Indexed OCR Text

Pages 41-59

هود عليه السلام
حاضر دنیاکم.
ويظهر كذلك اقتراحهم نزول الملائكة
من خلال قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَوَّ شَآءَ رَبُّنَا
لَأَنَزَلَ مَلَتَمِكَةً فَإِنَّا بِمَا أَرْسِلْتُم بِهِ كَلِفِرُونَ﴾
[فصلت: ١٤].
والمعنى: «لو شاء ربنا أن نوحده، ولا
نعبد من دونه شيئًا غيره؛ لأنزل إلينا ملائكة
من السماء رسلا بما تدعوننا أنتم إلیه، ولم
يرسلكم وأنتم بشر مثلنا، ولكنه رضي
عبادتنا وما نعبد؛ فلذلك لم يرسل إلينا
بالنهي عن ذلك ملائکة. ثم عقبوا على ذلك
بإعلانهم الكفر الصريح قائلين: ﴿فَإِنَّا بِمَا
أُرْسِلْتُمُ بِ كَفِرُونَ﴾ أي: قالوا لرسلهم: فإنا
بالذي أرسلکم به ربکم إلینا جاحدون غیر
مصدقين به))(١).
وترتب على دعوى المنافاة بين البشرية
والرسالة أن قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِ ءَ الِهَئِنَا
عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾
[هود: ٥٣].
أي: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك
﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لا يصدق مثلنا
مثلك أبدا، فليس قولك حجة تحملنا على
طاعتك.
فأجابهم هود عليه السلام بقوله:
﴿أَوَ يَبْتُمْ أَنْ جَءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّيَّكُمْ عَلَى رَجُلٍ
مِنْكُمْ لِسُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٩].
(١) جامع البيان، الطبري ٤٤٣/٢١.
أي: أكذبتم وعجبتم من أن جاءکم ذکرٌ
أي: تذکیر ووعظ من ربكم على لسان رجلٍ
منكم أي: من جملتكم، أو من جنسكم(٢).
مبينًا أنهم لا يملكون حجة على التكذيب
ولا دليلًا معتبرًا على الإنكار إلا التعجب
والاستبعاد.
وإنكار بشرية الرسول، وطلب نزول
الملائکة أمور تتكرر عند المكذبين، وقد
وقع الجواب عليه في مواطن كثيرة من
القرآن منها قول الأنبياء: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ
إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١].
والمعنى: «أن الأنبياء سلموا أن الأمر
كذلك، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية
والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض
البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب
منصبٌ یمن الله به على من يشاء من عباده،
فإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت هذه
الشبهة)) (٣).
كما جاء على لسان نوح عليه السلام
قوله: ﴿قَالَ يَقَوْيِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةِ
مِّن رَِّّ وَءَانَمِ رَحْمَةٌ مِّنْ عِنْدِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُوْ
أَنْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَرِهُونَ ﴾ [هود: ٢٨].
ردًّا على قول الملأ من قومه: ﴿مَا
نَرَنِكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود:٢٧].
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة ٢٢٩/٢.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ٧٤.
www. modoee.com
٢٧١

حرف الهاء
يبطله فلا يصلح حجة لرفضه.
وفي الرد على طلب نزول الملائكة
يكشف القرآن عن أن هذا الطلب لا يعدو
أن يكون مغالطة منهم لأنفسهم؛ حيث أورد
شبهتهم وأجاب عنها بوجهين فقال سبحانه:
﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ
اُلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظُرُونَ ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا
أَجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ
[الأنعام: ٨-٩].
أما الوجه الأول: ﴿لَّقُضِىَ الأَمْهُ﴾: اي
:بهلاكهم بعذاب الاستئصال إن كذبوا بعد
ظهور آية باهرة. أما الثاني: فإذا نزل الملك
فإما أن يظهر بصورته الملائكية وعندها
ستزهق أرواحهم؛ لعدم تحمل حواسهم
رؤية الملك، وإما أن يظهر بصورة بشر
وعندها سيقع الالتباس فيقولوا: إن أنت إلا
بشر (١).
ثانيًا: إنكار البينة:
لم يدخر هود عليه السلام جهدًا في
دعوة قومه، سواء في محاورتهم العقلية
من طرح الحجج والأدلة التي تهدف إلى
الإقناع، وإزالة الشبهات التي يثيرونها أو
الإتيان بالمعجزات التي تقطع دابر الشبهة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦٧/١١،
الكشاف، الزمخشري ٧/٢، مفاتيح الغيب،
الرازي ١٢ / ٤٨٦.
أي: إن خفاء الأمر عليكم لا ينفيه ولا وتقطع اللجاجة، إلا أن القوم أنكروا ظهور
البينات وذلك مبالغة منهم في إنكار دعوة
الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث
قابلوها بالجحود والاستكبار، وإنما يأتي
الجحود من شدة الغفلة، ويكون الإصرار
بعد معرفة الحقيقة ﴿وَتَلَكَ عَاءٌّ جَحَدُ واْ بِثَايَتِ
رَبِهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَأَتَّبَعُواْ أَقْرَكُلِ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
(٥) [هود: ٥٩].
قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا
نَحْنُ بِتَارِكِّ ءَالِهَيِّنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ
[هود: ٥٣] فجحدوا هودًا
بِمُؤْمِنِينَ
﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾، كما قالت قريش
لرسول الله صلى الله عليه وسلم[:
أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧].
((ولم يشتهر منه معجزة ولكن العلماء
قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من
غير مبالاة وتوان آية من الآيات»(٢).
و کان ذلك الإنکار مکابرة منهم وجحودًا
لنزول البينات، فقد جاءتهم البينات الظاهرة
والمعجزات الباهرة، وإن لم يعين لنا
بعضها (٣) كما دل على ذلك قوله تعالى:
﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ
نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَهِيْمَ وَأَصْحَبٍ
مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَتِّ أَنَنَّهُمْ رُسُلُهُم
بِلْبَيْنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ٣٢/٤.
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٧٩/٦.
جَوَسُولَةُ النَّفِيـ
القرآن الكريم
٢٧٢

