Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ بَرُ النفسية الموضوعِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٧،هـ
الهزيمة
عناصر الموضوع
مفهوم الهزيمة
١٦٤
الهزيمة في الاستعمال القرآني
١٦٥
الألفاظ ذات الصلة
١٦٦
١٦٨
عوامل الهزيمة
١٨٤
أنواع الهزائم
١٩٣
آثار الهزيمة
المُجَلَدَ الرَّابِعْ وَالثَّلاثُونْ

حرف الهاء
مفهوم الهزيمة
أولًا: المعنى اللغوي:
مادة (هـ زم) لها معانٍ كثيرة ومتنوعة، منها:
أولًا: (هزم) وهو الأشهر، بمعنى: كسر وشقق وحطم، وأصل (الهزم) كسر الشيء، وفي
هزم العدو كسر له (١)
٠
ثانيًا: الهزم بمعنى: الذبح، واهتزمه بمعنى: ذبحه، ((والاهتزام: الذبح))(٢).
ثالثًا: الهزم بمعنى النقر والحفر، هزم الشيء إذا غمزه بيده فصارت فيه حفرةٌ (٣).
رابعًا: الهزم بمعنى الصوت، وهو خروج صوت للرعد أو الريح ((وهزم القدر إذ يسمع
لها صوت عند شدة الغليان (٤).
خامسًا: الهزم بمعنى المنخفض من الأرض، وكل موضع منخسفٍ فهو هزمة(٥).
وإذا تتبعنا هذه المعاني مجتمعة، ونظرنا فيها وجدناها كلها يصح إطلاقها على معنى
الهزيمة الذي نحن بصدد دراسته.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي
المعنى الاصطلاحي يدور حول المعنى اللغوي ولا يختلف عنه، فهي انكسار يعتري
الخصم، سببه قتل أو أسر أو ضرر نفسي وقع من الطرف الآخر.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥١/٦، لسان العرب، ابن منظور ٦٠٨/١٢.
(٢) المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد ٢٩٦/١، الصحاح، الجوهري ٣٣٦/٥.
(٣) انظر: شمس العلوم، نشوان الحميري ٦٩٢٧/١٠، القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ١٥٠٩، تاج
العروس، الزبيدي ٣٤ / ٩٢.
(٤) المنجد في اللغة، علي بن الحسن الأزدي ص ٣٥٥، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١٥٠٩.
(٥) المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد ٢٩٦/١.
مَوَسُو ◌َرَا
القرآن الكريم
١٦٤

الهزيمة
الهزيمة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (هزم) في القرآن الكريم (٣) مرات (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
فَهَزَمُوهُم ◌ِنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ
الفعل الماضي
١
[البقرة: ٢٥١]
الفعل المضارع
١
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ
[القمر: ٤٥]
٤٥
اسم المفعول
١
١﴾ [ص: ١١]
أَجُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُوُمٌ مِّنَ اْأَحْزَابِ
وجاءت الهزيمة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الحطم والكسر، وصارت
الهزيمة متعارفًا عليها في فرار الجيش من الغلبة (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٣٧، المعجم المفهرس
الشامل، عبد الله جلغوم، باب الهاء ص١٣٧٥.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٣٢٤/٥، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٢٥١/٤.
www. modoee.com
١٦٥

حرف الهاء
الألفاظ ذات الصلة
التولي:
١
التولي لغة
تولى عن الشيء، أي: أدبر عنه، وولى عنه أي: أعرض عنه أو نأى(١).
فَتَوَلَّى إذا عُدِّي بنفسه اقتضى معنى الولاية، وحصوله في أقرب المواضع منه، يقال: وَلَّيْتُ
سمعي كذا: أقبلت به عليه، وإذا عدي ب (عن) لفظا أو تقديرًا اقتضى معنى الإعراض (٢).
التولي اصطلاحًا
(٣)
قال المناوي: التولى هو الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل
٠
صيغة تفعل هنا تفيد التكلف كما في قولهم: تحلم، أي: تكلف الحلم(٤).
الصلة بين التولى والهزيمة
بالنظر لمعاني التولي اللغوية والمعنى الاصطلاحي تتضح لنا العلاقة الكبيرة بين الهزيمة
وبين التولي الذي هو من مظاهر الهزيمة وعلاماتها؛ لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة
الذي هزمه هربًا إلى ملجٍ يلجأ إليه؛ ليدفع عن نفسه القتل أو الأسر (٥).
الغلب
٢
الغلب لغة
(غ ل ب) غلبه يغلبه غلبًا وغلبة بمعنى: قهره، والغلب بفتح فسكون: القهر، وتغلب على
بلد كذا: استولى عليه قهرًا، وإذا قالت العرب: غلب فلان، فهو غالب (٦).
الغلب اصطلاحًا
هو القهر والاستيلاء على نفسٍ أو مال أو بلدٍ ما بشيءٍ.
الصلة بين الغلب والهزيمة
في معظم التفاسير نجد بكل صراحة تأويل الغلب في القرآن الكريم بالهزيمة، كما في
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٠٥/١٥.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٨٧.
(٣) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢١٦.
(٤) انظر: موسوعة نضرة النعيم في الحاشية ٩،١/ ٤٣٠٨.
(٥) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٥١/١، التفسير الوسيط، طنطاوي ٢١٧/٢.
(٦) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٨٣/٣، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٥٣١/٥، شمس العلوم،
الحميري ٤٩٩٢/٨، لسان العرب، ابن منظور ٦٥١/١، المصباح المنير، الفيومي ٤٥٠/٢.
١٦٦
القرآن الكريمِ

