Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ التَّعدّة ع عناصر الموضوع مفهوم النعم ٢٥٨ النعم في الاستعمال القرآني ٢٥٩ الألفاظ ذات الصلة ٢٦٠ ٢٦٢ أنواع النعم ٢٧١ أسباب تثبيت النعم أو زوالها ٢٧٧ ثمرات شكر النعمة ٢٨٢ عواقب كفران النعمة المُجَلَّد الثَّالِثِ وَالثَّلاثُونْ حرف النون مفهوم النعم أولًا: المعنى اللغوي: النون والعین والمیم فروعہ کثیرٌ، وعندنا أنها علی کثرتها راجعٌ إلی أصل واحدٍ يدل على ترفهٍ وطيب عيشٍ وصلاحٍ، منه النعمة: ما ينعم الله تعالى على عبده به من مال وعيش، والنعمة: المنة، وكذا النعماء، والنعمة: التنعم وطيب العيش، والنعامى: الريح اللينة، والنعم: الإبل؛ لما فيه من الخير والنعمة، وقيل: النعم ذكر لا يؤنث، فيقولون: هذا نعم وارد، وتجمع أنعاما، والأنعام: البهائم، وهو ذلك القياس(١). نعم: النعيم والنعمى والنعماء والنعمة، كله: الخفض والدعة والمال، وهو ضد البأساء والبؤسى وبالضم كذلك، والجمع أنعم، والنعمة بالفتح: التنعيم، والنعمة بالكسر: اليد البيضاء الصالحة والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: تعددت تعريفات العلماء للفظة النعم، وهي على النحو الآتي: النعمة: ((هي في أصل وضعها الحالة التي يستلذها الإنسان)). وقيل: ((النعمة هي الشيء المنعم به))(٣). وقيل: ((هي المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير))(٤). وقيل: ((هي ما قصد به الإحسان والنفع لا لغرض أو عوض)) (٥). فالمعنى الاصطلاحي قریب من المعنى اللغوي ولا يخرج عنه. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٤٦/٥. (٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٠٤١/٥، شمس العلوم، نشوان الحميرى ٦٦٦٢/١٠، لسان العرب، ابن منظور ٥٨٠/١٢، مختار الصحاح، الرازي ص ٣١٤. (٣) الكليات، الكفوي ص ٩١٢. (٤) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٣٢٧. (٥) التعريفات، الجرجاني ص ٢٤٢. ٢٥٨ جوبي القرآن الكريمِ النعمر النعم في الاستعمال القرآني وردت مادة (نعم) في القرآن الكريم (٨٨) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١٨ (صِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] اسم ٧٠ ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةُ وَيَاطِنَةٌ ﴾ [لقمان: ٢٠] وجاءت النعم في القرآن على عشرة أوجه(٢). أحدها: المنة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَذْ كُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١]. أي: منته. الثاني: الدين والكتاب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. يعني: دين الله وكتابه. الثالث: محمد صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اَللَّهِ ثُمَّيُنكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]. يعني، محمدًا صلى الله عليه وسلم. الرابع: الثواب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلِ﴾ [آل عمران: ١٧١]. يعني بثواب من الله تعالى وفضل. الخامس: النبوة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١)﴾ [الضحى: ١١]. يعني: النبوة. السادس: الرحمة، ومنه قوله: ﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٨]. يعني: ورحمة. السابع: الإحسان واليد: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ، مِنْ نِعْمَةٍ تَجْرِىٌ﴾ [الليل: ١٩]. يعني: من إحسان یجازی علیه. الثامن: سعة المعيشة، ومنه قوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ، وَنَعَّمَدُ﴾ [الفجر: ١٥]. يعني: وسع معيشته. التاسع: الإسلام، ومنه قوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. يعني: بالإسلام. العاشر: المال، ومنه قوله: ﴿وَذَرْنِ وَالْكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١]. يعني: المال. (١) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٠٧ -٧٠٨. (٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ١/ ٥٩٧-٥٩٩، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٤٠. www. modoee.com ٢٥٩ حرفالنون الألفاظ ذات الصلة ١ اللذة: اللذة لغةً: اللام والذال أصل صحيح واحد، يدل على طيب طعم في الشيء. من ذلك اللذة واللذاذة: طيب طعم الشيء، واللذة: واحدة اللذات (١). اللذة اصطلاحًا: ((إدراك الملائم من حيث إنه ملائم)) (٢). الصلة بين النعمة واللذة: النعمة لا تشتهى كالتكليف، وإنما صار التكليف نعمة؛ لأنه يعود عليها بمنافع وملاذ، واللذة لا تكون إلا مشتهاة (٣). المنة: ٢ المنة لغةً: (الميم والنون أصلان. أحدهما يدل على قطع وانقطاع، والآخر على اصطناع خير)) (٤). المنة اصطلاحًا: هو الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه (٥). الصلة بين النعمة والمنة: النعمة تتضمن المنة في جوانبها، والمنة هي النعمة المقطوعة من جوانبها كأنها قطعة، وسمي الاعتداد بالنعمة منة؛ لأنه يقطع الشكر عليها (٦). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٤/٥. وانظر: الصحاح، الجوهري ٢/ ٥٦٩. (٢) التعريفات، الجرجاني ص ١٩١. وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٨٨، الكليات، الكفوي ص١٧٤. (٣) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص١٩٧. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٦٧/٥. (٥) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٩٤/٣٦. (٦) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص١٩٧. ٢٦٠ القرآن الكريم النصر الخير: ٣ الخير لغة: الخير ضد الشر (١). الخير اصطلاحًا: الخير ما يرغب فيه الكلّ؛ كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع (٢). الصلة بين النعمة والخير: النعمة متضمنة للخير، فهي أعم، وهي من الله، أما الخير يكون من الله ومن الإنسان، أي: إن الإنسان يجوز أن يفعل بنفسه الخير، ولا يجوز أن ينعم عليها(٣). (١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢٣٨/١١. (٢) روح البيان، اسماعيل الخلواتي ٣٤٨/٧. (٣) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص ١٩٧. www. modoee.com ٢٦١ حرفالنون أنواع النعم تتعدد نعم الله على عباده، منها النعم المادية الضرورية في الحياة مثل الرزق الطيب، والأزواج والأولاد والأحفاد، والسكن المريح، والملابس، وغيرها، ومنها النعم المعنوية والتي منها: إرسال الأنبياء لإرشاد العباد إلى خالقهم بما يحملون معهم من كتب ربهم، ثم التوفيق إلى الهداية إلى الطريق المستقيم، وهذه أجل النعم، وغيرها. أولًا: النعم المادية: ١. الرزق الميسر من الطيبات. قال تعالى: ﴿وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَتِ أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَيِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ [النحل: ٧٢]. ((أي: من الثمار والحبوب والحيوان))(١). قال ابن عاشور رحمه الله: «الرزق يجوز أن يكون مرادًا منه المال، وهذا هو الظاهر، وهو الموافق لما في الآية، ويجوز أن يكون المراد منه إعطاء المأكولات الطيبة»(٢). ٢. الأزواج والبنون والحفدة. قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَّكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ اَلَطَِّبَتِ أَفَالْبَطِلٍ يُؤْمِنُونَ (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ١٤٥. (٢) التحرير والتنوير ٢١٩/١٤. وَ بِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢]. ((يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجًا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر ويخدمونهم، ويقضون بهم اعینھم حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، ورزقهم من الطيبات من جميع المآكل والمشارب، والنعم الظاهرة التي لا يقدر العباد أن يحصوها))(٣). . ٣. السكن المريح والملابس الواقية. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ ◌ُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُودِ الْأَنْخَمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَنًا وَمَتَنِعًا إِلَى وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَلًا (٨٠ حِينٍأ وَجَعَلَ لَكُمُ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْتَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَفِيكُمْ بَأَسَكُمْ كَذَلِكَ يُنِؤُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨٠-٨١]. يذكر تعالى عباده نعمه، ويستدعي منهم شكرها والاعتراف بها، فقال: آَلَـ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ يُوتِكُمْ سَكَنَا﴾ في الدور والقصور ونحوها، تكنكم من الحر والبرد، وتستركم أنتم وأولادكم وأمتعتکم، وتتخذون فيها الغرف والبيوت التي هي لأنواع منافعكم ومصالحكم، وفيها حفظ (٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٤٤. ٢٦٢ مَنُور القرآن الكريم النعمر لأموالكم وحرمكم وغير ذلك من الفوائد المشاهدة، ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُلُودِ اَلْأَنْعَمِ﴾ إما من الجلد نفسه أو مما نبت علیه، من صوف وشعر ووبر. ﴿يُوتًا تَسْتَخِقُونَهَا ﴾ أي: خفيفة الحمل، تكون لكم في السفر والمنازل التي لا قصد لكم في استيطانها، فتقيكم من الحر والبرد والمطر، وتقي متاعكم من المطر. أي: الأنعام ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا ﴾ ﴿وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَثًا﴾ وهذا شامل لكل ما يتخذ منها من الآنية والأوعية والفرش والألبسة والأجلة، وغير ذلك ﴿وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي: تتمتعون بذلك في هذه الدنيا، و تنتفعون بها، فهذا مما سخر الله العباد لصنعته وعمله ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمًا خَلَقَ﴾ أي: من مخلوقاته التي لا صنعة لكم فيها، ﴿ظِلَلًا﴾ وذلك كأظلة الأشجار والجبال والآكام ونحوها، مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَا﴾ أي: مغارات تکنکم من الحر والبرد والأمطار والأعداء. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ ﴾ أي: ألبسة وثيابًا ﴿تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ﴾ ولم يذكر الله البرد؛ لأنه ذكر في أول هذه السورة أصول النعم وآخرها في مكملاتها ومتمماتها، ووقاية البرد من أصول النعم فإنه من الضرورة، وقد ذكره في أولها في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِقْهُ وَمَنَفِعُ﴾ [النحل: ٥]. ﴿وَسَرَّبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ أي: وثيابًا تقيكم وقت البأس والحرب من السلاح، وذلك كالدروع والزرد ونحوها، ﴿كَذَلِكَ يُسُِّّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ حيث أسبغ عليكم من نعمه ما لا يدخل تحت الحصر ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ إذا ذکرتم نعمة الله ورأيتموها غامرة لكم من كل وجه ﴿قُتْلِمُونَ﴾ لعظمته وتنقادون لأمره، وتصرفونها في طاعة مولِيها ومُسْديها، فكثرة النعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر، والثناء بها على الله تعالى، ولكن أبى الظالمون إلا تمردًا وعنادًا(١). قال ابن عاشور رحمه الله: ((ونعمة الإلهام إلى