Indexed OCR Text

Pages 21-40

الوحدة
جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وجل تشاجر المسلمين وقتال بعضهم بعضًا
بالائتلاف والجماعة ونهاهم عن الافتراق كفرًا.
والاختلاف)) (١).
لقد أخبرنا القرآن الكريم عن جماعة من
المنافقين أرادوا تمزيق وحدة المسلمين،
وتفريق صفهم، وبنوا لذلك مسجدًا
ضرارًا؛ ففضحهم الله عز وجل، وأبدى
عورهم للمسلمين، وقال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ
أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ
الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَرَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىِّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ
إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧].
إن الإسلام يحارب كل طريق تؤدي
إلى تمزيق وحدة المسلمين، وإن كانت بناء
مسجدٍ، وهذا المسجد لم يرد ببنائه الخير؛
وإنما أريد به أن يكون مقرًا للمنافقين؛
يدبرون فيه مؤامراتهم ضد الإسلام
والمسلمين، ويشقون به عصا الجماعة،
فنهى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه
وسلم أن يقوم في هذا المسجد أبدًا، ﴿لَا
نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ﴾ [التوبة: ١٠٨].
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
بهدمه وتحریقه(٢).
وللتنفير من التنازع والافتراق واقتتال
المسلمين بعضهم مع بعض سمى الله عز
(١) تفسير القرآن العظيم ١٢/ ٢٦٢.
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٥٢٩/٢.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن
تُطِيعُواْ فَرِقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ
إِيَنَّكُمْ كَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠].
لقد ذكر المفسرون أن الآية الكريمة
نزلت حينما حاول أحد اليهود الخبثاء
الإيقاع بين المسلمين - بتذكيرهم بحروبهم
أيام الجاهلية - حتى كادوا أن يقتتلوا (٣)؛
فنزلت هذه الآية تحذر المسلمين من طاعة
المفسدين من أهل الكتاب الذين هدفهم
إيقاع العدواة بين صفوف المسلمين.
والسنة النبوية المشرفة مؤازرة للقرآن
الكريم في التحذير من الفرقة والشذوذ عن
الجماعة، والأحاديث في هذا الباب أکثر من
(٣) روى الطبري بسنده عن مجاهد في هذه
الآية، قال: كان جماع قبائل الأنصار بطنين:
الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية
حربٌ ودماء وشنآن، حتى من الله عليهم
بالإِسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم،
فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم، وألف
بينهم بالإسلام. قال: فبينا رجل من الأوس
ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان، ومعهما
يهودي جالسٌ، فلم يزل يذكرهما أيامهما
والعداوة التي كانت بينهم، حتى استبا ثم
اقتتلا. قال: فنادى هذا قومه وهذا قومه،
فخرجوا بالسلاح، وصف بعضهم لبعض.
قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم
شاهدٌ يومئذ بالمدينة، فجاء رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فلم يزل يمشي بينهم، حتى
رجعوا ووضعوا السلاح، فأنزل الله عز وجل
الآية )) جامع البيان ٦/ ٥٩.
www. modoee.com
٣٩١

حرف الواو
أن يحصیھا بحثنا هذا.
ولكن نشير إلى بعضها: فعن ابن عمر
رضي الله عنه قال: خطبنا عمر بالجابية
فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام
رسول الله صلی الله عليه وسلم فينا، فقال:
(أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم،
ثم الذين يلونهم عليكم بالجماعة، وإياكم
والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من
الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم
الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته
فذلكم المؤمن) (١).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:
قال سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (ما من ثلاثة فى قرية ولا بدو
لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم
الشيطان فعلیك بالجماعة فإنما یأکل الذئب
القاصية)(٢).
ولقد سمى النبي صلی الله عليه وسلم
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفتن،
باب ما جاء في لزوم الجماعة، رقم ٢١٦٥،
٣٨/٤.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
غريب.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٩٩/١، رقم ٢٥٤٦.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
في التشديد في ترك الجماعة، رقم ٥٤٧،
٢١٤/١.
وحسنه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح، رقم ١٠٦٧.
اقتتال المسلمين كفرًا، حيث قال في حجة
الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب
بعضكم رقاب بعض) (٣).
وقال: (سباب المسلم فسوق وقتاله
كفر)(٤).
إن الناظر في أحكام الإسلام وتشريعاته
يجدها حاثة على الوحدة، محذرة للفرقة،
وذامة لها، فالإسلام حرم أن يهجر المسلم
أخاه المسلم، وأمر بإفشاء السلام من أجل
إشاعة المحبة، وأمر بصلاة الجماعة،
ونهى أن يسافر الرجل وحده، وأن يبيت
وحده، ولو ذهبنا نستقصي شواهد الشريعة
التي تفيد وجوب اجتماع كلمة المسلمين،
وحرمة الفرقة بينهم لطال بنا المقام.
والخلاصة: أن العمل على تحقيق
وحدة المسلمين مما عظمت وصية الله
به في كتابه، ووصية النبي صلى الله عليه
وسلم في سنته، ومما عظم ذم تركه، ومما
عظمت حاجة المسلمين اليوم إليه، في
وقت قد تمزقت فيه دولة الإسلام، وطغت
الحزبية والطائفية والمذهبية والوطنية
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن
عمر رضي الله عنه، كتاب الإيمان، باب لا
ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب
بعض، رقم ٥٨/١،٢٣٤.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن
عمر رضي الله عنه، كتاب الإيمان، باب قول
النبي صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم
فسوق وقتاله كفر، رقم ١،٢٣٠/ ٥٧.
صَوَسُوبَةُ النَّقسيمة
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٣٩٢