الهزيمة
تفسير قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُقْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّهُ وَيِفْسَ الِهَادُ (١)﴾
[آل عمران: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿الَّ غُلِبَتِ الرُّومُ فِّ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ فَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
[الروم: ١-٣].
الفرار
٣
الفرار لغة
ورد في صحاح العربية (١): (فرر) يفر فرارًا: هرب، وتفاروا: أي تهاربوا، وفرس مفر
بكسر الميم: يصلح للفرار عليه، والمفر: الفرار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِسَنُ يَوْمَيِدٍ أَيْنَ الْغَرِّ
﴾ [القيامة: ١٠].
وعند صاحب اللسان (٢): الفرار: الروغان والهرب، فر يفر فرارًا: هرب، وفرار وصف
بالمصدر فالواحد والجمع فيه سواء، یقال أفررت الرجل أفره إفرارًا: إذا عملت به عملا یفر
منه ويهرب، ويحمله على الفرار، والفرار يكون للجماعة والواحد.
وقد ربط ابن سيده الفرار بالهزيمة فقال: ((الهزيمة الفرار عن القتال)) (٣)، وفي موضع آخر
يقول: ((الفرار: الهرب، وفر: جد في الذهاب)) (٤).
الفرار اصطلاحًا
لا يخرج عن معناه اللغوي، وهو الهروب والروغان.
الصلة بين الفرار والهزيمة
وقد عبر القرآن الكريم عن الفرار - في بعض الآيات - بالإدبار والهرب، وعبر بالفرار
(٥)
للدلالة على قوة الإعراض
٠
قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْ هُرْ دُ عَلِّى إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦].
(١) الصحاح، الجوهري ٣٤٤/٢.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٥٠.
(٣) المخصص، ابن سيده ٢/ ٥٠.
(٤) المصدر السابق ٣٥٨/٣.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/ ١٩٤.
www. modoee.com
١٦٧

حرف الهاء
عوامل الهزيمة
إن لِكُلِّ أمرٍ عوامل وأسباب، وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض عوامل الهزيمة، ومنها:
أولًا: الذنوب والمعاصي
المعاصي من عوامل الخذلان للمؤمنين والكفار على السواء وهزيمتهم في خارج
المعركة أو داخلها، والطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والغلبة.
قال تعالى: ﴿أَلْيَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَُّمْ وَأَرْسَلْنَا
السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَّرِى مِن تَحْنِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ
﴾ [الأنعام: ٦].
في هذه الآية وعيد لأهل مكة، وتهديد لهم بإهلاكهم كما أهلك من قبلهم من القرون
بسبب ذنوبهم التي كانوا يجترحونها، فلم تغن عنهم قوتهم وتمكينهم شيئًا، وفي هذه الآية ما
يوجب الاعتبار والموعظة بحال من مضى من الأمم السالفة والقرون الخالية: فإنهم مع ما
كانوا فيه من القوة وسعة الرزق وكثرة الأتباع؛ أهلكهم الله لما كفروا وطغوا وظلموا، فكيف
حال من هو أضعف منهم وأقل عددًا، فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم (١).
والمصائب في الدنيا التي تنزل بالناس كالمرض والفقر والضيق وسائر النكبات، بسبب
معاصيهم أيضًا، وهي عقوبة من الله لهم بما ارتكبوا من موبقات، واجترحوا من سيئات،
وارتكبوا من الآثام فيما بينهم وبين ربهم(٢).
قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْقُواْ عَن گُثِيرٍ
[الشورى: ٣٠].
وإن التاريخ يشهد أن الأمم دأبها الكفر والتكذيب والظلم في الأرض، وعقاب الله إياها
هو جار على سنته تعالى المطردة في الأمم، وذلك لكفرهم وفسادهم وظلمهم لأنفسهم.
قال تعالى: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِبِةٍ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ
وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأْ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٣٩٢، لباب التأويل، الخازن ١١٩/٢، التفسير المنير،
وهبة الزحيلي ٤ /١١٨، التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٢٠٢/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٥٣٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٨/٧.
١٦٨
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الهزيمة
فكل من سبق من المذكورين من الأمم
الذين كذبوا رسلهم، عاقبهم الله بما اقترفوا
من ظلم وفساد؛ وأخذ كل هؤلاء بذنبهم، لا
بذنب غیرهم(١).
وإن اتباع الشيطان هو سبب الذنوب
والمعاصي الذي به تنزل الهزائم ويستحق
الخذلان، فإذا اتبعه الناس ورضوا وسوسته؛
أسلمهم لعدوهم، وترکهم يلاقون الموت
والهزيمة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ
النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَمَا تَرَآءَتِ الْفِشَتَانِ
نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنَّ بَرِىٌّ مِّنكُمْ
إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِّ أَخَافُ اَللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ
الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: ٤٨].
ورد في السيرة النبوية لابن هشام أن
((إبليس استدرج الكفار، وتشبه لهم بسراقة
ابن مالك بن جعشم، حين ذكروا ما بينهم
وبين كنانة من الحرب، فقال لهم: لا غالب
لكم اليوم من المؤمنين، وحلف لهم بأنه
مجیر ومعین لهم، فلما تراءت الفئتان، نظر
عدو الله إلى جنود الله من الملائكة الذين
أيد الله بهم رسوله صلی الله عليه وسلم
والمؤمنین علی عدوهم، فرأى ما لم يروا،
وقال: إني أخاف الله، وكانوا يرونه في كل
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٦٣٣، تفسير
القرآن، السمعاني ٤ /١٨١.
منزل في صورة سراقة لا ينكرونه، حتى
التقى الجمعان فنكص على عقبيه ورجع،
فأوردهم ثم أسلمهم»(٢).
ويتحدث القرآن عن أهم أسباب الهزيمة
التي جرت يوم أحد، ألا وهو ما قد يكتسبه
بعض المؤمنين من ذنوب قبل دخولهم في
المعركة أو خلالها، وذاك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَىَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا
أُسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ
عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
فجعل الله عقوبتهم بالهزيمة درسًا
وتربية وتمحيصًا، والمعنى: إن المؤمنين
الذين انهزموا وتركوا أماكنهم يوم التقاء
الجمعين من المسلمين والمشركين في
أحد؛ إنما أوقعهم الشيطان فريسة له في
الزلل والخطأ، فبسبب ما كسبوا من ذنوبهم،
انهزموا يوم أحد، وكان السبب في توليهم
الأدبار أنهم أطاعوا الشيطان، حيث زين
لهم أعمالهم بتركهم المراكز، واستجابوا
لما وسوس إليهم من الهزيمة، فاقترفوا ذنوبًا
أدت بهم إلى منع التأييد وتقوية القلوب
حتى تولوا، فالمصائب والعقوبات والهزائم
آثار للأعمال السيئة (٣).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما شعرت
(٢) السيرة النبوية، ابن هشام ٢١٥/٣.
(٣) انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد
المكي الناصري ٢٧٧/١، التفسير المنير،
وهبة الزحيلي ١٣١/٤.
www. modoee.com
١٦٩

