Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الهوى
عناصر الموضوع
مفهوم الهوى
٢٩٢
الهوى في الاستعمال القرآني
٢٩٣
الألفاظ ذات الصلة
٢٩٤
٢٩٦
النهي عن اتباع الهوى
٣١٣
مجالات اتباع الهوى
٣٢٣
وسائل مقاومة الهوى
٣٣٢
آثار اتباع الهوى
المُجَلَدَ الرَّابِعْ وَالثَّلاثُونْ

حرف الهاء
مفهوم الهوى
أولًا: المعنى اللغوي:
(هوي) («الهاء والواو والياء: أصل صحيح يدل على خلو وسقوط. أصله الهواء بين
الأرض والسماء، سمي لخلوه. قالوا: وكل خال هواء، ويقال: هوى الشيء يهوي: سقط.
وهاوية: جهنم؛ لأن الكافر یهوي فيها))(١).
والهوى مقصورٌ، هوى النفس والضمير: أي: إرادتها، والجمع الأهواء، والهوى: محبة
الإنسان الشيء وغلبته على قلبه، تقول: هوي بالكسر يهوى هوّى أي: أحب. ورجلٌ هوٍ: ذو
هوّى، وامرأة هويةٌ: لا تزال تهوى (٢). ((وهوى الشيء يهوي هويًا إذا سقط من علو إلى سفلٍ،
وذلك لأن الإنسان إذا اتبع هواه؛ فقد هوى وسقط))(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذکر العلماء عدة تعريفات لللهوى، منها:
الهوى: ميل النفس إلى ما تستلذه من الشهوات من غير داعية الشرع (٤).
الهوى ميل النفس في الاعتقاد وغيره إلى ما يجانب الحق (٥).
الهوى ميل القلب إلى ما يستلذ به (٦).
الهوى كل ما خالف الحق، وللنفس فيه حظ ورغبة من الأقوال والأفعال والمقاصد(٧).
وقيل: هو ميل النفس إلى ما لا ينبغي (٨).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦/ ١٥.
وانظر: مختار الصحاح، الرازي، ص٣٢٩.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣٧٢/١٥، تاج العروس، الزبيدي ٣٢٦/٤٠.
(٣) مشارق الأنوار، القاضي عياض ٢/ ٢٧٣.
وانظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ٩٩٨.
(٤) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص٢٥٧، الكليات، الكفوي ص٩٦٢، التوقيف على مهمات التعاريف،
المناوي، ص٣٤٤.
(٥) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، ٢٣٧٩/٣.
(٦) انظر: الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، زكريا الأنصاري، ٦٨/١، المفردات، الراغب الأصفهاني،
ص٨٤٩.
(٧) انظر: الهوى وأثره في الخلاف، عبد الله الغنيمان، ص١٢.
(٨) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣٦٣/١.
٢٩٢
جوبيع
القرآن الكريمِ

الهوى
الهوى في الاستعمال القرآني
وردت مادة (هوي) في القرآن الكريم (٣٨) مرة، يخص موضوع البحث منها (٣٢)
مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٤
﴿إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَ هُم
م:٢٣]
مِن نَّيْهِمُ اَلْهُدَىّ ®
المصدر
٢٨
﴿﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىُ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اَللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]
وجاء الهوى في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو ما تميل إليه النفس وتشتهيه(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ١٣٩٥.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٥٤.
www. modoee.com
٢٩٣

حرف الهاء
الألفاظ ذات الصلة
الشهوات:
١
الشهوات لغةً:
((الشين والهاء والحرف المعتل كلمة واحدة، وهي الشهوة. يقال: رجل شهوان، وشيء
شھي)» (١).
والشهوة اشتياق النفس إلى الشيء، والجمع شهواتٌ (٢).
الشهوات اصطلاحًا:
((كل شيءٍ من المعاصي يضمره صاحبه ويصر عليه وإن لم يعمل)) (٣).
الصلة بين الهوى والشهوة:
الفرق بينهما بأن الهوى يختص بالأداء والاعتقادات، والشهوة تختص بنيل المستلذات (٤).
المحبة:
٢
المحبة لغةً:
الحاء والباء أصول ثلاثة، أحدها: اللزوم والثبات، والآخر: الحبة من الشيء ذي الحب،
والثالث: وصف القصر(٥). وهو عبارة عن ميل الطبع في الشيء الملذ، فإن تأكد الميل،
وكان قويًا يسمى عشقا، وأول مراتب الحب: الهوى، وهو ميل النفس، وقد يطلق ويراد به:
نفس المحبوب (٦).
قال الفيروزآبادي: ((ولا يحد المحبة بحد أوضح منها، والحدود لا تزيدها إلا خفاءً
وجفاءً فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة)) (٧).
المحبة اصطلاحًا:
قال ابن القيم: حقيقة المحبة هي موافقة المحبوب فى محابه، فيحب ما يحبه محبوبه (٨).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٢٠/٣.
(٢) انظر: المصباح المنير، الفيومي، ٣٢٦/١.
(٣) تاج العروس، محمد الزبيدي، ٤٠٢/٣٨.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري، ص ٥٦٢.
(٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٦/٢.
(٦) الكليات، الكفوي، ص٣٩٨.
(٧) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٤١٦/٢.
(٨) طريق الهجرتين، ابن القيم ص ٢٦١.
٢٩٤
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الهوى
وقيل: ((هو محبة الإنسان للشيء وغلبته على قلبه)) (١).
الصلة بين الهوى والمحبة:
سئل بعض الصوفية عن الهوى والمحبة فقال: الهوى يحل في القلب، والمحبة يحل فيها
القلب (٢).
الشبهات:
٣
الشبهات لغةً:
((الشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونا ووصفا)) (٣)،
والمشتبهات من الأمور: المشكلات. والمتشابهات: المتماثلات (٤).
الشبهات اصطلاحًا:
((الالتباس، وفي الشرع: ما التبس أمره، فلا يدري أحلال هو أم حرام، وحق هو أم
باطل))(٥)
٠
وقيل: هي ما بين الحلال والحرام، والخطأ والصواب (٦).
الصلة بين الهوى والشبهة:
الهوى هو ما يؤدي إلى تعتيم الحقائق، وعدم التفرقة بينها وبين غيرها، أما الشبهة فألبس
في الأمور والحقائق.
(١) تاج العروس، محمد الزبيدي، ٢/ ٢١٤.
(٢) نهاية الأرب، النويري ١٢٨/٢.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٤٣/٣.
