن معه على
السفينة، ووصف الله تعالى طريقة صناعتها،
فهي ذات ألواح خشبية، مثبتة بالدسر، وهي
المسامير التي سمرت بها الألواح وشد بها
أسرها، ولكن مهما أحكمت هذه الألواح
بالمسامير، فإنه لا بد أن يظل بينها مسام،
ويتسرب منها الماء، فيؤدي إلى الغرق،
فکیف السبيل إلى تفادي ذلك خصوصًا في
تلك العصور البدائية؟! فقالوا: لا بد لصانع
الفلك أن یجفف الخشب جيدًا قبل تصنيعه،
فإذا ما نزل الخشب الماء يتشرب منه،
فیزید حجمه ویسد هذه المسام تمامًا، هذا
بالإضافة إلى ربطها بالحبال وضم بعضها
إلى بعض.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٨٢٥.
٥٢

نوح عليه السلام
فمن علم نوحًا هذه الأمور الدقيقة؟ إنه
الله جل جلاله، لم يترك نبيه يفعل ما يشاء
في صناعتها، إنما تابعه ولا حظه، ووجهه إلى
کیفیة صناعتها، وحدد له المواد المستخدمة
فيها(١).
وخلاصة القول: إن الله تعالى نجى
نبيه نوحًا عليه السلام والمؤمنين معه بهذه
السفينة التي صنعها بحفظ الله ورعايته،
وكانت أيضًا تجري بأمره، وترسو كذلك
بأمره، فلم يخافوا الغرق مع ما كان من
أمواج هائلة، جزاءً من الله تعالى لنوح عليه
السلام؛ لأنه هو المكفور به(٢).
وبعد هلاك الكافرين تمامًا أمر الله تعالى
الأرض والسماء فقال لهما: ﴿وَقِيلَ يَتَأَرْضُ
أَبْلَعِى مَآءَكٍ وَسَمَاءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ اَلْمَآءُ وَقُضِىَ
اُلْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ ﴾ [هود :٤٤].
والمعنى: أمر الأرض أن تبلع الماء الذي
عليها، وأمر السماء أن تقلع عن إنزال المطر،
فنقص الماء حتى ذهبت زيادته عن الأرض،
واستوت السفينة على جبل الجودي (٣).
ثم خاطب الله تعالى نوحًا عليه السلام
بقوله: ﴿فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ١٦/ ٩٩٩٦.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٦/ ١٣٣، أوضح التفاسير، محمد الخطيب،
٦٥٣/١.
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٤٧٤/٢.
٢٨
فَقُلِ الْمَدُ لِلَّهِ الَّذِى نَنَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[المؤمنون: ٢٨].
أي: إذا استقر بك المقام ويمن معك من
المؤمنين في السفينة فاحمد الله تعالى أنت
وهم أن أنقذكم ونجاکم من هؤلاء الكافرين
المشركين الظالمين (٤).
ثم أمره الله تعالى أن ينزل من السفينة
ويدعو الله عز وجل دعاءً مقرونًا بالثناء،
فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنِلْنِ مُنًَّا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ
﴾ [المؤمنون: ٢٩].
الْمُنْزِلِينَ
أي: أنزلني مكانًا تبارك لي فيه، وتعطيني
الزيادة فیه لخير الدارین، وأنت يا رب خير
من ينزل عباده الطائعين له المنازل الطيبة؛
لأنك تحفظه في سائر أحواله، وتدفع عنه
المكاره حسب ما تقتضيه حكمتك العلية (٥).
فنزل نوح عليه السلام بأمن وسلامة
من الله تعالى وخيرات وبركات كثيرة
عليه، فقال تعالى: ﴿قِيلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمِ
مِّنَا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن ◌َّعَنَّ وَأُمَّمٌ
سَتُمَّتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ()﴾
[هود: ٤٨].
ومن هذه الخيرات والبركات أن الله
تعالی جعل ذريته هي الباقية إلى يوم القيامة،
وهذه البركات أيضًا على ذرية أمم ممن كانوا
معه في السفينة. أما الأمم الكافرة، فسوف
(٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٣٥/١٨.
(٥) انظر: المصدر السابق ٣٦/١٨.
www. modoee.com
٥٣

حرف النون
يمتعها الله تعالى في الدنيا، ثم يجازيهم بطغيان الماء وتجاوزه حده في زمن نوح
علیه السلام حتى علا كل شيء وارتفع فوقه،
العذاب الأليم في الآخرة(١).