حرف الهاء
أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله الطمع في الغنيمة، فحين خالفوا أمر الرسول
في الثبوت وعصوه انهزموا(٢).
علیه وسلم یرید الدنیا حتی کان یوم أحد؛
فقد أرادوا النهب رغبةً في الدنيا، فوقعوا
في الغنائم وعصوا، ونسوا عهده الذي
عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم
به، وتركوا ما أمروا به من الطاعة التي
عليها ثواب الآخرة (١)، وذلك قوله تعالى:
﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُم مَّن
يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
وإن تمام النصر هو في الثبات لا في
الانهزام.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ
وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا
فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم
مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُمٍ
مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا
عَنكُمْ وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[آل عمران: ١٥٢].
بعد أن أراهم الله الغلبة يوم أحد أول
الأمر؛ ثم تركوا منازلهم التي عهد إليهم
النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتركوها،
وتنازعوا وفشلوا، وعصوا الرسول؛ أوجفت
الخیل فیھم قتلا، ثم بین سبب التنازع، وهو
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٦/٧، تفسير
ابن أبي حاتم ٧٨٨/٣، الكشف والبيان
الثعلبي ٥٠١/٥، الدر المنثور، السيوطي
٧١/٤.
فالمعاصي تجلب الهزائم.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ تُصِيبَةٌ
قَدْ أَصَبِّتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَّا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [آل
عمران: ١٦٥].
فلا تعجبوا أيها المؤمنون مما حل بكم
في أحد، فإن خذلانكم فيها لم يبلغ مبلغ
ظفركم في بدر، فقد كان ظفركم في بدر
ضعفي نصرهم في أحد، فقد قتل منكم
سبعون رجلًا في أحد، وقتلتم من المشركين
سبعين رجلا في بدر وأسرتم سبعين رجلاً،
وأنتم الآن تتساءلون: كيف حدث هذا؟
وأنتم تدافعون عن الإسلام، وهم يدافعون
عن الشرك؟، جاء الجواب عن تساؤلهم،
فأجابهم موبخًا ومقرعًا، ورادًا عليهم بما
من شأنه أن يعيد إليهم صوابهم، وبما
يعرفهم السبب الحقيقي في هزيمتهم، وهو
أن ما حدث كان من عند أنفسكم وبشؤم
معصیتکم، إذ كان سببه فشلكم وتنازعكم
في الأمر ومخالفتكم أمر رسولكم
وعصيانكم(٣).
ولقد كانت أوجه العصيان كثيرة منها:
(٢) انظر: تفسير القرآن، ابن المنذر النيسابوري
٢/ ٤٤٥، المحرر الوجيز، ابن عطية ١ / ٥٥٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٦/٤.
(٣) انظر: أيسر التفاسير، أسعد حومد ص ٤٥٨.
١٧٠
القرآن الكريم

الهزيمة
١. رجوع ثلث الجيش الإسلامي مع عبد من عونه ورعايته(٢).
الله بن أبي ابن سلول.
أمر الرسول الرماة بلزوم أماكنهم، وبعدم
تركها مهما كانت نتيجة المعركة؛ فتركوها
حينما لاحت بشائر النصر للمسلمين،
وتطلعت أنفسهم إلى الغنائم فاشتغلوا بها
وتركوا النصيحة.
لهذه المخالفات التي نبعت من أنفسهم
أصابهم ما أصابهم في أحد؛ فكان هجوم
فرسان المشركين من الخلف؛ فتبدل
نصر المسلمين إلى هزيمة، فكان سبب
انهزام المؤمنين يوم أحد تأثير الشيطان
وإغواءه ووسوسته، وما اقترفوه من ذنوب
ومعاصٍ(١).
فما أحوج الناس في كل زمان ومكان
إلى الأخذ بهذا الدرس، فإن كثيرًا منهم
یُقَصِّرون فی حق الله وفی حق أنفسهم، ولا
يباشرون الأسباب التي شرعها الله للوصول
إلى النصر، فإذا ما أصابتهم الهزيمة مسحوا
عيوبهم في القضاء والقدر، ثم قالوا: أنى
هذا؟ وما دروا لجهلهم أن الله قد جعل لكل
شيء سببًا، فمن باشر أسباب النجاح وصل
إليها بإذن الله، ومن أعرض عنها حرمه الله
ونختم بقوله تعالى عن المجاهدين
الربيين: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا
أُغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا
وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
[آل
١٤٧)
عمران : ١٤٧].
في قولهم ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبِنَا﴾ هذا
٢. تفرقوا عن رسول الله في ساعة الشدة إيماء إلى أن الذنوب والإسراف في الأمور
من عوامل الخذلان (٣).
والعسرة.
ثانيًا: الاغترار بالكثرة
الكثرة في القرآن الكريم ترد أحيانًا في
موضع المدح، وفي الأعم الأغلب فإنها ترد
في موضع الذم.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ
﴾ [يوسف: ١٠٣].
١٠٣
حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
يقرر القرآن الكريم أن هذه الظاهرة هي
طبيعة معظم الناس لا أهل مكة وحدهم(٤)،
وقد أخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض
من بني آدم أنه الضلال(٥).
قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى
الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهَّ إِن يَتَّبِعُونَ
إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١)
(٢) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
٧٩٢/٣.
(٣) انظر: نظم الدرر ٤ /٩٣.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٤٧٩/٢، لباب
التأويل، الخازن ٣٢٠/٣.
(١) انظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي ١٣٣/٤. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٢/٣.
www. modoee.com
١٧١

