Indexed OCR Text

Pages 21-40

هود عليه السلام
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٢) وَقَوْمُ
إِّزْهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ﴿ وَأَصْحَبُ مَدْيَنٌَ وَكُذِّبَ
مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمٌّ فَكَيْفَ
كَانَ نَكِيرٍ ﴾ [الحج: ٤٢-٤٤]
حيث ذكرت مع مجموعة من الأمم التي
كذبت الرسل في سياق التعقيب على موقف
قریش من رسول الله صلی الله علیه وسلم
من تكذيب ومقاتلة وإخراج للمؤمنين من
ديارهم فلم تفلح ووعده بالنصر والغلبة
عليهم مسليا له ومعلما بسنة الله في
المکذبین في إملائهم ثم أخذهم.
قال الإمام الرازي: (( اعلم أنه تعالى لما
بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من
دیارهم بغير حق، وأذن في مقاتلتهم وضمن
للرسول والمؤمنين النصرة وبين أن لله عاقبة
الأمور، أردفه بما يجري مجرى التسلية
للرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر
على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين
بالتكذيب وغيره، فقال: وإن يكذبوك فقد
كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، وذكر الله
سبعة منهم))(١).
وفي سورة (ص) قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ
قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُوْ اْأَوْنَادِ ، وَثَمُودُ
وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لَيْكَةٍ أُوْلَكَ الْأَحْزَابُ
١٣
إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَاپٍ
١٤
[ص: ١٢ - ١٤].
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣١/٢٣.
مبينا التلازم المطرد بين تكذيب الرسل
وتحقق العقاب من الله.
هذه هي السور التي تحدثت عن هود
عليه السلام أو عنه وعن قومه، وکلها كما
ترى سور مكية، وهو الغالب على قصص
الأنبياء عليهم السلام باستثناء تعقيبين
في سورة الحج التي جمعت بين المكي
والمدني، والتوبة المدنية.
ولا يفوتنا أن نذكر ورود ذکر عاد في
سورة غافر على لسان مؤمن آل فرعون
محذرا قومه من عاقبة تكذيب المرسلين في
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَوْمِ إِّ أَخَافُ
مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ
عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ
نُوُجِ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِ وَمَا ◌َللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا
لِلْعِبَادِ ﴾ [غافر: ٣٠-٣١].
www. modoee.com
٢٥١

حرف الهاء
مظاهر انحراف قوم هود
تحدث القرآن الكريم عن مجموعة من
مظاهر الانحراف في قوم هود عليه السلام،
والتي منها:
أولًا: تقليد الآباء في عبادة الأصنام:
قال محمد بنإسحاق: «و کان من حدیث
عادٍ فيما بلغني والله أعلم أنهم كانوا قومًا
عربًا، وكانوا أصحاب أوثانٍ يعبدونها من
دون الله؛ صنمٌ يقال له: صداءٌ، وآخر يقال
له: صمودٌ، وصنمٌ یقال له: الهباء، فبعث الله
عز وجل لهم هودًا فأمرهم أن يوحدوا الله،
ولا يجعلوا معه إلهًا غيره، وأن يكفوا، عن
ظلم الناس))(١).
وقال ابن كثير: «كانوا أول من عبد
الأصنام بعد الطوفان، وكانت أصنامهم
ثلاثة: صدا، وصمودا، وهرا))(٢).
فلما دعاهم هود عليه السلام إلى
عبادة الله تعالى وحده أنكروا عليه أن
يدعوهم إلى ما يخالف ما كان عليه آباؤهم
وقالوا: «﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ﴾ أنكروا
واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة،
وترك دين الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء
معه، حبًا لما نشؤوا عليه، وإلفًا لما صادفوا
آباءهم يتدينون به))(٣). ﴿قَالُواْ أَجِئْتَا
لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ
ءَابَآؤُنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
٧٠
﴾ [الأعراف: ٧٠].
((والمعنى: أجئتنا لأجل أن نعبد الله
وحده ونترك ما كان يعبد آباؤنا معه من
الأولياء والشفعاء فنحقرهم ونمتهنهم
برمیهم بالكفر، ونحقر أولياءنا شفعاءنا عند
الله بترك التوجه إليهم عند التوجه إليه وهم
الوسيلة، وهو المقصود بالدعاء والاستغاثة
بهم التعظيم لصورهم وتماثيلهم وقبورهم
والنذر لهم وذبح القرابين عندهم؟ وهل
يقبل الله عبادتنا مع ذنوبنا إلا بهم ولأجلهم؟
استنكروا التوحيد، واحتجوا عليه بما أبطله
الشرع والعقل من التقليد (٤).
ومما يؤكد اتباعهم للآباء في عقيدتهم
قول هود عليه السلام: ﴿أَنْجَدِلُونَنِى فِى
أَسْمَاءِ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ
بِهَا مِن سُلْطَانٍّ فَأَنَظِرُواْ إِنَّ مَعَكُم مِّنَ
الْمُتَظِرِينَ ﴾ [الأعراف: ٧١].
حيث نسب تسمية الآلهة التي يعبدونها
لهم ولآبائهم. وهم من الأمم التي كذبت
رسلها جمودا على تقليد الآباء، فلا يقبلون
جدیدا ولو کان أهدی مما كان عليه آباؤهم،
معرضين عن كل حجة ولو كانت مثل وضح
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٥٠٨/٥، رقم ٨٦٤٦.
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير ص١٢١.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٢/ ١١٧.
(٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤٤٣/٨.
٢٥٢
مَقَ الَرُ الْنَفْسِيْ
جوسين
القرآن الكريمِ

هود عليه السلام
الشمس.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ريع))(٢). أو الفج بين جبلين. والآية: العلم،
فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيٍ إِلَّا قَالَ مُتَّرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا
٢٣
عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَائِهِم ◌ُقْتَدُونَ
قَلَ أَوَلَوْ جِنْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمَّ عَلَيْهِ مَابَدَكُمْ
فَانَتَقَمْنَا
قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أَرْ سِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ )
مِنْهُمّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
[الزخرف: ٢٣-٢٥].
ثانيًا: الاغترار بالقوة والمال:
قال تعالى مخبرًا عن قول هود عليه
السلام لقومه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ◌َايَةً تَعْبَثُونَ
١٣٩
(١٢٨
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَّارِينَ ()
(١٣١)﴾ [الشعراء: ١٢٨-١٣١].
وَأَطِيعُونِ
في هذه الآيات يكشف هودٌّ عليه السلام
عن الأحوال التي كان عليها قومه، منكرا
عليهم صنيعهم لما فيها من مظاهر الفساد
والعلو والإمعان في الغفلة، وهذه الأعمال
وإن كانت في أصلها مشاريع نافعة، ولكن
المنكر في تحويلها عن مسارها واستعمالها
في غير غايتها وهي ثلاثةٌ:
فأولها قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةٌ
تَقْبَئُونَ﴾ الريع: وهو المكان المرتفع، ومنه
قوله كم ربع أرضك وهو ارتفاعها(١).
((قال النحاس: ومعروف في اللغة أن
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٢٢/٢٤.
يقال لما ارتفع من الأرض ريع وللطريق
أو العلامة ((وتطلق الآية على المصنوع
المعجب لأنه يكون علامةً على إتقان صانعه
أو عظمة صاحبه))(٣).
والمعنى يحتمل أربعة وجوه:
أحدها: الريع هو المكان المرتفع: عن
ابن عباس أنھم کانوا یینون بکل ربع علما،
أي: أنهم يبنون في كل مكان مرتفع مشرف
بناء شامخا کالقصر ونحوه فیکون بارزا
ظاهراً للسائرين أو للناظرين، ولما كانوا
مبالغين في هذا الفعل لكثرته وفشوه فيهم
كما يدل على ذلك لفظ: (كل)، وكانوا غير
محتاجین إلیه كان فعلهم عبئا لا طائل منه لا
ينتفع به، فلا يقصد به إلا التفاخر والتعالي.
الثاني: الريع: الطريق، لذا ذهب فريق
إلى أنهم كانون يبنون على كل الطرق الواقعة
تحت سلطانهم بناء يتخذونه مرصدا للمارة
يعبثون فيه بمن يمر في الطريق إلى هودٍ
عليه السلام، أو يعبثون بمن يمر في الطريق
عموما-وهو الأولى: فيسخرون منهم.
والثالث: أخذ من تغليب معنى: ﴿مَايَةٌ ﴾
وهي العلامة وحملوها على المعالم التي
يهتدي بها السائرون فقالوا: إنهم كانوا ممن
يهتدون بالنجوم في أسفارهم فاتخذوا في
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ١٢٣.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٧/١٩.
www. modoee.com
٢٥٣