فنجاهم وحملهم في السفينة؛ ليجعل هذه
والحكمة من ذكر السفينة أن الله تعالى
جعلها علامةً على قدرته ووحدانيته، فهو
الأحق والأجدر بالعبودية، فقال جل جلاله:
﴿فَأَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْتَهَآ ءَايَةٌ
لِلْعَلَمِينَ ﴾ [العنكبوت: ١٥].
الحادثة عظةً للناس وعبرةً تدل على انتقام
الله تعالى ممن كذب رسله، فتحفظها أذن
واعية للمواعظ (٤)، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَاطَغًا
اَلْمَاءُ حَمَلْسَكُمْ فِي الْجَارِيَّةِ ﴾ [الحاقة: ١١].
أي: جعلها عبرة عظيمة لمن يعتبر. وفي
کونها آیة و جهان:
وإذا سأل سائلٌ: کیف یمتن الله عز وجل
على كفار مكة بحملهم في سفينة نوح عليه
الأول: أنها باقية على جبل الجودي مدة السلام؟ والجواب: أنه في نجاة الذين كانوا
في السفينة من المحمولين نجاة لذريتهم.
فكأن الله تعالى حمل المخاطبين من قريش
بحمل أولئك الناجين من هلاك الطوفان (٥).
طويلة.
الثاني: أن الله تعالى سلمها من الرياح
المزعجة.
فالضمير في (وجعلناها) إما راجع
إلى السفينة، أو إلى الواقعة أو الحادثة
التي اشتملت على نجاة المؤمنين وهلاك
الکافرین بالغرق(٢). وقال الماتريدي عند
تفسير قوله تعالى: ﴿ رَچى تَبْرِى پھِمْ فِی مَوْچ
كَالْجِبَالِ﴾ [هود: ٤٢].
((هذا يدل على أنها كانت آية؛ لأن
الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها،
فإذا أخبر أنها لم تمنع هذه من جريانها دل
أنه أراد أن تصير آية لهم))(٣).
وأخيرًا فإن الله تعالى يذكر الكافرين
في عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٤ /١٨١.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢٢٧/٤.
(٣) تأويلات أهل السنة، ٦/ ١٣٣.
(٤) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، ٤١٢/٣.
(٥) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
١٧١/١٠.
٥٤
جوبيع
القرآن الكريمِ

نوح عليه السلام
نوح عليه السلام والنبوة في ذريته
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ
وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ
٣٣
ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٌِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ
[آل عمران: ٣٣-٣٤].
وتم الحديث عن معنى الاصطفاء
ومسوغاته، وعن معنى قوله: ﴿ ذَرِيَة بعضها
مِنْ بَعْضِّ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾، أي: كان الأنبياء
والمرسلون من سلالة نوح عليه السلام،
وتتابع المختارون بعده (١).
وفي سياق الثناء على إبراهيم عليه السلام
من إعطائه الحجة الدامغة القوية التي أعطاها
الله تعالی إياه؛ لیلزم بها قومه ویقنعهم به،
فرفع بها درجته، حيث أعطاه النبوة التي
هي أعلى الدرجات، فقال عز وجل معددًا
نعمه على إبراهيم عليه السلام، حيث جعله
أشرف الناس، و الأنبياء والرسل من ذريته،
وأبقى له هذه الكرامة إلى يوم القيامة،
فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَاْ ءَاتَّيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى
قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ
عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ"
كُلَّا مَدَيْنَاً وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌُ وَمِن
ذُرِّيَّنِّهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوَبَ وَيُوسُفَ
وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ {
٨٤
[الأنعام: ٨٣-٨٤].
فقد وهب الله تعالى لإبراهيم عليه
السلام إسحاق، وجعله نبيًا، وجعل يعقوب
عليه السلام من ذرية إسحاق عليه السلام.
وقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾، أي:
هدینا جد إبراهيم عليه السلام، وهو نوح
عليه السلام، إلى مثل ما هدينا به إبراهيم
عليه السلام وذريته، فقد آتاه الله تعالى
النبوة والحكمة وهداية الخلق إلى الطريق
المستقيم، وإذا كان الله تعالى قد امتن على
إبراهيم عليه السلام بجعل النبوة في ذريته
فقد امتن علیه من قبل إذ أخرجه من أصلاب
آباء طاهرين كنوح عليه السلام وإدريس
عليه السلام، فإبراهيم عليه السلام من ذرية
نوح عليه السلام، فهو كريم الآباء شريف
الأبناء(٢). فإذا علم هذا فإن النبوة كلها قد
جعلت في ذرية نوح عليه السلام.