حرف الهاء
[الأنعام: ١١٦].
وانتقد القرآن طبيعة بني إسرائيل، حیث
إن أكثرهم يتولون المشركين من عبدة
الأوثان(١).
قال تعالى: ﴿ تَرِّى كَثِيرًا مِنْهُمْ
يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ
أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ
هُمْ خَلِدُونَ ﴾ [المائدة: ٨٠].
وعندما يتحدث القرآن الكريم عن
المؤمنين يصفهم دومًا بالقلة.
قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَدُ، إِلَّا قَلِيلٌ﴾
[هود: ٤٠].
وفي كل مرة، يهلك الله الضالين،
وينجى النفر القليل من المؤمنين(٢)،
وكثير هم الضالون من حيث العدد مقارنة
بالمؤمنین(٣)، حيث قال تعالى:
لا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّا هُمْ﴾
[ص: ٢٤].
ولقد وبخ القرآن الكريم قارون على
اغتراره بقوته وكثرة ماله وجمعه وأتباعه،
فأهلكه ومن سبقه جميعًا ممن هم أكثر منه
جمعًا وعددًا (٤).
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن
(١) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٤٩٦.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٠٥٣٢/١١
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٥٤/٤.
(٤) البحر المديد، ابن عجيبة ٢٧٦/٤.
فَضْو
جوببيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ
جَمْعَاً وَلَا يُسَْلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
٧٨
[القصص: ٧٨].
وفي قصة طالوت وجنوده ما يؤكد أن
الكثرة دومًا مغلوبة إذا اعتقدت أنها تنصر
بالعدد دون المدد الإلهي والتوكل على الله.
قال تعالى: ﴿قَالُواْلَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ
بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ
أَنَّهُم مُكَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِتَهِ قَلِيلَةٍ
غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الصَّبِينَ ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
فلما رأوا كثرة العدو أيقنوا بهلاك
أنفسهم، واستقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم
لكثرتهم، فكان رد العالمين منهم: كم من
فئةٍ قليلةٍ و جند قلیل یغلبون فئةً كثيرةً عدتهم
بإذن الله ونصره وأمره(٥).
وشواهد التاريخ تثبت أن القلة غلبت
الكثرة، مثل غزوة بدر والخندق ومؤتة،
فعن البراء بن عازبٍ قال: (كنا نتحدث أن
أصحاب محمدٍ صلی الله عليه وسلم الذين
كانوا يوم بدرٍ ثلاثمائةٍ وبضعة عشر على عدة
أصحاب طالوت الذین جازوا معه النهر، وما
جاوزه معه إلا مؤمنٌ)(٦).
ولو بحثنا عن كلمة (أكثر الناس) في
(٥) تفسير السمر قندي ١/ ١٦٤.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب عدة أصحاب بدر، ١٤٥٧/٤،
رقم ٣٧٤٠.
١٧٢

الهزيمة
القرآن لوجدنا بعدها: (لا يعلمون-لا لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠].
یشکرون-لا يؤمنون).
قال تعالى: ﴿قُلِّ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس:
٦٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧].
ولو بحثنا عن كلمة (أكثرهم) لوجدنا
بعدها (فاسقون- يجهلون- معرضون-
لا يعقلون- لا يسمعون- مشركون- لا
يؤمنون- لا يعلمون- لا يشكرون).
قال تعالى: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ
لَفَسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّأَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾
[الأنعام: ١١١].
وقال تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُوْ لَا يَعْلَمُونَ اَلْحَقُّ
فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن
وَرَآءِ الْمُجُرَّتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[الحجرات: ٤].
وقال تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ
أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [فصلت: ٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ
إِلَّاوَهُم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
وقال تعالى: ﴿تَبَذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ
ءَايَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
أَلنَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠].
بعد هذا العرض الموجز لإطلاقات
الكثرة في القرآن الكريم، وكلها كما لاحظنا
وردت في موضع الذم، نأتي الآن لمناقشة
الآيات التي تحدثت عن علاقة الاغترار
بالكثرة والخذلان، وكيف تكون سببًا من
أسباب الهزيمة.
فحلول الخذلان يكون بسبب العجب
والاغترار بالكثرة.
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ
قال تعالى:
أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنٍ عَنكُمْ
شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا
رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ [التوبة: ٢٥].
والمعنى: لما توكلتم على أحوالكم
وقوتكم وكثرتكم، وعاينتم القوة من
أنفسكم دون الله؛ رماكم الله بالهزيمة
وضیق الأرض علیکم(١).
و کان هذا في يوم حنين إذ كان المسلمون
في عدد عديد، حتى لقد قال قائلهم: إننا لن
نغلب اليوم من قلة، فقد كانوا في اثني عشر
ألفًا، ومع هذا فإنه ما كاد المسلمون يلتقون
(١) حقائق التفسير، أبو عبد الرحمن السلمي
٢٧٢/١.
www. modoee.com
١٧٣

حرف الهاء
بهوازن في وادي حنين قرب مكة، حتى
ولوا مدبرین، وانکشف رسول الله للعدو،
ولم يثبت معه إلا قليل، فوقعت الدائرة
على المسلمين، وتبدد جيشهم، وتناثرت
جموعهم، وذهبت ريحهم، وما كان لقوة في
الأرض أن تجمع هذا الكيان الممزق، وأن
تبعث فيه الحياة والقوة من جديد، ولكن
أمداد السماء، ونفحات الحق، جاءت في
وقتها، فأحالت الهزيمة نصرًا حاسمًا، وفى
هذا درس للمسلمين حتى يروا أن القوة لله،
وأن النصر والعزة لا مبغى لهما إلا بالتوكل
على الله، وطلب العون والمدد منه تعالى،
فمن رغب عن ذلك، ونظر للعدد والقوة
المادية، وآثر كثرته واغتر بها، فلن يلقى إلا
الذلة والهوان (١).
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أن
وفي قوله تعالى:
قَالُوا رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
[آل عمران: ١٤٧].
في هذا إيماء لطلبهم النصر من الله مع
كثرة عددهم التي دل عليها قوله: ﴿رُِّّونَ
كَثِيرٌ﴾، فهم لا يعولون على كثرة العدد؛ بل
يطلبون العون والمدد الروحاني من الله
بثبات الأقدام(٢).
وختامًا: فإن التجاء الإنسان إلى الله عند
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ٧٢٦/٥.
(٢) تفسير الشيخ المراغي ٤ / ٩٣.
الشدائد سبب لنجاته، وإجابة دعوته لقوله
﴿فَهَزَمُوهُم بِلأِنِ اللَّهِ وَقَّتَلَ
تعالى:
دَاوُودُ جَالُونَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
فالقلة المؤمنة هي التي غلبت، وأما
اعتماد الإنسان على نفسه، واعتداده
بها فسبب لخذلانه كما في حنين، فلقد
نصرهم الله بعدما هزمهم العدو بإعجابهم
بالكثرة، فالنصر والظفر بالله لا بكثرتهم
وقوتهم، فالمؤمن يقبل على الأسباب ولا
ينسى المسبب، فحينما نظر المسلمون إلى
الأسباب فقط؛ ذاقوا طعم الهزيمة، وبعد أن
أعطاهم الدرس التأديبي نصرهم (٣).
ثالثًا: البطر والرياء:
البطر: هو الفخر والأشر والطغيان عند
النعمة، وإن من سنة الله عز وجل إهلاك
الأمم إذا بطرت وطغت.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ
بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَئِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُشْكُنْ
مِنْ بَعْدِ هِمْ إِلَا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِنَ
٥٨
[القصص: ٥٨].
فقد كفروا نعمة الله عليهم وعاشوا
في البطر، حيث أكلوا رزق الله وعبدوا
الأصنام(٤).
(٣) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
٣٢٣/٥، تفسير الشعراوي ٣ / ١٧١٠.
(٤) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٥٦/٧،
الوسيط، الواحدي ٣/ ٤٠٤.
١٧٤
الْقُرْآن الكَرِيمِ