(٤) الصحاح، الجوهري ٢٢٣٦/٦.
(٥) القاموس الفقهي، سعدي أبو حبيب، ١٨٩/١.
(٦) انظر: تكملة المعاجم العربية، رينهارت بيتر آن دوزي، نقله إلى العربية وعلق عليه: محمد النعيمي،
جمال الخياط، ٦/ ٢٤٤.
www. modoee.com
٢٩٥

حرف الهاء
النهي عن اتباع الهوى
تنوعت أساليب القرآن في النهي عن
اتباع الهوى وسوف نتناولها بالبيان فيما
يأتي.
أولًا: أسلوب الطلب:
وهذا الأسلوب استخدمه القرآن كثيرًا
في التحذير من اتباع الهوى، ومن خلال
النظر في آيات التحذير من اتباع الهوى في
القرآن نجد أنه لم يأت إلا بأسلوب النهي،
وهذا النهي جاء على نوعين: نهي معلل،
ونهي غیر معلل.
النوع الأول: النهي المعلل.
وذلك بأن ینھی عن اتباع الهوى مع بيان
علة ذلك النهي، والسبب الداعي إليه.
وقد جاء النهي عن اتباع الهوى معللًا في
مواضع من القرآن بأكثر من علة، ومن ذلك:
١. عدم العدل.
وهذه من العلل التي ذكرها القرآن في
التحذير من اتباع الهوى، ومن ذلك قوله
سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ
قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا
فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن
تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيًّا﴾
[النساء: ١٣٥].
فهذه الآية أتت ((بعد أن أمر سبحانه
وتعالى بالقسط في اليتامى والنساء في سياق
الاستفتاء فیهن؛ لأن حقهن آكد، وضعفهن
معهود؛ لتعمم الأمر بالقسط بین الناس؛ لأن
قوام أمور الاجتماع لا يكون إلا بالعدل،
وحفظ النظام لا يتم إلا به))(١).
والقيام بالقسط من أعظم الأمور التي
تدل على حسن ديانة القائم به، فحري
بطالب النجاة أن يهتم له غاية الاهتمام،
وأن يبعد عن نفسه كل من شأنه تعويقها عن
القيام بالقسط والعمل به.
(وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى؛ ولهذا
نبه سبحانه وتعالى على إزالة هذا المانع
بقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ أَلْهَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ﴾
[النساء: ١٣٥](٢).
أي: ((لإقامة العدل لا تتبعوا الهوى))(٣).
فإنکم إن اتبعتموه وسرتم خلفه «عدلتم
عن الصواب، ولم توفقوا للعدل، فإن
الهوی إما أن یعمي بصيرة صاحبه حتی یری
الحق باطلًا، والباطل حقًا، وإما أن يعرف
الحق ويتركه لأجل هواه، فمن سلم من
هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط
المستقيم)» (٤).
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٠٣٧١/٥
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٠٨.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٩٢٩/٣.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٠٨.
٢٩٦
جَوَبُور
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الهوى
٢. الضلال عن سبيل الله.
وذلك بأن ینھی عن اتباع الهوى دون
الإنسان ما جاء في هذه الحياة إلا ليعبد بيان علة ذلك النهي أو سببه.
الله، ويحسن السير إليه، فإن ضل الإنسان
غایته، وابتعد عن سبيل ربه فقد خسر دنياه
وأخراه؛ ولذا ذكر القرآن الضلال عن سبيله
كعلة للتحذير من اتباع الأهواء.
قال سبحانه وتعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا
جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُبِنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا
تَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الَّهِ إِنَّ الَذِينَ يَضِلُونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ
اِْسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
وهكذا تتجلى الخاتمة المؤسفة، ويظهر
المصير السيئ الذي يؤدي إليه اتباع الهوى
﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىِ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[ص: ٢٦].
أي: ((فيضلك اتباع الهوى عن دين الله
القويم، وشرعه المستقیم))(١).
ومتابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل
الله؛ لأن ((الهوى يدعو إلى الاستغراق في
اللذات الجسمانية، والاستغراق فيها يمنع
من الاشتغال بطلب السعادات الروحانية
التي هي الباقيات الصالحات؛ لأنهما حالتان
متضادتان، فبقدر ما يزداد أحدهما ينقص
الآخر »(٢).
النوع الثاني: النهي غير المعلل.
(١) صفوة التفاسير، الصابوني ٣/ ٥٠.
(٢) مفاتيح الغيب ٣٨٦/٢٦
ويظهر ذلك في أكثر من آية من الآيات
التي حذرت من اتباع الهوى.
ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ
الَّذِينَ أَشْرَكُوْلَوَّشَآءَ اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَهْرَّ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ حَقَّ ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم
مِّنْ عِلٍّ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّاً إِن تَنَّبِعُونَ إِلََّ الظَّنَّ وَإِنْ
أَنْتُمْ إِلَّا تَّخْرُصُونَ ﴿ قُلْ فَلِلَِّ الْحُجَّةُ الْبَعِغَةٌ فَلَوَّ
شَآءَ لَهَدَنَكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قُلْ هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ
الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ
فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُوَّ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بَِايَتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَآَخِرَةِ وَهُم
بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٥٠].
ففي هذه الآيات ((تثبيت للنبي الكريم
على طريقه المستقيم الذي أقامه الله عليه،
وألا يأخذ بشهادة من يشهدون على هذا
الزور))(٣)، وكذلك نهى عن موافقة ((الذين
حكموا أهواءهم فكذبوا بآيات الله فيما
ذهبوا إليه من تحريم ما أحل الله، وتحليل
ما حرم الله»(٤).
وها هنا نلحظ أن النهي عن اتباع الهوى
جاء مجردًا من العلة الكامنة وراءه، وكذا
نلحظ هذا أيضًا في قوله سبحانه وتعالى:
(٣) التفسير القرآني للقرآن ٣٣٨/٤.
(٤) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص١٤٨.
www. modoee.com
٢٩٧

حرف الهاء
﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ
عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوِ الدُّنْيَّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا
قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾
[الكهف: ٢٨].
ففي هذه الآية ((يأمر سبحانه وتعالى نبيه
محمدًا صلى الله عليه السلام أن يصبر نفسه
مع المؤمنين العباد المنيبين)»(١) ﴿وَأَصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ
وَالْعَشِّ﴾ [الكهف: ٢٨].
