Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَة النفسية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الْهَدَائَةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الهداية
١٢٤
الهداية في الاستعمال القرآني
١٢٥
الألفاظ ذات الصلة
١٢٧
١٢٩
مقترنات الهداية
١٣٦
الهداية الفطرية
١٣٨
أنواع الهداية
١٤٢
أسباب الهداية
١٥٣
زيادة الهداية
١٥٧
أسباب الحرمان من الهداية
١٦١
أثر الهداية في الدنيا والآخرة
المُجَلَدُ الرَّائعْ وَالثَّلاثُونْ

حرف الهاء
مفهوم الهداية
أولًا: المعنى اللغوي:
الهداية: من الفعل هدى، والهدى نقيض الضلالة(١)، وهي بمعنى الرشاد والدلالة(٢)، و
الهداية: دلالة بلطفٍ (٣)، يقال: هديته الطريق هداية، أي: تقدمته لأرشده، وكل متقدم لذلك
هادٍ، تقول: هديته هدىً، والهادية: العصا، لأنها تقول ممسكها كأنها ترشده، ومن الباب
قولهم: نظر فلان هدي أمره، أي: جهته، وما أحسن هديته، أي: هديه، ويقولون: جاء فلان
يهادى بين اثنين، إذا كان يمشي بينهما معتمدًا عليهما، والهدية ما أهديت من لطفٍ: أي:
ذي مودة، ويقال: أهديت أهدي إهداءً، والهدي: ما يهدى من النعم إلى الحرم قربة إلى الله
تعالى (٤)، ويقال: هدي فاهتدى، ويقال: هديت إلى الحق، وهديت للحق بمعنى واحد؛ لأن
هدیت یتعدی للمهدیین، والحق یتعدی بحرف جر، والمعنى: الله يهدي من يشاء إلى الحق.
والهدى: البيان، أو إخراج شيء إلى شيء، أو الطاعة والورع.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي كثيرًا، فقد قال الجرجاني: ((الهداية
في الاصطلاح: الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، وقد يقال: هي سلوك طريق يوصل إلى
المطلوب)»(٥).
وقيل: إن الهداية عند أهل الحق هي الدلالة على طريق من شأنه الإيصال، سواء حصل
الوصول بالفعل في وقت الاهتداء، أو لم يحصل (٦).
ويلاحظ أن تعريف الجرجاني أدق، وأشمل؛ لأنه لا بد من حصول المطلوب سواء كانت
الهداية طريقًا للدلالة إلى الخير، أو إلى غيره، كما أن الكافرين يهدون إلى سواء الجحيم.
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٣٧٨/٦.
(٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص ١٣٤٥، مختار الصحاح، الرازي، ص ٣١٢.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٥١٦.
(٤) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص ١٣٤٥، مختار الصحاح، الرازي، ص٣١٢.
(٥) التعريفات، ص٢١٥.
(٦) انظر: الکلیات، الكفوي، ص٩٥٢.
١٢٤
جوية
القرآن الكريم

الهداية
الهداية في الاستعمال القرآني
وردت مادة (هدي) في القرآن الكريم (٣١٦) مرة، يخص موضوع البحث منها (٣٠٧)
مرات (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٥٥
﴿وَ إِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اَللّهُ ﴾ [البقرة: ١٤٣]
الفعل المضارع
١٢٦
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ﴾ [النساء: ٨٨]
فعل الأمر
٣
أَهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: ٦]
اسم الفاعل
٣١
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ [الرعد: ٧]
المصدر
٨٥
ذَلِكَ الْمِكِتَبُ لَ رَيْبُّ فِيهِ هُدَى لِلْتَقِينَ ﴾ [البقرة: ٢]
أفعل التفضيل
٧
هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا
﴾ [النساء: ٥١]
٥١)
وجاءت الهداية في الاستعمال القرآني على أربعة عشر وجهًا (٢):
الأول: البيان: ومنه قوله تعالى: ﴿أُوَتِكَ عَلَى هُدَى مِنْ زَّيِهِمْ﴾ [البقرة: ٥]. أي: بيانٍ من ربهم.
الثاني: دين الإسلام: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧]. يعني:
على دين الإسلام.
الثالث: الإيمان والتوحيد: ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ هُدَّى﴾ [مريم:
٧٦]. يعني: يزيد الذين آمنوا إيمانًا، وقوله: ﴿وَقَالُواْ إِن تَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ [القصص: ٥٧].
يعني: التوحيد.
الرابع: الداعي: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمِ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]. يعني: داعٍ.
الخامس: المعرفة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَمَتِّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَتَدُونَ ﴾ [النحل: ١٦].
يعني: يعرفون السبيل.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الهاء، ص١٣٦٣،
١٣٦٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٥٥.
www. modoee.com
١٢٥

حرف الهاء
السادس: الرسل والكتب: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِى هُدَّى﴾ [طه: ١٢٣].
يعني: رسلًا و کتبًا.
السابع: الرشد: ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ عَسَى رَبّى أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:
٢٢]. يعني: أن يرشدني.
الثامن: القرآن: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ هُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. يعني: القرآن.
التاسع: التوراة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ [غافر: ٥٣]. يعني: التوراة.
العاشر: لا يوفق إلى الحجة ولا يهدي من الضلال: ومنه قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرُّ
وَاللهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. يعني: لا يهدي إلى الحجة.
الحادي عشر: السنة: ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَاءَابَآءَ نَا عَلَى أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَى مَاثَِهِم
مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. يعني: مقتدون مستنون بسنتهم.
الثاني عشر: لا يهدي: لا يصلح: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْغَايِنِينَ﴾ [يوسف:
٥٢]. يعني: لا يصلح عمل الزناة.
الثالث عشر: الإلهام: ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:
٥٠]. يعني: ثم ألهمه کیف یأتي معيشته ومرعاه.
الرابع عشر: هدنا يعني: تبنا: ومنه قول موسى عليه السلام: ﴿إِنَّا هُدْنَآَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:
١٥٦]. يعني: تبنا إليك.
١٢٦
قَضوري
جوبيع
القرآن الكريمِ