حرف الهاء
لعبث
طريقهم أعلامًا طوالًا فكان ذلك عبثًا لأنهم وجدوه منها. فصار وجودها شيبـ
كانوا مستغنين عنها بالنجوم(١).
ذهب ابن عاشور أن هذه المعالم کانت
في الأصل لغرض صحيح ثم تحولت عنه
إلى العبث فقال: ((فمن سابق أعمال عاد
أنهم كانوا بنوا في طرق أسفارهم أعلاما
ومنارات تدل على الطريق كيلا يضل
السائرون في تلك الرمال المتنقلة التي لا
تبقى فيها آثار السائرين واحتفروا وشيدوا
مصانع للمياه وهي الصهاريج تجمع ماء
المطر في الشتاء ليشرب منها المسافرون
وينتفع بها الحاضرون في زمن قلة الأمطار،
وبنوا حصونا وقصورا على أشراف من
الأرض، وهذا من الأعمال النافعة في ذاتها
لأن فيها حفظ الناس من الهلاك في الفيافي
بضلال الطرق، ومن الهلكة عطشا إذا فقدوا
الماء وقت الحاجة إلیه، فمتى أريد بها رضی
الله تعالى بنفع عبيده كانت جديرة بالثناء
عاجلا والثواب آجلا))(٢).
ثم قال: ((فأما إذا أهمل إرضاء الله
تعالى بها واتخذت للرياء والغرور بالعظمة
وكانوا معرضين عن التوحيد وعن عبادة الله
انقلبت عظمة دنيوية محضة لا ينظر فيها إلى
جانب النفع ولا تحث الناس على الاقتداء
في تأسيس أمثالها وقصاراها التمدح بما
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٢٣/٢٤،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢٣/١٣.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٦/١٩.
لأنها خلت عن روح المقاصد الحسنة فلا
عبرة عند الله بها لأن الله خلق هذا العالم
ليكون مظهر عبادته وطاعته* (٣).
الرابع: بنوا بكل ريع: بروج الحمام
دليله: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ أي: تلعبون، أي تبنون
بکل مکانٍ مرتفع آیةً علمًا تلعبون بھا علی
معنى أبنية الحمام وبروجها (٤).
وإنما صار فعلهم هذا مذمومًا لدلالته
إما على السرف، أو على الخيلاء. أقول:
وتخصيص البناء ببروج الحمام أخذا من
لفظ تعبئون تخصيص بلا مخصص فإن
العبث لا يقتصر على اللعب بالحمام.
وثانيها: قوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ
تَخْلُدُونَ﴾. ((والمصانع: جمع مصنع وأصله
مفعلٌ مشتقٌ من صنع فهو مصدرٌ ميميٌ
وصف به للمبالغة، و((الصنع: إجادة الفعل
ويعبر عن الأمكنة الشريفة بالمصانع)» (٥).
والمصنع ما يصنع لجمع الماء نحو البركة
والصهريج والمصنعة بالهاء لغةٌ والجمع
مصانع (٢). فقيل: ((هو الجابية المحفورة في
الأرض)»(٧).، وقيل «المصانع مآخذ الماء،
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٢٣/٢٤،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢٣/١٣.
(٥) المفردات، الراغب ص ٤٩٣.
(٦) المصباح المنير، الفيومي ٣٤٨/٣.
(٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩/ ١٦٧.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
٢٥٤

هود عليه السلام
وقيل: مآخذ للماء ومجاري تحت الأرض
أو برك الماء، وهذه المعاني كلها تتعلق
بالماء جمعا وتخزينا وتوزيعا. وقيل القصور
المشيدة والحصون المحكمة.
تَخْلُدُونَ﴾ ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه
حالكم حال من يخلد))(١).
ويبدو كذلك من قوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ
مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ إذا حملنا معنى
مصانع على مدلولها اللغوي دون تخصيصها
بما يتعلق بالمیاه فإن عادا کانت قد بلغت من
الحضارة الصناعية مبلغا يستحق أن يذكر
حتى لتتخذ المصانع لنحت الجبال وبناء
القصور، وتشييد العلامات على المرتفعات
وحتى ليجول في خاطر القوم أن هذه
المصانع وما ينشؤونه بوساطتها من البنيان
كافية لحمايتهم من الموت، ووقايتهم من
مؤثرات الجور ومن غارات الأعداء(٢).
وإنما صار هذا الفعل مذمومًا لدلالته
على الأمل الطويل والغفلة التامة عن الآخرة
مع الإقبال على الدنيا ونسيان أنها دار ممٍ
لا دار مقر.
وثالثها: قوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ
جَّارِينَ﴾، ((البطش: التناول عند الصولة.
والأخذ الشديد في كل شيء: بطش به))(٣).
و((أصل الجبر: إصلاح الشيء بضرب من
(١) الكشاف، الزمخشري ٣٢٦/٣.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٠٩/٥.
(٣) العين، الفراهيدي ٦/ ٢٤٠.
القهر، يقال: جبرته فانجبر واجتبر والإجبار
في الأصل: حمل الغير على أن يجبر الآخر
لكن تعورف في الإكراه المجرد والجبار
في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته
بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، وهذا
لا يقال إلا على طريق الذم، كقوله عز وجل:
﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم : ١٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا﴾
[مريم: ٣٢].
وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾
[المائدة: ٢٢].
وقوله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى
كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
أي: متعال عن قبول الحق والإيمان
له))(٤).
فهود عليه السلام يخاطب قومه في هذه
الآية زاجرا لهم عن فعل مذموم في طريقة
استعمال القوة التي تميزوا بها، قال الرازي:(
بين أنهم مع ذلك السرف والحرص فإن
معاملتهم مع غيرهم معاملة الجبارين،
وهذا الوصف في العباد ذم وإن كان في
وصف الله تعالى مدحا فكأن من يقدم على
الغير لا على طريق الحق ولكن على طريق
الاستعلاء يوصف بأن بطشه بطش جبار (٥).
والمعنى: أنكم إذا بطشتم بآلة من آلات
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٨٤.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٥٢٣.
www. modoee.com
٢٥٥