وكذا تحذره من الابتعاد عنهم، واتباع
من غفل عن ذكر الله فأغفله الله عن ذكره،
ومن اتبع هواه «أي: صار تبعًا لهواه، حیث
ما اشتهت نفسه فعله، وسعی فی إدراكه، ولو
كان فيه هلاكه وخسرانه؛ فهو قد اتخذ إلهه
هواه))(٢). وها هنا نلحظ التحذير والنهي عن
اتباع الهوى خاليًا من ذكر العلة.
ثانيًا: وصف متبعي الهوى بأقبح
الصفات:
المتأمل لآيات القرآن الكريم يجد أن
الله سبحانه وتعالى ذم اتباع الهوى، وبين
خطورته بأكثر من سبيل، ومن هذا وصف
متبع الهوی بصفات عديدة، تدل على عظم
جرمه، وشنيع فعله، وفيما يلي عرض لهذه
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٧٥
بتصرف.
(٢) المصدر السابق.
الأوصاف:
١. الضلال.
أخبرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه أن من
صفات متبع الهوى: الضلال وعدم الهداية،
فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ
فَأَعْلَمْأَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَّبَعَ
هَوَنَّهُ بِغَيْرِ مُدَى مِنَ اْللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
يقول الطبري: ((﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ عن
طريق الرشاد وسبيل السداد ﴿مِمَّنِ أَتَّحَ﴾
هوى نفسه ﴿بِغَيْرِ﴾ بيان من عند الله؛ فإن
الله لا يوفق لإصابة الحق وسبيل الرشد
القوم الذين خالفوا أمر الله، واتبعوا أهواء
أنفسهم»(٣).
ففي هذه الآية إشارة إلى أن المتبع لهواه
من أضل الناس؛ لأنه «عرض علیه الهدى،
والصراط المستقيم الموصل إلى الله، وإلى
دار کرامته فلم يلتفت إليه، ولم يقبل عليه،
ودعاه هواه إلى سلوك الطرق الموصلة إلى
الهلاك والشقاء فاتبعه وترك الهدى، فهل
أحد أضل ممن هذا وصفه؟!))(٤).
والسر في ضلال متبع الهوى وكونه
لا أضل منه ((أن الضلال في الأصل خطأ
الطريق، وأنه يقع في أحوال متفاوتة في
عواقب المشقة، أو الخطر، أو الهلاك
(٣) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٥٩٢.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦١٧
بتصرف.
٢٩٨
القرآن الكريمِ

الهوى
بالكلية على حسب تفاوت شدة الضلال،
واتباع الهوى مع إلغاء إعمال النظر،
ومراجعته في النجاة يلقي بصاحبه إلى کثیر
من أحوال الضر بدون تحديد ولا انحصار
فلا جرم یکون هذا الاتباع المفارق لجنس
الهدى أشد الضلال، فصاحبه أشد الضالين
ضلالًا))(١).
ومما يدل على شدة ضلال متبع الهوی:
((تقييد اتباع الهوى بعدم الهدى من الله))(٢).
فالإنسان -من حیث هو إنسان- لا يخلو
حتمًا من الهوی «فإذا کان مع الهوی هدی
من الله غلب الإنسان هواه وقهره، وإذا لم
يكن معه من هدى الله شيء يمسك زمام
هواه كان على طريق الهوى أبدًا، لا يعدل
عنه إلى طريق الحق والهدى أبدًا؛ ولهذا جاء
الوصف لأصحاب الهوى الذين لا يلقاهم
هدی الله مقررًا أنهم أضل الضالين كما قال
سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِتَنِ أَتَبَعَ هَوَنُهُ
بِغَيْرِ هُدَى مِنَ الَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
فقد يضل الإنسان وينحرف متبعًا هواه،
ولكن حين يلقاه هدى الله على طريق غوايته
يستقيم ويهتدي، أما إذا لم يلقه هدى الله
فلن يهتدي أبدًا))(٣).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤١/٢٠.
(٢) روح البيان، إسماعيل حقي ٦/ ٤١٢.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٣٦٠/١٠.
ومن الآيات التي وصفت متبع الهوى
بالضلال قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ
أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ
كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة:
٧٧].
فمن تأمل في الآية وجد أن الله تعالى
وصف المتبع لهواه بثلاث صفات: ﴿قَدْ
ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن
سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
والسبب في كل هذا الضلال هو اتباع
الهوى ومخالفة الشرع، فمتبع الهوى ضال
بنفسه مضل لغيره.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ
قال سبحانه وتعالى:
بِأَهْوَآبِهِم بِغَيِّرِ عِلَّهُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩].
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر:
(ليضلون) بفتح الياء، وقرأ عاصم وحمزة
والكسائي ونافع بضم الياء، فمن قرأ بالفتح
أشار إلى كونه ضالًا، ومن قرأ بالضم أشار
إلى كونه مضلّا(٤).
وفائدة القراءتين بيان وقوع الأمرين
بالإيجاز العجيب، والمعنى أن من الثابت
أن كثيرًا من الناس يضلون غيرهم كما
ضلوا، كما أن كثيرًا منهم يضل في ذلك
من تلقاء نفسه، وكلٍّ من ذلك الضلال
(٤) انظر: السبعة في القراءات، ابن مجاهد
ص٢٦٧، النشر في القراءات العشر، ابن
الجزري ٢/ ٢٦٢.
www. modoee.com
٢٩٩

حرف الهاء
والإضلال واقعٌ بأهواء أهله لا بعلمٍ مقتبسٍ
من الوحي(١).
وأيضًا من الآيات الواصفة لمتبعي
الهوى بالضلال قوله سبحانه وتعالى:
وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَفْسَلَخَ
مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ﴾
[الأعراف: ١٧٥].
يعني: فصار من الضالين الكافرين(٢).
٢. التشبيه بالكلب.
من الأوصاف البغيضة التي وصف الله
سبحانه وتعالى بها المتبع لهواه والمخالف
للشرع التشبيه بالكلب.
قال جل جلاله: ﴿وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى
اَلْأَرْضِ وَأَتَبَعَ هَوَنَةٌ فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن
تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾
[الأعراف: ١٧٦].
هذا مثل ضربه الله تعالى تشبيهًا لمتبع
الهوى، الذي يقدم هواه على الشرع والحق،
وهو تشبيه دقيق، وصورة حية لهذا الإنسان
المهين الذي قدم هواه على الدين القويم،
وهكذا المتبع هواه في كل حالٍ، فـ((من
خرج عن حيز الهدى والعلم، وأقبل على
هواه صار شبيهًا بالكلب، وبئس المثل
مثله)»(٣).