الهداية
الألفاظ ذات الصلة
الصلاح:
١
الصلاح لغة:
مأخوذ من الفعل (صلح)، والصلاح ضد الفساد (١).
الصلاح اصطلاحًا:
استقامة الحال وانعدالها، وهو مما يفعله العبد لنفسه(٢). وهو معنى عام يشمل استواء
الخلق والخلق والاستقامة على ما توجبه الشريعة، وحصوله على الحالة المستقيمة النافعة.
الصلة بين الصلاح والهداية:
الهداية: هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب، والصلاح: سلوك طريق الهدى،
والصلاح أيضًا: استقامة الحال وهو مما يفعله العبد لنفسه، ويكون بفعل الله له لطفًا
وتوفيقًا (٣)، وبذلك يتبين أن الهداية والصلاح متلازمتان.
الإرشاد:
٢
الإرشاد لغة:
الرشد يستعمل استعمال الهداية، وهو خلاف الغي (٤)، والضلال. يقال: أرشده الله
الأمر، أي: هداه، والرشد هو الصلاح(٥).
الإرشاد اصطلاحًا:
الإرشاد إلى الشيء هو التطريق إليه والتبيين له (٦).
الصلة بين الهداية والإرشاد:
أن الإرشاد إلى الشيء هو التطريق إليه والتبيين له، والهداية هي التمكن من الوصول
(٧)
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٤٧٩/٤.
(٢) انظر: الفروق اللغوية ص ٣١٧.
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٢٠٢.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢١٨/٥.
(٦) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص٥٣٢.
(٧) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الهاء
السداد:
٣
السداد لغة:
الاستقامة (١)، وقيل: هو الصواب والقصد في القول والعمل(٢)، والصواب حقُّ مَنْ يعمل
عليه أن ينجو، وحق من يعمل على خلافه أن يهلك(٣).
السداد اصطلاحًا:
هو القصد في الأمر والعدل فيه (٤).
الصلة بين الهداية والسداد:
التسديد للحق لا يكون إلا مع طلب الحق، فأما مع الإعراض عنه والتشاغل بغيره فلا
يصح(٥)، وهذا يعني أن التسديد للهداية لا يكون إلا بطلب الهداية، فالسداد طريق الهداية (٦).
٤ الضلال :
الضلال لغة:
مصدر (ضلَّ)، والذي يعني الضياع والذهاب والغياب، وكل من زاغ عن المطلوب
والقصد يسمى (ضالًا)، و(يضل ويضل) لغتان عند العرب (٧).
الضلال اصطلاحًا:
كل عدول عن المنهج عمدًا أو سهوًا، قليلًا كان أو كثيرًا، فهو ضلال(٨).
وقيل: هو العدول عن الصراط المستقيم، وهو ضد الهداية(٩).
الصلة بين الهداية والضلال:
الهداية نقيض الضلال، فالهداية: سلوك طريق يوصل إلى المطلوب (١٠).
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٢٣٣.
(٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ١٤٧.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص ٤٢.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢١٢/٦.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص٢٤٨.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٤٥/١.
(٧) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥٦/٣، لسان العرب، ابن منظور ٣٩٠/١١، المصباح المنير،
الفيومي ٢/ ٣٦٣.
(٨) انظر: الكليات، الكفوي، ص٥٦٧.
(٩) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٣٠٠.
انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص٣٩١.
(١٠)
١٢٨
جوبي
القرآن الكريمِ

