Indexed OCR Text

Pages 21-24

النور
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ
بِشَايَتِنَا أُوْ لَكَ أَصْحَبُّ الْجَحِيمِ﴾.
فهذه الآيات جمعت أصناف الخلق،
المتصدقين، والصديقين، والشهداء،
وأصحاب الجحيم، فالمتصدقون الذين
کان جُلُّ عملهم الإحسان إلى الخلق، وبذل
النفع إليهم بغاية ما يمكنهم، خصوصا بالنفع
بالمال في سبيل الله. والصديقون هم الذين
كملوا مراتب الإيمان والعمل الصالح،
والعلم النافع، واليقين الصادق، والشهداء
هم الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة
الله تعالى، وبذلوا أنفسهم وأموالهم فقتلوا،
وأصحاب الجحيم هم الكفار الذين كذبوا
بآيات الله تعالى(١).
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٤٠.
النور في المثل القرآني
يتنوع المثل في القرآن الكريم إلى أنواع
ثلاثة مختلفة، ويمكننا أن نطبقها على لفظ
(النور):
أولًا: المثل الظاهر:
وهو المصرح به بلفظ المثل أو التشبيه،
كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى
أَسْتَوْقَّدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ, ذَهَبَ اَللَّهُ
يُورِهِمْ وَتَرَّكَّهُمْ فِى ◌ُلُمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:
١٧].
فقد ضرب فيها للمنافقين مثلين: مثلاً
بالنار، ومثلًا بالمطر.
أخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق
علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال هذا
مثل ضربه الله للمنافقين كانوا يعتزون
بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم
ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم
الله العَّ كما سلب صاحب النار ضوءه
﴿وَتَكَّهُمْ فِي نُظُلُمَتِ﴾ يقول: في عذاب،
﴿أَوْكَصَيِّبٍ﴾ هو المطر، ضرب مثله في
﴿وَرَعْدٌ
القرآن ﴿فِيهِ ظُلُمَتُ ﴾ يقول: ابتلاء
وَبْقُ﴾ تخويف ﴿ يَكَادُ الْرَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾
یقول: یکاد محکم القرآن يدلُّ على عورات
المنافقين ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْافِيهِ﴾ يقول:
كلما أصاب المنافقون في الإسلام عزًّا
اطمأنوا، فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا
www. modoee.com
٨١

حرف النون
ليرجعوا إلى الكفر، كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١](١).
ومثله أيضًا: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ
السَّمَوَنِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِهَا
مِصْبَاعُ الْمِصْبَاحُ فِ زُجَابَةِ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوَكَبُ
دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ
وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىُّ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ
نُورٌّ عَلَى نُورٍّ يَهْدِى اللَّهُ لِتُورِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ
اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسِِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:
٣٥].
ثانيًا: المثل الكامن:
وهو الذي لا يذكر فيه لفظ المثل صراحة،
وإنما يفهم من السياق، وتدل ألفاظه على
معنى المثل، كما في قوله تعالى: ﴿أُوَمَنكَانَ
مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى
النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فقد مثل المؤمن بالحيِّ مقابل الكافر
بالميت، وبين أنَّ هدي هذا الدين كالنور
يضيء للمارة في درب مظلم. فالمثل هنا
مفهوم من دلالة النص ومکنونه.
ثالثًا: المثل المرسل:
وهو الذي لم يصرح فيه بلفظ التشبيه، بل
هي ألفاظ من القرآن، جارية مجرى المثل،
كما في قوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ،
وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦].
(١) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ٤/ ٧٧٠.
فقد شبه النبي الكريم صلى الله عليه
وسلم ودعوته بالسراج المنير (٢).
ونختم باستعراض ما استجمعه الإمام
الفيروزآبادي في بصائره المميزة من
خصائص مختلفة جامعة لمفردة (النور)،
جاء فيها:
النور: الضياء والسناء الذى يعين على
الإبصار، وذلك ضربان: دنيوي وأخروي،
فالدنيوي ضربان: معقول بعين البصيرة،
وهو ما انتشر من الأنوار الإلهية: كنور
العقل، ونور القرآن، ومحسوس بعين
البصر، وهو ما انتشر من الأجسام النيرة:
كالقمرين، والنجوم، والنيرات.
فمن النور الإلهي، قوله تعالى: ﴿قَدْ
جَآءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ [المائدة: ١٥].
وقوله: ﴿نُورٌّ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن
يَشَآءُ﴾ [النور: ٣٥].
ومن النور المحسوس الذى يرى بعين
البصر نحو قوله: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].
وتخصيص الشمس بالضوء، والقمر
بالنور، من حيث إن الضوء أخص من النور،
وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾
[الفرقان: ٦١]. أي: ذا نور.
ومما هو عامٌّ فيهما قوله: ﴿ وَجَعَلَ اَلْقُلُمَتِ
وَالنُّورِ﴾ [الأنعام: ١].
(٢) مباحث في علوم القرآن، القطان ص ٢٩٠.
٨٢
الْقُرْآن الكَرِيْمِ