ويزيد هذا المعنى قوةً ما ورد في قوله
عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيمَ وَجَعَلْنَا
فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ فَمِنْهُمْ مُهَّْدٍ
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ ﴾ [الحديد: ٢٦].
أي: جعل الله تعالى النبوة والكتب
السماوية في أولاد كلٍّ من نوح عليه
السلام، وإبراهيم عليه السلام. فهودٌ وصالح
وشعيبٌ وإبراهيم ولوط من ذرية نوح عليه
السلام، وإسماعيل وإسحاق، وباقي الأنبياء
(١) انظر: التفسير المنهجي، فضل عباس، ٢/ ٤٤. (٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٨١/٧.
www. modoee.com

حرف النون
من ذرية إبراهيم عليه السلام (١).
وإذا كان إبراهيم عليه السلام من ذرية
نوح عليه السلام فإبراهيم وذريته كلها من
ذرية نوح عليه السلام.
الدروس المستفادة من قصة نوح
إن قصة نوح عليه السلام من القصص
القرآني الحق الذي قصه الله تعالى على نبيه
محمد صلی الله عليه وسلم، حيث قال:
﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَّا أَوْحَيْنَاً
إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ،
لَمِنَ الْغَفِلِينَ ﴾ [يوسف: ٣].
وهي تحمل الكثير من الهدايات والعبر
والمواعظ، ومنها:
١. نوح عليه السلام هو شيخ المرسلين،
فهو أول رسول شرع الله تعالى
على لسانه الشرائع وأحكام الحلال
والحرام.
٢. دلت قصة نوح عليه السلام على أنه
اعتنی في دعوة قومه بثلاثة عناصر:
الأول: الاستناد والركون إلى قوة الله
القوي العزيز.
الثاني: أمر قومه بعبادة الله تعالى وحده.
الثالث: أمر قومه بالإيمان باليوم الآخر
عندما خوفهم عذاب الله تعالی.
٣. إن الكفار دائمًا يرون المؤمنين في
ضلال، وأنهم هم الذين على الهدى
والصلاح. فقد نسبوا نوحًا عليه السلام
حین عرض دعوته علیهم إلى الضلال،
و کذبوه، وتمردوا علیه وعلی دعوته،
وأمعنوا في إيذائه، وأصروا على ما هم
(١) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري،
٢٧٨/٥.
٥٦
جوبيه
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

نوح عليه السلام
عليه من شرك.
٤. إن الغاية من بعثة نوح عليه السلام
-وكذلك الأنبياء عمومًا- هي تبليغ
رسالة الله عز وجل إلى القوم؛
ليخرجوهم من ظلمات الشرك إلى نور
الهداية.
٥. إن معاندة الكفار بما هم عليه من باطل
لنبيهم الذي هو على الحق والاستمرار
على الكفر موجبٌ للعذاب العاجل
والعذاب الأليم الذي ينتظرهم في
الآخرة.
٦. إن إعراض القوم عن قبول دعوة
الحق غالبًا هو ما كان عليه كبراؤهم
من الأشراف والسادة من الاستكبار
والاستعلاء على الضعفاء والفقراء
الذين يتبعون الحق، فليس هناك
ما يحجزهم أو يمنعهم عن اتباعه،
بخلاف الأشراف الذين يمنعهم جاههم
وسلطانهم وفقدان مناصبهم.
٧. إن الحق دائمًا أمره ظاهر وواضح
وجلي، بحيث لا يبقى لمن يعرفه مجال
الرأي والتفكير في قبوله. وهذا ما اتهم
أشراف القوم به ضعفاءهم.
٨. إن الهداية أمرٌ بيد الله عز وجل، لا
یملکه حتی الأنبياء، فلا يستطيع واحد
منهم إلزام قومه وإكراههم على قبول
دعوته.
٩. ليس لأحدٍ أن يحدد إذا ما كان أي
شخص يستحق الأجر والثواب من الله
تعالى أم لا، فليس الضعف أو الفقر
في المؤمن ينقص من ثوابه، فالميزان
الحقيقي الذي یوزن به الناس عند الله
عز وجل هو ميزان الإيمان والكفر.
١٠. إن ما اتصف به قوم نوح من العمى
والفسق والظلم وغيرها هي التي أدت
بهم إلى رفض دعوة نوح عليه السلام
مهما آتاهم من الأدلة والبراهين على
صدق دعوته مما أدى بهم إلى إهلاكهم
واستئصالهم.