الهداية
مقترنات الهداية
اقتران الهداية في القرآن الكريم بعدة
أشياء، منها: الرحمة، والنور، والموعظة،
والبشرى، والشفاء، والذكرى في القرآن.
١. اقتران الهداية بالرحمة.
لقد اقترنت الهداية بالرحمة لوحدها في
اثني عشر موضعًا في القرآن الكريم، منها
تسعة مواضع في وصف القرآن، وثلاثة في
وصف التوراة.
أما المواضع التي فيها وصف القرآن:
الأول: قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ
عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَآءَ كُم
بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام:
١٥٧].
ومعنى بيئة: القرآن، وما جاء به الرسول،
فإن قيل: البينة والهدى واحد، فما الفائدة
من التكرير؟، قلنا: القرآن بينة فيما يعلم
سمعًا، وهو هدى فيما يعلم سمعًا وعقلًا،
فلما اختلفت الفائدة صح هذا العطف،
ومعنى رحمة: أي نعمة في الدين(١).
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَهُم پکِنَبِ
فَضَّلْنَهُ عَلَى عِلْيٍ هُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[الأعراف: ٥٢].
يعني: أن القرآن جعل هدى لقوم
مخصوصين، والمراد أنهم الذين اهتدوا
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٤/ ٧.
بهدية (٢).
الثالث: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَبِعُ مَا
يُوحَى إِلَىَّ مِن تَّبِّيَّهَذَا بَصَابِرُ مِنْ زَّبِّكُمْ وَهُدَى
وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٠٣].
في الآية السابقة ذكر الله سبحانه وتعالى
في وصف القرآن ألفاظًا ثلاثة:
أولها: ﴿هَذَا بَصَآِرُ مِنْ زَّبِّكُمْ﴾،
فأصل البصيرة الإبصار، ولما كان القرآن
سببًا لبصائر العقول في دلائل التوحيد
والنبوة والمعاد أطلق عليه لفظ البصيرة؛
تسمية للسبب باسم المسبب.
ثانيهما: قوله: ﴿وَمُدَى﴾، والفرق بين
هذه المرتبة وما قبلها أن الناس في معارف
التوحيد والنبوة قسمان:
أحدهما: الذين بلغوا في هذه المعارف
إن شهدوها ولم یشاهدوها فهم أصحاب
حق اليقين، وإن شهدوها وشاهدوها فهم
أصحاب عین الیقین.
والثاني: الذين ما بلغوا إلى ذلك الحد
إلا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلين،
وهم أصحاب علم اليقين، فالقرآن في حق
الأولين، وهم السابقون بصائر، وفي حق
القسم الثاني وهم المقتصدون هدى، وفي
حق عامة المؤمنين رحمة، ولما كانت الفرق
الثلاث من المؤمنين قال تعالى:
(٢) انظر: المصدر السابق ١٤/ ١٠١.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الهاء
يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
الرابع: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
جَآءَ تَكُم مَّوْعِظَةٌ مِن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِى الصُّدُورِ
وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
المعنى في قوله: ﴿وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: تحصل به الهداية،
والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين
به، والمصدقین الموقنين بما فيه (٢)، وهذا
يعني أن قلوبهم تهتدي بالقرآن إلى الرشاد
والسداد، والرحمة من رب العباد في هذه
الحياة الدنيا، ويوم المعاد.
الخامس: قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِی
قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأَوْلِ الْأَلْبَبُّ مَا كَانَ حَدِيثًا
يُفْتَرَىْ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوَِّ
يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
یبین الله تعالی معنی: ﴿وهُدَى﴾، أي:
أن القرآن الكريم بیان ورشاد لمن جهل
سبیل الحق فعمي عنه إذا اتبعه فاهتدى به
من ضلالته، ومعنى: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: لمن
آمن به، وعمل بما فيه (٣)
السادس: قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى أَخْتَلَفُواْ فِيةٌ
وَهُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل:
(١) انظر: المصدر السابق ١٥ /١٠٦.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٦١٩/٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٦/ ٤٦٦.
٦٤].
وصف الله تعالى القرآن بكونه ﴿مُدَى
وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، لا ينفي كونه
هدى للناس كذلك في حق الكل، وإنما
خَصَّ المؤمنين بالذكر من حيث إنهم قبلوه
فانتفعوا به (٤).
السابع: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدَّى وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٧].
أي: وإن القرآن لهدی، ورحمة لمن آمن
به، وتابع رسوله، وخص المؤمنين؛ لأنهم
المنتفعون به، ومن جملتهم من آمن من بني
إسرائيل(٥) .
الثامن: قوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ
لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣].
لما ذكر الله سبحانه أن القرآن هدى ولم
يذكر شيئًا آخر في سورة البقرة قال: ﴿هُدَى
لِلْنَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
أي: يهتدي به من ينفي الشرك والعناد
والتعصب، وينظر فيه من غير عناد، ولما زاد
في هذه الآية: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾، أي: المتقين
الشرك والعناد ذكر الإحسان، فالمحسن هو
الآتي بالإيمان، والمتقي هو التارك للكفر،
فمن جانب الكفر كان متقيًا، وله الجنة، ومن
أتی بحقيقة الإيمان کان محسناً، وله الزیادة؛
لقوله تعالى: ﴿لََّّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٦٤/٢٠.
(٥) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١٨١/٤.
١٣٠
جَوَسُولَةُ النَّقتي
القرآن الكريمِ

الهداية
[يونس: ٢٦]؛ ولأنه تعالى ذكر أنه رحمة قال:
﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾؛ لأن رحمة الله قريب من
المحسنين (١).
التاسع: قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَُّ لِلنَّاسِ
وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:
٢٠].
أي: هذا الكتاب الذي أنزل إليك يا
محمد ﴿هُدَى﴾، يعني رشاد، ﴿وَرَحَْةً
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، بحقيقة صحة هذا
القرآن، وأنه تنزيل من العزيز الحكيم،
وخَصَّ جل ثناؤه الموقنين بأنه لهم بصائر،
وهدى، ورحمة؛ لأنهم الذين انتفعوا به(٢).
وأما المواضع الثلاثة التي فيها وصف
التوراة:
الأول: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى
اُلْكِتَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا
لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُم بِقَّهِ رَبِّهِمْ
يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤].
ومعنى الهدى: الدلالة، والرحمة:
النعمة(٣)، وقال ابن جرير: ((يقول تعالى
ذكره: آتينا موسى الكتاب تمامًا وتفصيلًا
لكل شيء ﴿وَهُدِّى﴾: تقويمًا لهم على
الصراط المستقيم، وبيانًا لهم سبل الرشاد
لئلا يضلوا، ﴿وَرَحْمَةً﴾، يقول: ورحمة
منا بهم ورأفة؛ لتنجيهم من الضلالة وعمى
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٤١/٢٥.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣١٨/٢.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٤/ ٥.
البصيرة)» (٤).
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن
تُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اَلْأَلْوَاحٌ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدَّى
[الأعراف:
وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾
١٥٤].
فمعنى: ﴿مُدَى﴾، أي: ما يهتدون به
من الأحكام، ومعنى: ﴿وَرَحْمَةٌ ﴾، أي: ما
يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من
الرحمة الواسعة (٥).
الثالث: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا مُوسَى
اَلْكِتَبَ مِنْ بَعْدٍ مَآ أَمْلَكْنَا الْقُرُونَ
اُلْأُوْلَى بَصَلِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [القصص: ٣
قال الفخر الرازي: ((الكتاب هو التوراة،
ووصفه الله تعالى بأنه بصائر للناس من
حيث يستبصر به في باب الدين، ﴿وَهُدَى﴾:
من حیث يستدل به من إن المتمسك به يفوز
بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه ﴿رَحْمَةٌ﴾؛
لأنه من نعم الله تعالى على من تعبد به)) (٦).
٢. اقتران الهداية بالبشرى.
اقترنت الهداية بالبشرى لوحدها في
ثلاثة مواضع، وكلها جاءت في وصف
القرآن الكريم، على النحو الآتي:
الأول: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا
لِجِبْرِيلَ فَإِنَُّ نَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ مُصَدِّقًا
(٤) جامع البيان، الطبري، ٣٤٠٦/٢.
(٥) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣١٨/٢.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٥٥/٢٤.
www. modoee.com
١٣١