حرف الهاء
الضرب كسوط أو سيف كان ذلك ظلما
وعلوا لا رحمة فيه، استجابة لأتفه دواعي
الغضب. مع المبادرة والتعجيل دون إنظار
ولا إمهال ولا تثبت في استحقاق المبطوش
به، ولا تفكر في العواقب(١). وذلك لفرط
قوتهم واستهانتهم بالضعفاء من الخلق.
((وحاصل الأمر في هذه الأمور الثلاثة أن
اتخاذ الأبنية العالية، يدل على حب العلو،
واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء،
والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو،
فيرجع الحاصل إلى أنهم أحبوا العلو وبقاء
العلو والتفرد بالعلو وهذه صفات الإلهية،
وهي ممتنعة الحصول للعبد، فدل ذلك
على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث
استغرقوا فيه وخرجوا عن حد العبودية
وحاموا حول ادعاء الربوبية، وكل ذلك ينبه
على أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وعنوان
كل كفر ومعصية))(٢).
وهکذا یضع هود عليه السلام يده على
العلل الجوهرية لفساد القوم وضرورة
معالجتها.
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٢٦/٣.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٥٢٣.
معالم دعوة هود عليه السلام
جاءت دعوة هود عليه السلام واضحة
المعالم، مكتملة الأصول والفروع، متناسبة
مع حال قومه، تعالج واقعهم، وتحمل
الدواء الكافي والملائم لعللهم ومظاهر
فسادهم، کما کان هود عليه السلام متصفا
بصفات تؤهله لمواجهة ما بلغه قومه من
العتو والتكبر، وما هم عليه من قدرات
عقلية جعلتهم على مستوى عال من القدرة
على المناظرة والمحاجة، ولا شك أن الله
تعالى أعده وأهله لهذه المهمة الخطيرة؛ فإن
النبوة اصطفاء وإعداد رباني، من لوازمها
الفطنة والذكاء، ولا يكلف الله تعالى إلا من
اصطفاه وأعده ليكون على قدر الموقع الذي
وضعه الله تعالى فيه.
قال تعالى: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْمَلُ
رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
ويمكن أن نبين معالم دعوة هود عليه
السلام وأصولها وفروعها وأسلوبه في
الدعوة، وقدرته على أداء رسالته من خلال
النقاط الآتية:
أولًا: الدعوة إلى الإيمان بالله وحده:
أرسل الله تعالى إلى عاد أخاهم هودا
فهو واحد من أنفسهم! مطلع على واقعهم
بصير بأعمالهم وابن بيئتهم ليفهموه، ويفهم
منهم، فيكون أقدر على معالجة أحوالهم.
٢٥٦
جوية
القرآن الكريمِ

هود عليه السلام
فهم يعرفونه ويعرفون شمائله وأخلاقه،
فیکون ذلك أدعى إلى تصدیقه(١).
وقد بنيت دعوته علیه السلام على أسس
عقائدية ثلاثة هي التي قامت عليها جميع يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُوْ أَفَلَا نَنَّقُونَ
رسالات الأنبياء وهي:
١. الدعوة إلى الإيمان بالله وعبادته وحده
وترك كل ما ابتدعه الناس من آلهة
باطلة.
حمل هود عليه السلام لواء الدعوة إلى
الله تعالى في زمانه، متوافقا مع الأساس
الذي قامت عليه دعوة الأنبياء من قبله ومن
بعده، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّآ أَنَاْ
فَأَعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
ولقد كان هود عليه السلام علما من
سلسلة الأنبياء الذين تعاقبوا في تاريخ
البشرية داعين إلى الله، سبقه فريق منهم
واستمرت قافلة الإيمان من بعده.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَمِنْ خَلْفِهِ- أَلَّا تَعْبُدُ وَاْ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحقاف: ٢١].
قال ابن الجوزي في تفسير هذه الآية:
((قد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده
بإنذار أممها ألا تعبدوا إلا الله والمعنى: لم
یبعث رسولٌ قبل هود ولا بعده إلا بالأمر
بعبادة الله وحده»(٢).
(١) انظر: التفسير الواضح، محمد الحجازي
٧٢٩/١.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١١٠.
وعلى هذه الحقيقة قامت دعوة هود عليه
السلام.
قال تعالى: ﴿﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ
﴾ [الأعراف: ٦٥] وقال: ﴿وَ إِلَى عَادٍأَخَاهُمْ
٦٥
هُوَدَّا قَالَ يَنَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَّهِ
غَيْرُ هُوَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ﴾ [هود: ٥٠].
وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ,
وقال:
بِالْأَحْقَافِ وَقَّدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ، أَلَّا تَعْبُدُوْ إِلَّا اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأحقاف: ٢١].
وهي دعوة إلى عبادة الله تعالى وحده
لا شريك له مصحوبة بدليلها وبرهانها،
فقوله ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ جوهر الحقيقة التي
هي مفتاح صلاح حالهم واستقامة أمرهم،
ووقوفهم على الحق الذي ما سواه باطل
وضلال، فإن العبادة لا تنبغي إلا له وحده،
والبرهان على هذه الدعوى قوله: ﴿مَا لَكُمْ
مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فهي الحقيقة الواضحة التي لا
ینکرها عاقل، ولا تخفی علی ذي لب؛، فهل
في الوجود إله تفرد بكل خصائص الألوهية
من خلق وإيجاد ورعاية وإمداد وتدبير
للکون کله سمائه وأرضه غير الله؟ وهل من
معبود يصلح أن يعبد سواه؟
وهذه الدعوة مع برهانها تتضمن ترك
كل ما يعبدون من آلهة مفتراة لا تحمل من
مقومات الألوهية ومعانيها شيئا، وهي آلهة
www. modoee.com
٢٥٧

حرف الهاء
ظاهرة البطلان مخلوقة عاجزة، عابدها في
ضلال مبين، متذلل لما لا يستحق التعظيم
غافل عمن يستحقه. ((﴿أَفَلَا تَنَّقُونَ﴾: أفلا
تخافون عقاب الله بعبادتکم شیئا دونه، وهو
الإله الذي لا إله لكم سواه))(١).
قال الإمام الرازي: ((اعلم أن هودا عليه
السلام دعا قومه إلى التوحيد وترك عبادة
الأصنام بالدليل القاطع وذلك لأنه بين أن
نعم الله عليهم كثيرة عظيمة وصريح العقل
يدل على أنه ليس للأصنام شيء من النعم
على الخلق لأنها جمادات والجماد لا قدرة
له على شيء أصلا وظاهر أن العبادة نهاية
التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن
يصدر عنه نهاية الإنعام، وذلك يدل على
أنه يجب عليهم أن یعبدوا الله وأن لا یعبدوا
شيئا من الأصنام. ومقصود الله تعالى من
ذكر أقسام إنعامه على العبيد هذه الحجة
التي ذکرها ثم إن هودا علیه السلام لما ذکر
هذه الحجة اليقينية لم يكن من القوم جواب
عن هذه الحجة التي ذكرها إلا التمسك
بطريقة التقليد فقالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ
وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾
[الأعراف: ٧٠]»(٢).
اتخاذ آلهة ظاهرة البطلان، وأنها مجرد أسماء
فارغة مجردة من أي من صفات الألوهية
وخصائصها حین قال: ﴿أَتُجَدِلُونَنى فى
أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ
بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١].
حيث أنكر عليهم مجادلتهم في آلهة
ظاهرة البطلان تحمل أسماء اختلقوها
هم وآباؤهم؛ ((وذلك لأنهم كانوا يسمون
الأصنام بالآلهة مع أن معنى الإلهية فيها
معدومٌ، وهذا صنیع الكافرين حيث سموا
واحدًا منها بالعزى مشتقًا من العز والله ما
أعطاه عزّا أصلًا، وسموا آخر منها باللات
وليس له من الإلهية شيءٌ﴾(٣).
وقال ابن جزي: (( أتجادلونني في أسماءٍ
سميتموها يعني الأصنام: أي تجادلونني في
عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف،
وأراد بقوله: سميتموها أنتم وآباؤكم جعلتم
لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا
يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من
غير دليل على أنها آلهة، فقولكم باطل.
فالجدال على القول الأول في عبادتها،
وعلى القول الثاني في تسميتها آلهة)) (٤).
((وقوله: ﴿مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾
وقد تولى هود عليه السلام كشف عبارةٌ عن خلو مذاهبهم عن الحجة
والبينة»(٥).
ضلالهم وضلال آبائهم وفرط جهالتهم في
(١) جامع البيان، الطبري ٢٨/١٩.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣٠٢.
جوبيبو
القرآن الكريمِ
(٣) المصدر السابق ٣٠٣/١٤. بتصرف.
(٤) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ٢٩٣.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣٠٣.
٢٥٨