الوحدة
الضيقة على بلاد المسلمين، فما أشد حاجة
المسلمین إلی العمل بما فرض الله علیھم،
وما أشد حاجة المسلمين إلى وحدة أمتهم،
واجتماعهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم
صلى الله عليه وسلم.
الوحدة والعبادات
العبادات في الإسلام تمثل جزءًا عظيمًا
من الدين؛ بل هي أساس الدين وجوهره،
وهي ظاهر الدين وباطنه، وهي الصلة بين
العبد وربه، وإن الأصل في العبادات أنها
تؤدى امتثالًا لأمر الله عز وجل، وأداءً لحقه
سبحانه على عباده، وشكرًا على نعمائه،
وليس من اللازم أن يكون لهذه العبادات
ثمرات ومنافع في حياة الإنسان المادية،
وليس من الضروري أن يكون لها حكمة
يدركها عقله المحدود؛ إذ الأصل فيها أنها
ابتلاء لعبودية الإنسان لربه، فلا معنى لأن
يدرك السر في كل تفصيلاتها؛ فالعبد عبد
والرب رب (٢).
ومن تأمل في العبادات التي شرعها
الإسلام يجد أن كثيرًا من الحكم تظهر في
أدائها، و کثیرًا من الثمرات تبرز حينما يقيمها
المسلمون على مراد ربهم عز وجل، ومن
عظيم هذه الثمرات المترتبة على العبادات
توحيد أمة الإسلام، وبناء مجتمع مسلم
(١) العبادات جمع عبادة وهي لغة من الخضوع
والذل.
انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٣٨/٢.
واصطلاحًا: اسم جامع لكل ما يحبه الله
تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة
والباطنة.
انظر: العبودية، ابن تيمية، ص ٤٤.
(٢) انظر: العبادة في الإسلام، القرضاوي ص
٢١٧.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الواو
مترابط متماسك؛ فإن العبادات إذا فهمت أولًا: الصلاة وأثرها على وحدة
المسلمين:
فهمًا صحيحًا، وطبقت تطبيقًا دقيقًا، أعطت
مجتمعًا قويًا متینًا كالبنيان المرصوص،
يسعى بذمته أدناه، ويكون يدًا على من
سواه، يسوده العدل والمساواة والإحسان
والبر والرحمة والتعاون والإيثار.
وهذه الثمرات نلمسها في جميع
العبادات التي شرعها الإسلام، فأصل
العبادات توحيد الله عز وجل، والأمة
الموحدة لربها لا بد أن تكون أمة واحدة؛
فهي تعبد ربًا واحدًا، ولها شرعة واحدة،
وأركان دينها واحدة.
ثم إن جميع العبادات تثمر وحدة
المسلمين، من صلاة وزكاة وصيام وحج
ودعاء، فليس من الإسلام أن يترهب
المسلم وينقطع عن مجتمعه وأمته بحجة
العبادة؛ ومن فهم أن العبادة في الإسلام
تعني عزلة وانقطاعًا ففهمه خاطئ، صحيح
أن في الإسلام بعض العبادات تحتاج إلى
اعتزال؛ ولكن ليس كل العبادات كذلك،
فغالب العبادات في الإسلام يؤديها المسلم
مع إخوانه المسلمين، ويظهر من خلالها
وحدة الأمة واجتماعها، وسنعرض في هذا
المبحث - بإذن الله - لبعض هذه العبادات
وأثرها على وحدة المسلمين.
الصلاة هي الفريضة الأولى بعد الإيمان
بالله ورسوله، وهي عماد الدين، وهي ثاني
أركان الإسلام، ولقد ورد الأمر من الله عز
وجل لعباده المؤمنين بإقامة الصلاة، وذلك
في آيات كثيرة من الكتاب العزيز، من ذلك
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةٌ
وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ
اَللَّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:
١١٠].
﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
وقوله:
[النور:
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾
٥٦،].
وقوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١].
وأثنى سبحانه على الذين يقيمون الصلاة
في غير موضع: ﴿لَّكِنِ الرَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ
مِنْهُمٍ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤمِنُونَ بِمَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن
قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ وَالْمُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ
وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الَّخِ أُوْلَكَ سَنُؤْتِهِمْ أَبْرًّا
عَظِيمًا ﴾ [النساء: ١٦٢].
وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِنَبِ وَأَقَامُواْ
الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ لْصُلِحِينَ ﴾[الأعراف:
١٧٠].
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوْ أَبْتِغَاءُ وَجْدِ رَيْهِمْ وَأَقَامُواْ
الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ مِّ وَعَلَانِيَّةً وَيَدْرَهُونَ
مَضوي
جَوَسُبـ
القرآن الكريمِ
٣٩٤

الوحدة
بِالْحَسَنَّةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَمْ عُقْبَ الدَّارِ﴾ [الرعد:
٢٢].
ولقد أمر الله المؤمنين بالمحافظة على
الصلوات فقال: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالضَّلَّوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
[البقرة: ٢٣٨].
وغير ذلك كثير من الآيات التي تأمر
بالصلاة، وتحث عليها، وفي ذلك بيان
لعظيم منزلة الصلاة في الإسلام.
والصلاة لا يقتصر دورها على أجر
يثاب عليه المؤمن، وعذاب ينجو منه، وإنما
هي أيضًا تجميع رباني جميل للمسلمين
جميعًا، على درجة واحدة من المساواة؛
فالحاكم والمحكوم، والرئيس والمرؤوس،
وأصحاب الثروة والقوة، والنفوذ والسلطان،
والذين ليس لهم من ذلك شيء، كل هؤلاء
متساوون في الوقوف بين يدي الله والإقبال
علیه، لا فضل لأحد منهم على أحد، إلا
بمقدار ما في قلبه من تقوى، وما تثمره
هذه التقوی من خيرات، وما تحجز عنه من
موبقات (١).
إن الإسلام لم يكتف من المسلم أن
يؤدي الصلاة وحده في عزلة عن المجتمع
الذي يحيا فيه؛ ولكنه دعاه دعوة قوية إلى
أدائها في جماعة وبخاصة في المسجد،
(١) انظر: العبادات في الإسلام وأثرها في تضامن
المسلمين، علي منصور ص١١٧.
﴿لَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَلِيَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ
تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَّرُواْ وَ اَللَّهُ
يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
والمسجد مكان مشاع عام يتساوى فيه
الناس جميعًا؛ الحر منهم والعبد، والحاكم
والمحكوم، والغني والفقير، في صورة
عظيمة من صور وحدة المسلمين وتآلفهم.
وإذا حضر المؤمن الجماعة، عرف
إخوانه وعرفوه، فلو غاب عنهم سألوا عنه؛
فإن كان غائبًا دعوا له، وإن كان مريضًا
عادوه؛ فأثيبوا وأجروا، وجبروا خاطره،
وأدخلوا السرور عليه، وإن كان حاضرًا
زاروه، فتوطدت أواصر الأخوة، وتأكدت
أسباب التضامن والمحبة (٢).
يتوجه المسلمون في صلاة الجماعة إلى
قبلة واحدة، يقصدون ربًا واحدًا، يقتدون
بإمام واحد، يكبرون معًا، ويتلون كتابًا
واحدًا، ويدعون بدعاء واحد بصيغة الجمع
قائلين: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيَمَ ا صِرْطَ الَّذِينَ
أَنَْسْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الصََّآلِينَ﴾
[الفاتحة: ٦ - ٧].
ويركعون ويسجدون معًا، ويسلمون
منتهین من صلاتهم معًا، ولقد حث الرسول
صلى الله عليه وسلم أمته على المحافظة
على الجماعة في الصلوات، وجعل الإسلام
أجر الصلاة في الجماعة أضعاف صلاة
(٢) انظر: المصدر السابق ص ١٢٤.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الواو
المنفرد؛ بل إن الخطوات إلى الجماعات
مأجورة مباركة، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (صلاة الرجل في جماعة تزيد
على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا
وعشرين درجة؛ وذلك أن أحدهم إذا توضأ
فأحسن الوضوء، ثم أتی المسجد لا ینھزه
إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط
خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها
خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل
المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي
تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما
دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم
ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم
يؤذ فيه ما لم يحدث فيه) (١).
لقد کان رسول الله صلی الله علیه وسلم
شديد الاهتمام - في صلاة الجماعة - بتسوية
الصفوف، کثیر الترغيب في إقامتها ووصلها،
وسد خللها، شديد الإنكار على الإخلال
بها والتفريط فيها، ذلك لأن فوائد الجماعة
لا تتحقق ولا تكتمل إلا بالمحافظة عليها،
وقیام المسلمین فیھا کالبنيان المرصوص،
وفي ذلك تهيئة لهم لفريضة الجهاد وبيان
لأهمية رص الصف المسلم وعدم تشرذمه
﴿إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد،
باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة،
رقم ٢،١٥٣٨/ ١٢٨.
صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤](٢).
لقد كانت هذه الجماعة عاملًا كبيرًا من
عوامل وحدة المسلمين فى العبادات، كما
كانت سببًا عظيمًا في تضامنهم، وجمع
كلمتهم، وبلغ من اهتمام الإسلام بالجماعة
أنه رغب فى إقامتها، والحرص عليها حتى
في أوقات المحن والشدائد، حين يلقى
المسلمون عدوهم، ويواجهون خصومهم،
لأن الصلاة في ذاتها سبب المعونة الإلهية،
ولأن في إقامتها مع الجماعة مزيدا من
العون والعطاء، تتضاعف بركاتها، وتكثر
خيراتها (٣).
قال سبحانه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ
لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ
وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ
مِن وَرَآيِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى
لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ
وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ [النساء: ١٠٢].
وهذه الصلاة هي التي تسمى صلاة
الخوف.
لقد شرع الله عز وجل صلاة الجمعة،
واختصها بشروط وآداب تزيد في جلالها،
وترفع من شأنها، وتورث مزيدًا من الاهتمام
بها.
قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ
(٢) انظر: العبادة في الإسلام، القرضاوي ص
٢٣٦.
(٣) انظر: تفسير الشعراوي ٢٥٩١/٥.
٣٩٦
الْقُرآن الكَرِيمِ