هود عليه السلام
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
﴾ [التوبة: ٧٠].
٧٠
وفي سورة إبراهيم ذكر عادًا مع أقوام
آخرين فقال: ﴿جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ
فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كُفَوْنَا
بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَاكِّ مِمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيَّهِ
[إبراهيم: ٩].
مَرِيبٍ
((بالبينات: يعني بحجج ودلالاتٍ على
حقيقة ما دعوهم إليه من معجزاتٍ))(١).
كل ذلك يؤكد تأييد الله تعالى لهود
عليه السلام بالبينات، ومما يؤيد ذلك قوله
صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبي
إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان
الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن
أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة)(٢).
ومعنى: ﴿فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِّ أَفْوَهِهِمْ﴾:
(ردوا عليهم قولهم وكذبوهم))(٣).
ثالثًا: الغفلة والغرور:
في كثير من المواضع التي فصل القرآن
فيها الحديث عن قوم هود كشف عما كانوا
عليه من الإيغال في الغفلة، والبعد عن
الانتفاع بتحذيرات نبيهم عليه السلام، وقد
جاءت هذه الآيات كاشفة عن صورة الغفلة
(١) جامع البيان، الطبري ١٦/ ٥٣٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب كيف نزل الوحي، رقم ٤٩٨١،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب
وجوب الإيمان بما نزل على نبينا، رقم ٢٣٩.
(٣) جامع البيان، الطبري ٥٣٤/١٦.
ومظاهرها، مبينة أسبابها ودوافعها: أما
أسبابها فيمكن أن نبينها بالنقاط الآتية:
١. الإعجاب والغرور بما هم عليه من
القوة.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبرُوا فِى
اْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوْلَمْ يَرَوَا
أَنَّ اللَّهَ اُلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ
بِشَايَتِنَا يَجْحَدُونَ (٥)﴾ [فصلت: ١٥].
أي: فأما عادٌ فمنعهم من قبول الهدى
استكبارهم. والاستكبار: المبالغة في الكبر،
أي التعاظم واحتقار الناس وكان الحامل
لهم على هذا الكبر قوتهم، التي عبروا
عنها بقولهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ((فتعظموا
فيها على أهلها من غير استحقاق، وغلب
عليهم الشعور بأنه لا قوة تقف أمام قوتهم،
وقد اعتادوا أن يستهينوا بالآخرين، ولا
يبالوا بحقوقهم مما حملهم على البطش بلا
رحمة.
فلما جاءهم هودٌ بإنكار ما هم عليه من
الشرك والطغيان عظم عليهم ذلك؛ لأنهم
اعتادوا العجب بأنفسهم وأحوالهم فكذبوا
رسولهم. وبلغ بهم التمادي أنهم غفلوا
عن قوة الله التي لا تقهر، والتي جاء نبيهم
یذکرهم بها.
وفي قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهُالَّذِى خَلَقَهُمْ
هُوَ أَشَدُّمِنْهُمْ قُوَّةً﴾ استفهام إنکاري أي: إنه
ينكر عليهم عدم علمهم بأن الله أشد منهم
www. modoee.com
٢٧٣

حرف الهاء
قوةً؛ حتى أعرضوا عن رسالة رسول ربهم، هؤلاء لا يدركون هذه المعاني ولا يستدلون
من أطوار الحياة الأولى على أطوارها
الأخيرة ولا ينتبهون إلى أن القوة المدبرة
لتلك الأطوار التي لا تقف بالحياة عند
مرحلة الموت والبلى كما يظنون)»(٢).
وعن إنذاره إیاهم إعراض من لا يكترث
بعظمة الله تعالی؛ حتى بلغ بهم الغرور أنهم
اعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله!
لأنهم لو حسبوا لعجزهم عن ذلك حسابه؟
لتوقعوا عذابه فلأقبلوا على النظر في دلائل
صدق رسولهم (١).
٢. الإيغال في الترف والتنعم.
حيث كان حاملًا على التكذيب
والانصراف عن سماع دعوة الأنبياء، أو
التفكر فيها والانهماك في محاربتها وصرف
الناس عنها.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ اَلَّذِينَ
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَّآءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِي الْخَيَوِ
الدُّنْيَامَا هَذَاْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْيَأْ كُلُّ مِمَّاتَأْ كُلُونَ مِنْهُ
وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
﴾ [المؤمنون: ٣٣].
((فالترف يفسد الفطرة، ويغلظ المشاعر،
ويسد المنافذ، ويفقد القلوب تلك الحساسية
المرهفة التي تتلقى وتتأثر وتستجيب ومثل
هؤلاء لا يمكن أن يدركوا حكمة الحياة
الکبری ودقة التدبير في أطوارها للوصول
بها إلى غايتها البعيدة. هذه الغاية التي لا
تتحقق بكمالها في هذه الأرض. فالخير
لا يلقى جزاءه الكامل فى الحياة الدنيا مثل
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٦/٢٤،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٦٩، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٦٩/٥، في ظلال القرآن،
سيد قطب ٣١١٧/٥.
لقد كان هذا الحال شاغلًا لهم عن
التفكير الجاد مستغرقًا منهم كامل جهدهم
واهتماماتهم، حملهم على التباهي والتفاخر
في البناء، والتوسع في المعايش، كما سبق
بيانه من خلال الحديث عن مظاهر الانحراف
والفساد من خلال قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ
بِكُلِّ رِيعِ ءَايَةٌ تَعْبَئُونَ (
وَتَتَّخِذُونَ مَصَالِعَ
(١٢٨)
◌َعَلَّكُمْ تَخْلُونَ
[الشعراء: ١٢٨-١٢٩].
٣. التقلید الأعمى.
حيث هو من أكبر الصوارف عن
قبول دعوة الإصلاح والتجديد حيث
قالوا: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ
اَلْوَعِظِينَ ) إِنْ هَذَآ إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
[الشعراء: ١٣٦ -١٣٧].
أي: ((ما هذا الذي نحن عليه من الدين
إلا خلق الأولين وعادتهم، كانوا يدينونه
ويعتقدونه، ونحن بهم مقتدون)) (٣).
٤. تزيين الشيطان.
قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ
(٢) فى ظلال القرآن، سيد قطب ٢٤٦٧/٤.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٣٢٧/٣.
٢٧٤
جَوَسُور
القرآن الكريمِ

هود عليه السلام
مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨].
أي: حسن بوسوسته وإغوائه، فأراهم
أعمالهم القبيحة حسنة فغرر بهم. فصدهم
عن السبيل وهي طريق الإيمان بالله
ورسله. وذلك أن الشيطان أتاهم من
هذه الثغرة المكشوفة، وهي غرورهم
بأنفسهم، وإعجابهم بما يأتونه من الأعمال،
وانخداعهم بما هم فيه من قوة ومال
ومتاع(١).
﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: ((معدودين
بين الناس من البصراء العقلاء جدًا؛ لما
فاقوهم به مما يعلمون من ظاهر الحياة
الدنيا»(٢).
أما مظاهر هذه الغفلة وصورها فتظهر في
كثير من أقوالهم وأعمالهم فمن الأقوال:
﴿قَالُواْ سَوَلَهُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَّمْ تَكُنْ مِّنَ
• [الشعراء: ١٣٦]
الْوَعِظِينَ
﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ مَالِتِّنَا فَأَيْنَا
٢٢
بِمَا تَعِدُّنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
[الأحقاف: ٢٢]. وقد سبق بيان معاني
هذه الآيات.
ومنها ما جاء في سورة المؤمنون على
لسان الملأ بعد أن بثوا ما في جعبتهم
من الشبهات، عقبوا عليها بما يدل
على غاية التكذيب والاستبعاد، الدال
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧٣٥/٥.
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٤٣٧/١٤-٤٣٨.
على انطماس القلوب، وشدة الإمعان
في الغفلة والإعراض فقالوا:
٠
إِنْ هِىَ
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ()
إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ
بِمَبْعُوثِينَ (٦) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُّ أَفْتَى عَلَى
اللَّهِ كَذِّبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ )﴾
[المؤمنون: ٣٦-٣٨].
(عن ابن عباس في قوله: ﴿هَيْهَاتَ
هَيْهَاتَ﴾ يقول: بعيد بعيد))(٣).
((استبعد القوم بعثهم بعد الموت؛ إغفالًا
منهم للتفكر في بدو أمرهم، وقدرة الله
على إيجادهم، وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه
لا يكون أبدًا، ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَانُنَالدُّنْيَا﴾
یعنون: ما الحياة إلا ما نحن فيه، ولیس بعد
الموت حياة)»(٤).
أما الأفعال التي تدل على الإمعان في
الغفلة فهي:
١. الجحود وإنكار الآيات.
الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا
يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].
وقوله: ﴿قَالُواْ بَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةِ﴾
[هود: ٥٣].
﴿وَتَلْكَ عَادٌّ جَحَدُواْ بِئَايَتِ رَيْهِمْ وَعَصَوْاْ
رُسُلَهُ، وَأَتَّبَعُواْ أَقْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
[هود: ٥٩].
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٠/١٩.
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٢٦٢.
www. modoee.com
٢٧٥