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٨ / ١٧.
(٢) مدارك التنزيل، النسفي ٦١٨/١، الكشاف،
الزمخشري ١٧٨/٢.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٢٢٣/٥.
فالكلب ((من أخبث الحيوانات،
وأوضعها قدرًا، وأخسها نفسًا، وهمته لا
تتعدى بطنه، وأشدها شرهًا وحرصًا، ومن
حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض
یتشمم ویستروح؛ حرصًا وشرها، ولا يزال
يشم دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميت إليه
بحجر رجع إليه؛ ليعضه من فرط نهمته،
وهو من أمهن الحيوانات، وأحملها للهوان،
وأرضاها بالدنايا، والجيف القذرة المروحة
أحب إليه من اللحم الطري، والعذرة أحب
إليه من الحلوى، وإذا ظفر بميتة تكفي مائة
کلب لم يدع كلبًا واحدًا يتناول منها شيئًا
إلا هر عليه وقهره؛ لحرصه وبخله وشرهه،
ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأی ذا هيئة
رثة، وثیاب دنیة، وحال زرية نبحه، وحمل
عليه كأنه يتصور مشاركته له ومنازعته
في قولته، وإذا رأی ذا هيئة حسنة، وثیاب
جميلة، ورياسة وضع له خطمه بالأرض،
وخضع له، ولم يرفع إليه رأسه» (٤).
٣. الظلم.
من الأوصاف التي وصف الله بها متبع
الهوى أنه ظالم.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ
أَهْوَآءَ هُم ◌ِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِّ
إِنَّكَ إِذَّا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥].
ففي هذه الآية تحذير شديد اللهجة من
(٤) بدائع التفسير، ابن القيم ١ / ٤٢٦.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٣٠٠

الهوى
الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه السلام
بعدم اتباع الهوى وإلا صار في عداد
الظالمين؛ لأن «اتباع الهوى بعد التحقيق
بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة))(١).
وأي ظلم أشد وأعظم ((من ظلم من علم
الحق والباطل فآثر الباطل على الحق))(٢)؟ !.
والناظر يجد أن الذي أوجب لهم الظلم
وأوقعهم فيه وسجله عليهم هو اتباعهم
الهوى.
قال الله جل جلاله: ﴿بَلِ أَثَّبَعَ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ أَهْوَآءَ هُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: ٢٩].
ووصف اتباع الهوى بالظلم؛ لأن ((الأمر
ليس قصورًا في الأدلة، ولا عدم وضوح في
الحجج، وإنما الظالمون اتبعوا أهواءهم،
أي: ما يهوونه ويشتهونه بغير علم من نفعه
وجدواه لهم فضلوا لذلك))(٣).
وكذا لأنهم تركوا شرع الله الواضح
وهديه القيم، و((أخذوا أهواءً شتى تعارضت
وتضاربت فلم يصلوا منها إلى نتيجة،
وكذلك لأنهم أعطوا أنفسهم شهوة عاجلة،
ولذة فانية، وغفلوا عن عاقبة ذلك، فهم إما
کارهون لأنفسهم، أو یحبونها حبًا أحمق،
وهذه آفة الهوى حينما يسبق العقل ويتحكم
فيه)) (٤).
(١) محاسن التأويل، القاسمى ٤٢٨/١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٢.
(٣) أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ١٧٥.
(٤) تفسير الشعراوي ١٨/ ١١٤١٠ بتصرف.
٤. الاستكبار.
وهذه من الأوصاف التي وصف الله بها
متبع الهوى، قال عز وجل: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ
رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنْفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَغَرِيقًا
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧].
فهذه الآية تصف اليهود -الذين
اتبعوا أهواءهم، فقتلوا فريقًا من الأنبياء،
و کذبوا فریقًا- بالاستكبار، والاستكبار هو
الاتصاف بالكبر، والمراد به هنا: ((الترفع عن
اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم،
واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل،
ویکونوا أتباعًا لهم»(٥).
وكان من الممكن أن يكونوا هداة،
وأن يحسنوا السير وراء أنبيائهم، ولكنهم
«أصغوا إلى دعاء الداعین بسمع الهوى،
فما استلذته النفوس؛ قبلوه، وما استثقلته
أهواؤهم جحدوه» (٦).
فأعرضوا عن الحق مع ظهوره، والمتأمل
يدرك أن سبب استكبارهم هذا إنما جلبه
عليهم سيرهم وراء الهوى، فأن يكون دأبهم
الإعراض والإيذاء مع رسل الله جميعًا
فـ«تلك أمارة على أنهم إنما يعرضون عن
الحق؛ لأجل مخالفة الحق أهواءهم، وإلا
فکیف لم يجدوا في خلال هذه العصور،
ومن بين تلك المشارب ما يوافق الحق
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٩٨/١.
(٦) لطائف الإشارات، القشيري ١/ ١٠٤.
www. modoee.com
٣٠١

حرف الهاء
ويتمحض للنصح))؟!(١).
فدلائل الحق كانت واضحة ولكنهم
ساروا وراء الهوى فاستكبروا، نعوذ بالله عز
وجل من هذا الوصف المشين.
٥. التکذیب بالحق.
من الصفات التي وصف الله بها متبع
الهوى التكذيب بالحق، قال عز وجل:
﴿وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَآءَ هُذَّ وَكُلُّ أَمْرٍ
مُسْتَقِرُّ﴾ [القمر: ٣].
فهؤلاء المشركون بعد ما أتتهم آيات
الله، وعاينوا الدلالة على صحتها آثروا اتباع
ما دعتهم إليه أهواء أنفسهم من تكذيب ذلك
على التصديق (٢).
فالآية تثبت بوضوح أن التكذيب صفة
من صفات متبعي الهوی، وأنه «لا دافع لهم
إليه إلا اتباع ما تهواه أنفسهم من بقاء حالهم
على ما ألفوه وعهدوه واشتهر دوامه))(٣).
فبين التكذيب والهوى إذًا صلة كبيرة
«فإذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل
التکذیب؛ لأن الله يلبس على قلب صاحبه؛
حتی لا یستبصر الرشد)» (٤).
ومن الآيات التي أكدت على أن متبع
الهوى مكذب بالحق قوله: ﴿وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٠].
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٥٩٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٧١.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٢/٢٧.
(٤) لطائف الإشارات، القشيري ٣/ ٤٩٤.