الوحدة
لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اَللَّهِ
وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[الجمعة: ٩].
فصلاة الجمعة هي الصلاة الجامعة،
التي لا تصح إلا جماعة، وهي صلاة
أسبوعیة، يتحتم أن يتجمع فيها المسلمون،
يلتقي المسلم فيها مع إخوانه، بستمع إلى
أخبارهم، ويتفقد أحوالهم، ويستمع معهم
إلى خطبة - من إمامهم - تذكرهم بالله
عز وجل، وهي عبادة تنظيمية على طريقة
الإسلام (١).
ثم هناك أيضًا صلاة فيها اجتماع أكبر
للمسلمين يتكرر في العام مرتين، إنها صلاة
العيد، تلك الصلاة العظيمة التي يخرج إليها
أهل البلد جميعًا في أبهى مظاهر الوحدة،
وفي أجمل صور الأخوة، جاء في الحديث
عن أم عطية قالت: (أمرنا أن نخرج الحيض
يوم العيدين، وذوات الخدور؛ فيشهدن
جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل
الحيض عن مصلاهن، قالت امرأة: يا رسول
الله، إحدانا ليس لها جلباب، قال: (لتلبسها
صاحبتها من جلبابها) (٢).
من خلال ذلك نعم أهمية إقامة الصلوات
في توحيد المسلمين، وتنمية الألفة والمحبة
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٥٦٩/٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب وجوب الصلاة في الثياب، رقم ٣٥١،
٨٠/١.
في قلوبهم، فالمصلي يلتقي بإخوانه كل يوم
خمس مرات، يدخل معهم المسجد، ويضع
کتفه بجنب کتف أخیه، ويلصق قدمه بقدمه،
بین یدي ربهم عز وجل، في أروع صور
اللحمة والمحبة.
ثانيًا: الزكاة وأثرها على وحدة
المسلمين:
الزكاة هي الركن الثالث من أركان
الإسلام، وقد أمر الله عز وجل بها في
کتابه في مواضع كثيرة، وقرن سبحانه الأمر
بإيتائها مع الأمر بإقامة الصلاة في آيات
كثيرة من الذكر الحكيم، من ذلك قوله عز
وجل: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَمَا
نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠].
وقوله: ﴿وَمَّا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ لَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ
اُلِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُّواْ الزَّكَوَةَ وَذَلِكَ
دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ
وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ ﴾ [التوبة:
١١].
ولقد مدح الله سبحانه مؤدي الزكاة:
﴿هُدَّى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ
يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٢-٣].
وذم مانعيها: ﴿وَيِلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ) الَّذِينَ
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الواو
لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِلَّخِرَوِهُمْ كَفِرُونَ ﴾
[فصلت: ٦-٧].
وليس المجال هنا للحديث عن تفاصيل
تلك العبادة المالية العظيمة؛ ولكن الذي
يعنينا هنا بيان ما للزكاة من أثر عظيم على
وحدة المسلمين وتكافلهم ونشر المودة
والمحبة بينهم.
إن للزكاة أثرها العظيم في تحقيق وحدة
المسلمين وتكافلهم، إذ إن الزكاة مالٌ
يخرجه المسلم الغني من ماله، ويعود به على
إخوانه الفقراء، كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه عندما
أرسله إلى اليمن: (فإن هم أطاعوا لذلك،
فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة؛ تؤخذ
من أغنيائهم، فترد في فقرائهم) (١).
ويظهر أثر الزكاة في تحقيق وحدة
المسلمين وتآلفهم وتكافلهم - سواء كان
ذلك من الناحية المعنوية أم من الناحية
المادية - من عدة وجوه:
١. إن دفع الزكاة لمستحقيها، سبب لتأليف
القلوب، وتأنيس النفوس، وإشاعة جوٍ
من التراحم والتواصل بين المؤمنين،
وتأكيد الأخوة والمحبة بينهم.
ولیس شيء أجلب لمحبة الناس، و کسب
مودتهم من الإحسان إليهم، ومد يد العون
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام،
رقم ٣٧/١،١٣٠.
لهم، والسعي في مصالحهم، والتخفيف من
آلامھم.
٢. إن الزكاة سبب لتنمية الروح الاجتماعية
بين أفراد المجتمع. حيث يشعر دافع
الزكاة بعضويته الكاملة في الجماعة،
وتفاعله معها، ومشاركته في تحقيق
مصالحها، وحل مشاكلها، والنهوض
بها.
فتنمو شخصيته، وتزكو نفسه، وينشرح
صدره، ويرتفع كيانه المعنوي، ويشعر
بسعادة غامرة وهو يواسي إخوانه، ويقوم
بواجبه تجاه مجتمعه.
كما يشعر آخذ الزكاة، بقيمته وقدره،
وأنه ليس شيئًا ضائعًا، ولا كمًا مهملًا، وإنما
هو في مجتمع کریم یعنی به ويرعاه، ویأخذ
بیده، ویعینه على نوائب الدهر؛ فيحمله ذلك
على محبة مجتمعه، والتفاعل معه، ويبقى
قلبه سليمًا، خاليًا من الحقد والحسد، مقدرًا
لإخوانه الأغنياء، معترفًا بفضلهم وبذلهم،
داعيًا لهم بالبركة والتوفيق وسعة الرزق.
فالزكاة تستل سخائم الفقراء، وتزكي
نفوسهم من الضغينة والبغضاء، والحسد
لأهل المال والثراء؛ بل تجعل الفقير يدعو
لهم بالبركة والزيادة والنماء، وبهذا يتحول
المجتمع إلى أسرة واحدة، تجللها المحبة
والوفاء، ويسودها التعاون والإخاء.
٣. إن الزكاة سبب لإشاعة الأمن
٣٩٨
القرآن الكريمِ