حرف الهاء
٢. التكذيب.
الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿إِن هَذَآ إِلَّا
فَكَذَّبُوهُ
خُلُقُ آلْأَوَّلِينَ () وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ()
فَأَهْلَكْنَهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
﴾ [الشعراء: ١٣٧ - ١٣٩].
١٣٩)
٣. عدم الانتفاع بأدوات الفهم والعلم.
الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكْنَّهُمْ
فِيمَاً إِن مَكَّتَكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًّا
وَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَّ أَبْصَدُهُمْ وَلَ
أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ ثَايَتِ
اللَّهِ ﴾ [الأحقاف: ٢٦].
٤. البقاء في حمأة الجهل.
كما وصفهم نبيهم عليه السلام بعد أن
بذل أقصى ما في وسعه من التبليغ والبيان
قال تعالى: ﴿وَأَيُلِّفُّكُمْ مَّا أُزْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِىّ
◌َرَبِكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣].
٥. الاستمرار على ما هم عليه.
وعدم الاكتراث بكل ما جاء به هود عليه
السلام: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي ءَ الِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ
وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:٥٣].
فأكدوا عدم إيمانهم بالجملة الاسمية مع
زيادة الباء، وتقديم المسند إليه المفيد لتقوية
جوابهم، دلالة على أنهم لا يرجى منهم ذلك
بوجه من الوجوه (١).
﴿وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾
وقال:
[الأعراف: ٧٢].
(١) روح المعاني، الألوسي ٦/ ٢٨٠.
جَوَُّور
القرآن الكريم
رابعًا: الاتهام بالجنون والسفه
والكذب:
وجهت عاد إلى نبيها هود عليه السلام
عدة اتهامات أظهرها الاتهام بالسفه
والجنون والكذب، وإليك بيان ذلك من
خلال الآيات التي دلت عليه:
قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِن قَوْمِ إِنَّا لَغَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ
مِنَ الْكَذِبِينَ ﴾ قَالَ يَقَّوْمِ لَيْسَ بِى
سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
أَلِّغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِ وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحُ أَمِينُ
[الأعراف: ٦٦-٦٨].
بينت هذه الآيات الاتهام الأول وهو
السفه بقولهم: ﴿إِنَّا لَتَرَئِكَ فِ سَفَاهَةٍ﴾.
والسفاهة: مصدر يعبر به عن الحال المهلهلة
الرقيقة التي لا ثبات لها ولا جودة، والسفه
في الثوب خفة نسجه(٢)، أي: ((متمكنا في
خفة عقل راسخًا فيها؛ حيث فارقت دین
آبائك)»(٣). حيث (جعلوا قوله: ﴿مَا لَكُمْ
مِنْ إِلَاءٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] كلامًا لا يصدر
إلا عن مختل العقل؛ لأنه من قول المحال
عندهم)) (٤).
﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ
وقولهم:
اَلْكَذِبِينَ﴾ في دعوى الرسالة، وظن
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤١٧/٢.
(٣) روح البيان ٣/ ١٨٥.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٢/٨.
٢٧٦

هود عليه السلام
على بابه؛ لأنهم لم يكن عندهم إلا ظنون ثابت يولد الأناة المحمودة، فقد أجابهم
وتخرص(١).
«وفي تعبيرهم ﴿فى سَفَاهَةٍ﴾ جعلوا
السفاهة ظرفا على طريق المجاز، أرادوا أنه
متمكن فيها غير منفك عنها (٢).
وفي أسلوب الإجابة الذي واجههم
به، بطريق الحلم والإغضاء مع رميهم
له بالسفاهة، وترك المقابلة بما قالوه مع
علمه بما هم عليه من السفاهة أدب حسن
وخلق عظيم، وحكاية الله عز وجل ذلك
تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف
یغضون عنهم ويحلمون علیھم»(٣).
واكتفى بنفي السفاهة عن نفسه بإثبات
ما يضادها فقال: ﴿يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ
وَلَكِنِى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَّمِينَ﴾ حيث
يستحيل أن يرسل الله سفيها.
وَأَنَا لَكُمْـ
وفي مضمون الإجابة بقوله:
نَارِعُ أَمِينٌ﴾ (( أي: عرفت فيما بينكم بالنصح
والأمانة، فما حقي أن أتهم. أو أنا لكم
ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول
لکم لا أكذب فیه»(٤).
ولما كانت السفاهة من صفات النفس
وهي ضد الحلم، وهو معنى ثابت يولد
الخفة والعجلة المذمومتين، والحلم معنى
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤١٧.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٢/ ١١٧.
(٣) المصدر السابق بتصرف.
(٤) المصدر السابق.
هود عليه السلام بما يتناسب مع قولهم
وينفي عن نفسة ما رموه به بإثبات صفة ثابتة
في النفس تبطلها(٥).
فوصف نفسه بأن ناصح بصيغة اسم
الفاعل الدال على الثبوت، ولم يقل أنصح
بصيغة الفعل الدال على الحدوث. وفي
هذه الإجابة ما يدل على بطلان قولهم من
المقال، ومن واقع الحال، فإن الناصح
الأمين لا يكون سفيها أبدًا وفي طريقة
إجابته لهم بنفي السفه عن نفسه دون أن
ينسبهم إلى السفاهة ولو كان حقّا، فلو قال:
بل أنتم السفهاء لكان صادقًا ولكنه أعرض
عن مواجهة السفهاء بأسلوبهم، وكان في
غاية الرزانة حيث لم يستثيروه ولم يستفزوه؛
ليخرج عن حدود الحلم والحكمة والأدب،
وهذا من أبلغ الأحوال الدالة على نزاهته من
السفاهة.
وفي جوابه ترفق بهم وتجرد عن حظ
نفسه لا يخفى، فلم يستثرهم بما يحملهم
على النفور ولم يذمهم بوصفهم بالسفه
انتصارًا لنفسه؛ کي لا يتحول الحوار إلى
مساجلات شخصية.
أما الاتهام الثاني وهو الجنون فقد ورد
في قوله تعالى: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّ أَعْتَرَنْكَ بَعْضُ
(٥) انظر: درة التنزيل وغرة التأويل، الإسكافي
٦٠٥/٢ - ٦٠٦.
www. modoee.com
٢٧٧