فتأمل كيف وضع سبحانه وتعالى
الظاهر موضع الضمير؛ إذ لم يقل: ولا تتبع
أهواءهم «للدلالة على أن من كذب بآيات
الله وعدل به غيره أي: سوى به الأصنام
فھو متبع للھوی لا غیر؛ لأنه لو اتبع الدلیل
لم یکن إلا مصدقًا بالآيات، موحدًا لله عز
وجل ))(٥) بل قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا
تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَايَِنَا﴾
ومن التكذيب بالحق التكذيب باليوم
الآخر، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنَّبِعْ
أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِ لُونَ﴾
فمن الأوصاف التي ذكرتها الآية لأهل
الأهواء أنهم («على جهلهم واتباع أهوائهم
لا يؤمنون بالآخرة، فيحملهم الإيمان على
سماع الحجة إذا ذكروا بها))(٦).
وما ذلك إلا لأن الهوى يعلق صاحبه
بالدنيا وزخرفها ومتاعها الزائل ((ويطمس
بصيرته فيدفعه للكفر بساعة القيامة والبعث
ليوم الجزاء)»(٧).
فهناك إذا تلازم ظاهر وارتباط واضح بین
الكفر بالآخرة واتباع الهوى.
قال جل جلاله: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ
خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ
اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ
(٥) محاسن التأويل، القاسمي ٥٣٥/٤.
(٦) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ١٦٠.
(٧) انظر: معارج التفكر، حبنكة الميداني ٨/ ٥٧.
٣٠٢
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الهوى
عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ
الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
ففي هذه الآية یظهر أثر الهوى، و کیف
أنه یمنع الإيمان باليوم الآخر.
يقول صاحب معارج التفكر: ((يلاحظ
في هذه الآية ترتيب حلقات سلسلة
الأسباب بعضها على بعض، فاتباع الهوى
ينسي العمل للنجاة والظفر يوم الدين الذي
يكون فيه الحساب وفصل القضاء وتحقيق
الجزاء، وهذا يؤدي للضلال عن سبيل الله،
والسقوط في المعاصي وكبائر الذنوب
تنازلا حتی درکة الكفر بالله، وجحود یوم
الدين، وهذا يؤدي إلى استحقاق العقاب
والعذاب الشديد بقدر تنازل الدركات،
ويكون لكل مذنب استحقاق من العذاب
بما يناسب الدركات)»(١).
وهكذا يتضح أن التكذيب باليوم الآخر
من خصائص من اتبع هواه.
سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَائِيَةُ أَكَادُ
أُخْفِيَهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىِ ﴿ فَلَا
يَصُدَّنَكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُ
فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٥ - ١٦].
فتأمل كيف أنه قرن اتباع الهوى بعدم
الإيمان باليوم الآخر؛ ليدل على أنه لا داعي
لهم للصد عن الإيمان بالساعة إلا اتباع
(١) المصدر السابق ٥٤٥/٣.
الهوى، دون دليل ولا شبهة، بل الدليل
يقتضي الإيمان بالساعة، كما أشار إليه قوله
عز وجل: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:
١٥].
وبهذا يظهر أن التكذيب بالآخرة من
خصائص متبع الهوى، وليس ذلك لغموض
في دلائلها، ولکن الهوی یعمي صاحبه فلا
يرى الحق مع فرط ظهوره.
٦. الجهل وعدم العلم.
شرع الله ظاهر وواضح لا لبس فيه، ولا
غموض، ومن ابتعد وانحرف عنه، فهو لا
شك ینطوي على جهل کبیر؛ ولذا كانت من
الصفات التي وصف الله بها متبع الهوى في
القرآن أنه جاهل عديم العلم.
ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى
قال سبحانه وتعالى:
شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَِّعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨].
فها هنا ينهى الله نبيه صلى الله عليه
ومن الآيات التي أكدت على هذا قوله السلام عن اتباع من ((استولى عليهم الجهل،
واستبد بهم العمى، فانقادوا لأهوائهم، ولم
يلتفتوا إلى هذا الهدى الذي يدعون إليه)»(٢).
وهدى الله سبحانه وتعالى هو ((النقطة
الثابتة التي يقف عليها من يؤمن به فلا
تتزعزع قدماه، ولا تضطرب خطاه؛ لأن
الأرض ثابتة تحت قدميه لا تتزلزل ولا
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٢٤٠/١٣.
www. modoee.com
٣٠٣

حرف الهاء
تخسف ولا تغوص، وكل ما حوله -عدا على لأوائه ومتاعبه، وتحمل مشاقه
ومصاعبه؛ ولذا فمن الأساليب التي اتبعها
الحق الثابت- مضطرب مائج مزعزع مریج،
لا ثبات له ولا استقرار، ولا صلابة له ولا
احتمال.
القرآن في النهي عن الهوى الوعد بالجنة
لمن نھی النفس عن الهوى.
فمن تجاوزه فقد الثبات والاستقرار
والطمأنينة والقرار، فهو أبدًا في أمر مريج لا
يستقر على حال، ومن يفارق الحق تتقاذفه
الأهواء، وتتناوحه الهواجس، وتتخاطفه
الهواتف، وتمزقه الحيرة، وتقلقه الشكوك،
ويضطرب سعيه هنا وهناك، وتتأرجح
مواقفه إلى اليمين وإلى الشمال، وهو لا يلوذ
من حيرته بركن ركين، ولا بملجأ أمين)»(١).
فأي علم عند متبع الهوى جعله يبتعد عن
الحق الثابت، ويعرض عن الهدى الواضح
الأصيل والمنهاج السليم المبرأ من الخلل؛
لتتناوحه الشكوك وتتقاذفه الأهواء إنه لا
شك جاهل، بل هو أجهل الجهلاء.
وهكذا يظهر من خلال تتبع أو صاف متبع
الهوى في القرآن شدة تنفيره منه، وبغضه له،
وصد الناس عنه، فنسأل الله أن يعيننا على
مجانبة الأهواء، والتزام الصراط المستقيم.
ثالثًا: الوعد بالجنة لمن نهى النفس عن
الھوی:
استحضار الأجر والثواب من أكثر ما
يعين الإنسان على الفعل، ويدفعه للصبر
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٣٥٩/٦
بتصرف.
قال جل جلاله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَیِّهِ،
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَىِ ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾
[النازعات: ٤٠ - ٤١].
ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَهَى اَلنَّفْسَ
عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠].