الوحدة
والطمأنينة؛ فهي أمان للآخذ، على التبرعات الفردية الوقتية؛ بل يقوم
والمعطي، والمجتمع بعامة.
على مساعدات حكومية دورية منتظمة،
أما الآخذ، فإن له في أموال الزكاة غايتها تحقيق الكفاية لكل محتاج: الكفاية
في المطعم والملبس والمسكن، وسائر
الحاجات، بما يكفل له ولعائلته مستوى
معيشيًا ملائمًا من غير إسراف ولا تقتير (٢).
مایغنیه، ويجعله آمنا مطمئنا، شجاعًا عزيزًا،
يواجه المستقبل بنفس راضية، وعزيمة ثابتة،
وأما المعطي فإنه مطمئن إلى مستقبله، واثق
من عون الله له، وحفظه لماله، ووقايته من
الآفات، وأنه إن قدر الله غیر ذلك، وتغيرت
علیه الأحوال، وأصبح فقيرًا بعد الغنى، فإن
له في مال إخوانه ما هو كفيل بجبر كسره،
وسد حاجته، فیشعر أن قوة إخوانه قوة له إذا
ضعف، وغناهم مددٌ له إذا أعسر.
ولو أن أهل الأموال جميعهم أخرجوا
زكاة أموالهم، وصرفوها لمستحقيها، لما
بقي في المسلمين فقير. وما حاجة الفقراء
إلا بسبب منع الأغنياء، فما احتاج فقير إلا
بما منع غني، قال علي بن أبي طالب رضي
الله عنه: ((إن الله عز وجل فرض على
الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم،
وأما المجتمع، فإن الزكاة سبب لتماسكه
رياح التفكك والتشرذم، وأعاصير الجريمة
والظلم.
وتآلفه، وتضامنه وتكافله، ووقايته من فإن جاعوا وعروا وجهدوا، فبمنع الأغنياء،
وحقٌّ على الله عز وجل أن يحاسبهم يوم
القيامة، ويعذبهم عليه)) (٣).
٤. وأما تحقيق الزكاة للتكافل المادي،
فهو أظهر من أن يذكر، وهو المقصود
الأصلي من شرعيتها، فإن الله
عز وجل إنما شرع الزكاة مواساةً
للفقراء والمحتاجين، وقيامًا بمصالح
المسلمين (١).
وبهذا تكون الزكاة أول تشريع منظم
لتحقيق التكافل المادي، أو ما يسمى
بالضمان الاجتماعي، الذي لا يعتمد
(١) ذكر الدكتور وهبة الزحيلي ما يقارب عشرين
فائدة من فوائد الزكاة على المعطي والآخذ،
انظر: التفسير المنير ٢٧٨/١٠-٢٨٠.
ويقول محمد رشيد رضا: ((ولو أقام
المسلمون هذا الركن من دينهم لما وجد
فیهم - بعد أن کثرهم الله عز وجل، ووسع
عليهم في الرزق - فقير مدقع، ولا ذو غرم
مفجع؛ ولكن أكثرهم تركوا هذه الفريضة،
فجنوا على دينهم وأمتهم، فصاروا أسوأ
من جميع الأمم حالًا في مصالحهم المالية
والسياسية)) (٤).
(٢) انظر: مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام،
يوسف القرضاوي ص١٠٥.
(٣) انظر: السنن الكبرى، البيهقي ٢٣/٧.
(٤) تفسير المنار ١٠/ ٤٤٣.
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الواو
ثالثًا: الحج وأثره على وحدة المسلمين:
الحج فريضة فرضها الله عز وجل على
عباده ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧].
وهو خامس أركان الإسلام، والحج فيه
توحيد الله عز وجل ﴿وَإِذْ بَوَّنَا لِإِبْرَاهِيمَ
مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا وَطَهِّرْ
بَيْتِىَ لِلِّنِينَ وَالْقَابِينَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ ﴿ وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوَ
رِجَالًا وَعَلَ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِنْ كُلِّ فَجْ
عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٦ - ٢٧].
وفيه أيضًا توحيد لأمة الإسلام.
إن وحدة المسلمين تتجلى في أبهى
صورها ومعانيها في شعيرة الحج، هذا
الركن العظيم الذي يتكرر كل عام،
ويجتمع له كثير من المسلمين من شتى
بقاع المعمورة، ويمثلون فيه أمة الإسلام
على اختلاف أجناسها، وبلدانها، وألوانها،
ولغاتها؛ يجتمعون في مكان واحد، وفي
زمان واحد، وفي لباس واحد، ويؤدون
نسكًا واحدًا، ويقفون في المشاعر موقفًا
واحدًا، يعلنون فیه توحیدهم لرب العالمين،
وخضوعهم لشريعته، وتوحدهم تحت لوائه
ورایته.
لقد بين الله عز وجل لعباده المؤمنين أن
في الحج منافع لهم، فقال سبحانه: ﴿وَأَذِّن
فِ النَّاسِ بِالْحَجْ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَ كُلِّ
ضَامِرٍ يَأْنِنَ مِن كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ ) لِيَشْهَدُواْ
مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامِ
مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨].
ولقد ذكر المفسرون أن هذه المنافع
منها منافع دينية من مغفرة للذنوب، ورفعة
للأجور، ومنافع دنيوية من تحصيل التجارة
والمكاسب (١).
قال ابن عاشور: ((وتنكير ﴿مَنَفِعَ﴾
للتعظيم المراد منه الكثرة، وهي المصالح
الدينية والدنيوية؛ لأن في مجمع الحج فوائد
جمة للناس: لأفرادهم ولمجتمعهم» (٢).
ومن أعظم المنافع التي ينالها المسلمون
من أداء فريضة الحج اجتماع أهل التوحيد
في صعيد واحد؛ يتعرف بعضهم على
بعض، ويحدث بعضهم بعضًا عن أخبارهم
وأخبار المسلمين في بلادهم، ويتبادلون
الآراء والمنافع، ويتناصحون فيما بينهم،
ويتناقشون مشكلاتهم، ويتعاونون على
البر والتقوى، ويظهرون قوتهم، ويعلنون
وحدتهم، ویغیظون أعداءهم، وفي ذلك كله
من مصلحة لأمة الإسلام ما لا يخفى (٣).
إن توحيد الأمة الإسلامية من خلال
العبادات لا يظهر من خلال الصلاة والزكاة
والحج فقط؛ ولكنه يظهر من خلال العبادات
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤/١٠.
(٢) التحرير والتنوير ١٧ / ٢٤٥.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
٩/ ٣٠٣، التفسير المنير، الزحيلي ١٩٥/١٧.
٤٠٠
صَوْقُ وبَةُ التَّسيول
جوبيه
القرآن الكريم