هود عليه السلام
وقد جعل هود عليه السلام الدعوة إلى يليق بالإنسان الذي صنعها أن يعبدها وأن
عبادة الله تعالى وحده منطلقا إلى عناصر يضع الجبهة على التراب تعظيما لها))(١).
العقيدة، وركيزة إلى منهج الحياة.
فمرة ربط الدعوة إلى عبادة الله تعالى
وحده بالتقوى التي يراد بها الاستقامة على
أمر الله بطاعته وطلب رضوانه، والحذر
من معصيته المفضية إلى التعرض لغضبه
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ
وعقابه، فقال:
يَنْقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ أَفَلَا نَتَّقُونَ
﴾ [الأعراف: ٦٥].
وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُواْ
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا نَنَّقُونَ
[المؤمنون: ٣٢].
ومرة أخرى قرنها بالتحذير من الكذب
وجعلها مدخلا للزجر عن الافتراء الذي
تقوم عليه حیاتهم ومعتقدهم، وهو ادعاء ما
لا علم لهم به، ولا دلیل علیه مما هو ظاهر
بطلانه ومخالفته للحق فقال: ﴿وَ إِلَى عَادٍ
أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَنقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم
مِّنْ إِلَّهٍ غَيْرُهُ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُقْتَّرُونَ ﴾﴾
[هود: ٥٠].
قال الرازي في تفسير هذه الآية: ((يعني:
أنكم كاذبون في قولكم: إن هذه الأصنام
تحسن عبادتها، أو في قولكم: إنها تستحق
العبادة، وكيف لا يكون هذا كذبا وافتراء
وهي جمادات لا حس لها ولا إدراك،
والإنسان هو الذي ركبها وصورها فكيف
ومرة أخرى جعله مدخلا للدعوة إلى
الإيمان باليوم الآخر والتحذير من عواقبه،
فقال: ﴿﴿ وَأَذْ كُرْأَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِآلآحْقَافِ
وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ: أَلَّا
تَعْبُدُوْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
٢)﴾ [الأحقاف: ٢١].
وجعلها كذلك المستند لإدراك مفهوم
النبوة وقيمتها وفضلها وأهميتها في اعتمادها
الطريق الوحيد للفوز برضوان الله فلا سبيل
للنجاة إلا بطاعة نبيهم، فهو دليلهم الهادي
إلى ما ينجيهم من سخط الله ويوصلهم إلى
أبواب رضوانه ورحمته وهي الأساس الثاني
من الأسس العقدية لدعوة هود عليه السلام،
حيث قال: ﴿إِنِّ لَكُ رَسُولُّ أَمِينٌ (٥) فَأَنَّقُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ
﴾ [الشعراء: ١٢٥-١٢٦].
١٢٦
وهكذا يبرز هود عليه السلام أن عقيدة
التوحيد هي الأساس الذي يبنى عليه كل
صلاح.
٢. الإيمان بالنبوة ولوازمها.
لقد أرسل الله تعالى هودا رسولا إلى
قومه كما أخبر عن ذلك في آیات عديدة منها
تصريحا باسمه كما في سورتي الأعراف
وهود، حيث قال: ﴿﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾
[الأعراف: ٦٥].
(١) المصدر السابق ٣٦٣/١٨.
www. modoee.com
٢٥٩

حرف الهاء
١٢٧)
عطفا على قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى مِنْ أَجْرٌّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
[الشعراء: ١٢٤-١٢٧].
قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩].
أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، وقال:
﴿وَ إِلَى عَادٍأَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود: ٥٠]عطفا على
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُحًا إِلَى قَوْمِهِ إِ لَكُمْ
نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ [هود:٢٥].
ومنها بصفته من حيث صلته مع قومه
﴿* وَأَذْكُرُأَنَا
كما فى الأحقاف حيث قال:
عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَّدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١].
وذكره في عداد الرسل كما في سورة
عَرْضَواْ فَقَلْ
فصلت، حيث قال:
أَنْذَرْتُكُمْ صَحِقَةً مِثْلَ صَحِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ (٣) إِذْ
جَآءَ تُهُمُ الرّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾
[فصلت: ١٣ - ١٤].
وجعل هود عليه السلام الدعوة إلى النبوة
والرسالة ومقتضياتها من العناصر الأساسية
في دعوته لقومه كما هي في دعوة کل نبي
إعلانا للحقيقة التي اختاره الله تعالى لها،
ولا بد من إعلامهم بهذه الحقيقة بصراحة
ووضوح مع إقامة الحجة وإظهار البينة
حتى يقع الإلزام بالاستجابة إليه وطاعته
فیما يأمر وينهى، فما هو إلا مبلغ عن الله
تعالى. وقد جاءت هذه الحقيقة واضحة
في آيات عديدة، منها قوله تعالى: ﴿إِذْقَالَ
إِ لَّكُ رَسُولُ أَمِينُ
١٢٤
◌َهُمْ أَخُوهُمْ هُوَُّ أَلَا نَتَّقُونَ (
وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ
١٢٦
فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (
١٢٥
وفي موضع الرد على تسفیھھم له يقول:
﴿وَلَكِنِى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
٦٧
أَتَلِغُكُمْ رِسَلَتِ بَنِ وَأَنَاْ لَكُنْ نَامِعُ أَمِينُ ()
أَوَ ◌َبْتُمْ أَنْ جَءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ
مِّنكُمْ لِمُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٧ -٦٩].
وقد تضمنت هذه الآيات عدة أمور
تتعلق بالرسالة والرسول؛ من حيث حقيقتها
ودليلها وصفات الرسول والرد على شبهات
القوم حولها.
فحقيقتها أنه رسول من رب العالمين،
أي: الله أرسلني فأتلقى الوحي والعلم منه،
فأنا أبلغكم رسالات ربي، وأؤديها إليكم
كما أمرني أن أؤديها. وجاءت في سياق
الرد على وصفهم له بالسفه فقال: ﴿وَلَکِی
رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ استدراكٌ مما
قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في الغاية
القصوى من الرشد والأناة والصدق
والأمانة، فإن الرسالة من جهة رب العالمين
موجبةٌ لذلك حتمًا؛ کأنه قیل لیس بي شيء
مما نسبتموني إليه ولكني في غاية ما یکون
من الرشد والصدق (١) ﴿أَلْغُكُمْ رِسَلَتِ
رَقِ﴾ وما علي إلا أن أبلغكم على أتم وجه
رسالات ربي التي أوحاها إلي لما فيها من
سوق الخير إليكم ودفع الشر عنكم.
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣٨/٣.
٢٦٠
مَوَسُولَةُ النَّقسيمة
القرآن الكريمِ