إشارة إلى أن الإنسان ((إذا لم يقم على
نفسه ناهيًا ينهاها، وزاجرًا يزجرها عن اتباع
هواها كلما دعتها دواعيه انقاد لهذا الهوى
الذي يغلبه على أمره، ويطرحه في مطارح
الضلال والهلاك))(٢).
وما ذلك إلا لأن («الهوى هو الدافع القوي
لكل طغيان وكل تجاوز، وكل معصية، وهو
أساس البلوى، وينبوع الشر، وقل أن يؤتى
الإنسان إلا من قبل الهوى)) (٣).
فالهوی إذا بلاء عظيم، وجهاده يحتاج
لصبر وتحمل، فمقاومة النفس وصرفها عن
هواها جهاد و((الله يعلم ضخامة هذا الجهاد
وقيمته كذلك في تهذيب النفس البشرية
وتقويمها، ورفعها إلى المقام الأسنى))(٤).
ونھي النفس عن الهوى مكابدة وحرمان
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
١٦ /٠١٤٤٤
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨١٩/٦.
(٤) المصدر السابق.
٣٠٤
جوب
القرآن الكريمِ

الهوى
من لذائذ وشهوات الدنيا؛ لذا كان المقابل
أن تجازى بالجنة التي حكى القرآن عنها
كثيرًا، وفصل في نعيمها طويلًا، وأتى بكل
ما تحبه النفس، بل ما لم یمکن تصوره من
حور عین لا یحیط الخيال بحسن جمالهن،
وخمر لذة للشاربين، وفواكه لا نعرف عنها
إلا اسمها، لكن حقيقتها لا يتصوره عقل،
ولحم طير مما تشتهيه النفس، وقصور لم
ولن ترى الدنيا مثلها، وغير ذلك مما وصف
الله في کتابه وبین نبیه صلی الله علیه وسلم
في سنته؛ ليشجع المجاهدين على الصبر في
مقاومة إغراءات الهوى، وبحث الممتنعين
عن الانغماس في الشهوات المحرمة على
ثباتهم في مقاومة الهوى.
فمن «نهی نفسه عن هواها الذي يقيدها
عن طاعة الله، وجاهد الهوى والشهوة
الصادين عن الخير ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾
[النازعات: ٤١]))(١).
وأنعم به من مأوى حيث ((العيون
الجارية، والسرر المرفوعة، والأكواب
الموضوعة، والنمارق المصفوفة (٢)
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩١٠ (٤) الكواعب وهي: النواهد اللاتي لم تتكسر
بتصرف.
(٢) وسائد من الحرير والإستبرق وغيرهما مما لا
يعلمه إلا الله، قد صفت للجلوس والاتكاء
عليها. تيسير الكريم الرحمن ص ٩٢٢.
والزرابي المبثوثة(٣) والكواعب (٤) العرب
الأتراب، ولقاء الأحباب»(٥).
فلا شك أن استحضار هذا الجزاء
العظيم، والخير العميم من أشد ما يعين
العبد على مجانبة الهوى، ونهي النفس عنه
كما أنه يقطع حجته في الميل للهوى بحجة
أنه مركب في طبيعته ((فالذي أودع نفسه
الاستعداد لجیشان الهوى هو الذي أودعها
الاستعداد للإمساك بزمامه، ونهي النفس
عنه، ورفعها عن جاذبيته، وجعل له الجنة
جزاءً ومأوى حين ينتصر ويرتفع ويرقى» (٦).
رابعًا: النهي عن طاعة أصحاب الهوى
ومجالستهم:
ذكرنا فيما سبق أن القرآن الكريم تنوعت
أسالیبه في النهي عن اتباع الهوى، و کل ذلك
لبيان خطره، والتنفير منه بشتى الصور التي
تعين المرء على إدراك مدى بشاعته.
ومن هذه الأساليب الربانية الحكيمة:
النهي عن طاعة أصحاب الهوى.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ
زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ: عَن
(٣) الزرابي أي: البسط الحسان، مبثوثة أي:
مملوءة بها مجالسهم من كل جانب. تيسير
الکریم الرحمن ص٩٢٢.
ثديهن من شبابهن، وقوتهن ونضارتهن.
تيسير الكريم الرحمن ص ٩٠٧.
(٥) أيسر التفاسير، الجزائري ٥١٥/٥.
(٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨١٩/٦.
www. modoee.com
٣٠٥

حرف الهاء
ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ
أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوْ اَلْعَذَابَ
وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ [البقرة: ١٦٦].
تتحدث الآية عن تبرؤ المحبين بعضهم
لبعض، وتبرؤ التابع من المتبوع بعد تقطع
أسباب المودة والحب، فقد جاءت بعد بيان
الله لفئة تتخذ أندادًا ونظراءً؛ حبًا ومودة من
دون الله، وهذا الحب غالبًا ما يكون منشأه
الهوى، ومیل النفس، ويعقبه تعظيم وطاعة،
وهي مضمون العبادة التي وقع فيها هؤلاء
فلو أنهم تبرءوا منهم وممن يعبدونهم ما
تأثروا کما تأثر أترابهم وأصدقائهم.
وکذا النهي عن مجالستهم، حيث إنها
طريقة من طرق محاربة هذا الصفة الذميمة،
فالأفكار تنتشر عن طريق التواصل مع
الآخرين، لاسيما المصاحبة والملازمة،
فالصاحب -كما هو معلوم- ساحب، وقد
قال صلى الله عليه السلام: (الرجل على
دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)(١).
والمقصود أن الإنسان يحاكي صاحبه
في خلقه وسلوكه، فإن كان الصاحب متبعًا
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
من يؤمر أن يجالس، ٢٥٩/٤، رقم ٤٨٣٣،
والترمذي في سننه، أبواب الزهد، ٥٨٩/٤،
رقم ٢٣٧٨.
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة
٥٩٧/٢، رقم ٩٢٧.
للهوی حتمًا سیؤثر في نفسه وسلوكه، وقد
ذكر الله مآل أصدقاء السوء للحذر والتنفير
من هذه الصداقة والمشابهة في السلوك،
وبين أن مآلهم إلى الجحيم، قال سبحانه
وتعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا
كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٣ مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَطِ
الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ -٢٣].
والمعنى: أحشروا الذين ظلموا ومن
هم على شاكلتهم من المذنبين، فهم أزواج
متشاكلون(٢).
وعن النعمان قال: سمعت عمر رضي
الله عنه يقول: أشباههم قال: يجيء صاحب
الربا مع أصحاب الربا، وصاحب الزنا
مع أصحاب الزنا، وصاحب الخمر مع
أصحاب الخمر(٣).