حرف الهاء
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدَّى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كان أعظم هداية، ويشارة لهم(٣).
الثالث: قوله تعالى: ﴿هُدَّى وَبُشْرَى
[البقرة: ٩٧].
جاء لفظ الهدى في الآية السابقة وصفًا لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢].
للقرآن بالمصدر لقصد المبالغة في حصول
الهدى به، والبشرى: الإخبار بحصول أمر
سار، أو يترقب على حصوله، فالقرآن بشر
المؤمنين بأنهم على هدى، وكمال من الله
تعالى، وبشرهم بأن الله تعالى سيؤتيهم
خيري الدنيا والآخرة (١).
فالقرآن الكريم مشتمل على أمرين:
أحدهما: بيان ما وقع التكليف به من أعمال
القلوب وأعمال الجوارح، وهو من هذا
الوجه هدى، وثانيهما: بين ثواب الذي
يأتي بهذه الأعمال، وهو من هذا الوجه
بشرى، ولما كان الأول مقدمًا على الثاني
في الوجود؛ لذلك قدم الله سبحانه الهدى
على البشرى(٢).
الثاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ
اُلْقُدُسِ مِن زَيِّكَ بِالْحَقّ لِيُنَّبْتَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَهُدَى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾
[النحل: ١٠٢].
أي: إن القرآن يهدي إلى حقائق الأشياء،
ويبين لهم الحق من الباطل، والهدى من
الضلال، ويبشرهم أنَّ لهم أجرًا حسنًا،
ماکثین فیه أبدًا، وأنه کلما نزل منه شيئًا فشيئًا
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١/ ٦٢٢.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١٣/٣.
هذه الآية تبين أن آيات الكتاب موصوفة
بأنها هدى وبشرى، واختلفوا في وجه
تخصيص الهدى بالمؤمنين على وجهين:
أولهما: المراد أن يهديهم إلى الجنة وبشرى
لهم؛ فلهذا اختصَّ به المؤمنون، وثانيهما:
المراد بالهدى الدلالة، وفي تخصيصه
بالمؤمنين وجوهًا:
أحدها: أنه خَصَّه بالمؤمنين؛ لأنه ذکر
الهدى والبشرى، والبشرى إنما تكون
للمؤمنين.
وثانيها: أن وجه الاختصاص أنهم
تمسكوا به فخصهم بالذكر كقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَتُهَا﴾ [النازعات: ٤٥].
وثالثها: المراد من كونها هدى للمؤمنين
أنها زائدة في هداهم.
قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ
هُدِّئٌ﴾ [مريم: ٧٦] (٤).
ووردت الرحمة والبشرى بعد الهداية
في موضع واحد وهو: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِبْيَكِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى
٠٠٠٠٤٠٠٠٠
وَرَحْمَةً وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
فالكتاب هو القرآن تبيانًا لكل شيء،
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٦٠٤.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٧٨/٢٤.
١٣٢
القرآن الكريم

الهداية
ودلالة إلى الحق ورحمة لهم وبشارة لهم
بالجنة(١)، والمعنى: أن القرآن هدى من
الضلالة، ورحمة لمن صدق به، وعمل بما
فيه من أوامر ونواه، فأحل حلاله وحرم
حرامه، وبشارة لمن أطاع الله وخضع له
بالتوحيد، وأذعن له بالطاعة، وأن له جزيل
الثواب والكرامة في الآخرة(٢).
٣. اقتران الهداية بالموعظة.
وجاء اقتران الهداية بالموعظة في
موضعين:
أولهما: قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ
وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:
١٣٨].
أي: زيادة بصيرة، وموعظة لکم، ومدار
كونه هدى، وموعظة للمتقين إنما هو
تقواهم، ويجوز أن يراد بالمتقين الصائرين
إلى التقوى(٣).
ومعنى البيان: الأيضاح وكشف الحقائق
الواقعة، والهدى: الإرشاد إلى ما فيه خير
الناس في الحال أو الاستقبال، والموعظة:
هي الكلام الذي يلين القلب، ويزجر عن
فعل المنهيات، وفيها التحذير والتخويف،
وتكون بالترغيب والترهيب (٤).
(١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٢/ ٢٢١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٠٣٨/٦.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٨٨/١.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢١٩/٤
والمعنى: أن القرآن بيان وتنبيه
للمكذبين، وهو أيضًا تثبيت، وموعظة للذين
اتقوا من المؤمنين (٥).
فالقرآن الكريم جعله الله تعالى بيانًا
للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين
خاصة (٦).
والموضع الثاني: في قوله تعالى:
﴿وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِجِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا
بَيْنَ يَدَيْدِ مِنَ التَّوْرَةِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾
[المائدة: ٤٦].
أي: أن الله سبحانه وتعالى جعل الإنجيل
هدى وموعظة، ولهذا أكثر فيه من المواعظ،
والعبر، والقصص، أما الأحكام فغالبها
مستمد من التوراة، والموعظة ما تتعظ به
القلوب، وهي الأخبار المقرونة بالترغيب
والترهيب، وفي الآية دلالة على أن في
الإنجيل قبل تحريفه من العلم، والموعظة
ما ينتفع به المتقون (٧).
٤. اقتران الهداية بالنور.
اقترنت الهداية بالنور في موضعين:
الأول: في وصف التوراة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدًى
بتصرف.
(٥) انظر: البحر المحيط، أبو حيان، ٦٧/٣
بتصرف.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٩٧٨/٣.
(٧) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
تفسير سورة المائدة ١ /٤٥٩ - ٤٦٢ بتصرف.
www. modoee.com
١٣٣