حرف الهاء
ءَالِهَتِنَا بِسُوْمٍ﴾[هود:٥٤].
أي: لا نجد قولًا نقوله فيك إلا أن بعض
آلهتنا أصابك بمس من جنون أو خبل؛
لإنكارك لها؛ وصدك إيانا عن عبادتها،
والمراد أن أصنامهم كافأته على سوء فعله
بسوء الجزاء أي: إن ما تقوله لا يصدر إلا
عمن أصيب بشيء اقتضى خروجه عن
قانون العقل، فلا يعتد به؛ لأنه من قبيل
الخرافات والهذيانات التي لا تصدر إلا عن
المجانين فكيف نؤمن بك؟!(١).
وأوردوا تعبيرهم بصيغة الحصر الموهم
أنهم قد سبروا غور كل الاحتمالات
المتوقعة التي تناسب حاله فما وجدوا
أصوب ولا أمثل ولا أجدر في إصابة الحق
من هذا القول.
الاتهام الثالث: الکذب حیث ادعوا أنه
يفتري عليهم الكذب فقالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا
عَنْ ءَالِتِّنَا﴾ [الأحقاف: ٢٢].
« الإفك: كل مصروف عن وجهه الذي
يحق أن يكون عليه، وفي قوله تعالى:
قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَاِنَا﴾، استعملوا
الإفك في ذلك لما اعتقدوا أن ذلك صرف
من الحق إلى الباطل فاستعمل ذلك في
الكذب)) (٢)
أي: أنهم أُتهموا نبيهم بأنه یرید إزالتهم
(١) نظم الدرر، البقاعي ١٢ / ٤٩.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٧٩.
عن عبادة آلهتهم بالإفك. ولما عقبوا عليه
بقولهم ﴿فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُّنَّ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾
[الأحقاف: ٢٢].
أضمروا الإصرار، أي: لن ننصرف عن
آلهتنا، فأتنا بالعذاب الذي تتوعد به، ونزلوا
الوعيد منزلة الوعد استهزاء وإمعانا في
التكذيب. فقال لهم هود عليه السلام ﴿إِنَّمَا
اَلْعِلْمُ عِنْدَ اَللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٣].
أي: لا علم لي بالوقت الذي عيَّنه الله
لتعذییکم، فلا معنى لاستعجالکم ﴿وَأُبلّغُكُم
مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٣].
وما علي إلا أن أبلغ رسالة ربي، فالأمر
كله بيده وحده وما على الرسول إلا البلاغ،
ثم استدرك عليه السلام فأعلن ما استقر في
إدراكه من حالهم قائلا: ﴿وَلَكِنِى أَرْ نَكُمْ قَوْمًاً
تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣].
أي: أعلمكم علمًا هو كالرؤية ﴿قَوْمًاً
ليعم الحكم جميعهم ﴿فَجْهَلُونَ﴾ جهلًا
متجددًا، لم يحدد مفعوله ليشمل کل ما
يستدعي الأمر علمه من استبانة ضلالهم
من إصرار على آلهة باطلة، وتكذيب لنبي
صادق، واستعجال بعذاب مستحق دون
الاحتراز منه، وجهل في ادعاء قدرة النبي
على العذاب ونحوه، ولا تعلمون أن الرسل
بعثوا مبلغين منذرين لا معذبين مقترحين(٣).
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١١٥/٠٥،
نظم الدرر، البقاعي ١٨/ ١٦٧.
٢٧٨
جوية
القرآن الكريمِ

هود عليه السلام
وأي جهل أعظم من الشرك بالله ونسبة
نبي الله إلى الكذب. ومن ترك طريقة
الاحتياط واستعجال ما فيه الهلاك (١).
ومن علائم جهلهم إصرارهم على طلب
العذاب ولم تظهر لهم بينة علی کونه كاذبًا،
فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب
جهل عظيم (٢).
خامسًا: التعجيز والتحدي:
قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَهُودُ مَاجِئْتَنَا بِبَئِنَةِ
وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيَ ءَالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ
لَّكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿ إِن تَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ
ءَالِهَتِنَا بِسُوْمٍ﴾ [هود:٥٣-٥٤].
جمعت هذه الآيات خلاصة موقف
عاد من نبيهم هود عليه السلام وأجوبتهم
له « ودلت على أن القوم كانوا جفاة غلاظ
الأكباد، لا یبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى
النصح. ولا تلين شكيمتهم للرشد. وهذا
يدل على جهل مفرط وبله متناه، حيث
اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم،
ولعلهم حين أجازوا العقاب كانوا يجيزون
الثواب))(٣)، واشتملت إجابتهم على أربعة
أمور:
الأول: الإنكار والجحود للبينات.
(١) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ١٢٤/٦.
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٤٠٥/١٧.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٤٠٣.
الثاني: الإصرار على ما هم عليه
بالتمسك بآلهتهم.
الثالث: عدم الاكتراث بقوله حيث لا
تقوم به الحجة عليهم وهو إنكار للنبوة.
الرابع: ادعوا أن لآلهتهم تأثيرا عليه، وأنه
قد أصابه بعضها بسوء بلغ به حد الجنون.
وهذا القول يتضمن التهديد والتخويف،
فهذا فعل بعضها فكيف لو اجتمعت إذا
لدکته دكا(٤).
فکل ما بذله من جهد وبیان لا يبلغ حد
الاعتبار في نظرهم، مع التهديد والتخويف
من آلهتهم، وهذا يستدعي تصعيد المواجهة
بما تقوم به الحجة وهي المعجزة التي تظهر
بالتحدي وإثبات تفاهة آلهتهم وعجزها
الذي دلت عليه الآيات الآتية: ﴿قَالَ إِّ
أُشْهِدُ اللّهَ وَأَشْهَدُواْ أَنِ بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
00) إِنّي
مِن دُونِ، فَكِيدُ ونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا نُظِرُونِ
تَوَّكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِ وَرَبِّكُمْ مَّامِنْ دَابَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ
بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِي عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ، فَإِن تَوَلَّوْا
فَقَدْ أَبْلَفَتَكُمْ مَّ أُزْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّ
قَوْمًا غَيَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
حَفِيظٌ ﴾ [هود: ٥٤ -٥٧].
ففي هذه الآيات أجاب هود عليه السلام
إجابة جامعة ترد على الأمور الأربعة التي
أعلنوها، وتبدد كل أباطيلهم حيث أعلن
نبي الله براءته من آلهتهم مشهدا لله تعالى،
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/ ٩٨.
www. modoee.com
٢٧٩