اتخاذ المساكن أصل حفظ النوع من غوائل حوادث الجوِّ من شدة بردٍ أو حرِّ، ومن غوائل السباع والهوام. وهي أيضًا أصل الحضارة والتمدن؛ لأن البلدان ومنازل القبائل تتقوم من اجتماع البيوت. وأيضًا تتقوم من مجتمع الحلل والخيام)»(٢). ٤. السكن والطمأنينة. في البيوت نعمة لا يقدرها حقَّ قدرها إلا المشردون الذين لا بيوت لهم ولا سكن ولا طمأنينة، وقد کثر المشردون الذين ينامون على الأرض، ويلتحفون السماء بكثرة الطغاة والمستبدين في کل عصر وحین، ولا (١) المصدر السابق ص ٤٤٥. (٢) التحرير والتنوير ١٤/ ٢٣٧. www. modoee.com ٢٦٣ حرف النون سبيل إلى القضاء على التشرد إلا بتحقيق يسيران لا يفتران ليلًا ولا نهارًا، فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارضان، حكم الإسلام في واقع الحياة، وسيادة العدل أركان المجتمعات والدول. فتارةً يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ ٥. تسخير المخلوقات، وتيسير اتباع السنن الكونية. وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَمَّى﴾ [فاطر: ١٣]. قال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْقُلْكَ لِتَجْرِىَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ وَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ ٣٢ وَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ ﴿ وَءَاتَنْكُم ◌ِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢-٣٤]. یعدد تعالی نعمه على خلقه بأن خلق لهم السموات سقفا محفوظًا، والأرض فرشًا، وأنزل من السماء ماءً فأخرجنا به أزواجًا من نباتٍ شتى ما بين ثمارٍ وزروعٍ مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع، وسخر الفلك بأن جعلها طافيةً على تيار ماء البحر، تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها من إقلیم إلى إقليم آخر لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك إلى هنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قُطْرِ إلى قُطْرٍ رزقًا للعباد من شربٍ وسقيٍ، وغير ذلك من أنواع المنافع. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، أي وهيأ لكم ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم. وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه. وقوله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا ◌ُمْصُوهَا﴾ يخبر تعالى عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلا عن القيام بشکرها، كما قال طلق بن حبيبٍ رحمه الله: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين(١). وفي الشكر على النعم روى البخاري بسنده عن أبي أمامة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال: (الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفيٍّ ولا مودعٍ ولا مستغنی عنه، ربنا)(٢). وقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاُ لَكُمْ فِيهَا رِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٥ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِحُونَ وَحِينَ تَتْرَحُونَ ١ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٠/٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأطعمة، باب ما يقول إذا فرغ من طعامه، رقم ٥٤٥٨. ٢٦٤ جوبيه الْقُرآن الكَرِيمِ النعمر لَمْ تَكُونُواْ بَشِلِغِيهِ إِلََّّ بِشِقِّ الْأَنْفُسَِّ إِنَّ وَأَلَيَّلَ وَالْبِغَالَ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٥) وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَعَلَى اَللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَابِرْ وَلَوْ شَآءَ لَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ ) هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَءَ لَّكُمْ مِنْهُ ١٠ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ ثُسِيمُونَ يُثْبِتُ لَكُم بِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَاْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتُ إِنَّ فِي ذَلِكَ ١) وَسَخَّرَ لَيَةً لِقَوْمٍ يَنَفَكَرُونَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِوهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَئِدُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى اَلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَأَلْقَى فِىِ الْأَرْضِ رَوَسِ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَزْمٌ وَسُبُلاً أَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿ وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَتَدُونَ ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُّ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ٥ - ١٨]. (وهو سبحانه الذي ذلل لكم البحر، فمكنكم من ركوبه، واستخراج ما فيه لتأكلوا مما تصطادون من سمكه لحمًا غضًّا لينًا، وتستخرجوا منه زينة تلبسونها، وتلبسها نساؤكم مثل اللؤلؤ والمرجان. وتری السفن تشق عباب البحر، وتركبون هذه السفن طلبًا لفضل الله الحاصل من ربح التجارة، ورجاء أن تشکروا الله على ما أنعم به علیکم، وتفردوه بالعبادة، وبث في الأرض جبالًا تثبتها حتى لا تضطرب بكم، وتميل، وأجرى فيها أنهارًا لتشربوا منها، وتسقوا أنعامكم وزروعکم، وشق فيها طرقًا تسلکونها، فتصلون إلی مقاصدکم دون أن تضلوا. وجعل لكم في الأرض معالم ظاهرة تهتدون بها في السير نهارًا، وجعل لكم النجوم في السماء رجاء أن تهتدوا بها ليلا. أفمن يخلق هذه الأشياء وغيرها