حرف الهاء
وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤].
معنی الهدى: أي: العلم، والنور: أثر
نافع يستنير به القلب (١)، وهذا يعني أن هناك
فرقًا بين الهدى والنور، فالهدى محمول
على بيان الأحكام والشرائع، والتكاليف،
والنور بيان للتوحيد، والنبوة، والمعادن
وقيل: إن التوراة فيها بيان الحكم الذي
جاؤوا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه
وسلم، والنور بيان أن النبي صلى الله عليه
وسلم حق (٢).
الثاني: في وصف الإنجيل.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ الْإِنِيلَ فِيهِ هُدِّى
وَنُورٌ ﴾ [المائدة: ٤٦].
أي: أن الإنجیل ھدی، بمعنى أنه اشتمل
على الدلائل الدالة على التوحيد، والتنزيه،
وبراءة الله تعالى من الصاحبة، والولد،
والمثل، والضد، وعلى النبوة، وعلى المعاد،
وأما كونه نورًا فالمراد به كونه بيانًا للأحكام
الشرعية، ولتفاصيل التكاليف (٣).
تعالى: ﴿هُدِّى وَذِكْرَىْ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾
[غافر: ٥٤].
والمعنى: أن التوراة اشتملت على
الهدى والعلم بالأحكام الشرعية، وغيرها،
وتذكر بالخير، وترغب فيه، وتذكر أيضًا
(١) انظر: المصدر السابق ١/ ٤٥٨ بتصرف.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/١٢.
(٣) انظر: المصدر السابق، ١٠/١٢ - ١١.
بالشر، وترهب عنه، وليس ذلك لكل أحد،
وإنما هو لأولي الألباب (٤).
٥. اقتران الهداية بالشفاء.
قرنت الهداية بالشفاء في قوله تعالى:
﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ
ءَايَتُهُرْءَأَعْبَيِىٌّ وَعَرَإِنٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
هُدَّى وَشِفَاءٌ﴾ [غافر: ٥٤].
فالقرآن كتاب هداية؛ لأنه دليل على
الخیرات، ویرشد إلى السعادات، وهو أيضًا
شفاء؛ لأنه إذا اهتدى الإنسان فذلك شفاء له
من مرض الكفر والجهل(٥).
٦. اقتران الهداية بالنور.
اقترنت الهداية بالنور في موضعين:
الأول: في وصف التوراة.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ
بِلِه مُوسَى نُورًا وَهُدَى لِلِنَّاسِّ﴾ [الأنعام: ٩١].
والمعنى: أن الكتاب هو التوراة العظيمة
جاءت نورًا في ظلمات الجهل، وهدی من
الضلالة، وهاديًا إلى الصراط المستقيم علمًا
وجاءت الذكرى بعد الهداية في قوله وعملًا، وهو الكتاب الذي شاع وذاع، وملأ
ذكره القلوب والأسماع (٦).
الثاني: في وصف القرآن.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٩٢٥ بتصرف.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣٥/٢٧.
(٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٣٢٩.
ـَ النَّفِيَّـ
جومبو
القرآن الكريمِ
١٣٤

الهداية
مِنْ أَمْرِنَاْ مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَنُ
وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾
[الشورى: ٥٢].
أي: جعلنا الروح الذي أوحيناہ إلیك یا
محمد ضياءً ودليلا على التوحيد والإيمان،
نهدي به من نشاء هدايته من عبادنا، ونرشده
إلى الدين الحق (١).
٧. اقتران الهداية بالبركة.
جاءت الهداية مقترنة بالبركة في موضع
واحد، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ
لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل
عمران: ٩٦].
يخبر الله تعالى بعظمة بيته المحرم، وأنه
أول البيوت التي وضعها الله في الأرض
لعبادته، وإقامة ذكره، وأن فيه من البركات،
وأنواع الهدايات، وتنوع المصالح، والمنافع
للعالمين، وأن فيه آيات بينات، وفيه الحرم
الذي من دخله كان آمنا، فلما احتوى على
هذه الأمور أوجب الله تعالی حجه، وهو من
آيات القرآن، حيث كانت أحكامه صالحة
لكل زمان ومكان، ولا يمكن الصلاح
بدونها، فمن أذعن لذلك، وقام به فهو من
المهتدین المؤمنین، ومن کفر، فلم يلتزم حج
بيته إن كان مستطيعًا فهو خارج عن الدين،
ومن كفر فإن الله غني عن العالمين(٢).
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٤ /٦٤٨.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص١٥٨.
وخلاصة القول أن الهداية، والألفاظ
التي قرنت بها في القرآن الكريم جاءت
أو صافًا للكتب السماوية، وقد حظي القرآن
الکریم بها جمیعًا، وبغیرها، حیث إنه شهد
للكتب السابقة، ووافقها، وطابقت أخباره
أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، والقرآن
مشتمل على ما اشتملت عليه الكتب
السابقة، فهو الكتاب الذي يتبع كل حق
جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر
من الطرق الموصلة إليه، وهو الكتاب الذي
فيه نبأ الأولين والآخرين، وأتم الله تعالى به
الشرائع والدين، وفيه الحكم، والحكمة،
والأحكام.
قال الله تعالى: ﴿وَأَزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ
بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ
وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهٍ ﴾ [المائدة: ٤٨](٣).
فالكتب السماوية جاءت للهداية،
والإرشاد، والبيان، والموعظة، والذكرى،
وفيها النور، والدلالة على الحق، والشفاء
من كل شكّ وريب، والقرآن الكريم مصدق
للكتب السابقة الموصوفة بالهدى، ومهیمنًا
عليها، وشاهدًا لها، وأنَ ذلك من تمام
هدایته، اللهم اهدنا، وألهمنا رشدنا، واجعلنا
هداة مهدیین لا ضالین، ولا مضلین.
(٣) انظر: المصدر السابق، ص ٢٨٥.
www. modoee.com
١٣٥