الوحد
كلها؛ ففي الصيام توحيد للأمة، حيث يصوم
المسلمون في شهر واحد، يمسكون عن
الطعام معًا، ويفطرون معًا، ويشعر غنيهم
بفقيرهم، ويخرجون صدقة فطرهم معًا،
وبعد تمام الصيام يجتمعون في مصلى العيد
يهنئ بعضهم بعضًا.
ومن العبادات دعاء المسلم لإخوانه
المسلمين، ومن العبادات بر الوالدين وصلة
الأرحام والإحسان إلى الجيران وتفقد
المساكين والأرامل والأيتام، ولا يخفى ما
في هذه العبادات من عوامل الوحدة والألفة
بین أبناء الإسلام جمیعًا.
أسباب الوحدة
إن وحدة أمة من الأمم لا بد أن یکون لها
أسباب، ولا بد أن يكون لها أسس وأصول
تعتمد عليها؛ فإن الذي يوحد الناس أمر
مشترك بينهم؛ يجمعهم ويوحدهم، ويجعل
هدفهم واحدًا، وغايتهم واحدة، وهمهم
واحدًا، وهكذا تتوحد الشعوب والأمم.
وإن أمة الإسلام عندها من أسباب
الوحدة ومقوماتها ما هو أكثر وأعظم من
غيرها من الأمم؛ فأمة الإسلام تجمعها
عقيدة واحدة، وتربطها شريعة واحدة، لها
ربّ واحد، ولها کتاب واحد، ونبي واحد
صلی الله عليه وسلم، وقبلة واحدة، وغاية
واحدة، وكل ذلك من أسباب وحدتها،
ومقومات قوتها.
وسنعرض في النقاط الآتية مجمل
أسباب وحدة الأمة الإسلامية:
أولًا: طاعة الله وطاعة رسوله:
إن أمة الإسلام أمٌ ریانیةٌ، تؤمن بالله عز
وجل ربًا، وتؤمن بمحمدٍ صلى الله عليه
وسلم نبيًا ورسولًا، وتتعبد ربها وتتقرب
إليه بطاعته وبطاعة رسوله صلى الله عليه
وسلم، وهذا الأمر هو أعظم ما يجمع هذه
الأمة؛ فليس بين أفرادها من يعبد إلاها آخر،
أو يتبع نبيًا غیر محمدٍ صلی الله عليه وسلم،
وليس بين أفرادها من يقدم طاعة مخلوق
www. modoee.com
٤٠١

حرف الواو
إن أصل كلمة الإسلام مأخوذ من
الاستسلام لله عز وجل، والانقياد له
سبحانه، وهذا أصل الدين؛ بل هذا هو الدين
كله، وهذا هو الذي يميز المسلم عن غيره؛
فالمسلم من استسلم لله وانقاد له، فأطاعه
وأطاع رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّمَاً
أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِالْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا
وَلَهُ، كُلُّ شَىْءٍ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[النمل: ٩١].
وغير المسلم لم يستسلم لله، ولم يطعه
سبحانه، ولم يتبع نبيه صلی الله عليه وسلم.
إن الله عز وجل أمر عباده المؤمنين
بالاعتصام بحبله سبحانه فقال: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ
بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:
١٠٣].
فلم يأمر سبحانه بمجرد الاعتصام؛
وإنما بين بماذا يكون الاعتصام، أمرهم
أن يعتصموا بحبله؛ وحبل الله هو دینه،
أو هو كتابه، أمر الله عز وجل المؤمنين
أن يعتصموا ويستمسكوا به، ويعتمدوا
عليه؛ لأنه حبل النجاة، وسبب السلامة،
أمرهم ربهم أن يفعلوا ذلك جميعًا، كلهم
مجتمعين(١).
ولقد جاء في الحديث الشريف عن جابر
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ٧٣.
مهما عظم على طاعة الله عز وجل وطاعة رضي الله عنه قال: (كنا جلوسًا عند النبي
صلی الله عليه وسلم فخط خطًا هكذا أمامه،
رسوله صلی الله علیه وسلم.
فقال: (هذا سبيل الله عز وجل)، وخطين
عن يمينه، وخطين عن شماله، قال: (هذه
سبيل الشيطان)، ثم وضع يده في الخط
الأسود، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَّطِى
مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَقَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَغَرَّقَ
بِكُمْ عَن سَبِيلٍِ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ. لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣](٢) .
لقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين
بطاعته وطاعة رسوله في كثير من آيات
الذكر الحكيم: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وبين لهم أن في تلك الطاعة الفلاح
والفوز العظيم، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِيع
اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا
وَذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣].
وقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، فَقَدْ فَازَ فَوْزًا
عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].
إن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله
عليه وسلم المتمثلة باتباع الوحي الذي
أنزله سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه
وسلم لهي العاصمة الواقية من کل ضلال،
ولم يضمن الله عز وجل لأحد ألا يكون
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٥٣١٢،
٣٩٧/٣.
وصححه الألباني في ظلال الجنة ١/ ٨.
٤٠٢
جَوَسُولَةُ الْبَشِد
الْقُرآن الكَرِيمِ