وأخبر جل جلاله: ﴿ فَإِنَّهُمْ يَوْمیدٍ فِی
الْعَذَابِ مُشْتِكُونَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾
[الصافات: ٣٣-٣٤].
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَذَابِقُواْ الْعَذَابِ اَلْأَلِيمِ﴾
[الصافات: ٣٨].
وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَرَةِ
وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ
تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنيَّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا
قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ، فُرْطًا﴾
(٢) في ظلال القرآن ٥/ ٢٩٨٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٩.
مَ الَمُ النَّسَيَّةْ
القرآن الكريمِ
٣٠٦

الهوى
[الكهف: ٢٨].
جاءت هذه الآية بعد ذكر قصة أهل
الكهف، وما كان من شأن صحبتهم الطيبة،
وتعانق قلوبهم، واجتماع کلمتهم على حب
الله؛ لتوجه النبي صلى الله عليه السلام
إلى أهمية مصاحبة أهل التقى، وتحذره من
مصاحبة أهل الأهواء الذين اقترحوا عليه
طرد الفقراء والضعفاء ليجالسوه.
يقول ابن عاشور: هذه الآية جاءت ردًا
على سادة المشركين، حيث إنهم زعموا أنه
لولا أن من المؤمنين ناسًا أهل خصاصة في
الدنيا، وأرقاء لا يدانوهم، ولا يستأهلون
الجلوس معهم؛ لأتوا إلى مجالسة النبي
صلى الله عليه السلام واستمعوا القرآن،
فاقترحوا عليه أن يطردهم من حوله إذا غشيه
سادة قريش، فرد الله عليهم بهذه الآية (١).
وفي هذه الآية أمره («بصحبة الأخيار،
ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم
-وإن كانوا فقراء- فإن في صحبتهم من
الفوائد ما لا يحصى))(٢).
وتأمل کیف أن الله عبر عنھم بالموصول،
فقال: ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم ﴾ [الكهف:
٢٨].
وذلك ((للإيماء إلى تعليل الأمر
بملازمتهم، أي: لأنهم أحرياء بذلك؛ لأجل
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٤/١٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٧٥.
إقبالهم على الله، فهم الأجدر بالمقارنة
والمصاحبة)» (٣).
ثم قال بعدها: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ثُرِيدُ
زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨].
وفي ذلك تأكيد («الأمر بمواصلتهم
بالنهي عن أقل إعراض عنهم)) (٤).
ثم راحت الآية بعد ذلك تحذر من
مخالطة صاحب الهوى ومصاحبته وطاعته
﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ، عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ
وَكَانَ أَمْرُهُ، فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وما ذلك إلا لأن ((طاعته تدعو إلى
الاقتداء به؛ ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف
به»(٥).
وفي التعبير عن المنهي عن الصبر معهم
ومصاحبتهم بالموصول («للإيذان بعلية ما
في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة)) (٦).
فمن غفل قلبه عن الذکر، وامتلأ بالھوی،
وصار أمره في جميع أعماله وأحواله ضياعًا
وهلاگًا، فماذا ينتظر من صحبته إلا الفساد؟!
ومما يدل على شدة التنفير من مصاحبة
صاحب الهوی زيادة فعل الكون في ذيل
الآية التي تدل على «تمكن الخبر من
الاسم)» (٧).
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٥/١٥.
(٤) المصدر السابق.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٧٥.
(٦) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢١٩/٥.
(٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٦/١٥.
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الهاء
أي: شدة تمکن الضياع والهلاك، فهل
یرجی خیر من مصاحبته بعد هذا؟!
وقد جاء في الحديث أنه صلى الله
عليه السلام قال: (إنه سيخرج من أمتي
أقوام تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى
الكلب (١) بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا
مفصل إلا دخله)(٢).
و لهذا الحديث وجه في الاستدلال على
وجوب الحذر من مجالسة ومخالطة أهل
البدع، وبيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه
العدوى، فإن أصل الكلب واقع بالكلب،
ثم إذا عض ذلك الكلب أحدًا صار مثله،
ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب إلا
بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد
رأیه وإشکاله فقلما يسلم من غائلته، بل غالبًا
ما يقع معه في مذهبه، ویصیر من شیعته، أو
يثبت في قلبه شگا يطمع في الانفصال عنه
فلا يقدر.
وقد فهم هذا المعنى الدقيق ابن طاووس
حين دخل عليه وعلى ابنه أحد المبتدعة
فجعل يتكلم في القدر، فأدخل ابن طاووس
أصبعه في أذنيه وقال لابنه: ((أدخل أصابعك
(١) الكلب: بفتح اللام، قال الخطابي: هو داء
يعرض للإنسان من عضة.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب
شرح السنة، ٤ /١٩٧، رقم ٤٥٩٦، وأحمد
في مسنده، ١٣٤/٢٨، رقم ١٦٩٣٧.
وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح ٦١/١، رقم ١٧٢.
في أذنیك واشدد، فلا تسمع من قوله شيئًا؛
فإن القلب ضعيف)»(٣).
وهكذا الأهواء إذا أشربها قلب صاحبها
صارت کالداء المهلك الذي لا ينجو منه إلا
القلیل، ومن کانت هذه حاله فقل أن ینزع أو
يتوب؛ ولهذا قال سفيان الثوري: «إن البدعة
أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا
یتاب منها، والمعصیة یتاب منها)»(٤).
قال المباركفوري: (تتجاری) بالتاءین،
أي: تدخل وتجري وتسري (بهم) أي: في
مفاصلهم وعروقهم تلك (الأهواء) جمع
هوى، وهي البدع التي كانت السبب في
الافتراق، وضعت موضعها وضعًا للسبب
موضع المسبب؛ لأن هوى الرجل هو الذي
يحمله على الابتداع في العقيدة والقول
والعمل، (كما يتجارى الكلب) بفتحتين داء
يعرض للإنسان من عض الكلب (الكلب)
أي: المكلوب، وهو داء يصيب الكلب
فیصیبه شبه الجنون فلا یعض أحدًا إلا كلب،
ويعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شرب
الماء حتى يموت عطشًا، كذا في النهاية(٥).
(بصاحبه) أي: مع صاحبه إلى جميع
أعضائه، أي: مثل جري الكلب في العروق،
شبه حال الزاغين من أهل البدع في استيلاء
(٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر في المصنف
١١/ ١٢٥، رقم ٢٠٠٩٩.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٩/١٠.