حرف الهاء
الهداية الفطرية
الفطرة بكسر الفاء: الخلقة (١)، وقيل:
معناها: الدين، والدليل على ذلك قوله
تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ
اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ
ذَلِكَ الْدِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
أُلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن مت
من ليلتك فأنت على الفطرة)(٢).
وقيل: إن معنى الفطرة: الجبلة المتهيئة
لقبول الدين (٣)، وقيل معناها: الخلقة التي
يخلق عليها المولود في بطن أمه.
قال إبراهيم عليه السلام: ﴿إِلَّا الَّذِى
فَطَرَفِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧].
أي: خلقني.
ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه
وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) (٤).
يعني: الخلقة التي فطر عليها في الرحم
من سعادة أو شقاوة (٥)، وقيل: هي الصفة
التي يتصف بها كل موجود في أول زمان
(١) انظر: الكليات، الكفوي، ص٦٩٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء،
باب فضل من بات على الوضوء، ٥٨/١،
رقم ٢٤٧.
(٣) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص٢١٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب إذا أسلم الصبي فمات، ٢/ ٩٤، رقم
١٣٥٨.
(٥) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٣٢٦/١٣.
خلقته(٦).
وبالنظر في التعريفات السابقة يتبين أن
التعريف الأخير للفطرة هو الراجح؛ لأنه
شامل لجميع المخلوقات، وأما المعاني
الأخرى التي وردت في معنى الآيتين
والحديثين؛ فإنها تنطبق على الإنسان فقط،
والصحيح أن الفطرة تشمل كل موجود،
ومن ذلك: الإلهام الفطري للحيوان.
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ أَنْ أَنَّخِذِى
مِنَ الْبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:
٦٨].
أي: إن النحل بفطرته يتخذ من الجبال
والشجر بيوتًا، وليس ذلك فحسب بل إنها
تقوم بعمل خلية تتناسب مع الرحيق الذي
تجمعه من الأزهار، كل ذلك بفطرتها،
والنملة بفطرتها نصحت أخواتها لئلا يكون
النمل عرضة للهلاك، والتحطيم عند مرور
سليمان عليه السلام وجنوده، قال سبحانه
تعالى: ﴿حَّ إِذَا أَتَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ
يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ
سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا
طَيْرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ إِلََّ أُمُمّ ◌َمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى
اُلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَيْهِمْ يُحْشَرُونَ﴾
[الأنعام: ٣٨].
أي: إن الله تعالى لم يهمل أمر كل دابة في
(٦) انظر: الكليات، الكفوي، ص ٥٦٠.
مَوَسُولَة المَة
القرآن الكريمِ
١٣٦

الهداية
الأرض ولا طائر يطير بجناحيه بل، جعلها
أممًا وهداها إلى غاياتها ومصالحها، فكيف
لا يهدي البشر إلى كمالهم ومصالحهم؟
فهذه هي الهداية العامة (١).
يلاحظ مما سبق أن الهداية الفطرية
العامة جبلة خلق الله سبحانه وتعالى
المخلوقات علیھا، وهداها إلى ما يصلحها،
قال عز وجل: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ
خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى﴾ [طه: ٥٠].
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ
كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾ [السجدة: ٧].
أي: کل مخلوق خلقه الله، وأحسن
خلقه، وخلقه خلقًا يليق به، ويوافقه،
فهذا عام(٢). أي: ربنا الذي خلق جميع
المخلوقات، وأعطى كل مخلوق خلقه
اللائق به، الدال على حسن صنعه من
خلقه، من كبر الجسم وصغره وتوسطه،
وجمیع صفاته، وهدی کل مخلوق إلى ما
خلقه له، وهذه الهداية العامة المشاهدة في
جميع المخلوقات، فكل مخلوق يسعى لما
خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عنه،
حتى إن الله تعالى أعطى الحيوان البهيم من
العقل ما يتمكن به على ذلك(٣).
وقد ذكر ابن عطية معنى الهداية الفطرية
(١) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم، ٢٧٦/١.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٩٠١.
(٣) انظر: المصدر السابق، ص٦٨٤.
في تفسيره، وأنها عامة في جمیع الهدایات،
فقال: ((قال مقاتل والكلبي: هدى الحيوان
إلى وطء الذكور الإناث، وقيل: هدى
المولود عند وضعه إلى مص الثدي، وقال
مجاهد: هدى الناس للخير والشر، والبهائم
للمراتع)»، ثم قال ابن عطية: (( وهذه الأقوال
مثالات، والعموم في الآية أصوب في كل
تقدیر، وفي كل هداية )»(٤).
قال ابن القيم: (( الهداية العامة، وهي
هداية كل مخلوق من الحيوان والآدمي
لمصالحه التي بها قام أمره، قال الله سبحانه
وتعالى: ﴿سَِّجٍ أَسْمَ رَيْكَ الْأَعْلَى الَّذِ خَلَقَ
فَسَوَّى وَالَّذِى قَذَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
فذكر الله عز وجل أمورًا أربعة: الخلق،
والتسوية، والتقدير، والهداية؛ فسوى خلقه،
وأتقنه، وأحکمه ثم قدر له أسباب مصالحه
في معاشه، وتقلباته، وتصرفاته، وهداه
إليها، والهداية تعليم، فذكر أنه الذي خلق
وعلم»(٥).
وهذا يعني: أن الله تعالى قدر تقدیرًا
تتبعه جمیع المقدرات فهدی إلی ذلك جميع
المخلوقات، وهذه الهداية العامة، التي
مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته،
وتذكر فيها نعمه الدنيوية (٦)
(٤) المحرر الوجيز، ٤٦٩/٥.
(٥) مفتاح دار السعادة، ١/ ١٠٥.
(٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٢٨٣.
www. modoee.com
١٣٧

حرف الهاء
وخلاصة القول أن الله سبحانه وتعالى
قدر أجناس الأشياء، وأنواعها، وصفاتها،
وأفعالها، وأقوالها، وآجالها،فهدی کل واحد
منها إلى ما يصدر عنه، وينبغي له، ويسره لما
خلق له، وألهمه إلى أمور دينه ودنياه، فهدی
الذكر للأنثى كيف يأتيها، وهدى الإنسان
لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة،
وهدى الرشد والضلالة، وهدى الأنعام
لمراعیھا.
وقيل: قدر أرزاقهم، وأقواتهم، وهداهم
لمعايشهم إن كانوا إنسًا، ولمراعيهم أن
كانوا وحشًا، وجعل لكل دابة ما يصلحها،
وهداها له.
وقيل: خلق المنافع في الأشياء وهدى
الإنسان إلى وجه استخراجها منها.
وقيل: قدر مدة الجنين في الرحم تسعة
أشهر وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من
الرحم.
فهذه أقوال ذكرها المفسرون في تفسیر
الآية، والأولى عدم تعيين أي هداية من
هذه الهدايات التي ذكرت؛ لأنها تدخل في
الهداية الفطرية العامة (١).
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٥٠٢/٥
بتصرف.
أنواع الهداية
إن للهداية أنواعًا متعددة، جاء بيانها في
كتاب الله تعالى، منها هداية البيان والدلالة،
ومنها هداية التوفيق والإلهام، وسنتعرف
على هذه الأنواع فيما يأتي:
أولًا: هداية البيان والدلالة:
ومعناها: الدلالة، والإرشاد على الخير
والحق، مع بيان ما يعقب ذلك من السعادة،
والفوز، والفلاح، فهي مما تفضل الله
بها على خلقه، ومن ثم أثبتها للنبي صلى
الله عليه وسلم الذي قام بدعوة الناس،
وإرشادهم، ودلالتهم إلى الطريق المستقيم.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ
أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن
جَعَلْتَهُ نُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَاْ وَإِنَّكَ
لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢](٢).
يتبين في هذا النوع من أنواع الهداية
الدلالة على الخير والشر، وطريقة النجاة
والهلاك.
قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ التَّجْدَيْنِ﴾[البلد:
١٠].
وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها
سبب وشرط لا موجب، ولهذا ينبغي الهدى
١٩ ٠١٠٠٠٠٠
معها كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ
فَأَسْتَحَبُواْ أَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَحِقَةُ
(٢) انظر: نظم الدرر، ٣٦/١.
١٣٨
القرآن الكريم