الوحدة
ضالًا في الدنيا، ولا شقيًا في الآخرة إلا
لمتبعي الوحي وحده.
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِنِى هُدَّى
فَمَنِ آَتََّعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه:
١٢٣].
وقد دلت هذه الآية على انتفاء الضلال
والشقاوة عن متبعي الوحي، ودلت آية
البقرة على انتفاء الخوف والحزن عنهم،
وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِىِ
هُدَى فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨](١).
إن الأمة إذا تمسكت بوحي ربها،
واستنارت بالهدى الذي أنزله الله لها،
توحدت على ذلك، وأي شيء يوحد الأمة
أعظم من ذلك؟!
ثانيًا: التحاكم إلى القرآن والسنة:
إذا كانت أمة الإسلام أمةً متبعةً للوحي
الرباني، ومطيعةً لله عز وجل ولرسوله
صلى الله عليه وسلم، فلا بد لها أن ترجع
دائمًا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله
عليه وسلم، فهما مصدرا التشريع بالنسبة
لها، وهما المرجع في كل ما يطرأ عليها
من أحداث، وبهما تستنير وتسترشد، ﴿ قُلّ
أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَّ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣٠٢/٧.
وبذلك تتوحد الأمة أعظم توحد؛ حينما
یکون لها مرجع واحد ترجع جميعها إليه؛
ترضى بحكمه، ولا تختلف عليه.
لذا فقد أمر الله عز وجل هذه الأمة إن
تنازعت في شيء أن ترده إلى القرآن والسنة؛
حتى يزول التنازع، ويظهر الحق من الباطل.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ آلْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
قال ابن كثير: (( وهذا أمر من الله عز
وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه؛ من
أصول الدين وفروعه، أن يرد التنازع في
ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى:
﴿ وَمَا أَخْلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾
[الشورى: ١٠].
فما حكم به الكتاب والسنة، وشهدا
له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا
الضلال؟! ولهذا قال تعالى: ﴿إِن كُ تُؤْمِنُونَ
بِاَللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ﴾ أي: ردوا الخصومات
والنزاعات إلى كتاب الله وسنة رسوله؛
فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم
يؤمنون بالله واليوم الآخر، فدل على أن
من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب
والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس
مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: ﴿ذَلِكَ
خيرٌ وآحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الواو
الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل إِيَمَنَّكُمْ كَفِينَ ) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَ
عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اَللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولٌ، وَمَن يَعْتَصِم
النزاع خير وأحسن تأويلاً، أي: وأحسن
عاقبةً ومالً))(١).
بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:
١٠٠ - ١٠١] .
وقال أبو بكر الجزائري: (( الآية خطاب
عام للولاة والرعية، فمتى حصل خلاف في
أمر من أمور الدين والدنيا، وجب رد ذلك
إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم؛ فما حكما فيه وجب
قبوله حلوًا كان أو مرًا، وقوله تعالى: ﴿إِن
كُتُؤمِنُونَ پاللّهِ وَآلْیُّومِ آلآخِرِ﴾ فیه أن الإيمان
يستلزم الإذعان لقضاء الله ورسوله صلى
الله عليه وسلم، وهو يفيد أن رد الأمور
المتنازع فيها إلى غير الشرع قادح في إيمان
المؤمن.
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ یرید
ذلك الرد والرجوع بالمسائل والقضايا
المختلف فيها إلى الكتاب والسنة هو خير
حالًا ومآلًا، لما فيه من قطع النزاع والسير
بالأمة متحدة متحابة متعاونة)) (٢).
ولقد أنكر الله عز وجل على عباده
المؤمنين أن يقع بينهم الخلاف والاقتتال،
وآيات الله تتلى عليهم، ورسول الله صلى
الله عليه وسلم بینھم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن
تُطِيعُواْ فَرِقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ يَرُدُوكُمْ بَعْدَ
(١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٣٧.
(٢) أيسر التفاسير ١/ ٤٩٧.
ففي الآية الثانية تعجب وإنكار على
المؤمنين أن يقعوا في الكفر، أو أن يتفرقوا
بعد وحدتھم، مع أنه قد اجتمع لهم كل
الأسباب الداعية إلى الإيمان، الصارفة عن
الكفر؛ فآيات الله تتلى عليهم ليل نهار،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين
أظهرهم؛ يبين لهم الحق، ويبصرهم الهدى
والرشاد، وينهاهم عن الغي والضلال،
فليس لهم عذر إن ارتدوا على أعقابهم، أو
رجعوا إلى أمر جاهليتهم (٣).
قال القرطبي: (( ويدخل في هذه الآية
من لم ير النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما
فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته، قال الزجاج:
يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب
محمدٍ صلى الله عليه وسلم خاصة؛ لأن
رسول الله صلی الله علیه وسلم کان فیھم،
وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكون هذا
الخطاب لجميع الأمة؛ لأن آثاره وعلاماته
صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي أوتي
باقٍ فينا مکان النبي صلى الله عليه وسلم
فينا، وإن لم نشاهده)) (٤).
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٦١، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٧٢/١.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٥٦.
٤٠٤
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

الوحدة
إنه لا ينبغي لأمة الإسلام أن تختلف أو وبالأخلاق الحسنة الكريمة يتحابب
المسلمون، ويعفو بعضهم عن بعض؛
فتبقى أمتهم أمة واحدة، ویبقی بينهم الود
والوصال.
تتنازع في حکم أمر من الأمور ما دام بينها
كتاب الله وسنة نبيه صلی الله عليه وسلم،
تتحاکم إليهما، وترضى بما فيهما، وتذعن
وتسلم لحكم ربها عز وجل، فهل يبقى
خلاف حينئذ؟!
وبهذا فإن التحاكم إلى القرآن والسنة هو
أعظم ما تتوحد عله أمة الإسلام اليوم؛ لأن
ذلك هو الذي وحد العرب والناس الذين
دخلوا في الإسلام بعد أن كانوا مشتتين
ممزقین متناحرین.
ولا بد من التنبيه هنا إلى أن التحاكم
إلى القرآن والسنة ليس مجرد شعار يرفع،
أو کلام یدعیه الجمیع؛ بل لا بد أن يكون
هذا التحاكم أمرًا حقيقيًا واقعيًا، ولا بد أن
يكون هذا التحاكم مبنيًّا على فهم صحيح
للقرآن والسنة، وليس فهمًا حسب الأهواء،
ولتجتمع الأمة على الفهم الذي فهمه القرن
الأول من الصحابة الأخيار الأطهار، فهذا
هو الفهم الصحيح الذي نجتمع عليه ولا
نفترق.
ثالثًا: الخلق الحسن:
إن من أعظم أسباب الوحدة - بعد
الاعتصام بالقرآن والسنة - حسن الخلق؛
إذ الأخلاق الحسنة تجمع ولا تفرق، تنشر
الألفة والمحبة وتزيل الضغينة والشحناء،
ولقد أكرم الله عز وجل هذه الأمة بنبيه
محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ أكرم الناس
خلقا، وأعظمهم أدبًا، قال الله عز وجل في
شأنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْكُنْتَ
فَظّا غَلِيظُ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:
١٥٩].
((أي برحمة الله لك ولأصحابك، من
الله عليك بأن ألنت لهم جانبك، وخفضت
لهم جناحك، وترققت علیھم، وحسنت لهم
خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا
أمرك، ولو كنت فظا سيئ الخلق قاسي
القلب لانفضوا من حولك؛ فالأخلاق
الحسنة تجذب الناس إلى دين الله،
وترغبهم فيه، مع ما لصاحبها من المدح
والثواب، والأخلاق السيئة تنفر الناس عن
الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من
الذم والعقاب)) (١).
((إن الناس في حاجة إلى كنفٍ رحيمٍ،
وإلى بشاشةٍ سمحةٍ، وإلى ودٍ يسعهم،
وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم، في
حاجة إلى قلبٍ كبيرٍ يعطيهم ويحمل
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص١٥٤.
www. modoee.com
٤٠٥