هود عليه السلام
(وتخصیص ربوبيته تعالى له عليه السلام
بعد بيان عمومها للعالمين للإشعار بعلة
الحکم الذي هو تبلیغ رسالته تعالی إلیھم
فإن ربوبيته تعالى له من موجبات امتثاله
بأمره تعالی بتبلیغ رسالته»(١).
((وجمع الرسالات مع أن رسالة الأنبياء
واحدة رعاية لاختلاف أوقاتها، أو تنوع
المعاني التي فيها، أو باعتبار حاملها، أي:
أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من
الأنبياء كإدريس وشيث عليهما السلام)»(٢).
﴿وَأَنَاْ لَكُمْ نَامِعُ أَمِينٌ﴾ ((قال الأصمعي:
الناصح: الخالص من العسل وغيره، وكل
شيءٍ خلص فقد نصح))(٣).
فمعنی: ﴿وآناً لگُنْ نَامِئُ﴾ أي: أخلص
النية لكم عن شوائب الفساد. وذلك أني
أتحرى ما فيه صلاحكم بناء على أن النصح
تحري ذلك قولا أو فعلا، وقيل: هو تعريف
وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب
المكروه، والمعنى هنا: أبلغكم أوامر الله
تعالی ونواهيه بصدق وأمانة لا أكذب فیه
ولا أزید ولا أبدل، بل أبلغ ما أمرت كما
أمرت»(٤). وأرغبکم في قبولها وأحذركم
عقابه إن عصیتموه(٥).
(١) روح المعاني، الألوسي ٣٩٠/٤ - ٣٩١.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٢٤٧/٢. بتصرف.
(٣) الصحاح، الجوهري ١/ ٤١١.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٠٤.
(٥) روح المعاني، الآلوسي ٣٩٠/٤-٣٩١.
وعبر عنها بصيغة اسم الفاعل وذلك؛
((أن القوم رموه بالسفاهة وهي من صفات
النفس وصفات النفس ثابتة، يتولد عنها
الخفة، والعجلة المذمومتين، وهي ضد
الحلم، وهو معنى ثابت، يتولد عنه الأناة
المحمودة، فأجابهم بصيغة الاسم الدال
علی ثبات النصح والاستمرار فيه»(٦).
وجيء باللام هنا في: ﴿لَكُمْ﴾ لإفادة
أنهم مخصوصون بالنصيحة، فالنصح لهم
وليس لغيرهم؛ بمعنى: أن نفعه يعود عليهم
لا عليه عليه السلام وهذا مبني على أن اللام
للاختصاص لا زائدة (٧).
واحتج على صدقه في رسالته بتجرده
وقطع طمعه عن مكاسب الدنيا أو منازعتهم
ومنافستهم على ما في أيديهم من متاعها،
فقال: ﴿يَقَوْمِ لَّا أَسْئَلُكُمُ عَلَّهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ
إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَفِنَّ أَقَلَا تَعْقِلُونَ
٥١
[هود: ٥١].
ما من رسول إلا كانت غايته نزيهة سامية
نبيلة، وكثير منهم واجه قومه بهذا القول،
لأن شأنهم النصيحة، والنصيحة لا يمحصها
ولا يمحضها إلا حسم المطامع، وما دام
يتوهم شيء منها لم تنجح ولم تنفع، كما أن
الدعوة إلى الله تعالى إذا كانت مطهرةً عن
دنس الطمع، قوي تأثيرها في القلب.
(٦) درة التنزيل وغرة التأويل، الإسكافي
٦٠٥/٢. بتصرف.
(٧) روح المعاني، الألوسي ٣٩١/٤.
www. modoee.com
٢٦١

حرف الهاء
ثم وجه إليهم سؤالا إنکاریا بقوله: ﴿آفلا
تَعْقِلُونَ﴾،داعيا إياهم إلى استعمال عقولهم
لمعرفة المحق من المبطل والمصيب من
المخطئ(١). محذرًا من رد نصيحة من لا
یطلب عليها أجرًا إلا من الله، وهو ثواب
الآخرة، ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك(٢).
ثم دخل إلى إعماق نفوسهم ببراعة فائقة
ليطارد فيها أسباب التكذيب والإعراض
عن دعوته، كاشفا أن ذلك لا يقوم على
مستند أو دليل تقوم به الحجة وإنما هو
مجرد الاستبعاد والاستغراب الذي سرعان
ما يتبدد أمام الفكر الحر والتدبر السليم
لمن كان عاقلا فقال: ﴿أَوَعَبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ
ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِسُنذِرَكُمْ﴾
[الأعراف: ٦٩].
أي: ((استبعدتم وعجبتم أو أكذبتم
وعجبتم أو أنكرتم وعجبتم ﴿أَنْ جَلَكُمْ
ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: وحي وموعظة
على رجل منكم أي: على لسان رجل
منکم تعرفونه، ولم يكن ذلك على لسان
من لا تعرفونه أو لا تعرفون لغته، وقيل:
﴿عَلَى﴾ بمعنى: مع، أي: مع رجل منكم
لأجل أن ينذركم به ﴿وَلِنَتَّقُواْ﴾ ما يخالفه
﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بسبب ما يفيده الإنذار
لكم والتقوى منكم من التعرض لرحمة الله
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٣٨/٣.
(٢) الكشاف ٢/ ٤٠٢.
سبحانه لكم ورضوانه عنكم»(٣). أو على
رجلٍ منکم أي: من جملتکم، أو من جنسكم
و کانوا یتعجبون من إرسال البشر ويقولون:
﴿وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَأَنَزَلَ مَلَكَةَّ مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ
ءَابَآَيْنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]))(٤).
وهكذا جعل هود عليه السلام الدعوة
إلى النبوة وإقامة البرهان على ثبوتها هي
الخطوة الثانية للإصلاح.
٣. الإيمان باليوم الآخر.
الإيمان باليوم الآخر وما يترتب على
ذلك من حسن الاستعداد له بالعمل الصالح
واستثمار الحياة الدنيا فيما يحقق حسن
الاستخلاف الذي ابتلي به الإنسان في دار
البلاء وأنه سيحاسب على أعماله فيها، وأن
الآخرة هي دار الجزاء هو الأساس الثالث
لدعوة هود عليه السلام. وقد حذر هود عليه
السلام قومه من عاقبة هذا اليوم واصفا إياه
بأنه یوم عظیم.
﴿ وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ.
قال تعالى:
بِاَلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ: أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
[الأحقاف: ٢١].
يَوْمٍ عَظِيمٍ )
﴿إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ
وقال:
عَظِيمِ (٣٥)﴾ [الشعراء: ١٣٥].
فما كان منهم إلا التكذيب بهذا اليوم
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٢٤٧.
(٤) البحر المديد، ابن عجيبة ٢٢٩/٢.
٢٦٢
جَوَّسُو ◌َرَ الـ
القرآن الكريمِ