حرف الهاء
معلنا عن ذلك بصيغة الجملة الخبرية وهي لا يعقل ولا يسمع، فأمر قومه بأن یکیدوه.
وأدخل في ضمير الكائدين أصنامهم مجاراةً
لاعتقادهم واستقصاءً لتعجیزهم، أي: أنتم
وأصنامكم، كما دل عليه التفريع على البراءة
من أصنامهم)» (٤).
في المعنى إنشائية بمعنى (اللهم اشهد)
((لأن كل إنشاءٍ لا يظهر أثره في الخلق من
شأنه أن يقع بصيغة الخبر، لما في الخبر من
قصد إعلام السامع بما يضمره المتكلم)»(١).
ومشهدا لهم على هذه البراءة استخفافا بهم
وبآلهتهم، وإعلاما لهم بعجزها، مؤيدا ذلك
بالتحدي الذي یقیم البرهان على إثبات
عجزها وقصورها فضلا عن أن تعتريه
بسوء، وذلك بقوله: ﴿فَكِدُون جميعًا﴾ أي:
«کیدوا لي، وخذوني بما تستطيعون من کید،
والکید: إعمال الحیلة، وإحكام التدبير، لما
يراد من الأمور ويستعمل الكيد غالبا في
الشر، ﴿ثُمَّ لَا نُظِرُونِ﴾: أي: لا تتوانوا في
إعمال كيدكم لي، والمبادرة به»(٢).
﴿جَمِيعًا ﴾رد على قولهم:
وفي قوله:
﴿بَعْضُ﴾ أي: أنه أمرهم بالاجتماع
والاحتشاد مع آکھتھم جمیعًا دون بعضٍ منها
مبالغة في التحدي (٣).
وجعل هذا التحدي ردًا عمليًا على
قولهم ﴿مَاجِئْتَنَا بِبَيِّنَةِ﴾ وعلى قولهم:
﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ ءَالِهَيِّنَا بِسُوْمٍ﴾
«ووجه الخطاب لقومه لئلا يكون خطابه لما
(١) المصدر السابق ١٢ / ٩٩.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس
الخطيب ٦ /١١٥٦.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢١٨/٤.
والنتيجة الحتمية لهذا التحدي الذي
أثبت جدواه بعجزهم وعجز آلهتهم عن
إيذائه بأي شيء دليل على صدقه وحجية
قوله وأنه نبي مرسل يلزمهم ترك آلهتهم
طاعة له، وهي دليل على عظمة إلهه الذي
حماه وأيده ورد الكيد عنه في مثل هذا
الوسط مع كثرتهم وقوتهم وشدة بأسهم،
وحرصهم على تكذيبه وهو فرد ليس له
نصير إلا مولاه الذي يدعو إليه.
سادسًا: استعجال العذاب:
قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ
وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُُّ ءَابَاؤُنَا فَأَيْنَا
بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
٧٠
[الأعراف: ٧٠].
وقال: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِتْنَا
فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُّنََّ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
٢٢
[الأحقاف: ٢٢].
وذلك أنهم طلبوا الإتیان بالعذاب إمعانا
في التكذيب وتماديا في الضلال، واستهانة
بوعد نبيهم عليه السلام، ويدل على أنهم
(٤) التحرير والتنوير ابن عاشور ١٠٠/١٢.
جوُوحَة التَّقْتَبـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٨٠

هود عليه السلام
كانوا يستبعدون العذاب ویکذبون بکل ما
جاءهم به نبيهم قولهم: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
[الشعراء: ١٣٨].
وبينما هم غارقون في غفلتم متمادون
في تكذيبهم إذ جاءتهم بوادر العذاب بصورة
يتوهمون فيها البشارة بالغیٹ بعد سنين من
القحط ليكون وقع العذاب أنكى وأشد. قال
تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوَّهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ
قَالُواْ هَذَا عَارِضْ تُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِِّرِيحٌ
فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الأحقاف: ٢٤].
قال ابن كثير: ((كان أول ما ابتدأهم
العذاب، أنهم كانوا ممحلين مسنتين (١)،
فطلبوا السقيا فرأوا عارضًا في السماء وظنوه
سقيا رحمةٍ، فإذا هو سقيا عذابٍ(٢).
أي: فلما رأوا العذاب في صورة سحاب
یوهم بالغیث، حسبوه سحابًا یمطرهم، وكان
المطر قد أبطأً عنهم، فلما رأوه عارضًا ظاهرا
في عرض السماء ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِیَنِمْ﴾
فرحوا واستبشروا. وكان قد جاءهم من وادٍ
جرت العادة أن يأتي منه الغيث (٣).
(١) ممحلين: أصابهم المحل وهو الشدة وانقطاع
المطر.
انظر: الصحاح، الجوهري ١٨١٧/٥.
ومسنتين من السنة، أي: أسنتت أرضهم: لم
يصبها مطر فلم تنبت.
انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٦٧/١٢.
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير ١٣٤/١.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٠٥/١٦، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٢٨٦/٧.
قيل لهم ردًّا على توهمهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا
اُسْتَعْجَلْتُم بِهِ﴾ يعني: من العذاب الذي
استعجلوه بقولهم: ﴿فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ وذلك
استبعادًا منهم لوقوعه، ثم بين ماهيته فقال:
﴿ِیُ فِيهَا عَذَابُ آَلِيمٌ﴾ ثم وصف تلك الريح
بأوصاف مفزعة كما سيأتي بيانه.
أخرج الإمام أحمد عن الحارث بن يزيد
البكري، قال: (خرجت أشكو العلاء بن
الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فمررت بالربذة، فإذا عجوزٌ من بني
تميم منقطعٌ بها، فقالت لي: يا عبد الله، إن
لي إلی رسول الله صلى الله عليه وسلم
حاجةً، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها،
فأتيت المدينة فإذا المسجد غاصّ بأهله،
وإذا رايةٌ سوداء تخفق، وبلالٌ متقلدٌ السيف
بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث
عمرو بن العاص وجهًا، قال: فجلست،
قال: فدخل منزله-أو قال: رحله-فاستأذنت
عليه، فأذن لي، فدخلت، فسلمت فقال:
(هل كان بینکم وبین بني تميم شيءٌ؟) قال:
فقلت: نعم، قال: وكانت لنا الدبرة عليهم،
ومررت بعجوزٍ من بني تميم منقطعٌ بها،
فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب
فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله،
إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم
حاجزًا، فاجعل الدهناء، فحميت العجوز،
www. modoee.com
٢٨١

حرف الهاء
واستوفزت، قالت: یا رسول الله، فإلی أین
تضطر مضرك؟ قال: قلت: إنما مثلي، ما قال
الأول: معزاةٌ حملت حتفها، حملت هذه،
ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا أعوذ بالله،
ورسوله أن أُکون کوافد عادٍ قال: (هیه، وما
وافد عادٍ؟) وهو أعلم بالحدیث منه، ولكن
يستطعمه، قلت: إن عادًا قحطوا فبعثوا
وافدًا لهم، يقال له: قيلٌ، فمر بمعاوية بر
بکرٍ، فأقام عنده شهرًا يسقیه الخمر، وتغنيه
جاريتان يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى
الشهر خرج جبال تهامة، فنادى: اللهم إنك
تعلم أني لم أجئ إلى مریض فأداویه، ولا إلی
أُسیرٍ فأفادیه، اللهم اسق عادًا ما كنت مسقیه،
فمرت به سحاباتٌ سودٌ فنودي منها: اختر،
فأومأ إلى سحابةٍ منها سوداء، فنودي منها:
خذها رمادًا رمددًا ولا تبق من عادٍ أحدًا،
قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الربح، إلا
قدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا،
قال أبو وائلٍ: وصدق قال: (فكانت المرأة
والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم، قالوا: لا تكن
کوافد عادٍ)(١).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت
الربح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير
ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٥٩٥٣.
قال ابن كثير في تفسيره ٢٨٦/٧: وهو غريبٌ
جدًا من غرائب الحديث وأفراده.
شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به) قالت:
(وإذا غییت السماء تغير لونه، وخرج ودخل،
وأقبل وأدبر. فإذا أمطرت سري عنه، فعرفت
ذلك عائشة فسألته فقال: لعله يا عائشة كما
قال قوم عادٍ: (فلما رأوه عارضًا مستقبل
أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا)(٢).
فکان صلی الله عليه وسلم أشد الناس
خشیة لله ویعلم من حاله ومقالہ کیف یحذر
المرء من غضبه ليكون حذرا من الخروج
عن طاعته، غیر آمن من مکره أمنا يدفع إلى
الاستهانة بحق الله قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ
مَكْرَ اللَّهَّ فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ
الْخَسِرُونَ {
٩٩﴾ [الأعراف: ٩٩].
[انظر: عاد: موقفهم من رسولهم ومعجزاته]
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح
والغیم، رقم ٨٩٩.
٢٨٢
جوبيع
القرآن الكريم