الهزيمة
ونعود لقصة قارون الذي تبطر واختال
على الناس في زينته وافتخر على قومه
بالعزة والمال والملك، فاستحق الهزيمة
وعوقب بالخسف والهلاك، وذلك تحقيقًا
لسنة الله على المتجبرين وأهل البطر.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّاللَّهَ
لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، فالله لا
يحب الفرحين الأشرين البطرين المتکبرین؛
الذين لا يشكرون الله سبحانه على ما
أعطاهم، فلم يستجب للنصح، ﴿ فَخَرَجَّ عَلَى
قَوْمِهِ، فِىِ زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩]، فانتقم الله
منه وجعله عبرة لغيره.
قال تعالى: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ اَلْأَرْضَ
فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: ٨١].
فكان جزاؤه الهلاك والخسف والهزيمة،
وذلك جزاء المتكبرين الذين يريدون البطر
والرئاء(١).
والنعم إذا كثرت من الله تعالى على العبد
فصرفها في المفاخرة على الأقران، وكاثر بها
أبناء الزمان، وأنفقها في غیر طاعة الرحمن،
لیراه الناس، فكفار قریش حین خرجوا إلى
بدر، کان لهم فخر وبغي (٢).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٦/٦.
(٢) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٢/ ١٠٢.
دِيَرِهِم بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧].
وذلك أن أبا سفيان لما أحرز عيره بعث
إلى قريش وقال: إن الله قد سلم عيركم
فارجعوا، فأتى رأي الجماعة على ذلك،
وخالف أبو جهل، وقال: والله لا نفعل
حتى نأتي بدرًا؛ فنتحر عليها الإبل، ونشرب
الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا
العرب، ويهابنا الناس، وذلك ليثنوا عليهم
بالشجاعة والسماحة، فلما وصلوا بدرًا ما
انتصروا وما نالوا مرادهم، بل سقوا كأس
المنايا بدل الخمور، وناحت عليهم النوائح
بدل القینات، وكانت أموالهم غنائم بدلًا من
بذلها في الإسراف واللهو، فنهى الله عباده
المؤمنين أن يكونوا مثلهم في طلب الرياء
والسمعة؛ ولكن أخلصوا لله النية، وقاتلوا
احتسابًا في نصر دينكم، ولا تطلبوا غيره،
وكونوا أهل تقوى وإخلاص (٣).
فسنة الله في الناس أن يقصم ظهور
المتكبرين، ويذل المتجبرين المرائين
المختالين المتكبرين على الناس بصلفهم
وغرورهم، ويجعل الله نهايتهم الخذلان
فذلك هو البطر، والرياء: هو إظهار الجميل والموت والهزيمة عقابًا لهم على بطرهم
وفخرهم ورئائهم.
رابعًا: النفاق والمنافقون:
لقد بين كتاب الله ما عليه المنافقون
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٩/٣، روح
المعاني، الألوسي ٧/ ١٠٣.
www. modoee.com
١٧٥

حرف الهاء
من صلف وكبر، وما يقومون به من تثبيط
العزائم، وبث روح الهزيمة في نفوس
المؤمنين، وإن كلمة النفاق لم تعرفها العرب
من قبل، وأخذت الكلمة من نافقاء اليربوع؛
لأن جحره له بابان إذا طلب من أحدهما
هرب من الآخر؛ فاستخدم في الإسلام
علامة على تلك الطائفة التي تبطن الكفر
وتظهر الإسلام، وتكمن الغيظ والبغض
وتعلن الرضاء والمودة، وهي تضمر الحقد
والحسد وتجهر بخلافهما(١).
وصفات المنافقين التي ذكرها القرآن
الكريم كثيرة جدًا، وهي تفضحهم وتظهر
عوارهم، وتحذر من وجودهم في الصف
المسلم، وتدعو المسلمين إلى تنقية
وتنظیف صفوفهم من هؤلاء الذين يؤخرون
النصر ويستجلبون الهزيمة، ويفرحون بها.
فمن صفات المنافقين أنهم يكرهون
القتال.
قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ
تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ أَوِ آدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ
قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ
مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ يَأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِي
اُلَّذِينَ قَالُواْ
قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ).
لِإِخْوَبِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَأَدْرَهُواْ
عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٨/ ١٥٦، التيسير في أحاديث التفسير، محمد
المكي الناصري ٢٣٦/٦.
(٣٨)﴾ [آل عمران: ١٦٧-١٦٨].
تهتم هذه الآيات الكريمة اهتماما خاصا
بفريق من المنافقين الذين أدخلوا الفشل
على المؤمنين من أول لحظة في يوم أحد،
وهذا الفريق كان يتزعمه المنافق المدعو
عبد الله بن أبي ابن سلول الذي فارق ركب
رسول الله الذي كان يتألف من ألف رجل،
وهو لا يزال في أثناء الطريق بين المدينة
وأحد، وتابعه ورجع معه ثلث الرکب ممن
ينطوون على النفاق، وكانوا حوالي ثلاثمائة
رجل ونيف، وكان فريق من المؤمنين لا
يزالون يظنون خيرًا بزعيم المنافقين ومن
معه من المتخلفين، إذ لم يكن قد انكشف
نفاقهم بعد.
فتبعوهم من ورائهم يحرضونهم على
العودة للقتال إعلاء لكلمة الله بجانبهم، أو
على الأقل مساعدتهم فيما قد يحتاجون إليه،
وتكثير سوادهم أمام العدو إن لم يقاتلوا، أو
ليدفعوا الأعداء عن المجاهدين، أو ليدفعوا
العدو عن أنفسهم وعن أموالهم وذراریھم،
فما كان من المنافقين وزعيمهم إلا أن تعللوا
بأنهم لا يتوقعون من المشركين في هذا اليوم
أي قتال، إذن فلا موجب لمواصلة السير في
رکاب رسول الله.
وتحدث زعيم النفاق ابن أبي ابن
سلول حدیثًا کشف به عن ذات نفسه فقال:
والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها
١٧٦
القرآن الكريم