هود عليه السلام
الذي وصفه الله تعالى بالقارعة فقال:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴾ [الحاقة: ٤].
ثم ذكر تكذيبهم الإجمالي المتضمن
للتكذيب بكل ما جاء به هود عليه السلام من
الإيمان بالله تعالى، وبنبوة هود عليه السلام
المتضمنة للتكذيب بالرسل جميعا، ثم
التكذيب باليوم الآخر. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَفَ
كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴾ [القمر: ١٨].
وكيف جعلهم الله عبرة لكل مكذب
بالرسل(١).
ومما يدل على تبليغ هود عليه السلام
قومه حقيقة اليوم الآخر والتحذير من عواقبه
ما جاء في سورة المؤمنون - عند من يرجح
أنها في قوم هود-من تكذيبهم بلقاء الله
وعرض شبههم التي تشبثوا بها في تبرير
تکذیبھم.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ أُلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْتَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ
مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴿ وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا
أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا
مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا تَّخَسِرُونَ )
٣٥
مِثُمْ وَكُنتُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٦) إِنْ ◌ِىَ إِلََّ حَيَانُنَا
الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٥) إِنْ
هُوَ إِلَّا رَجُلُّ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ.
﴾ [المؤمنون: ٣٣-٣٨].
بِمُؤْمِنِينَ (٢٨)
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٨٥.
فالقوم مكذبون بالآخرة مكذبون
بالبعث بعد الموت مستبعدون أن يعودوا
للحياة بعد أن يصيروا ترابا وعظاما. وقد
تولى الإجابة المترفون من قومه كما هي
سنتهم يحملون كبر تكذيب الرسل وتنفير
العامة منهم؛ قائلين على سبيل الاستفهام
الإنكاري التكذيبي: ((أيعدكم أنكم إذا متم
وكنتم ترابًا في قبوركم، وعظاما قد ذهبت
لحوم أجسادكم، وبقيت عظامها أنكم
مخرجون من قبور کم أحياء، کما کنتم قبل
مماتکم؟»(٢).
وكل ذلك يدل على أن دعوة هود عليه
السلام إلى الإيمان باليوم الآخر وما يجري
فیه من حساب كانت واضحة بينة، کذب بها
القوم وجحدوها كما فعل من قبلهم ومن
بعدهم من الكافرين.
ومع الجهود المضنية المتواصلة التي
بذلها هود عليه السلام واستفرغ لها حياته
كلها بما أوتي من فصاحة وحجة لم يؤمن
به إلا قليل، وقد استدل الزمخشري على أنه
استجاب له بعض أشرافهم من نظم الآية في
قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن
قَوْمِهِ﴾﴾ [الأعراف: ٦٦].
فقال: ((فإن قلت: لم وصف الملأ الذين
كفروا دون الملأ من قوم نوح؟ قلت: كان في
أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن
(٢) المصدر السابق ٢٩/١٩.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف الهاء
سعد الذي أسلم وكان يكتم إسلامه فأريدت فصل الدين عن الحياة في رسالات الأنبياء
عليهم صلاة الله وسلامه.
التفرقة بالوصف ولم يكن في أشراف قوم
نوح مؤمن)»(١).
وهكذا كان الإيمان باليوم الآخر وتهيئة
النفوس لتحمل مسؤولية إعمالها وما يترتب
على ذلك من الثواب والعقاب هي الركيزة
الثالثة للإصلاح.
ثانيًا: الدعوة إلى الإصلاح:
تقدم الحديث عن مظاهر الفساد عند عاد
من خلال قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ◌ِءَايَةً
تَعْبَثُونَ (٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
(٢) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ (٣).
[الشعراء: ١٢٨-١٣١].
وهذه الآيات مع ما تحمله من الدلالة
على ما بلغته عاد من الحضارة المادية،
فإنها تكشف عن مظاهر الفساد وصورة
الانحراف عن المنهج السليم في استثمار
المنجزات الحضارية والقوة المادية التي
يحققها الإنسان إذا هيأ الله تعالى له أسباب
التمكين في الأرض.
كما تحمل لنا بيان منهج هود عليه
السلام في الإصلاح، حيث لم تقتصر دعوته
عليه السلام على القضايا الدينية العقدية،
وإنما وجه نظره إلى تصويب قومه وتصحيح
مسارهم في سائر مرافق الحياة، حيث لا
(«فينكر عليهم الترف في البنيان لمجرد
التباهي بالمقدرة، والإعلان عن الثراء،
والتكاثر والاستطالة في البناء من غير حاجة
إليه، كما ينكر غرورهم بما يقدرون عليه
من أمر هذه الدنيا، وما يسخرونه فيها من
القوى، كل ذلك مع غفلتهم عن تقوى الله
ورقابته، والاستعداد للقائه، حیث قال منكرا
٠١٢٨
عليهم: ﴿أَتَبَّنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةٌ تَعْبَثُونَ
ه؟،
١٣٩
وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
وكان القصد من ذلك هو التفاخر والتطاول
بالمقدرة والمهارة، ومن ثم سماه عبثا.
ولو كان لهداية المارة، ومعرفة الاتجاه ما
قال لهم: «تعبثون» فهو توجیه إلی أن ينفق
الجهد، وتنفق البراعة، وينفق المال فيما هو
ضروري ونافع، لا في الترف والزينة ومجرد
إظهار البراعة والمهارة» (٢).
كما ينكر عليهم اتخاذ المصانع وهي
صهاريج المياه مع وسائل جمعها وتصريفها
وما تحققه من الرفاهية والنعيم والمتعة بما
يجعل همهم منصرف إلى الدنيا مقبلين
عليها بكل طاقاتهم مع كمال الغفلة عن
الآخرة حيث تنصرف النفوس عن أي عمل
خير مجرد عن مطامع الدنيا، أو التقصير
فيه، أو محاسبة النفس على فعل الشر، حتى
(١) الكشاف، الزمخشري ١١٦/٢.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٠٩/٥.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيَّ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٦٤

هود عليه السلام
غلب عليهم الوهم بأنهم مخلدون.
للحياة هدفا ولا غاية، مع قسوة القلب في
كما أنكر عليهم طريقة استعمالهم لما التعامل مع من هو أضعف منهم، فلا خيرهم
مأمول ولا شرهم مأمون.
تميزوا به من قوة فإذا بطشوا بطشوا بطشة
الجبارين من غير رحمة ولا حق.
فهود عليه السلام لم ينكر على قومه
المباني التي تكون مظنة النفع في الإيواء
وعلامات لهداية المارة في مجاهيل
الصحراء لإرشادهم. ولا اتخاذ المصانع
التي تحقق جمع الماء عند نزول الأمطار
وتخزينه واستثماره وقت الحاجة، فهو سر
الحياة وحفظ الأنفس ووسيلة الخصب
والنماء.
ولم ينكر عليهم امتلاك القوة الذي قد
يكون أحيانا في موضعه مع من يستحقه،
ولكنه ينكر عليهم تحويل مسار هذه المنافع
في غير وجهها فلا تكون المباني والإكثار
منها لغير حاجة إلا للعبث والإمعان في
الغفلة والتفاخر والتباهي، كما ينكر اتخاذ
المصانع التي تهيء لهم أسباب الترف
والانغماس في التنعم، غافلين عن شكر الله
على هذه النعم، ممعنین في الاغترار بالدنيا
غافلين عن الآخرة، ليس لهم هدف ولا
مطلب شريف، وكذلك استعمال القوة في
غير موضعها دون رحمة أو حكمة.
بهذا يضع يده على العلة الحقيقية التي
يعاني منها قومه من انطواء نفوسهم على
السوء لا يعرفون إلا التفاخر لا يدركون
ثالثًا: التذکیر بنعم الله:
لما ذكر هودٌّ عليه السلام ما كان عليه
قومه من مظاهر الفساد كاشفا لهم عن
عللهم وأسقامهم واستخدامهم لنعم الله
في غير موضعها قال: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
أي: احذروا غضب الله في جحود نعمته
وعدم شكره، وأطيعون لأبين لكم طريق
مرضاته وسبيل زيادة نعمته وذلك توجيها
لهم إلى الآخرة؛ وزجرا لهم عن حب الدنيا
والاشتغال بالسرف والحرص والتجبر، ثم
وصل بهذا الوعظ ما يؤكد القبول؛ وهو
التنبيه على نعم الله تعالى عليهم بالإجمال
أولًا ثم التفصيل ثانيًا، فأيقظهم عن سنة
غفلتهم عنها حيث قال: ﴿أَمَذَّكُمُ بِمَا تَعْلَمُونَ
[الشعراء: ١٣٢].
ثم فصلها من بعد بقوله: ﴿أَمَذَّكُرُ
بِأَنْعَمٍ وَيَنِينَ ، وَحَنَّتٍ وَعُيُونٍ
[الشعراء: ١٣٣ - ١٣٤].
ثم حذر من عقاب الله في حال التقصير
والإعراض فقال: ﴿إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الشعراء: ١٣٥].
فبلغ في دعائهم بالوعظ والترغيب
والتخويف والبيان النهاية. فكان جوابهم
www. modoee.com
٢٦٥