حرف الواو
همومهم، يجدون عنده دائمًا الاهتمام
والرعاية والعطف والسماحة والود، وهكذا
كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ما غضب لنفسه قط، ولا احتجز لنفسه شيئًا
من أعراض هذه الحياة الدنيا؛ بل أعطاهم
كل ما ملكت يداه في سماحة ندية، ووسعهم
حلمه وبره وعطفه ووده الكريم، وما من
واحدٍ منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه؛
نتيجة لما أفاض علیه صلی الله عليه وسلم
من نفسه الكبيرة الرحيبة)) (١).
لقد بين الله تعالى أن ثمرة اللين والخلق
الحسن هي المحبة والاجتماع عليه صلى
الله عليه وسلم، وأن خلافها من الجفوة
والخشونة مؤدٍ إلى التفرق والنفور (٢)؛ لذا
أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بأن یعامل
بعضهم بعضًا باللين والعفو والمسامحة،
وألا يردوا السيئة بمثلها؛ ولكن يدفعوها
بالتي هي أحسن، ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى
هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنَزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ
كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
فهذا أمر من الله عز وجل لعباه المؤمنین
بأن يقولوا ويعملوا التي هي أحسن، أمرهم
بحسن الأدب، وإلانة القول، وخفض
الجناح، وعدم مجاراة نزغات الشيطان؛
فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٥٠١.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٠٤/٣.
جوبيه
الْقُرآن الكْرِيْمِ
القاسية تفلت، وبالرد السيئ يتبعها، وحينها
ينقلب جو الود والمحبة والوفاق إلى جوٍ
مشوب بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء(٣).
إن الشیطان یتربص بالمؤمنین، ويتلمس
منهم السقطات التي تقع من أفواههم،
والعثرات التي تنطق بها ألسنتهم، لكي يشيع
الشر بينهم، ويبذر بذور الخصومة والبغضاء
في صفوفهم، ويهيج أعداءهم عليهم،
وهذا أمر متوقع من الشيطان؛ لأنه ﴿كان
لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ حريص على الإفساد بين
الناس، ظاهر العداوة لهم منذ القدم(٤).
ولقد رغب الله عز وجل عباده المؤمنين
في معاملة إخوانهم بالتي هي أحسن فقال
سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
أَدَّفَعْ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَذَ الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ.
عَدَوَةٌ كَأَنَّهُوَلِىُّ حَمِيدٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
أي: لا يستوي فعل الحسنات والطاعات
لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات
والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا
يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة
إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في
جزائها، ثم أمر سبحانه بإحسان خاص، له
موقع کبیر، وهو الإحسان إلى من أساء إليك،
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٠/ ٢٧٧، في ظلال القرآن، سيد قطب
٢٢٣٤/٤.
(٤) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
٣٧٣/٨.
٤٠٦

الوحدة
فقال: ﴿أُدفَع پِالَّتِىهِىَ آحْسُ﴾ أي: فإذا أساء
إليك مسيء من الخلق، خصوصًا من له
حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب،
ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله
بالإحسان إليه، فإن قطعك فصله، وإن
ظلمك، فاعف عنه، وإن تكلم فيك غائبًا
أو حاضرًا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله
بالقول اللين، وإن هجرك، وترك خطابك،
فطيب له الكلام، وابذل له السلام، فإذا
قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة
عظيمة، ﴿فَّ الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُوَلِيُّ
حَمِيمٌ﴾ أي: كأنه قريب شفيق (١).
إن هذه الآية الكريمة تأمر بأعلى الأخلاق
وأكرمها، لا تأمر بالعفو عن المسيء فقط؛ بل
تأمر بمقابلة الإساءة بالتي هي أحسن، كما
لو أساء إليك رجل إساءة فالحسنة أن تعفو
عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان
إساءته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه، أو
يقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه، وثمرة
ذلك الخلق الكريم الرفيع ثمرة عظيمة، إذ
إن ثمرة ذلك أن تنقلب العداوة إلى محبة،
والشقاق إلى وفاق، ويصير العدو الخصم
كأنه ولي حميمٌ (٢).
ونظير هذه الآية قول الله تعالى: ﴿آدَفَعْ
بِالَِّى هِىَ أَحْسَنُ السَّيَِّةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٧٤٩.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١٣٨/٤.
[المؤمنون: ٩٦].
(( أي إذا أساء إليك أعداؤك، بالقول
والفعل، فلا تقابلهم بالإساءة - مع أنه
يجوز معاقبة المسيء بمثل إساءته - ولكن
ادفع إساءتهم إليك بالإحسان منك إليهم،
فإن ذلك فضل منك على المسيء، وأدعى
لجلب المسيء إلى الحق، وأقرب إلى ندمه
وأسفه، ورجوعه بالتوبة عما فعل، وليتصف
العافي بصفة الإحسان، ويقهر بذلك عدوه
الشيطان، وليستوجب الثواب من الرب عز
وجل.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى
اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠])) (٣)
رابعًا: الإصلاح بين المتنازعين:
أمر الله عز وجل بالإصلاح بين
المتنازعين من المؤمنين، حيث قال
تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَاً فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى
فَقَدِلُواْ أَلَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءَتْ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ
بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[الحجرات: ٩ - ١٠].
فهذه الآية توجب على المؤمنين
الإصلاح بين إخوانهم إن حدث نزاع أو
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٥٨.
www. modoee.com
٤٠٧