الهداية
اُلْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]. والدلالة هي هداية الدين والشرائع، وتحتاج
إلى العلم والإرشاد والبيان والدعوة،
أي: بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم
يهتدوا، واختاروا العمى، وتركوا الهدى (١).
فالإنسان يحتاج إلى هداية الدین التي تفضل
الله بها علیه، ووهبه إياها حتى يسلك طريق
الخير، ويبتعد عن طريق الشر.
وهذه هي هداية الأديان، والشرائع، وهي
هداية لابد منها لمن استرقت الأهواء عقله،
وسخر نفسه للذاته وشهواته، وسلك مسالك
الشرور والآثام، وعدا على بني جنسه،
وحدث بينه وبينهم التجاذب والتدافع، فبها
يحصل الرشاد إذا غلبت الأهواء العقول،
وتتبين للناس الحدود والشرائع، ليقفوا
عندها، ويكفوا أيديهم عما وراءها (٢)،
والمعنى أن هداية الدين: هي الهداية
التي لا تخطئ، والمصدر الذي لا يضل،
فقد يخطئ العقل، وتنجرف النفس مع
اللذات والشهوات، حتى توردها موارد
الهلاك، فيحتاج الإنسان إلى مقوم مرشد
هادّ لا يتأثر بالأهواء، فتسعفه هداية الدين
لإرشاده إلى الطريق الأقوم، إما بعد الوقوع
في الخطأ، أو قبله، وتظل هذه الهداية هي
الحارس الأمين الذي يفيء إليها الإنسان
للتزود بمفاتيح الخير، والتسلح بمغلاق
الشر، فيأمن العثور، ويضمن النجاة، وتعرفه
بحدود ما يجب (٣).
من خلال ما تقدم يتضح أن هداية البيان
(١) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم، ٢٧٦/١،
٢٧٧ بتصرف.
(٢) انظر: نظم الدرر، ٣٥/١.
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١/ ٥٩.
ثانيًا: هداية التوفيق والإلهام:
التوفيق: الفوز والفلاح في كل عمل
صالح، وسعي حسن، وحصول ذلك يتوقف
على كسب العامل، وطلبه من الطريق
الموصل إليه، وتيسير الأسباب التي يسهل
معها الحصول عليه، وذلك إنما يكون من
الله وحده (٤).
إن هداية التوفيق هي التي أمرنا الله عز
وجل بطلبها في قوله سبحانه: ﴿آهْدِنَا الصِّرَطَ
الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ١٧].
وهي هداية تصحبها معونة للقدرة على
طاعة الله، وامتثال أمره، والسير في طريق
الخير، وترك الشر.
والمراد بطلب الهداية في الآية السابقة
أن يدل الله سبحانه وتعالى عبده دلالة
تصحبها من لدنه معونة غيبية تحفظه من
الوقوع في الخطأ والضلال، وهذه الهداية
خاصة بالله سبحانه وتعالى لم يمنحها أحدًا
من خلقه(٥).
فالهداية نوعان: هداية البيان، وهداية
(٤) انظر: نظم الدرر، المراغي، ٧٤/١٢.
(٥) انظر: المصدر السابق ٣٦/١.
www. modoee.com
١٣٩

حرف الهاء
التوفيق، فالمتقون حصلت لهم الهدایتان،
وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق،
وهداية البیان بدون توفيق للعمل بها ليست
هداية حقيقية تامة (١).
وهداية التوفيق والإلهام لا تكون إلا بعد
هداية البيان والدلالة، ولا سبيل إلى البيان
والدلالة إلا من جهة الرسل، فإذا حصل
البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية
التوفيق، وجعل الإيمان في القلب وتحبيبه
إليه، وتزيينه في قلبه، وجعله مؤثرًا له، راضيًا
به، راغبًا فیه(٢).
وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا
يتخلف عنها، وهي المذكورة في قوله
تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن
يَشَآءُ﴾ [فاطر: ١٧].
وفي قوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَىهُدَىهُمْ
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُ﴾ [النحل: ٣٧].
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ
أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِلْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦].
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من
يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي
له)(٣).
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٢٩.
(٢) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم، ٩/١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم ٨٦٨.
جَوَنُور
القرآن الكريمِ
والمتأمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَاتَهْدِى
مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٌ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: ٥٦].
يجد أن الله تعالى نفى عن النبي هداية
التوفيق، وقال: إنك يا محمد لا تقدر على
هداية من أحببت هدايته هداية توفيق، فليس
ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، والله هو الذي
يستطيع هداية من يشاء هداية توفيق وشرح
صدر، بأن يقذف نورًا في قلبه، أي: فیحیی
به، كما قال تعالى: ﴿أُوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ﴾ [الأنعام:
١٢٢](٤) .
والله سبحانه وتعالى أثبت للنبي هداية
الدعوة والبيان في قوله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ
لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].(٥).
ولا تناقض بين الآيتين؛ لأن الرسول
صلی الله عليه وسلم لا يقدر على أن يهدي
أحدًا هداية توفيق، ولكنه يقدر على هداية
الدعوة والبيان، والله سبحانه يهدي من
يشاء بقدرته.
وقد منح الله سبحانه وتعالى للإنسان
خمس هدايات يتوصل بها إلى سعادته،
وهي(٦):
١. هداية الإلهام الفطري: وتكون للطفل
(٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٢٢/٢٠.
(٥) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم، ٢٧٧/١
بتصرف.
(٦) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٥٩/١.
١٤٠