١١ . الجدال نوعان: أحدهما محمود، وهو
أسلوبٌ استخدمه نوح عليه السلام في
عرض دعوته؛ لتقرير الأدلة، وإزالة
الشبهات التي يلصقها الكفار بنبوته
وبدعوته. أما الثاني فمذموم، وهو ما
استخدمه قومه؛ ليزينوا الباطل ويصير
حقًّا.
١٢. إن كل إنسان محاسب على نفسه، فإن
افترى في زعمه النبوة أو الرسالة-كما
یزعم الأعداء دائمًا- فإثمه يعود عليه،
وإن كان محقًّا وصادقًا فعليهم عقاب
تکذیبھم.
١٣. كانت سفينة نوح عليه السلام أول
سفينة على الأرض صنعها نوح عليه
السلام بحفظ الله تعالی ورعايته.
www. modoee.com
٥٧

حرف النون
١٤. السخرية خلقٌ مذموم، ومن آثاره
ومضاره أنها نذير شؤم للساخرين؛
لذلك کان الغرق عاقبة قوم نوح الذین
سخروا بنبيهم.
١٥. من رحمة الله عز وجل بخلقه نجاة
نوح عليه السلام والمؤمنين معه، ومن
فضله وكرمه أن حافظ على أصل الثروة
الحيوانية عندما أمره أن يحمل معه
في السفينة من كل زوجين اثنين، ذكرًا
وأنثى.
١٦. لا يعتبر سؤال نوح عليه السلام عن
مصير ابنه الهالك بالغرق معصية لله
تعالى، وإنما هو من باب الخطأ في
الاجتهاد، فعاتبه الله تعالى عليه وأمره
بالاستغفار.
١٧ . تعدرابطة الدين أقوى من رابطة النسب،
وأن أمر الهداية والصلاح ليس له علاقة
بالتفاخر بالنسب، ولا محاباة عند الله
تعالى في هذا الأمر لنبي أو ولي، وإنما
يجزيهم حسب أعمالهم التي كانت
في الدنيا، وليس بأنسابهم وتفاخرهم
بآبائهم وأجدادهم، فقد نجی الله تعالی
نوحًا عليه السلام وأهلك ابنه الكافر،
وكذلك زوجته الكافرة.
١٨ . في قصة نوح عليه السلام مع ابنه تسلية
للآباء الصالحين في فساد أبنائهم.
كاملة، تضمنت أركان التوبة الثلاثة،
وهي:
الركن الأول: الندم على ما فات، وهذا في
قوله: ﴿وَإِلََّ تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ
اُلْخَسِرِينَ﴾ [هود:٤٧].
الركن الثاني: الإقلاع عن الذنب، وهذا
مفهومٌ من قوله: ﴿وَإِلَّ تَغْفِرْلِىِ وَتَرْحَمْنِىّ
أَكُنْ مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾، فقد ندم على
سؤاله، وأقلع عن ذنبه؛ ولذلك طلب
المغفرة والرحمة من الله عز وجل.
الركن الثالث: العزم على الترك، وهذا في
قوله: ﴿إِنِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيَّسَ
◌ِ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود:٤٧].
فنوح عليه السلام يستعيذ بالله تعالى أن
يسأله مرة أخرى شيئًا في المستقبل.
٢٠. إن نعم الله تعالى من الأمن والسلامة
والبركات والخيرات هي لكل مؤمن
ومؤمنة إلى يوم القيامة. وفي المقابل
فإِن کل کافر و کافرة إلى يوم القيامة ليس
له إلا الانتفاع بمتاع الدنيا والتعذيب في
الآخرة.
٢١. تعد قصة نوح عليه السلام مع قومه من
الأخبار الغيبية التي غابت عن النبي
صلی الله عليه وسلم، ولكن الله تعالی
أطلعه عليها، وهذا من الأدلة على
صدق نبوته صلی الله عليه وسلم.
١٩. كان اعتذار نوح عليه السلام يمثل توبة ٢٢. لقد خاطب الله تعالى البشرية جمعاء
٥٨
القرآن الكريم

نوح عليه السلام
بأن تنضم تحت راية التوحيد والإيمان، ٢٧. الله جل جلاله هو الصمد الذي يلجأ
إليه عند الحاجة والضرورة، فلجأ إليه
نوح عليه السلام واستجاب له.