هود عليه السلام
عاقبة القوم ومصيرهم
أولًا: المقدمات التي سبقت العذاب:
جاءت المقدمات التي سبقت العذاب
بصور من التحذير والوعيد والإمهال ثم
حلول الرجس والغضب؛ ففي مشهد من
المشاهد الأخيرة من الحوار بين هود عليه
فَقَدْ أَبْلَغَتُكَـ
فَإِن تَوَلّوْا
السلام وقومه يقول:
مَّآ أَزْ سِلْتُ بِهِ= إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّ قَوْمًا غَيَرَكُّ وَلَا
تَضُرُّونَهُ شَيْئًاْ إِنَّ رَبِي عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَظُ ﴾
[هود: ٥٧].
محذرًا لهم من النهاية التي لا تدع منهم
أحدا لهوانهم على الله واقتداره عليهم.
أي: إن تتولوا أهلککم الله، ويستبدل قومًا
غيركم أطوع منكم يوحدونه ويعبدونه.
﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ بتوليكم وإعراضكم،
إنما تضرون أنفسكم، وذلك أن إهلاككم
لا ينقص من ملكه شيئًا؛ لأن وجودكم
وعدمکم عنده سواء(١).
ثم إنه عليه السلام ذكر لهم وعيدًا
مجددًا فقال: ﴿فَأَنَظِرُواْ إِنِّ مَعَكُم مِّنَ
﴾ [الأعراف: ٧١].
٧١
المُتَظِرِينَ
أي: فانتظروا ما يحصل لكم من عبادة
هذه الأصنام إني معكم من المنتظرين.
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
١٠/ ٥٠٩٩، بتصرف.
وهو أمر يتضمن الوعيد والإمهال(٢)، وقال:
﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْقُهُمٌّ فَكَيْفَ
كَانَ تَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤].
(أي: أمهلتهم إلى الوقت المعلوم
عندي ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم))(٣)، وهذه
سنة إلهية ماضية في المكذبين يمهلهم إلى
آجالهم، ثم يأخذهم بجميع ما صدر منهم.
وذكر استحقاقهم للعذاب وحلول
النقمة من الله عليهم بجحودهم لوحدانية
الله ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اَللَّهَ وَحْدَهُ﴾
[الأعراف: ٧٠].
استبعدوا توحيد الله مع اعترافهم
بربوبيته، ولذلك قال لهم هود عليه السلام:
﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسّ
وَغَضَبُّ﴾ [الأعراف: ٧١].
أي: حق علیکم ووجب عذاب من ریکم
وغضب.
أي: ((أنه تعالى أخبره في ذلك الوقت
بنزول العذاب عليهم فلما حدث الإعلام في
ذلك الوقت لا جرم قال هودٌّ في ذلك الوقت:
وقع عليكم من ربكم رجسٌ وغضبٌ، أو أنه
جعل التوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة
الواقع. ونظيره قولك لمن طلب منك شيئًا
قد کان ذلك بمعنی أنه سیکون ونظيره قوله
تعالى: ﴿أَقَ أَمْرُ اللّهِ﴾ [النحل: ١].
(٢) انظر: المصدر السابق ٩ / ١٩٠.
(٣) المصدر السابق ١٤/ ١٠٧.
www. modoee.com
٢٨٣

حرف الهاء
بمعنى: سيأتي أمر الله))(١).
((الرجس لا يمكن أن يكون المراد منه
العذاب؛ لأن المراد من الغضب العذاب
فلو حملنا الرجس عليه لزم التكرير
وأيضًا الرجس ضد التزكية والتطهير. قال
تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقال في صفة أهل البيت: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ
تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
والمراد التطهر من العقائد الباطلة
والأفعال المذمومة وإذا كان كذلك وجب
أن يكون الرجس عبارةً عن العقائد الباطلة
والأفعال المذمومة)) (٢). ويدخل فيه: الرين
على القلب بزيادة الكفر(٣).
((وحاصل الكلام في الآية: أن القوم لما
أصروا على التقليد وعدم الانقياد للدليل
زادهم الله کفرًا وهو المراد من قوله: ﴿قَدْ
وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ﴾ ثم خصهم
جـ) (٤)
﴿وَغَضَبَ
بمزيد الغضب وهو قوله:
وهو ما يوجب العذاب.
ثانيًا: صورة العذاب:
تحدثت الآيات القرآنية عن العذاب
الذي حل بقوم عاد بأساليب متنوعة وصيغ
متعددة، تعرض لحقيقته وصورته من عدة
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣٠٣.
(٢) المصدر السابق.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٢٣٧.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣٠٣.
وجوه لا تعارض بينها؛ فأحيانا یذکر العذاب
بإجمال كما في قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ
فَأَهْلَكْنَهُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
١٣٩)
﴾ [الشعراء: ١٣٩].
فرتب على التكذيب إهلاكهم دون أن
يفصل في بيان طريقة الإهلاك الذي تولت
بیانه سور أخرى.
إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ
[ص: ١٤] ((فوجب أو لزم وثبت أن
أعاقبهم»(٥).
﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَى رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾ [الفجر: ٦].
إلى قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ
)[الفجر: ١٣].
١٣
أي: أفرغ عليهم أشد أنواع العذاب.
فالصب يعبر به عن الكثرة، والسوط يعبر به
عن الشدة.
وقال كذلك على سبيل الإجمال:
﴾ [النجم: ٥٠].
أَمْلَكَ عَادًا الْأُولَى:
٤٤٠٠٠٠
وقال: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ
فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرٍ ﴾ [الحج: ٤٤].
وأحيانًا يذكر ما حل بهم على جهة
التفصيل كما في قوله تعالى: ﴿ رَفِ عَادٍ
مَا نَذَرُ مِن
إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِيحَ الْمَقِيمَ (@)
شَىْءٍ أَلَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّهِيمِ
[الذاريات: ٤١-٤٢].
وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيَ أَيَّامِ
(٥) جامع البيان، الطبري ٢١/ ١٦٠.
٢٨٤
جوية
القرآن الكريم