الهداية
منذ ولادته، فهو يحس بالحاجة إلى
الطعام والشراب، فيصرخ طالبا له إن
غفل عنه والداه.
٢. هداية الحواس: وهي متممة للهداية
الأولى، وهاتان الهدايتان يشترك فيهما
الإنسان والحيوان، بل هما في البداية
أكمل في الحيوان من الإنسان، إذ
إلهام الحیوان یکمل بعد ولادته بقليل،
ویکتمل في الإنسان تدريجيًّا.
٣. هداية العقل: وهي أسمى من الهدايتين
السابقتين، فالإنسان خلق مدنيًّا بالطبع
ليعيش مع غيره، ولا يكفي الحس
الظاهر للحياة الاجتماعية، فلا بد له من
العقل الذي يوجهه إلى مسالك الحياة،
ويعصمه من الخطأ والانحراف،
ويصحح له أغلاط الحواس، والانزلاق
في تيارات الهوى.
٤. هداية الأديان والشرائع.
٥. هداية المعونة والتوفيق للسير في طريق
الخير والنجاة: وهي أخَصُّ من هداية
الدین، وهذه الهداية خاصة به سبحانه
وتعالى.
تعدو نوعین فقط، فهداية الإلهام، والحواس،
والعقل، والدین كلها هدايات تندرج تحت
الهداية العامة، والهداية الخاصة هي هداية
المعونة والتوفيق.
وقد جعل ابن القيم أنواع الهداية
أربعة (١):
النوع الأول: أحدها الهداية العامة، وهذه
هي الهداية الفطرية المشتركة بين الخلق.
النوع الثاني: هداية البيان والدلالة.
النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام.
النوع الرابع: غاية هذه الهداية، وهي
الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما
إليهما.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ تَجْرِى مِن
تَحْيِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].
وقال الله تعالى على لسان أهل الجنة
فيها: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا
لِنَّهْتَدِىَ لَوْلًا أَنْ هَدَ نَا اللَّهُ ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وقال تعالى عن أهل النار: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُوْ يَعْبُدُونَ (١) مِن دُونِ اللّهِ
فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ ﴾ [الصافات: ٢٣ -
٢٢].
وبالنظر إلى أنواع الهداية التي ذكرها
ابن القيم يتبين أن النوع الأول منها هداية
عامة فطرية، وأما النوع الثالث فإنه هداية
والملاحظ أن أنوع الهداية التي ذكرت لا خاصَّة، وتحتاج إلى التوفيق من الله عز
وجل، ولا يكون ذلك إلا بالنوع الثاني،
وهو هداية البيان والدلالة، وغاية الهدايات
النوع الرابع؛ لأن المتقين هم الذين يوفقهم
(١) انظر: بدائع الفوائد، ١/ ٢٧٧ بتصرف.
www. modoee.com
١٤١

حرف الهاء
الله تعالى إلى دخول الجنة بعد دلالتهم
وإرشادهم، والآيات السابقة تدل على هداية
التوفيق لدخول الجنة.
ويدل على ذلك أيضًا ما جاء في صحيح
مسلم: (أن أعرابیًا عرض لرسول الله صلى
الله عليه وسلم وهو في سفر فأخذ بخطام
ناقته، أو بزمامها، ثم قال: یا رسول الله، أو:
يا محمد أخبرني بما يقربني من الجنة، وما
ییاعدني من النار، قال: فکف النبي صلى الله
عليه وسلم، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: لقد
وفق، أو لقد هدب، قال: كيف قلت؟ قال:
فأعاد فقال النبي صلی الله عليه وسلم: تعبد
الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي
الزكاة وتصل الرحم، دع الناقة)(١).
والشاهد من الرواية السابقة قول الرسول
صلى الله عليه وسلم: (لقد وفق، أو لقد
هدي)، وفي ذلك دليل على هداية التوفيق
من الله عز وجل؛ لدخول الجنة، والله أعلم.
والخلاصة: الهداية نوعان: هداية عامة:
وهي الدلالة إلى مصالح العبد في معاده،
وهذه تشمل هداية الإلهام، والحواس،
والعقل، والدين، وهداية خاصة: وهي
الإعانة والتوفيق للسير في طريق الخير
والنجاة، وهذه تحتاج إلى البيان والدلالة(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان الإيمان الذي يدخل الجنة، وأن من
تمسك بما أمر به دخل الجنة، رقم ١٣.
(٢) انظر: التفسير المثير، الزحيلي، ١/ ٦٠.
أسباب الهداية
إن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد
يوجه المؤمنين إلى الأسباب التي توصلهم
إلى الطريق المستقيم الذي غايته التوفيق.
ومن تلك الأسباب:
أولًا: الاعتصام بالله تعالى:
لقد حثَّ القرآن الكريم المسلمين على
الاعتصام بالله تعالى، ورغب في ذلك،
وأن ذلك سبب في تحصيل الهداية، وجاء
ذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ
مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾
[النساء: ١٧٥].
أي: إن المؤمنين جمعوا بين مقامي
العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم،
وقيل: إن المعنى: أن الذين آمنوا بالله،
واعتصموا بالقرآن سیرحمهم الله عز وجل،
ويدخلهم الجنة، ويزيدهم ثوابًا ومضاعفةً
ورفعًا في درجاتهم من فضله عليهم،
وإحسانه إليهم، ويهديهم طريقًا واضحًا
قصدا قوامًا لا اعوجاج فیه، ولا انحراف،
وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة،
فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة، وطريق
السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات،
وفي الآخرة على صراط الله المستقيم
١٤٢
جوية
القرآن الكريمِ