كمن لا يخلق شيئًا، أفلا تتذكرون عظمة الله الذي يخلق كل شيء، وتفردوه بالعبادة، ولا تشركوا به ما لا يخلق شيئًا. وإن تحاولوا - أيها الناس- عد نعم الله الكثيرة التي أنعم بها عليكم، وحصرها لا تستطيعوا ذلك؛ لكثرتها وتنوعها، إن الله لغفور؛ حيث لم يؤاخذكم بالغفلة عن شکرها، رحیم حیث لم يقطعها عنکم بسبب المعاصي والتقصير في شكره)) (١). (١) المختصر في تفسير القرآن، مركز تفسير ص ٦٩. www. modoee.com ٢٦٥ حرفالنون ومما يؤخذ من الآيات: لله تعالى الحكمة البالغة في قسمة الأرزاق بين العباد، فجعل منهم الغني والفقير والمتوسط؛ ليتكامل الكون، ويتعايش الناس، ويخدم بعضهم بعضًا، فالآية دليل على أن التفاوت في الأرزاق كالتفاوت في الأعمار. قد تكون بسطة الرزق ابتلاء من الله، کما يكون التضييق فيه لحكمة يريدها ويحققها بالابتلاء. المقصود من قوله تعالى: ﴿وَمَتَحًا إِلَى حِينٍ﴾ أن هذه النعم أو المتمتعون بها صائرون إلى زوالٍ يحول دون الانتفاع بها؛ ليكون الناس على أهبةٍ واستعدادٍ للآخرة، فيتبعوا ما يرضي الله تعالی. قوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ اُلْحَرَّ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي: والبرد، حذف الثاني استغناء بالأول. من أعظم المتن التي امتن الله بها على عباده أن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوعٍ آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة. في الآيات من أصناف نعم الله على العباد شيء عظيم، مجمل ومفصل يدعو الله به العباد إلى القيام بشكره، وذکره و دعائه. ثانيًا: النعم المعنوية: ١. إرسال الأنبياء. من نعم الله على عباده إرسال الأنبياء؛ ليدعوهم إلى الطريق المستقيم الذي به سعادة الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْ كُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَئِيَاةُ ﴾ [المائدة: ٢٠]. «أي: کلما هلك نبيُّ قام فیکم نبيٌّ، من لدن أبیکم إبراهیم وإلی من بعده. وكذلك کانوا، لا یزال فیھم الأنبياء یدعون إلی الله ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى عليه السلام، ثم أوحى الله تعالى إلى خاتم الرسل والأنبياء على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلی الله عليه وسلم))(١). والمقصود من إرسال الرسل طاعة المرسل. قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [النساء: ٦٤]. ((فالله أرسل رسله؛ ليطاعوا- بإذنه وفي حدود شرعه- في تحقيق منهج الدين. منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة. وما من رسول إلا أرسله الله لیطاع بإذن الله. فتکون طاعته طاعة لله، ولم يرسل الرسل لمجرد (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٢/٣. صَوَنُور القرآن الكريم ٢٦٦ النصر التأثر الوجداني، والشعائر التعبدية، فهذا إمامًا للناس نعمتي، فأكمل لكم به فضلي عليكم، وأتمم به شرائع ملتكم الحنيفية المسلمة)»(٣) وهمٌّ في فهم الدین لا یستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل، وهي إقامة منهج معين للحياة، في واقع الحياة))(١). ٢. إنزال الكتب. أمر سبحانه عباده بذكر نعمته عليهم من إرساله الرسول بالهدى والبينات إليهم، ومعه القرآن والسنة؛ ليرشدهم بهما إلى الأحكام والحكم الشرعية التي تستقر بها الحياة، فقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِنَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهْ وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٣١]. واذكروا ما أنزل الله عليكم في القرآن والسنة النبوية من أحكام وحكم تشريعية؛ لتوفير استقرار الحياة الزوجية، وتحقيق السعادة والهناءة وغير ذلك، مما فيه مصلحة ومنفعة؛ إذ أن الأحكام تضع أصول النظام، وأسرار الحكمة التشريعية تساعد على الامتثال والاتعاظ والاقتناع(٢). ٣. التوفيق لاتباع شرائع الله. قال تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِ عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠]. أي: «ولأتم بذلك من هدايتي لکم إلى قبلة خليلي إبراهيم عليه السلام الذي جعلته (١) في ظلال القرآن ٢/ ٦٩٦. (٢) التفسير المنير، الزحيلي ٣٥٢/٢. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَّةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَايِطِ أَوْ لَنَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجْ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيَكُمْ﴾ ((أي: يكمل النعم الموجودة قبل الإسلام بنعمة الإسلام، أو ويكمل نعمة الإسلام بزيادة أحكامه الراجعة إلى التزكية والتطهير مع التيسير في أحوالٍ كثيرةٍ. فالإتمام إما بزيادة أنواعٍ من النعم لم تكن، وإما بتكثير فروع النوع من النعم)» (٤). وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالدَّمُ وَمُ الْخِنِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُيِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ (٣) جامع البيان، الطبري ٢/ ٦٩١. (٤) التحرير والتنوير ٦/ ١٣٢. www. modoee.com ٢٦٧ حرفالنون تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَرَّ ذَلِكُمْ فِسْقُّ أَلْيَوْمَ يَيِسَِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينَّاً فَمَنِ أَضْطَرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍّ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ زَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. تأمل كيف وصف الدين الذي اختاره لهم بالكمال، والنعمة التي أسبغها عليهم بالتمام إيذانًا