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ١٩٥.
كَرُ النَفسِير
جوبيو
القرآن الكريمِ
٣٠٨

الهوى
منهم إلى الغير بدعوتهم إليها، ثم تنفرهم
من العلم وامتناعهم من قبوله؛ حتى يهلكوا
جهلًا، بحال صاحب الكلب، وسريان تلك
العلة في عروقه ومفاصله شبه الجنون، ثم
تعديته إلى الغير، فلا يعض المجنون أحدًا
إلا کلب أي: جن، ویعرض له أعراض رديئة
-تشبه الماليخوليا مهلكة غالبًا - ويمتنع من
شرب الماء حتى يموت عطشًا.
وفي هذا التشبيه فوائد: منها التحذير
من مقاربة تلك الأهواء ومقاربة أصحابها،
هذا بخلاف سائر المعاصي فإن صاحبها
لا يضاره، ولا يدخله فيها غالبًا إلا مع طول
الصحبة والأنس به، والاعتياد لحضور
معصيته، وقد أتى في الآثار ما يدل على
هذا المعنى، فإن السلف الصالح نهوا
عن مجالستهم ومكالمتهم، وأغلظوا في
ذلك(١).
خامسًا: من خلال الاعتبار بقصص
السابقين:
كثيرًا ما يستعمل القرآن في التعبير عن
مراداته وأغراضه عنصر القصة؛ وذلك(( لما
في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر
مشاهدة الحالة بالحواس، بخلاف التذكير
(١) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
٢٧٨/١.
تلك الأهواء عليهم، وفي سراية تلك الضلالة المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس))(٢).
ولأن القصة أيضًا من أقرب الوسائل
التربوية إلى فطرة الإنسان، ومن أكثر
العوامل النفسية تأثيرًا فيه، فالمرء يرتاح كثيرًا
لسماعها، ويصغى بشوق ولهفة لتفاصيلها،
ولا يمل من الصبر حتى يعرف خواتيمها،
وتظهر أهمية القصة في القرآن من المساحة
الواسعة التي أخذتها من القرآن الكريم.
ولقد كانت القصة أحد أهم الأساليب
التي استعملها القرآن الكريم للتنفير عن
اتباع الهوى، ومن ذلك:
١. قصة من أوتي العلم فانسلخ منه.
إن القرآن يحكي لنا قصة هذا الذي آتاه
الله علمًا (٣)، لكنه لم ينتفع، وآتاه بينات فما
اتبع، بل انسلخ وجحد، وهذه قصة متكررة
بين البشر تبين أثر اتباع الهوى في الانحراف
عن الحق، كما تبين قبح ما يصير إليه أمثال
هؤلاء من شره لا يشبع، وعطش لا يروي،
ولهفة لا تنقطع فحالهم كحال الكلب دائم
اللهث في العطش والري، والراحة والتعب،
فما أقبحه من مآل ومصیر!
وَآَتْلَ عَلَيْهِمْ
قال سبحانه وتعالى:
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٩/٩.
(٣) قيل هو: بلعم بن باعر، وقيل: بلعم بن أبر،
وقيل: بلعام، وقيل: أمية بن أبي الصلت، أما
مكان القصة، فقيل: حدثت في بيت المقدس،
وقيل: في اليمن، وقيل: في الطائف، وقيل
غير هذا.
انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٥٠٧.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الهاء
تَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَفْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ
وَلَوْشِئْنَا
١٧٥)
الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ
لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ
هَوَنَّةٌ فَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ
يَلْهَتْ أَوْ تَتِّرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِنَايَئِنَأَ فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
إنه إذا أنموذج لمن أوتي الهدى
والآيات ولكنه لم ينتفع بها، بل انسلخ منها
((والانسلاخ حقيقته: خروج جسد الحيوان
من جلده حينما يسلخ عنه جلده، والسلخ:
إزالة جلد الحيوان الميت عن جسده،
واستعير في الآية للانفصال المعنوي، وهو
ترك التلبس بالشيء أو عدم العمل به»(١).
والتعبير بالانسلاخ الذي يستعمل عند
العرب في خروج الحیات من جلودها «يدل
على أنه كان متمكنًا منها، ظاهرًا لا باطنًا))(٢).
وبذلك يظهر أن الآيات لم تصل لشغاف
قلبه، وإنما كانت أثرًا لا صلة له بفؤاده، ولا
علاقة له بقلبه؛ ولذلك انسلخ منها انسلاخ
الثعابين من جلودها، وكان هذا بسبب اتباعه
الهوى.
وتأمل كيف أنه قال: ﴿فَاَسَلَخَ مِنْهَا﴾
[الأعراف: ١٧٥] ولم يقل: فسلخناه منها؟
لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ١٧٦.
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٩/ ٣٤٠.
جوبيه
القرآن الكريمِ
باتباعه هواه»(٣).
(ومن المعلوم أن الثعابين لا تنسلخ عن
جلدها القديم إلا إذا نضج الجلد الجدید،
وصلح لتحمل الطقس والجو)) (٤).
فاستخدام هذا التعبير في تصوير فراقه
للآيات، يدل على أن الهوى قد عظم وتمدد
حتى امتلأ به صدره، فصار هو الثوب
والجلد اللائق به، فكان من أمره ما كان.
فهذا الرجل بعدما انسلخ من الآيات
تسلط عليه الشيطان، وتمكن من الوسوسة
له، والتلاعب به كما يريد «لأنه ترك رحمة
الرحمن بترك آياته، ومن ترك رحمة الله
أدخله الله تعالى حظيرة الشيطان، وصار من
أتباعه»(٥).
وتظهر خطورة اتباع الهوى و تتجلى أشد
ما يكون في خاتمة قصة هذا الرجل، وما
آل إليه حيث شبهه الله بالكلب ﴿وَلَكِنَّهُ,
أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتََّعَ هَوَنَّهُ فَثَلُهُ كَمَثَلِ
اٌلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكُهُ
يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
«قال ابن قتيبة: كل شيء يلهث فإنما
يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه
يلهث في حال الكلال، وحال الراحة،
وحال الري، وحال العطش، فضربه الله مثلاً
لهذا الكافر، فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن
(٣) بدائع التفسير، ابن القيم ٤٢٧/١-٤٢٨.
(٤) تفسير الشعراوي ٤٤٥٥/٧.
(٥) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٠٠٧/٦.
٣١٠