حرف الهاء
﴿سَوَلَهُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَعِظِينَ﴾
[الشعراء: ١٣٦].
حيث أظهروا قلة اكتراثهم بكلامه،
واستخفافهم بما أورده. وعبروا عن قلة
مبالاتهم بقولهم: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنَ مِّنَ الْوَعِظِينَ﴾
ولم يكتفوا بالقول أوعظت أم لم تعظ مع أنه
أخصر وظاهر المعنى واحدٌ، وذلك لما
في تعبيرهم من زيادة إظهار اللامبالاة مع
الاستخفاف بوعظه، فالمعنی لیس واحدًا،
وبينهما فرق؛ («لأن المراد سواء علينا أفعلت
هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلًا
من أهله، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه
من قولك: أوعظت أم لم تعظ))(١).
والتذكير بالنعم من المداخل المهمة
التي يقيم بها الأنبياء الحجة على الخلق في
وجوب الشكر، وقد مضت سنة الله تعالى
في الخلق أن يزيدهم بالشكر ويعاقبهم على
الكفران بالنعم.
رابعًا: أخذ العبرة من مصير الأقوام
المتقدمين:
مما يعطي الموعظة بلاغة في القول
وتأثيرا فى النفس تعزيزها بالأمثلة والنظائر،
فلم تخل دعوة نبي من ضرب الأمثال، كما
قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَأُوَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُونًا
وَكُلَّ ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلِّ
بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً @)
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٥٢٣.
جَوْسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
[الفرقان: ٣٨-
وَكُلَّا تَبَّرْنَا تَنْبِيرًا ﴾﴾
٣٩].
والمعنى: ((وكلّا ضربنا له الأمثال بينا
له القصص العجيبة من قصص الأولين؛
إنذارًا وإعذارًا، فلما أصروا أهلكوا
كما قال: ﴿وَكُلَّا تَبَّرْنَا تَنْبِيرٌ﴾ فتتناه
تفتيتًا))(٢)، وذلك لما فيه من الكشف عن
سنن الله تعالى في الأمم؛ حيث جرت سنة
الله تعالى بإرسال الرسل لإصلاح ما فسد
من أحوال الأمم، وأيدهم بالآيات القاطعة
بصدقهم، الكافية لإقامة الحجة على من
عاندهم، فإن استجابوا اهتدوا وصلح
حالهم، وإن كذبوا حل بهم ما حل بغيرهم
من المكذبين مهما بلغت قوتهم أو طال
أمدهم.
ولما کانت عاد من أوائل الأمم، ولم یذکر
القرآن تصريحا قبلهم غير قوم نوح، كانت
العبرة من قوم نوح أبلغ العبر؛ حيث حل بهم
الطوفان الذي لم ينج منه إلا المؤمنون بنبيهم
-أصحاب السفينة- فقال هود عليه السلام
مذكرا بما حل بهم: ﴿وَأَذْ كُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ
خُلَفَآءُ مِنْ بَعْدٍ قَوْمِ نُوجِ﴾ [الأعراف: ٦٩].
ولا شك أنه یخاطبهم بما لهم به علم،
ولا يخفى عليهم خبر قوم نوح.
وهذا التعبير يؤدي أغراضًا، منها
تذكيرهم بما حل بقوم نوح من العذاب؛ إذ
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ١٢٥.
٢٦٦

هود عليه السلام
عصوا رسولهم، وكفروا بربهم، فليتقوا الله الفوز بالسعادات الأخروية (٣).
أن يحل بهم نظير ما حل بهم من العقوبة،
فیهلکهم ويبدل منهم غيرهم، سنته في قوم
نوح قبلهم، على معصيتهم إياه وكفركم
به»(١).
ومنها: التحديد الزماني من حيث إنهم
جاءوا بعد قوم نوح أي: ((فإنكم إنما جعلكم
ربكم خلفاء في الأرض منهم؛ لما أهلكهم
أبدلكم منهم فيها))(٢). ولا ينفك عن التحذير
أن يصيبهم مثل ما أصابهم.
خامسًا: الأمر بالاستغفار والتوبة:
قال تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ
ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوْلَوْ مُجْرِمِينَ
﴾ [هود: ٥٢].
ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإيمان
من باب الإصلاح الجذري لما هم عليه من
الفساد، وذلك بالإقلاع عن الباطل والالتزام
بالحق الذي عبر عنه بقوله: ﴿اَسْتَغْفِرُواْ
رَبَّكُمْ﴾ آمنوا به ﴿ثُمَّ نُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ لما يترتب
عليه من كثرة المطر وزيادة القوة، فقدم
إليهم في باب الدعوة إلى الدين والترغيب
فيه من خلال ما تصبوا إليه نفوسهم، وما
كانت همتهم معقودة به؛ ليحصل في ضمنه
الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو
(١) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٠٥ . بتصرف
(٢) المصدر السابق.
وذلك من خلال التوجه إلى الله تعالى
الذي بيده خزائن كل شيء بالاستغفار؛
وذلك بطلب المغفرة لما مضى من عبادة
غيره، والتوبة إليه وذلك بالإقلاع عن ذلك
فيما يستقبل، وذلك أن الدين يحقق لهم
من المطالب أعز وأنفس مما يطلبونه بغير
الدين، حيث يحقق لهم الكثرة والزيادة في
الدنيا ويضمن لهم الفوز بالآخرة حين يقبل
توبتهم ویغفر لهم.
وقد بين الإمام الرازي ما بين الاستغفار
والتوبة من فروق فقال: ((الوجه الأول: أن
معنى قوله: وأن استغفروا اطلبوا من ربكم
المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب
به ذلك وهو التوبة، فقال: ثم توبوا إليه لأن
الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو
طلب المغفرة، وهذا يدل على أنه لا سبيل
إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار
التوبة، والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن
المذنب معرضٌ عن طريق الحق، والمعرض
والمتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك
الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود
بالذات، الذي هو محو الأوزار السالفة
إلا بالإقلاع عن الأوزار المستقبلة فثبت
أن الاستغفار مطلوبٌ بالذات، وأن التوبة
مطلوبةٌ لكونها من متممات الاستغفار، وما
(٣) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٣١/٤.
www. modoee.com
٢٦٧