وذكرهم أنهم من ذرية نوح عليه
السلام، وقد كان عبدا شكورًا لله تعالى
على كل ما أنعم به عليه، فالأولى أن
تقتدي به البشرية فتكون مثله، ولا
تقتدي بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم
من الشرك والضلال.
٢٨. إن النعم التي أنعمها الله تعالى على
نوح عليه السلام كانت؛ لأنه كان
محسنًا، وعلة إحسانه أنه كان عبدًا لله
تعالی مصدقًا به موحدًا إياه.
٢٣. إن في قصة نوح عليه السلام مع قومه ٢٩. لا عذر للناس في تكذيب الرسل
والكفر بهم بعد أن أتوهم بالمعجزات
الباهرات والأدلة الواضحات على
صدقهم.
الهالكين وفي أمر السفينة أيضًا دلالات
واضحة على كمال قدرة الله جل
جلاله، وأنه لا يترك رسله و أنبياءه، بل
ينصرهم على أعداء دعوتهم. كما أن
الله تعالى يختبر الأقوام بإرسال الرسل
إليهم؛ ليميز الطائع من العاصي.
٢٤ .إن تعلم الصناعات مما رغب به الدين
وحث علیه، ولیست الحرفة عيبًا، إنما
هي شرف وعزة لصاحبها يستغني بها
عن ذل السؤال.
٢٥. شأن الظالمين الطغاة دائمًا اللجوء
إلى التهديد بالقتل عند نفاذ ذخيرتهم
من السب والشتم والاتهام بالباطل
والجدال المذموم.
٢٦. رسالات الأنبياء في القواعد والأصول
العامة للعقيدة والأخلاق واحدة، فهم
متعاونون متناصرون فيما بينهم، و کل
منهم يكمل رسالة الآخر في الدعوة
إلى التوحید.
٣٠. إذا جاء الموت فلا يستطيع أحد تأخيره.
فخوف نوح عليه السلام قومه؛ زجرًا
لهم عن حب الدنيا، وترغيبًا لهم في
توحيد الله تعالى والإيمان به.
٣١. استمر نوح عليه السلام في الدعوة
إلى التوحيد ما يقرب من ألف سنة، لم
يمل، ولم يكل، ولم يفتر عن الدعوة
ليلاً ونهارا، سرًا وجهرًا. كل هذا امتثالاً
لأمر الله تعالى بالتبليغ بكل ما يملك
من جهد و طاقة.
٣٢. سلك نوح عليه السلام في دعوة قومه
ثلاث مراتب، حيث بدأ بمناصحتهم
سرًّا، ثم ثنى بالمجاهرة للجميع، ثم
جمع بين الإسرار والإعلان، فهذه
سياسة ناجحة استنفذ فيها نوح عليه
السلام كل طاقاته، وهي تؤتي أكلها
www. modoee.com
٥٩

حرف النون
إذا ما تم التفاعل والتجاوب مع هذه
الدعوة من قبل المدعوين.
٣٣. إن الله تعالى وعد من يستغفره بخمسة
أشیاء: إنزال المطر، والإمداد بالأموال،
وكذلك بالبنين، وجعل الجنات
والحدائق، و کذلك الأنهار.
٣٤. لا تجوز الشكوى إلا لله تعالى وحده؛
لذلك شکا نوح عليه السلام قومه إلى
الله تعالى عندما يئس من إيمانهم.
٣٥. دعا نوح عليه السلام لنفسه، ولوالديه،
ولجميع المؤمنين والمؤمنات إلى يوم
القيامة.
٣٦. ينبغي الاستعانة بالله عز وجل، وذكر
اسمه عند الركوب والنزول، وفي
جميع الحركات والتقلبات، والإكثار
من حمد الله تعالی علی نعمه، وخاصة
عند نعمة النجاة من الكرب.
٣٧. وجوب الصبر على أداء التكاليف،
والصبر على أذى السفهاء والجهلاء،
والصبر في مواجهة الأعداء، والصبر
على صعاب الحياة كافة.
٣٨. الشجاعة في إبداء الرأي، والغيرة على
الحق، وأن الداعية يجب أن يكون
ماضيًا في دعوته، لا يثنيه عنها وعيدٌ أو
تهدید.
موضوعات ذات صلة:
آدم عليه السلام، إبراهيم عليه السلام،
الدعوة، عیسی علیه السلام، محمد صلى
الله عليه وسلم، موسى عليه السلام،
النبوة
٦٠
جَوَسُو
القرآن الكريمِ
قَضوري