هود عليه السلام
◌َحِسَاتٍ لِيُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاً
وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى وَهُمْ لَا يُصَرُونَ
[فصلت: ١٦].
وقوله: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌّ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِوَنُذُرٍ
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَتِهِمْ رِبِحًا صَرْصَرًا فِ يَوْمِ نَخْسِ
١٨
مُّسْتَمِرِ (١) تَنِعُ النَّاسَ كَأَنَهُمْ أَعْجَازُ فَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
[القمر: ١٨- ٢٠].
وقوله: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُقْلِكُواْ بِرِيچ مَرْصٍ
عَلِيَةٍ ١ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَلِيَةً
أَيَّابٍ حُسُوْمًا فَرَىَ الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ
أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ، فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِّنْ بَاقِيَةٍ
﴾ [الحاقة: ٦-٨].
٨
فبين في هذه الآيات أن العذاب الذي
حل بهم كان بالريح الشديدة المهلكة التي
وصفها بأوصاف عديدة تدل على ما جمعت
من خصائص العنف والنكال.
فمرة وصفها بالعقيم ((وأصل العقم:
الييس المانع من قبول الأثر، والريح العقيم:
وهي التي لا تلقح سحابا ولا شجرا وهي
التي لا تقبل أثر الخير، وإذا لم تقبل ولم
تتأثر لم تعط ولم تؤثر))(١). وهي التي لا رأفة
فيها ولا رحمة (٢).
كما وصفها بصرصر وهذا اللفظ يجمع
ثلاثة معاني هي الصوت والبرد(٣) والعزم(٤).
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٧٩.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان، ٣/ ١٣٤.
(٣) العين، الفراهيدي ٧/ ٨٢.
(٤) تهذيب اللغة، الأزهري ١٢/ ٧٦.
فيكون وصفها أنها ((الريح العاصفة الشديدة
الهبوب التي يسمع لهبوبها صوتٌ شديدٌ،
وعلى هذا، فالصرصر من الصرة التي
هي الصيحة المزعجة. ولا يمنع أن يكون
بردها واصلا درجة الإحراق مأخوذ من
قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيج فِيهَاصِرُّ﴾ [آل
عمران: ١١٧]. أي: فيها بردٌ شديدٌ محرقٌ))(٥).
ووصفها كذلك بالعاتیة، وأصلها من «عتا
يعتو عتوًا وعتيًا: استكبر وجاوز الحد)) (٦)
الريح العاتية: ((أي: مبالغة في الشدة)»(٧) أو
((شدیدة الهبوب)»(٨).
أما دوامها على هذه الحال بما جمعت
من أوصاف الشدة فقد استمرت طيلة أيامٍ
وصفت في سورة فصلت بأنها ﴿فَحِسَاتٍ﴾
دون ذكر عددها، وقال المفسرون في معنى
﴿َحِسَاتٍ﴾ قولين أحدهما: الشديدة البرد
والآخر: أنها المشؤومة (٩).
ولا تعارض بين المعنيين، فإن شدة البرد
سبب من أسباب الشؤم. وفي سورة القمر
وصف النحس بأنه مستمر للدلالة على
تواصله بلا توقف ولا فتور طوال هذه المدة،
مما يزيد الأمر شؤما، وفي سورة الحاقة ذكر
عددها ووصفها بالحسوم فقال: ﴿سَخَّرَهَا
(٥) أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ١٦.
(٦) لسان العرب، ابن منظور ٢٧/١٥.
(٧) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٣٠.
(٨) قصص الأنبياء، ابن كثير ١٣٩/١.
(٩) المخصص، ابن سيده ٣٩٨/٢.
www. modoee.com
٢٨٥

حرف الهاء
عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّابٍ حُسُومًا﴾ قال وجه الخصوص فقال: ﴿تَزِعُ النَّاسَ كَأَنَهُمْ
أَعْجَازُ فَخْلٍ مُّنْقَعِ )﴾ [القمر: ٢٠].
الفراء: ((الحسوم: التباع إذا تتابع الشيء فلم
ينقطع أوله عن آخره)»(١).
وقال الزجاج: ((حسوما أي: تحسمهم
حسوما أي: تذهبهم وتفنيهم))(٢).
وقال ابن كثير: ((كوامل متتابعاتٍ))(٣).
أما عن فعل هذه الريح وآثارها فقال عن
فعلها بالأشياء عموما: ﴿تُدَمِّرُكُلَّ شَع یآَمْرِ
رَيِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].
أي: تهلك كل شيء من الحيوان
والناس، أي: تخرب كل شيءٍ مرت عليه
من رجال عادٍ وأموالها. أو من بلادهم، مما
من شأنه الخراب قال ابن عباسٍ: أي كل
شيءٍ بعثت إليه. والتدمير: الهلاك. وكذلك
الدمار ﴿پأمرِرتها﴾ ومعناه أن هذا ليس من
باب تأثیرات الکواکب والقرانات(٤) بل هو
أمر حدث ابتداءً بقدرة الله تعالى لأجل
(٥)
تعذیبکم(٥).
أما عما فعلته هذه الريح بالناس على
(١) انظر: معاني القرآن، الفراء ٣/ ١٨٠، تهذيب
اللغة، الأزهري ١٩٩/٤.
(٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢١٤/٥.
(٣) قصص الأنبياء، ابن كثير ١٣٩/١.
(٤) أي: اقتران الثريا بالبروج السماوية وما
كان يعتقده الجاهليون من تأثير ذلك على
الأحداث.
انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٢٩/١٧- ٢٣٠.
(٥) اللباب في علوم الكتاب، ابن
عادل ١٧ / ٤٠٧.
أي: كأنهم ((أصول نخل منقلع عن
مغارسه))(٦).
وتنزعهم نزعا حيث كانت ((تقلعهم
عن أماكنهم وكانوا يصطفون آخذًا بعضهم
بأيدي بعض ويتداخلون في الشعاب
ويحفرون الحفر فيندسون فيها فتنزعهم
وتکبهم وتدق رقابهم»(٧).
فتصرعهم وتسقطهم على الأرض
فأصبحوا مع طول قاماتهم وضخامة
أجسامهم كأنهم أسافل نخل منقلع من
أصله، قد سقط على الأرض. قال ابن كثير:
(فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في
الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتثلغ رأسه
حتی تبینه من بین جثته))(٨).
فهذا صنيعها بأجساد القوم المسلطة
علیهم في بداية هبوبها.
ومع هبوب الريح بصفاتها العاتية
من برد شديد وجفاف ودوام لهذه المدة
الطويلة جديرة بأن تفعل بأجسادهم فعلها
حتی تر کتهم في نهاية أمرهم کأعجاز نخل
خاوية، أي: بالية نخرة(٩).
قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ
(٦) مدارك التنزيل، النسفي ٤٠٣/٣.
(٧) المصدر السابق.
(٨) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٥/٣.
(٩) غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٤١٢.
٢٨٦
جَوَسُوعَر النفسية القصوي
القرآن الكريمِ