النور
وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾
[الزمر: ٦٩].
ومن النور الأخروي قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُم
بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢].
وسمى الله نفسه نورًا، من حيث
إنه المنور، فقال: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَّتِ
وَالْأَرْضِ﴾، وتسميته تعالى بذلك المبالغة
فعله، وقيل: النور هو الذي يبصر بنوره ذو
العماية، ویرشد بهداه ذو الغواية، وقيل: هو
الظاهر الذي به كل ظهور، فالظاهر في نفسه
المظهر لغيره يسمى نورًا. وسئل رسول الله
صلی الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال:
(نور أنی أراه!)(١)، أي: هو نور کیف أراه !.
وسئل عنه الإمام أحمد فقال: ما زلت منكرًا
له، وما أدري ما وجهه. وقال ابن خزيمة: في
القلب من صحة هذا الحديث شيء.
وقال بعض أهل الحكمة: النور جسم
وعرض، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض،
وإنما حجابه النور، وكذا روي في حديث أبي
موسی، والمعنی: کیف اری وحجابه النور!
أي: النور يمنع من رؤيته. وفي الحديث:
(اللهم اجعل في قلبي نورا)(٢)، وذكر سائر
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب قوله صلى الله عليه وسلم: (نور أنى
أراه)، رقم ١٧٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه بالليل، رقم
٦٣١٦، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة
الأعضاء، والمعنى: استعمل هذه الأعضاء
مني في الحق، واجعل تصرفي وتقلبي فيها
على سبيل الصواب والخير.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَ كُم مِّنَ
اللَّهِ نُورٌ ﴾ [المائدة: ١٥]. يعني سيد المرسلين
محمدًا صلی الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ اَلَّذِىّ أُنْزِلَ
مَعَهُر﴾ [الأعراف: ١٥٧] أي: القرآن.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ اَلُّلُمَتِ وَالنُّورِ﴾ [الأنعام:
١]. قيل: أي: الليل والنهار.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ مُيِمُّ نُرِيٍ﴾ [الصف: ٨].
يعني به الإسلام.
وقوله: ﴿اَنظُرُونَا نَقْنَیِسْمِن نُِّكُمْ ﴾ [الحديد:
١٣].
وقوله: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم:
٨]. المراد به نور العناية.
والنار تقال للهيب الذي يبدو للحاسة
نحو قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَ يِّنُمُ النَّارَ الَتِى تُوُرُونَ﴾
[الواقعة: ٧١].
وللحرارة المجردة؛ ولنار جهنم
المذكورة في قوله تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الحج: ٧٢].
وفي حديث شجر جهنم: (فتعلوهم نار
الأنيار)(٣).
الليل وقيامه، رقم ٧٦٣.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٦٦٧٧،
والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة،
٤/ ٦٥٥، رقم ٢٤٩٢.
www. modoee.com
٨٣

حرف النون
يحتمل أن يكون معناه نار النيران، فجمع
النار على أنيار، وأصلها أنوار، كما جاء في
ربح وعید رياح وأعياد، وأصلهما واو. ولنار
الحرب المذكورة في قوله تعالى:
أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقال بعضهم: النار والنور من أصل
واحد، وهما كثيرًا ما يتلازمان، لكن النار
متاع للمقوين في الدنيا، والنور متاع للمتقين
في الدنيا والآخرة، ولأجل ذلك استعمل
في النور الاقتباس، فقال: ﴿نَقْنَيِسْ مِنْ تُوْرِكُمْ﴾
[الحديد: ١٣]. وتنورت نارًا: أبصرتها(١).
موضوعات ذات صلة:
الآيات الكونية، الشمس، الظلمات،
القمر، الليل، النجوم، النهار
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ١٣٣٥،
رقم ٨٠٤٠.
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير
١٠٦/٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي
٠١٣٣/٥
٨٤
مَشَةُ النَّبــ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