في الدین بأنه لا نقص فيه ولا عیب ولا خلل، ولا شيء خارجًا عن الحكمة بوجه، بل هو الکامل في حسنه وجلالته، ووصف النعمة بالتمام إيذانا بدوامها واتصالها، وأنه لا یسلبهم إياها بعد إذ أعطاهموها، بل يتمها لهم بالدوام في هذه الدار وفي دار القرار. وتأمل حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الکمال بالدین، وإضافة الدین إلیھم، إذ هم القائمون به المقيمون له. وأضاف النعمة إلیه إذ هو وليها ومسدیها والمنعم بها عليهم، فھي نعمة حقًّا، وهم قابلوها. وأتى في الكمال باللام المؤذنة بالاختصاص، وأنه شيء خصوا به دون الأمم. وفي إتمام النعمة بعلى المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والإحاطة فجاء ﴿وَأَتْمَمْتُ﴾ في مقابلة ﴿أَكْمَلْتُ﴾ و﴿عَلَيْكُمْ﴾ في مقابلة ﴿لَكُمُ ﴾ و﴿نِعْمَتِى﴾ في مقابلة ﴿ِينَكُمْ ﴾ وأكد ذلك، وزاده تقريرًا وكمالًا، وإتمامًا للنعمة بقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ﴾ (١). ٤. تآلف القلوب وزوال العداوات بين الأفراد والجماعات. قال تعالى: ﴿وَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةِ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَّكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ مَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَّهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. قال الشنقيطي رحمه الله: «لم یبین هنا ما بلغته معاداتهم من الشدة، ولکنه بین في موضع آخر أن معاداتهم بلغت من الشدة أمرًا عظيمًا حتى لو أنفق ما في الأرض كله لإزالتها وللتأليف بين قلوبهم لم يفد ذلك شيئًا، وذلك في قوله: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيَدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ ا وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣])). وقال سيد قطب رحمه الله: ((والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط: ((القلب)) فلا يقول: (فألف بينكم). إنما ينفذ إلى المكمن العميق: ﴿فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه)»(٢). (١) التفسير القيم، ابن القيم ص٢٣٤. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٤٣/١. ٢٦٨ البَشَّ جوبيع القرآن الكريمِ النعمر ٥. كف أذى الأعداء والنصر عليهم والتمكين في الأرض، والأمن في الأوطان. قال تعالى: ﴿يََأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]. (يذكر تعالى عباده المؤمنين بنعمه العظيمة، ويحثهم على تذكرها بالقلب واللسان، وأنهم -كما أنهم يعدون قتلهم لأعدائهم، وأخذ أموالهم وبلادهم وسبيهم نعمةً - فليعدوا أيضًا إنعامه عليهم بكف أیدیهم عنهم، ورد كيدهم في نحورهم نعمة، فإنهم الأعداء، قد هموا بأمر، وظنوا أنهم قادرون علیه. فإذا لم يدركوا بالمؤمنين مقصودهم، فهو نصر من الله لعباده المؤمنين ينبغي لهم أن يشكروا الله على ذلك، ويعبدوه ويذكروه، وهذا يشمل كل من هم بالمؤمنين بشرِّ، من کافر ومنافق وباغ، کف الله شره عن المسلمين، فإنه داخل في هذه الآية))(١). وفي حادث الأحزاب ذكر الله المؤمنين بنعمته عليهم أَنْ ردَّ عنهم الجيش الذي هَمَّ أن يستأصلهم، لولا عون الله وتدبيره اللطيف. (١) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٢٤. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَكُمْ جُوٌّ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُدًا لَّمْ تَرَوَّهَأْ وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]. قال الشنقيطي رحمه الله: «أمر الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة أن يذكروا نعمته عليهم حين جاءتهم جنودٌ وهم جيش الأحزاب، فأرسل جل وعلا عليهم ريحًا وجنودًا لم يرها المسلمون، وهذه الجنود التي لم يروها التي امتن عليهم بها في سورة (الأحزاب))، بين أنه من عليهم بها أيضًا في غزوة حنينٍ. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذَ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنٍ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْيِينَ ، ثُمَّ أَلَ اللهُ سَكِينَتَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُودًا لَّوْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]. وهذه الجنود هي الملائكة، وقد بین جل وعلا ذلك في ((الأنفال))، في الكلام على غزوة بدرٍ، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُۇچِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتِكَةِ أَنِّ مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأَلْقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ ﴾ [الأنفال: ١٢]. وهذه الجنود التي لم يروها التي هي الملائكة، قد بین الله جل وعلا في ((براءة»، www. modoee.com ٢٦٩ حرفالنون في الغار، وذلك في قوله: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَّلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ، عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُورٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠]))(١). قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاةُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْبِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّ خَوْفُ عَلَيْهِمْ ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ ١٧٠ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَبْرَ أَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١]. قال ابن كثير رحمه