الهزيمة
للناس وتفضحهم؛ ليعلموهم علم عيان
ورؤية وظهور، إذ أن نصر المسلمين فى
بدر فتح الطريق أمام المنافقين للتظاهر
باعتناق الإسلام، وعدم انتصارهم فی أحد
كشف عن هؤلاء المنافقين وأظهرهم على
حقيقتهم، فإن من شأن الشدائد أنها تكشف
عن معادن النفوس، وحنايا القلوب(١).
أحد، وهو موقف يدل على فساد قلوبهم،
وخبث نفوسهم، وجبنهم عن لقاء الأعداء.
وحالهم بعد انتهاء المعركة أشد شرًا،
هؤلاء المنافقون لم یکتفوا بما ارتكبوه من
جنايات قبيل غزوة أحد وخلالها، بل إنهم
بعد انتهاء المعركة قالوا متحدثين عمن
استشهدوا: لو أن هؤلاء الذين استشهدوا
فى أحد أطاعونا وقعدوا معنا في المدينة
لما أصابهم القتل، ولكنهم خالفونا فكان
(١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
٢/ ٥٢٣، بيان المعاني، العاني ٤٢٤/٥،
التيسير في أحاديث التفسير، محمد المكي
الناصري ١/ ٢٧٧.
الناس، فجاءت هذه الآيات لتظهر نفاقهم مصيرهم إلى القتل، فرد القرآن عليهم بما
يبطل أقوالهم عن طريق الحس والمشاهدة،
وذلك ببيان أن القعود عن الجهاد لا يطيل
الحياة، كما أن الخروج إلى ساحات القتال
لا ینقص شيئا من الآجال، فکم من مجاهد
عاد من جهاده سالمًا، وكم من قاعد أتاه
الموت وهو في عقر داره (٢).
والمنافقون يسعون لنشر البلبلة في
صفوف المسلمين ويشككون بنصر الله
لأوليائه، فقد اتخذوا موقفهم بالانسحاب
بثلث الجيش بعدما بيتوه فيما بينهم لبث
البلبلة في صفوف المسلمين وإرباكهم،
وإضعاف روحهم المعنوية أمام المشركين،
وشككوا بنصر الله لأوليائه فقالوا: لو
موقف المنافقين في الماضي والحاضر
هو اتهام المجاهدين بإهلاك أنفسهم،
وهو ما تدل عليه هذه الآيات، حيث قال
المنافقون للمسلمين: إنکم ما وصلتم لهذا
إلا لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب، ولا
يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالنفس إلى
التهلكة، هذا هو موقف المنافقين فى غزوة كان الأمر كما قال محمد إن أولياء الله
هم الغالبون لما غلبنا قط، ولما قتل من
المسلمين من قتل في هذه المعركة،
ويربطون بين النبوة والنصر، وأنه لو كان
محمد نبیا ما هزم، وفاتهم أن النصر من عند
الله وبتوفيقه، وأن الهزيمة بسبب مخالفات
المسلمين.
فرد الله عليهم بأن الآجال والأعمار بيد
الله، وأن النصر من عند الله، وأن من كتب
عليه القتل فلا بد أنه مقتول، فلو كان في بيته
وانتهى أجله، لخرج إلى مكان مصرعه،
(٢) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
٧٩٤/٢.
www. modoee.com
١٧٧

حرف الهاء
والحذر لا يمنع القدر، والأمر كله بيد الله، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم
التخلف، فحبسهم الله عنك وخذلهم؛
وقد فعل الله ما فعل من إلحاق الهزيمة
بالمسلمین في نهاية غزوة أحد، لیمتحن ما
في صدور المؤمنين من الإخلاص والثبات،
وليميز ما في القلوب من أمراض ووساوس
الشيطان (١).
وقد أوقع الله في قلوبهم القعود، وهو
عبارة عن الخذلان، وقد بين القرآن الكريم
المفاسد التي تترتب على خروجهم، فهؤلاء
خروجهم لن يزيدكم إلا فسادًا وشرًا؛ لأنهم
قالوا: إن لم يؤذن لنا في الجلوس والقعود
فهؤلاء المنافقون إذا دعوا إلى القتال في
سبيل الله، أو إلى الدفاع عن النفس والأهل
والوطن، أجابوا: لو نعلم أنكم تلقون قتالًا
في غزوتکم لاتبعناکم وسرنا معکم، ولكننا
نعلم أنکم لا تقاتلون، وهذا يدل على تأصل
النفاق في قلوبهم، وأن غايتهم التلبيس
والتدليس والاستهزاء وتعمية الحقائق،
مع أن جمع المشرکین في أحد، وخروج
المسلمين لمقابلتهم قرينة قاطعة على إرادة
القتال(٢).
عن الغزو أفسدنا الناس وحرضنا على
المؤمنين، وفي ذلك تسلية للمؤمنين في
تخلف المنافقين عنهم، ولأوضعوا فيكم
الهزيمة والتخذيل والإفساد والتحريض
النميمة، وبغيتهم أن يفتنوكم بإيقاع
الخلاف والأراجيف فيما بينكم أو الرعب
في قلوبكم؛ ويثبطون المؤمنين بقولهم: لقد
جمعوا لكم كذا وكذا، ولا طاقة لكم بهم،
وإنکم ستهزمون منهم وسيظهرون علیکم،
ونحو ذلك من الأحاديث الكاذبة التي
تورث الجبن والفشل.
ومن صفاتهم أيضًا: عدم التهيؤ
والاستعداد للقتال، وذلك في قوله تعالى:
وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوِجَ لَأَعَدُواْ لَهُ عُدَّةً
وَلَكِنْ كَرِهَ اَللَّهُ الْعَائَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ
وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَعِدِينَ ٥
[التوبة: ٤٦].
فلو أنهم أرادوا الجهاد لتأهبوا للسفر،
(١) انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد
المكي الناصري ٢٧٧/١، التفسير المنير،
وهبة الزحيلي ٤ / ١٣٠.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٥٦/٨.
قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُمْمَا زَادُوكُمْ
إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ
اَلْفِيْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمُّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بِالظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: ٤٧].
وفي قوله: ﴿سَمَّعُونَ﴾ تحذير من
العيون والعملاء الذين ينقلون إليهم الأخبار
منکم، ویحدثونهم بأحاديثكم وهم عيون
لهم(٣).
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٤٩/٣، فتح
جَوَسُولَةُ التَّفتي
القرآن الكريم
١٧٨