حرف الواو
قتال بين طائفتين منهم، ولا يخفى ما في
الإصلاح بين المتنازعين من ترسيخ لوحدة
الأمة المسلمة، وصيانة لها من تشقق بنيانها،
وتفكك وحدتها.
إن التنازع بين المؤمنین یمزق صفهم،
ويوقع العداوة بينهم، فیوهن قوتهم، ويغري
أعداءهم بهم، وهذا كله شرِّ يأباه الإسلام؛
لذا كان الأمر بالمبادرة إلى الإصلاح بين
المتنازعين قبل أن يكبر الخلاف، ويعظم
النزاع؛ فأمة الإسلام لا يليق بها تنازع
أفرادها، وإنما اللائق بها الإخوة والمحبة
والألفة بين أفرادها جميعًا.
وقد سبق في المطلب الأول من المبحث
الثالث بيان حث القرآن الكريم على
الإصلاح بين المتنازعين من المؤمنين فلا
داعي لتكرار ذلك هنا.
خامسًا: الإعراض عن الجاهلين:
لا شك أن مجاراة الجاهلين، ومقابلة
جهلهم بالمثل من الأمور التي تطعن في
خاصرة الأخوة الإيمانية، وتزعزع الوحدة
والألفة بينهم، إذ إن مجاراة هؤلاء الجاهلين
يزيدهم جهلًا، وينشئ التنازع والخلاف بين
صفوف المسلمین، فیشتت شملهم، ويمزق
كلمتهم، ولا يخفى ما في الإعراض عن
أولئك الجاهلين من مصلحة للمسلمين،
بصيانة وحدتهم وإدامة اجتماعهم وتآلفهم.
ولقد أمر الله عز وجل بالإعراض عن
الجاهلين فقال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ
بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف:
١٩٩].
ففي الإعراض عنهم مصلحة خاصة
للمعرض، حيث يسلم من أذيتهم، وفيه
مصلحة عامة للمجتمع، حيث يسلم
المجتمع المسلم من حدوث النزاعات
والخلافات التي لا تحمد عقباها.
والآية السابقة جامعة لحسن الخلق مع
الناس، وما ينبغي في معاملتهم؛ فالذي ينبغي
أن یعامل به الناس أن يأخذ منهم العفو، وهو
ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من
الأعمال والأخلاق، فلا يكلفون ما لا تسمح
به طبائعهم؛ بل یشکر من کل أحد ما قدمه،
من قول وفعل جميل أو ما هو دون ذلك،
ويتجاوز عن تقصيرهم ويغض الطرف عن
نقصهم، وليأمروا بكل قول حسن وفعل
جمیل، وخلق حسن؛ من صلة رحم، أو بر
والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة
نافعة، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر
عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة
دينية أو دنيوية، أما الجاهلون منهم فقد أمر
الله تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه،
وعدم مقابلته بجهله، فمن آذاك بقوله أو فعله
لا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك
٤٠٨
جوبيع
القرآن الكريم

الوحد
فصله، ومن ظلمك فاعدل فيه (١).
قال القرطبي: ((هذه الآية من ثلاث
كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في
خُذِ
المأمورات والمنهيات؛ فقوله:
اٌلْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن
المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك
من أخلاق المطيعين، ودخل في قوله:
﴿وَأَمُرْ بِاَلْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام، وتقوى
الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار،
والاستعداد لدار القرار، وفي قوله:
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ الحض على
التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم،
والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة
الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة
والأفعال الرشيدة)» (٢)
عوائق الوحدة
إذا كان لوحدة الأمة الإسلامية أسبابٌ
ومقوماتٌ عظيمةٌ من شأنها أن تجعل
أمة الإسلام أعظم الأمم توحدًا واتحادًا
واجتماعًا، فإن هناك عوائق قد تقف حائلاً
دون تحقيق تلك الوحدة، فالوحدة إذا
وجدت فلا بد من صيانتها من العوامل التي
تؤدي إلى تحللها وتفككها، وفي المطالب
الآتية بيان لأهم تلك العوائق التي تحول
دون وحدة المسلمين.
أولًا: اتباع نزغات الشيطان:
لقد حذرنا ربنا عز وجل من الشيطان
تحذيرًا عظيمًا، وبين أنه عدوٌّ لنا.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌّ
قال تعالى:
فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبٍ
السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
فلا ينبغي للمؤمنين أن يتبعوا خطواته؛
لأنه لا يأمر إلا بالشر والفحشاء والمنكر،
ولا يريد لحزبه إلا أن يكونوا معه من
أصحاب السعير.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ وَمَنْ يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ.
يَأْمُرُ بِلْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النور: ٢١].
وقد بين لنا ربنا عز وجل أن عداوة
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي الشيطان لنا قديمة منذ خلق آدم عليه السلام.
ص٣١٣.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٤٤.
قال تعالى: ﴿يَبَنِيّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ
www. modoee.com
٤٠٩

حرف الواو
الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾
[الأعراف: ٢٧].
والآيات القرآنية التي تحذرنا من
الشيطان الرجيم وتبين لنا أساليبه الخبيئة
في إضلال من يتبعه کثیرة لیس المجال هنا
لحصرها.
وإن من أخبث غايات الشيطان وأهدافه
أن يوقع الشر والخصومة بين المؤمنین، وأن
يبدل محبتهم لبعضهم بعضًا، وأن يقلب
أخوتهم عداوة، وإن أسعد لحظات الشيطان
الرجیم یوم یری المؤمن قد رفع سلاحه على
أخيه المؤمن، ویری الخصومات والنزاعات
قد اشتعلت نيرانها، وبرز شرها بين أمة
الإسلام، حتى إن الشيطان ليفرح بالخصومة
التي تقع بين الرجل وزوجه.
ففي الحديث عن جابر رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث
سراياه؛ فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة؛
يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا،
فيقول: ما صنعت شيئا، قال: ثم يجيء
أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه
وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم
أنت)، قال الأعمش: أراه قال: (فيلتزمه)(١).
وعنه رضي الله عنه عن النبي صلی الله
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه
السرايا لفتنة الناس، رقم ١٣٨/٨،٧٢٨٤.
عليه وسلم قال: (إن الشيطان قد أيس أن
يعبده المصلون فى جزيرة العرب ولكن فى
التحريش بينهم) (٢).
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله
عنه، عن النبي صلی الله عليه وسلم قال:
(إذا أصبح إبليس بث جنوده، فيقول: من
أضل اليوم مسلما ألبسته التاج، فيجيء
أحدهم فيقول: لم أزل به حتى عق والده،
فقال: يوشك أن يبره، ويجيء أحدهم
فیقول: لم أزل به حتی طلق امرأته، فیقول:
يوشك أن يتزوج، ويجيء أحدهم فيقول: لم
أزل به حتى أشرك فيقول: أنت أنت، ويجيء
أحدهم فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول:
أنت أنت ويلبسه التاج) (٣).
إن المسلم إذا اتبع خطوات الشيطان
وقع في تلك المهلكات الموبقات، وإن
المجتمع المسلم متى اتبع نزغات الشيطان
تشققت وحدته، وتصدع صفه، وخارت
قوته، واشتغل أفراده بخصومات أشعلها
الشيطان الرجيم بينهم.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه
السرايا لفتنة الناس، رقم ١٣٨/٨،٧٢٨١.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الحدود،
رقم ٨١٤١، ٣٥١/٤.
وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخر جاه.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب، رقم ٢٤٤٩.
٤١٠
القرآن الكريمِ