هود عليه السلام
وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى السلام-فيما ذكر لي-في حظيرةٍ هو ومن
كَّهُمْ أَعْجَازُ غَقْلٍ خَاوِيَةِ ﴾ [الحاقة: ٧].
فتشبيههم بأعجاز نخل منقعر تصف
حالهم عند بداية العذاب وهبوب الريح،
وتشبيههم بأعجاز نخل خاوية عند نهاية
الأمر وانتهاء المدة حيث بليت أجسادهم
ونخرت.
وهکذا جاءت هذه الريح بهذه الأوصاف
على القوم وهم غارقون في غفلتهم يعرضون
عضلاتهم ويتباهون بقوتهم. فأتاهم المصرع
المناسب لهذا العجب المرذول الغافل عن
قوة الله وقدرته ﴿لَُّذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِرْىِ فِ
الخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت: ١٦].
إنها العاصفة الهوجاء المجتاحة الباردة
في أيام نحس عليهم. وإنه الخزي في الحياة
الدنيا. الخزي اللائق بالمستكبرين المتباهين
المختالین علی العباد ذلك في الدنيا وليسوا
بمتروكين في الآخرة: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ
أَخْرَىٌّ وَهُمْ لَا يُصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦](١).
وفي وسط تلك الرياح العاتية المدمرة
کان هود عليه السلام ومن معه في رعاية الله
بأمن وسلام ﴿وَلَمَّاجَآءَ أَمْرُنَا غَيْنَا هُودًا وَأَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَدُ بِرَحْمَةٍمِنَّا وَنَجَيْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِظٍ
﴾ [هود: ٥٨].
٥٨
قال ابن إسحاق: ((واعتزل هودٌ عليه
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣١١٨/٥.
بتصرف.
معه من المؤمنين، ما يصيبهم إلا ما تلين
عليه الجلود، وتلذ الأنفس، وإنها لتمر
على عادٍ بالظعن فيما بين السماء والأرض،
وتدمغهم بالحجارة)»(٢).
وقال تعالى في وصف العذاب الذي حل
بعاد وثمود ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةٌ
مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ [فصلت: ١٣].
قال ابن قتيبة: الصعق: الموت.
قال تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ
وَمَنْ فِ الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨].
وقال تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾
[الأعراف: ١٤٣]. أي: ميتا (٣).
وقال الراغب: ((الصاعقة والصاقعة
يتقاربان، وهما الهدة الكبيرة، إلا أن الصقع
يقال في الأجسام الأرضية، والصعق في
الأجسام العلوية. قال بعض أهل اللغة:
الصاعقة على ثلاثة أوجه:
الموت، كقوله: ﴿فَصَعِقَ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨].
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ﴾
و قوله:
[النساء: ١٥٣].
# العذاب، كقوله: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَحِقَةٌ مِثْلَ
صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ [فصلت: ١٣].
* النار، كقوله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير ١٣٦/١ -١٣٧.
(٣) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص٢٧١.
www. modoee.com
٢٨٧

حرف الهاء
بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ [الرعد: ١٣]))(١).
ثم قال ((وما ذكروه فهو أشياء حاصلة من
الصاعقة، فإن الصاعقة هي الصوت الشديد
من الجو، ثم يكون منها نار فقط، أو عذاب،
أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه
الأشياء تأثيرات منها))(٢).
وما ذهب إليه يتفق مع قول المبرد
بأن الصاعقة ((الثائرة المهلكة لأي شيء
كان))(٣).
وفي خصوص قوم عاد فإن الصاعقة
التي حلت هي الثائرة المهلكة ذات الصوت
الشديد كما قال الشنقيطي: ((وهذه الريح
الصرصر هي المراد بصاعقة عادٍ)) (٤).
ثالثًا: آثار العذاب:
وعقب القرآن الكريم على ما حل
بعاد من العذاب بعبارات متنوعة تحمل
الكثير من العبر والدلالات فمنها قوله
تعالى: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إلَّا مَسَكِنُهُمَّ كَذَلِكَ
تَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥].
أي: «تدمر ما من شأنه أن تدمره الربح من
الإنسان والحيوان والديار))(٥). فأصبحوا
(٦)
((لا ترى من بقايا عادٍ أشياء إلا مساكنهم
(١) المفردات، الراغب ص ٤٨٤ - ٤٨٥.
(٢) المفردات، الراغب ص ٤٨٥.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٥٥١.
(٤) أضواء البيان ٧/ ١٧.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٠/٢٦.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/٢٨.
وهذا لأن السكان هلكوا، وهلك كل
شيء يملكونه فقيل: أصبحوا وقد غطتهم
الريح بالرمل فلا يرون (٧).
ولم يبق ظاهرًا على وجه الأرض إلا
مساكنهم أطلالا خربة تدل على من كان
فيها، وتحمل في مظهرها ما يدل على ما
حل بالقوم من العذاب. ليكونوا عبرة لكل
معتبر. وتعقب الآيات على مشهد الدمار
والخراب الذي حل بهذه الأمة التي بلغت
من القوة والتمكين ووسائل الإدراك ما لم
ینفعها أو يدفع عنها العذاب إذ كانت تجحد
بآيات الله ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَآَ إِن مَّكَّنَّكُمْ
فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمّعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْفَى
عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَتُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن
شَىْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَحَاقَ بِهِم
مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُ ونَ ﴾ [الأحقاف: ٢٦].
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
بِشَايَتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْرِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢].
وهنا بین أن العذاب الذي حل بهم كان
شاملا لهم جميعا لم يبق لهم بقية ولا عقب
حيث استؤصلوا عن آخرهم والدابر: الآخر.
والمعنى هنا قطع خلفهم من نسلهم وغيرهم
فلم تبق لهم باقیةٌ. والمراد به الاستئصال،
((قال قطربٌّ: يعني أنهم استؤصلوا
وأهلكوا))(٨).
(٧) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١١١.
(٨) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٢٧/٦.
٢٨٨
جَوَسُورُ
القرآن الكريم

هود عليه السلام
وقوله سبحانه: ﴿وَأُتَبِعُواْفِ هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً
وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَا إِنَّ عَادَا كَفَرُواْ رَبَّهُمُّ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ
قَوْمِ هُورٍ ﴾ [هود: ٦٠].
فلما قضى الأمر أتبعوا باللعنة ((أي:
أردفوا لعنة تلحقهم، وتصاحبهم في الدنيا
وفي الآخرة. واللعنة: هي الإبعاد، والطرد
عن الرحمة))(١).
((قال السدي: ما بعث نبيٌّ بعد عادٍ إلا بقوتهم ويقولون من أشد منا قوة؟!
لعنوا على لسانه)»(٢).
وخذلتهم آلهتهم التي کانوا یدعون لها
التأثير فلم تغن عنهم شيئا، بل حل بهم ونزل
الذي کانوا منه يسخرون وبه يستهزئون،
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾.
وهكذا حل العذاب بعاد على وفق سنة
الله تعالى في المكذبين بعد استيفاء البيان
والحجة والإمهال، فأتاهم على أشد الصور
حيث بدأ على صورة غمام يوهم بنزول
الغیث و کانوا مسنتين فاستبشروا، ولکن یا
لهول المفاجأة فإذا هي ريح ذات صوت
مرعب وهبوب شدید مع برد وجفاف محرق
تدمر كل شيء، تتبعتهم في منازلهم وأماكن
احتمائهم فنزعتهم نزعا وصرعتهم صرعا
كأنهم أصول نخل قلع من مغرسه وألقتهم
جثثا بلا رؤوس، ودامت علیھم سبع ليال
وثمانية أيام متتابعة بلا فتور حتى نخرت
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٥١١/١٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣١/٤.
أجسادهم وبليت فأصبحت كأعجاز نخل
خاوية، ولم تدع منهم أحدا فقد استأصلتهم
عن آخرهم.
وجعل الله في إهلاكهم آية فقابلهم
بجنس ما كان سبب طغيانهم، حيث جاءهم
بقوة عاتية لا طاقة لهم بمقاومتها أو الوقوف
في وجهها، وهم الذين كانوا يتبجحون
موضوعات ذات صلة:
ثمود، شعیب علیه السلام، صالح عليه
السلام، عاد، النبوة، نوح عليه السلام
www. modoee.com
٢٨٩