الهزيمة
والمنافقون یمتازون بالدهاء،
ويتحججون بالعجز والأعذار، وهم صنف
مبالغ في النفاق، استأذنوا دون اعتذار،
وذلك أن بعضهم قال نستأذنه، فإن أذن
في القعود قعدنا وإلا قعدنا دون إذن، فهم
عزموا على العصيان أذنت لهم أو لم تأذن،
فقد قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَّ أَذِنتَ
لَهُمْ حَقِّ يَتَبَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ
اَلْكَذِبِينَ ﴾ [التوبة: ٤٣].
ومن جملة حججهم وأعذارهم قوله
تعالى عنهم: ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ اُثْذَن ◌ِی
وَلَا نَفْتِنِّيِ﴾ [التوبة: ٤٩].
نزلت في: (الجد بن قيس، وذلك أن
رسول الله صلی الله عليه وسلم لما تجهز
لغزوة تبوك قال له: يا أبا وهب، هل لك
في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري
ووصفاء؟ فقال: يا رسول الله لقد عرف
قومي أني رجل مغرم بالنساء، وإني أخشى
إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن؟
فلا تفتني بهن، وائذن لي في القعود عنك
فأعينك بمالي، فأعرض عنه النبي صلی الله
عليه وسلم، وقال له: قد أذنت لك، فأنزل
الله تعالى هذه الآية)(١).
وأشد صفة تكشف حقدهم: أنهم
يستاؤون من نصر المسلمين ويفرحون
البیان، صدیق خان ٣١٤/٥.
(١) أسباب النزول، الواحدي ص٢٥٢.
لهزیمتهم.
قال تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَّةٌ
تَسُؤْهُمٌْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ
قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ
فَرِحُونَ ﴾﴾ [التوبة: ٥٠].
فالحسنة هنا هي: الغنيمة والظفر،
والمصيبة هي: الهزيمة والخيبة كهزيمة
أحد، وذلك أنه إن تصبكم نعمة من الله
بنصر وغنيمة تسؤهم وتحزنهم؛ لفرط
حسدهم وكراهتهم لكم، وإن تصبكم
مصيبة تؤلمكم كالذي أصابكم يوم أحد
من الجراح والهزيمة، يقولوا مغتبطين
لتخلفهم، وحامدين لرأيهم وسياستهم؛
قد احتطنا وأخذنا أمرنا من قبل المصيبة
بتلافیها، حیث اعتزلنا المقاتلین، وقعدنا عن
الحرب، ودارينا الكفرة ووالیناهم، وسلمنا
مما أصابهم من قتل وجرح، وينصرفوا
وهم كثيرو الفرح بهزيمة المسلمين، ونجاة
أنفسهم بأخذهم حذرهم واحتياطهم
بالتخلف عنكم(٢).
وهم يوالون الكفار ويدارونهم
ویناصرونهم علیکم، قال الله فيهم: ﴿فَتَرَی
الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ
تَخْشَوَ أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ ﴾ [المائدة: ٥٢].
الهزيمة، والمنافقون
فالدائرة هي:
(٢) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
١٧١٤/٣.
www. modoee.com
١٧٩