الله: «هذه الآيات الكريمة فيها فضيلة الشهداء و کرامتهم، وما مَنَّ الله علیهم به من فضله وإحسانه، وفي ضمنها تسلیة الأحياء عن قتلاهم وتعزیتھم، وتنشيطهم للقتال في سبيل الله والتعرض للشهادة، فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في جهاد أعداء الدين، قاصدین بذلك إعلاء كلمة الله. فلا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواته، فجمع الله لهم بین نعیم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْبِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي: يبشر بعضهم بعضًا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا، ﴿أَلَّخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور، ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلِ﴾ أي: يهنئ بعضهم بعضًا، بأعظم مهناً به، وهو: نعمة ربهم، وفضله، وإحسانه. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَبْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه سعيهم. وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند (١) أضواء البيان ٦/ ٢٣٤. جوبيـ ٢٧٠ القرآن الكريمِ أنه أيد بها نبيه صلى الله عليه وسلم وهو من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة ﴿بَلَ﴾ قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم ﴿أحياء ﴾ في دار كرامته. ولفظ: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يقتضي علوَّ درجتهم، وقربهم من ربهم، ﴿يُّزَقُونَ﴾ من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه إلا من أنعم به عليهم، ومع هذا ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضَّلِهِ﴾ أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به ٦. حسن الثواب على الأعمال بعد قبولها. عیونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص. النعمر ربهم، وفیه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضا، وتبشير بعضهم بعضًا))(١). والتأليف بين القلوب مقصد عظيم من المقاصد التي جاء بها القرآن الكريم، قال ابن عاشور رحمه الله معددًا المقاصد التي جاء بها القرآن والتي منها: ((سياسة الأمة، وهو بابٌ عظيمٌ في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها، كالإرشاد إلى تكوين الجامعة بقوله: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ وَأَذْ كُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِّكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَوْ مِنَ النَّارِ فَأَنَقَذَكَمْ مِّنْهَا ﴾ [آل عمران: ١٠٣].»(٢) (١) تيسير الكريم الرحمن ص ١٥٦. (٢) التحرير والتنوير ٣٩/١. أسباب تثبيت النعم أو زوالها بين القرآن أسباب تثبيت النعم أو زوالها، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يلي: أولًا: أسباب التثبيت والزيادة: ١. الشكر لله سبحانه وتعالى، وأداء ما يترتب على النعمة من واجبات. قرن الله عز وجل في كتابه النعم بالشكر في مواضع من کتابه منها: قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلَا طَيِّبًا وَأَشْكُرُ وَ أْنِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [النحل: ١١٤]. أي: فاشكروا نعمة الله ولا تكفروها، فيحل بكم ما حل بأهل القرية المضروبة مثلًا(٣). وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. أي: لعلكم تشكرون نعمه علیکم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة، والتسهيل والسماحة (٤). وقوله تعالى في ثنائه على سليمان عليه السلام: ﴿فَنَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَِّ أَنْعَمْتَ (٣) التحرير والتنوير ٣٠٩/١٤. (٤) جامع البيان، الطبري ٣/ ٦٠. www. modoee.com ٢٧١ حرفالنون عَنَّ وَعَلَى وَالِدَفَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنهُ المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، فأوصاه الله وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِىِ عِبَادِكَ الصَّلِينَ﴾ [النمل: ١٩]. أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي، من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك(١)، فسأل ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية عليه وعلى والديه(٢). وشكره بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها، ومقابلته منته بالاعتراف والعجز عن الشكر والاجتهاد في الثناء بها على الله، والنعم على الوالدين نعم على أولادهم وذريتهم؛ لأنهم لابد أن ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها، خصوصًا نعم الدين، فإن صلاح الوالدين بالعلم والعمل من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم (٣). وقوله تعالى في ثنائه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ﴿حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنُهُ وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيٌَّ إِ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]. قال علي رضي الله عنه: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أسلم أبواه جميعًا ولم يجتمع لأحد من (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٨٣. (٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٠٢. (٣) المصدر السابق ص ٧٨١. بهما ولزم ذلك من بعده(٤)، فطلب العون من الله على زيادة الإحسان إليهما بأن يلهمه الشكر على نعمه عليه وعلى والديه. وقوله تعالى في معرض امتنانه على لوط عليه السلام ومن آمن معه بإنجائهم من قومهم الكفار: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِلتُّذُرِ ) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ غَيْنَهُمْ بِسَحَرٍ ) نِعْمَةً مِنْ عِندِناً كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٣ - ٣٥]. وقوله تعالى في مدحه لإبراهيم عليه السلام: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةٍ أَجْتَبَهُ وَهَدَنهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]. أي: قائمًا بشکر نعم الله عليه. ولفظ الأنعم في الآية جمع قلة، ونعم الله تعالى على إبراهيم عليه السلام كانت كثيرة، فلم قال: ﴿ شَاكِرًا لِأَنْهُمِةِ﴾ ؟ قال الرازي رحمه الله: ((المراد أنه كان شاکرًا لجمیع نعم الله إن كانت قليلة فکیف الكثيرة؟)»(٥). فالشاکر علی القلیل یشکر إذا أتاه الكثير من باب الأولى، فاشكروا الله اقتداء به لیزیدکم. ودلالة الاقتران بين النعم والشكر أن وَإِذْ الشكر حافظ للنعم، كما قال تعالى: (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦/ ١٩٤. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٤/٢٠. ٢٧٢ مَوَسُو ◌َرُ التقنية جوبي القرآن الكريمِ النعمر تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. ٢. الدعاء والتضرع إلى الله تعالى في الرخاء والشدة. قال تعالى: ﴿وَمَابِكُمْ مِّن نَّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَتَكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]. أي: «ما یکن بکم في أبدانکم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة، وفي أموالكم من نماء، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره؛ لأن ذلك إليه وبيده، فإذا أصابكم في أبدانكم سقم ومرض، وعلة عارضة، وشدة من عيش، فإلى الله تصرخون بالدعاء وتستغيثون به؛ ليكشف ذلك عنكم»(١). والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده»(٢). ٣. التحدث بالنعم. أمر الله نبيه وورثته من بعده بالتحدث بنعم الله علیه، فالتحدث بالنعم شکر لها. قال تعالى: ﴿وَمَّا بِنِعْمَةِ رَيِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. (١) جامع البيان، الطبري ٢٢٤/١٧. (٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٤٢. أي: ((انشر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء، والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شکرٌ))(٣). قال ابن القيم رحمه الله: ((في هذا التحديث قولان: أحدهما: أنه ذكر النعمة والإخبار بها. وقول العبد: أنعم الله علي بكذا وكذا. أي: اذكر نعم الله عليك في هذه السورة من الإيواء مع الیتم، والهدی بعد الضلال، والإغناء بعد العيلة. والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة. قال مجاهد رحمه الله: هي النبوة. وقال الزجاج رحمه الله: أي: بلغ قال السعدي رحمه الله: ((أي: تضجون ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك بالدعاء والتضرع؛ لعلمكم أنه لا يدفع الضر الله (٤). والصواب: أنه يعم النوعين؛ إذ كلّ منهما نعمة مأمور بشکرها، والتحدث بها، وإظهارها من شكرها))(٥). والتحدث بالنعمة له ضوابط: أن يكون التحدث للثقة من الإخوان: عن بعض السلف قال: ((إن التحدث بالنعمة تكون للثقة من الإخوان ممن یثق به)) (٦). (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٢/٢٠. (٤) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٤٠/٥. (٥) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص ٥٧٤. (٦) التحرير والتنوير ٤٠/٣٠. www. modoee.com ٢٧٣ حرف النون تحري الإخلاص: «إن التحدث بالعمل یکون بإخلاصٍ من النية عند أهل الثقة، فإنه ربما خرج إلى الرياء وإساءة الظن بصاحبه)»(١). التحدث ليقتدي به غيره: قال الفخر الرازي رحمه الله: ((إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياءً، وظن أن غيره یقتدي به»(٢). · الإقرار بالمنعم بها، ونفي الندِّ والشريك له. ٤. استخدام النعمة فیما وهبت من أجله. قال العلماء: ((شكر النعمة عبارةٌ عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم)) (٣). فالتصرف بالنعمة بلا بطر، وبلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد، مما يزكي النفس، ويدفعها للعمل الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها. أي: بما جعلت لي من الجاه والعز والنعمة ﴿فَلَنْ أَكُوُّنَ ظَهِيًا﴾ أي: معينًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي: الكافرين بك، المخالفين (١) أحكام القرآن، ابن العربي ٤١١/٤. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠١/٣١، بتصرف. (٣) المصدر السابق ٧٩/١٦. لأمرك (٤). فهو عهد مطلق ألا يقف في صف المجرمين ظهیرًا ومعينًا. قال في التفسير المنير: ((أراد بمظاهرة المجرمين: إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته، وتکثیر سواده، حیث کان یركب برکوبه کالولد مع الوالد، و کان یسمی ابن فرعون، وإما بمظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له قتله))(٥). وقال ابن عاشور رحمه الله: ((أراد بالمجرمين من يتوسم منهم الإجرام، وأراد بهم الذين يستذلون الناس ويظلمونهم»(٦). ومن صور استخدام النعمة فيما وهبت له: إظهار آثارها المقصودة منها: كإظهار النصر للحق بنعمة الشجاعة، وإغاثة الملهوفين بنعمة الكرم، وتثقيف الأذهان بنعمة العلم (٧) . فالشكر سلوك عملي، قال تعالى آمرًا قال تعالى على لسان موسى عليه داود بالشكر العملي: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرَا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. السلام: ﴿قَالَ رَبٍّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيْرًا لِلْمُجْرِمِنَ﴾ [القصص: ١٧]. وظاهر القرآن والسنة: أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر (٤) تفسير القرآن العظيم ٢٠٣/٦. (٥) التفسير المنير، الزحيلي ٢٠/ ٧٥. (٦) التحرير والتنوير ٩٢/٢٠. (٧) المصدر السابق ١/ ٥٢٦. ٢٧٤ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ النصر بالأقوال عمل اللسان (١). ثانيًا: أسباب زوال النعم: وبدارسة أسباب دوام النعم وازدياها قد تكفي لمعرفة زوالها أو نقصانها؛ لأن فقدان أسباب الزيادة والدوام هي أسباب لذهابها ونقصانها، ولكن لمزيد التأكيد والإيضاح نذكر بما يلي: ١. كفران النعمة، ومنع حقوقها. أَلَمَّ قال تعالى في وصف كفار قريش: تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. روى البخاري بسنده، عن عطاءٍ، سمع ابن عباسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللّهِ كُفْرًا﴾، قال: هم كفار أهل مكة(٢). قال ابن كثير رحمه الله: ((وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، ونعمةً للناس، فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار))(٣). وقال تعالى منكرًا على من أشرك في عبادة المنعم غيره: ﴿أَفَبِّالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَإِنِعْمَةِ اَللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. (١) التفسير المنير، الزحيلي ٢٢/ ١٥٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، باب (ألم ترى إلى الذي بدلوا نعمة الله كفرًا)، رقم ٤٧٠٠. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٥٠٨. أي: يؤمنون ((بالأصنام والأنداد، ويسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره)) (٤) وفي هذا المعنى ورد في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة ممتنًا عليه: (ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟)(٥). وقال تعالى في نكران الكافرين شكر نعمة الله عليهم: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُوَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]. أي: ينكرون شكرها، فإن النعمة تقتضي أن یشکر المنعم علیه بها من أنعم عليه، فلما عبدوا ما لا ينعم عليهم فكأنهم أنكروها (٦). وقال تعالى موبخًا المشركين الذين يجازون النعمة بالشرك، بدل الشكر للمنعم المتفضل الوهاب: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ ١٠٠٠ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]. أي: ((أفبنعمة الله التي أنعمها على هؤلاء المشركين من الرزق الذي رزقهم في الدنيا يجحدون بإشراكهم غير الله من خلقه في (٤) المصدر السابق ٤/ ٥٨٧. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، رقم ٢٩٦٨. عن أبي هريرة رضي الله عنه. (٦) التحرير والتنوير ١٤/ ٢٤٢. www. modoee.com ٢٧٥ حرف النون سلطانه وملكه؟))(١). ٢. الغفلة عن الدعاء وقت الرخاء. أخبر الله تعالى فى كتابه عن حالة الإنسان وطبيعته، أنه حین یمسه ضُرُّ، من مرض أو شدة أو کرب يدعوه ملحًا في الدعاء؛ لتفريج ما نزل به، فلما كشف الله ضره وأزال مشقته نسي وعاد بربه كافرًا، ولمعروفه منكرًا. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرُّدَعَا رَبَّهُ, مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةٌ مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُواْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِلًاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبٍ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرُّدَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ [الزمر: ٤٩] للإنسان، ما لم تهتد فطرته إلى الحق، وترجع إلى ربها الواحد، وتعرف الطريق إليه، فلا تضل عنه في السراء والضراء. إن الضرَّ يسقط عن الفطرة ركام الأهواء والشهوات، ويعريها من العوامل المصطنعة التي تحجب عنها الحق الكامن فيها وفي ضمير هذا الوجود. فعندئذ ترى الله وتعرفه وتتجه إليه وحده، حتى إذا مرت الشدة وجاء الرخاء، نسي هذا الإنسان ما قاله في الضراء، وانحرفت فطرته بتأثير الأهواء، وقال عن (١) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٢٩٣. وإنَّمَا أوتِيتَهُ, عَلَى النعمة والرزق والفضل: عِلَّمٍ﴾ قالها قارون، وقالها كل مخدوع بعلم أو صنعة أو حيلة يعلل بها ما اتفق له من مال أو سلطان، غافلًا عن مصدر النعمة، وواهب العلم والقدرة، ومسبب الأسباب، ومقدر الأرزاق» (٢). ٣. البطر واستخدام النعم المادية في ظلم العباد وقهرهم. أخبر تعالى في كتابه عن طبيعة الإنسان أنه جاهل ظالم، حيث إذا أذاقه الله منه رحمة كالصحة والرزق، والأولاد، ونحو ذلك، ثم نزعها منه، فإنه يستسلم لليأس، وينقاد للقنوط، فلا يرجو ثواب الله، ولا يخطر بباله أن الله سیردها أو مثلها، أو خیرًا منها عليه، وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء والآيتان ((تصوران أنموذجًا مكررًا مسته، أنه يفرح ويبطر ويفخر بنعم الله على عباد الله، ويتكبر على الخلق، ويحتقرهم ويزدريهم، ويستثنى من ذلك المؤمنون بالله. قال تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَآءَ مَسَنَّهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ ، إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١٠ - ١١]. وقال سبحانه على لسان موسى عليه السلام لفرعون الذي استعمل نعم الله عليه (٢) في ظلال القرآن ٣٠٥٦/٥. جَوْبُو حَرَ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٢٧٦