حرف الهاء
کان آخرًا في الحصول كان أولًا في الطلب؛
فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة.
الوجه الثاني: في فائدة هذا الترتيب أن
المراد: استغفروا من سالف الذنوب، ثم
توبوا إليه في المستأنف.
الوجه الثالث: وأن استغفروا من الشرك
والمعاصي، ثم توبوا من الأعمال الباطلة.
الوجه الرابع: الاستغفار طلب من الله؛
لإزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعيّ من الإنسان
في إزالة ما لا ينبغي، فقدم الاستغفار ليدل
على أن المرء يجب أن لا يطلب الشيء إلا
من مولاه فإنه هو الذي يقدر على تحصيله،
ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة؛ لأنها عملٌ يأتي
به الإنسان ویتوسل به إلى دفع المكروه،
والاستعانة بفضل الله تعالى مقدمةٌ على
الاستعانة بسعي النفس)) (١).
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّيِّكُمْ﴾ وكأنه إنما
خصص هذين النوعين من السعادات
الدنيوية من كثرة المطر وزيادة القوة؛ لأن
القوم كانوا حراصًا على جميع الأموال من
وجوه العمارة والزراعة، فقد كانوا أصحاب
زروع وبساتين وعمارات، حراصًا عليها
أشد الحرص، فكانوا أحوج شيء إلى
الماء. وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة القوة
والبطش والبأس والنجدة، مفتخرین بها
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٥/١٧.
ومستحرزين بها من العدو، مهيبين في كل
ناحية)) (٢).
وقدم الأول؛ لأنه أصل جميع النعم،
والثاني أصل في الانتفاع بتلك النعم)»(٣).
وفي هذا الأسلوب يسلك هود عليه
السلام مع قومه سبيلا رشدا؛ حیث یتجنب
محاربة مشاعرهم ومهاجمة عواطفهم، فهو
يعلم مدى حرصهم على المال واعتزازهم
بقوتهم، كما أن هذه الغرائز ليست مذمومة
لذاتها وإنما الخلل في طريقة تعاملهم
معها، فلو واجههم بطريق الذم والإنكار؛
لأحدث ردة فعل تزيدهم نفورًا، ولكنه
سلك سبیلا یوجههم فیه إلى حسن استخدام
هذه المطالب فيما يحقق منافعها ويجنب
مفاسدها؛ ترغییا بزيادتها والمحافظة عليها،
بدلًا من سلبها والحرمان منها. وذلك من
﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا خلال الإصلاح الذي عبر عنه بالاستغفار
والتوبة (٤).
وخلاصة هذا المنهج النبوي لهود عليه
السلام أنه يسير بخطوات واضحة على
بصيرة؛ حيث يحدد أسس البناء السليم
الذي يريد إعلاءه، وعلل الفساد التي يريد
اجتثاثها، ويدخل إلى النفوس من جميع
المداخل المؤثرة بقوة وأسلوب حكيم غير
(٢) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٤٠٢.
(٣) غرائب القرآن، النيسابوري ٣١/٤، بتصرف.
(٤) انظر: قصص القرآن الكريم، فضل حسن
عباس ٢٢٤ - ٢٢٥.
٢٦٨
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

هود عليه السلام
منفر، واضعًا البدائل وما يترتب عليها من
الثمرات.
موقف عاد من نبيهم ورده عليهم
أولًا: التكذيب والإنكار:
لم تختلف عاد عن الأمم الذين كذبوا
الرسل، حيث ذكرهم القرآن في عداد
أمثالهم من المكذبين في مواطن عديدة،
منها قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ تُوج
وَأَصْحَبُ أَلَّسْ وَثَمُودُ ( ١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ
وَقَوْمُ تُبَّعْ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ ◌َخَّ
وَأَصْحَبُ الْأَبَّكَّةِ وَقَوْمُ تَّيَّعُ
١٣
وَعِيدٍ ﴾ [ق: ١٢ - ١٤].
وقوله سبحانه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ
الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةٌ
وَعَادًا
٣٧
وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا
وَثَمُودَاوَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا)
وَكُلَّ ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلَّ وَكُلَّا تَبَّرْنَا تَنْبِيرًا
﴾ [الفرقان: ٣٧-٣٩].
٣٩
وفي سورة إبراهيم قال: ﴿أَلَمْ يَأْتِّكُمْ
نَبَوَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمٍ نُوحٍ وَعَادٍ
وَثَمُودٌ وَأَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ
إِلَّا اللَّهَّ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّوَا
أَيَدِيَهُمْ فِيّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَّاً
أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ
مُرِيبٍ ﴾ [إبراهـ
كما قرن القرآن ذكر عاد مع ثمود في
مواطن عديدة مع ما تشابهتا به في جرم
التكذيب فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ
٤ * [ الحاقة: ٤].
www. modoee.com
٢٦٩

حرف الهاء
وفي مواطن خص عادا بالذكر مبرزًا هُوَ إِلَّا رَجُلُّ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ
موقفها من نبيها هود عليه السلام، فقال
﴾ [المؤمنون: ٣٣-٣٨].
(٣٨)
بِمُؤْمِنِينَ {
سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ
[القمر: ١٨].
١٨
وأن تكذيبها به تكذیب بالأنبياء جميعًا
فقال: ﴿كَتَّبَتْ عَدُّ الْمُرْسَلِينَ (٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ
أَخُوُهُمْ هُدُّ أَلَا تَنَّقُونَ ﴿ إِّ لَكُ رَسُولُ أَمِينٌ
:[الشعراء: ١٢٣- ١٢٥].
ووصفها هنا بتكذيب المرسلين؛ لأن
دعوى المرسلين واحدة وموقفهم منهم
جميعًا لا يتغير. وأما صيغة التكذيب كما
جاء في السورة نفسها: ﴿قَالُواْ سَوَآَ عَلَيْنَاً
أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الْوَاعِظِينَ ) إِنْ هَذَآ إِلَّا
فَكَذَّبُوهُ
خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ﴾ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ )
فَأَهْلَكْنَهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾
[الشعراء: ١٣٦- ١٤٠].
مُؤْمِنِينَ (6)
وفي سورة المؤمنون-عند من يرجح أنها
في قوم هود- أنكروا النبوة بحجة البشرية
والمثلية قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُلُونَ
مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ وَلَيْنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا
مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴾ أَيَمِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا
٣٥
مِتُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٦) إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا
إِنْ
الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
أي: يقول الملأ للعامة تنفيرًا من اتباع
رسولهم بحجة أنه بشر يماثلهم في البشرية
ولوازمها مما يستبعد أن يكون مرسلاً من
الله: کیف یبعث الله إلينا رسولًا من جنسنا،
ويخصه بالرسالة دوننا، وهو إنسان مثلنا،
يأكل مما نأكل منه من الطعام، ويشرب مما
نشرب، فليس له فضلٌ ولا مزية علينا؛ لأنه
محتاج إلى الطعام والشراب مثلنا؟! وكيف
لم یرسل الله ملكا من عنده يبلغنا رسالته؟!
وذلك إمعانا منهم في تكذيبه في دعوى
الرسالة؛ لتوهمهم أن البشرية تنافي أن يكون
صاحبها رسولًا من الله.
ثم يزيدون في تحذيرهم من اتباع الرسول
البشر من عواقب لا تحمد، إذ يعدونهم بأمور
ـولها فيقولون: ﴿وَلَيْنْ أَطَعْتُم
بَشَرًا مِتْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ ، أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ
إِذَا مِثُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُرْ تُخْرَجُونَ
٣٥
أي: ﴿وَلَيْنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فاتبعتموه،
يقول وصدقتموه
وقبلتم ما
أيها القوم ﴿إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ أي: إنكم إذن
لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة في
الدنياباتباعكم إياه(١) بالعمل ليوم مستبعد
الوقوع تاركين العمل لنيل نصيبكم من
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٩/١٩،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢١/١٢،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٢/١٨.
٢٧٠
◌َالنَّفَ
جوبيع
القرآن الكريم