حرف الهاء
يسارعون بالاعتماد على الكفار دون الله،
ويعملون اعتذارهم عن موالاتهم بأنهم
يخافون خوفًا بالغًا أن تحل بهم المصائب
والدوائر (١).
ويثبطون الناس ويوهنون من عزائمهم.
﴿﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِِّينَ مِنْكُ
قال تعالى:
وَاَلْقَآَيِنَ لإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨].
وكان من جملة قولهم: ما محمد
وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا
لالتهمهم أبو سفيان وحزبه، فخلوهم
وتعالوا إلينا(٢).
ويظنون بالله الظنون الباطلة ويستبطئون
النصر ويكرهون الشهادة في سبيل الله
ويعتبرونها قتلًا للنفس، فهم يظنون أن لا
ینصر الله محمدًا، کما ظن الجاهلیة حیث
اعتقدوا أن النبي صلی الله عليه وسلم قد
قتل في المعركة أو أنه لا ينصره الله(٣)،
وذلك يوم الخندق حين قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللهُ
وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢].
تفهم معنی النبوة، ومعنى التأييد الإلهي، قال
تعالى عنهم: ﴿يَظُنُونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ
اَلْجَهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقد قال بعضهم لبعض لو كان لنا عقول
لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم
(١) نظم الدرر، البقاعي ١٨٨/٦.
(٢) الوسيط، الواحدي ٣/ ٤٦٣.
(٣) السراج المنير، الشربيني ٢٠٨/١.
تقتل رؤساؤنا، أي: «لو كان الاختيار لنا
لم نخرج، ولما قتل من قتل منا في هذه
المعركة، وهذا كان رأي ابن أبي وغيره)»(٤).
قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْكَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ
شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤].
ومن صفاتهم أنهم مشککون ومترددون
ومذبذبون، ففي غزوة الخندق شكت
قلوبهم، وکان دیدنهم أنهم يتحیرون، إذ
كانوا تخطر لهم صحة أمر النبي أحيانًا، وأنه
غير صحيح أحيانًا فهم مذبذبون(٥)، وقد
قال الله فيهم: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْفِ
رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥].
ويعرفون بوجوههم عند ذكر الموت
والقتال، فهم لا يطيقون سماع ذكر القتال،
وتتغير معالم وجوههم رعبًا وخوفًا، قال
الله فيهم: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ
مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠]، يقول تعالى مخبرا
عن المؤمنين أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما
فرضه الله، وأمر به نکل عنه كثير من الناس،
وذلك هو ظن الجاهلية الغبية، التي لا وهم المنافقون الذين في قلوبهم مرض،
وحالهم عند نزول سورة مشتملة علی حکم
القتال ينظرون إليك نظر المغشي عليه من
الموت؛ لشدة فزعهم ورعبهم وجبنهم من
لقاء الأعداء (٦).
وقال أيضاً: فحالهم عند حد الجد، وبدء
(٤) المصدر السابق.
(٥) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٩/٣.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٧/٧.
١٨٠
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الهزيمة
المعركة والقتال، تراهم تدور أعينهم رعبًا بتأييده ورعايته قتلاً ذريعًا، وأراهم من
النصر والظفر بالمشركين ما وعدهم، حتى
وخوفًا لا يدرون ما يصنعون، فيصيرون
كالذي يعانى سكرات الموت ويبحث عمن
ينقذه، ولو أنهم استمسكوا بدينهم وكانوا
مع أهله يدًا على من سواهم، لم يقدر عليهم
عدو، ولم ينهزم جيش المسلمين لوجود
منافقين في صفهم من أمثال هؤلاء(١).
إذا تنازعوا واختلفوا في أمر الله، قذف
عليهم عدوهم، وخرجت خيل المشركين
عليهم من ورائهم، ولقد بين سبب التنازع
وهو طلب الدنيا والغنيمة، فحصل بذلك
الانهزام، وهو النتيجة الحتيمة للتنازع
والتخاصم والتخالف، والتقدير: حتى إذا
فشلتم وصرتم فريقين انهزمتم، والمعنى:
حتى إذا عجزتم عن مقاومة أهوائكم
وتنازعتم فيما بينكم، منع الله عنكم نصره،
وتحول نصركم إلى هزيمة، وفقدتم أنفسكم
وما جمعتموه من غنائم(٢).
وتتنوع أوصاف المنافقين في طبائعهم،
فتارة تعرفنهم في لحن القول، وتارة في
الأفعال كترك الطاعات، وتارة في فعل
القبيح، وأكثر فسادهم في أحوال الجهاد
كما تبين معنا، وكثيرة الآيات التي تتحدث
عما يظهر منهم من آثار الكفر في الأقوال
والأفعال مما جاء به القرآن، ولا مجال
لحصرها في هذه الدراسة، لذلك سنكتفي
بالقدر الذي أوردناه.
خامسًا: التنازع والفرقة:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ
وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا
فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم
مِنْ بَعْدٍ مَآ أَرَنَكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾
[آل
عمران: ١٥٢].
فالآية الكريمة ذكرت المؤمنين بأن
الله قد حقق وعده معهم في أول المعركة
بأن سلطهم على المشركين، يقتلونهم
(١) نظم الدرر، البقاعي ٢٤٨/١٨.
وفيها تصوير بديع للمعركة، وعرض
كامل لمشهدها، ولتداول النصر والهزيمة
فيها، فبعد أن ولی المشركون الدبر، وامتلأ
الوادي بما خلفوه من الغنائم، وحین رآها
الرماة، ورأوا إخوانهم المسلمين ينتهبونها
دونهم؛ عصفت بهم ربح الطمع، واختلفوا
فيما بينهم، وخلا ظهر المسلمين، رجع
المشركون إلى الميدان، وأحاطوا بهم
من الخلف والأمام، وأكثروا فيهم القتل
والجراح، ودارت الدائرة عليهم بعد أن
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٩/٧، الكشف
والبيان، الثعلبي ٤٩٨/٣، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٢٢٨/٤، التفسير الوسيط،
سيد طنطاوي ٢/ ٢٩٨.
www. modoee.com
١٨١

حرف الهاء
کانت لهم(١).
ثم أمرهم بالطاعة، ونهاهم عن التنازع
الذي هو أكبر أسباب الفشل والهزيمة.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَّا
تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
والتنازع غالبا يكون بسبب الأغراض
الشخصية، وتقديم الأغراض والمصالح
الدنيوية على المصالح العامة، وتلك أكبر
أسباب النزاع، وهذه أكبر البلايا التي يأتي من
قبلها الشر للمسلمين؛ لأنه قد يخالف بعض
المسلمين فتكون العقوبة عامة للجميع،
والفرقة من أكبر أسباب الضعف والخور
وعدم انتظام الكلمة، وهذا النزاع والتفرق
والاختلاف هو مشكلة عظمى في أقطار
الأرض؛ لأن من يتسمون باسم المسلمين
ينازع بعضهم بعضًا، ويعادي بعضهم بعضًا،
فأنى ينصرهم الله؛ فمن تنازعوا فشلوا
وذهبت قوتهم ودولتهم، ويصير الأمر إلى
غيرهم؛ وهذه وصايا سماوية، وتعاليم من
رب العالمين عظيمة، من أخذ بها ظفر، ومن
ترکها فشل وذهبت ريحه لا شك(٢).
ونحن نرى اليوم في عالمنا الإسلامي
ما يمكر به الأعداء لأمتنا الإسلامية من
السير على قاعدة (فرق تسد)، وما يبثونه من
نعرات تؤدي إلى النزاع والاختلاف والفرقة
(١) انظر: تيسير التفسير، إبراهيم القطان ٢٢٩/١.
(٢) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في
التفسير، ٨١/٥.
وشق الصف، وما وضعوه من حدود وهمية
بين البلاد الإسلامية، واختلقوا حواليها
المشكلات الدائمة، وشغلوهم بها في قضايا
دولية، ومحاكم وهمية لا تقدم ولا تؤخر في
قراراتها؛ حتى لا تجتمع كلمتهم على مقاتلة
الأعداء والتجهز للتغيير.
سادسًا: مخالفة أوامر القيادة:
إن طاعة القائد شرط أساسي للنصر،
وفي قصة طالوت عندما خرج بالجنود من
بيت المقدس، قال لهم: إن الله مختبركم
وممتحن مقدار صدقكم في لقاء عدوكم،
واستجابتكم لأوامر قائدكم بنهرٍ يعترض
طريقكم، فإياكم والشرب منه، فمن غلبته
شهوته وشرب من مائه، فليس من أتباعي؛
لأنه إذا عصاني اليوم، فهو أحرى أن يعصي
أمري وقت اشتداد الحرب فتحدث الهزيمة،
ومن لم يذق ماءه استجابة لهذا الأمر وصبر،
فإنه مني، وهو ضالع معي في لقاء العدو (٣).
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ
قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيَكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ
مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيَّ إِلَّا
مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا
[البقرة: ٢٤٩].
هذه الآية تشير إلى أن السر كامن في
طاعة القيادة العليا، وامتثال أوامرها الرشيدة
(٣) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١/ ٤٢٣.
١٨٢
القرآن الكريمِ