Indexed OCR Text
Pages 21-40
النفس
إياها في وجوه الخير، ولا تبخلوا بها، أي:
انتوا في الإنفاق خیرًا لأنفسكم، أو قدموا
خيرًا لها، والظاهر في الآية الإنفاق مطلقًا
من غير تقييدٍ بالزكاة الواجبة، وقيل: المراد
زكاة الفريضة، أو النافلة، أو النفقة في
الجهاد، ومن يوق شح نفسه، فيفعل ما أمر
به من الإنفاق، ولا يمنعه ذلك منه، فأولئك
هم الظافرون بكل خيرٍ، الفائزون بكل
مطلبٍ(١).
وعلى من تكون وجوه الإنفاق في قوله
تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ خَيْرًا لِّأَنْفُسِكُمْ﴾
قال ابن كثير: (( وابذلوا مما رزقكم الله
على الأقارب والفقراء والمساكين وذوي
الحاجات، وأحسنوا إلى خلق الله كما
أحسن إلیکم، یکن خيرًا لكم في الدنيا
والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرًا لكم في
الدنيا والآخرة)»(٢).
ثانيًا: الوسوسة:
جاء ذكر الوسوسة في الحديث كما في
قوله صلی الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز
لأمتي عما وسوست، أو حدثت به أنفسها،
ما لم تعمل به أو تكلم) (٣).
(١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٤٩٤/٣، فتح به نفس كل إنسانٍ: التنبيه على سعة علم
القدير، الشوكاني ٢٨٥/٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤١/٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان،
باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، ١٣٥/٨،
رقم ٦٦٦٤.
وجاء ذكر الوسوسة في القرآن الكريم
كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَنَ
وَنَعْلَمُ مَا تُوَسَّوِسُ بِه نَفْسُهُ، وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ
اَلْوَرِيدِ ﴾ [ق: ١٦].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاَ اَلْإِنْسَنَ﴾
والإنسان يعم جميع الناس ولكن المقصود
منهم أولا المشركون؛ لأنهم المسوق إليهم
هذا الخبر (٤) ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسَوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾﴾
أي: ما يختلج في سره و قلبه وضميره، وفي
هذا تعريضٌ بالإنذار وزجرٌ عن المعاصي
التي يستخفي بها.
﴿وَغَنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِمِنْ حْلِ آلْوَرِيدِ ﴾ هو حبل
العاتق وهو ممتدٌ من ناحية حلقه إلى عاتقه،
وهما وریدان عن یمینٍ وشمالٍ، أو الوريد:
الوتين وهو عرقٌ معلقٌ بالقلب، وهذا تمثيلٌ
للقرب، أي: نحن أقرب إليه من حبل
وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب
المسافة، وقيل: أي ونحن أملك به من حبل
وريده مع استيلائه عليه، وقيل: أي: ونحن
أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده
الذي هو من نفسه؛ لأنه عرقٌ يخالط القلب،
فعلم الرب أقرب إليه من علم القلب. (٥)
وفائدة الإخبار بأن الله يعلم ما توسوس
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور
٢٩٩/٢٦.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٨/١٧ - ٠٩
www. modoee.com
٣٣٩
حرف النون
الله عز وجل بأحوالهم کلها، فإذا كان يعلم
حديث النفس فلا عجب أن يعلم ما تنقص
الأرض منهم، والإخبار عن فعل الخلق
بصيغة الماضي ظاهرٌ، وأما الإخبار عن
علم ما توسوس به النفس بصيغة المضارع
فللدلالة على أن تعلق علمه سبحانه وتعالى
بالوسوسة متجددٌ غير منقضٍ ولا محدودٍ؛
لإثبات عموم علم الله سبحانه وتعالى،
والكناية عن التحذير من إضمار ما لا يرضي
الله.
(ومعنى توسوس: تتكلم كلامًا خفيًا
همسًا، ومصدره الوسواس، والوسوسة
أطلقت هنا مجازًا على ما يجول في النفس
من الخواطر والتقديرات والعزائم؛ لأن
الوسوسة أقرب شيءٍ تشبه به تلك الخواطر
وأحسن ما يستعار لها؛ لأنها تجمع مختلف
أحوال ما يجول في العقل من التقادير وما
عداها من نحو ألفاظ التوهم)) (١).
وعن الآثار المترتبة على الإنسان من علم
الله تعالى بوسوسة النفس، قال العثيمين:
((وإذا كان الله يعلم ما توسوس به النفس
فهذا العلم يوجب لنا مراقبة الله سبحانه
وتعالى، وأن لا نحدث أنفسنا بما يغضبه
وبما يكره، فعلينا أن یکون حدیث نفوسنا
كله بما يرضيه؛ لأنه يعلم ذلك، أفلا يليق
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور
٢٩٩/٢٦ -٣٠٠.
بنا أن نستحي من ربنا عز وجل أن توسوس
نفوسنا بما لا يرضاه؟!))(٢).
ثالثًا: التسويل:
جاء ذكر التسويل في القرآن الكريم
بصيغ عدة، كلها تدور حول المعنى السابق،
ويتضح ذلك مما يلي:
كما في قوله تعالى: ﴿وَجَآءُوعَلَى قَبِصِهِ.
يِدَرٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًاً
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
﴾ [يوسف: ١٨].
١٨
يقول تعالى مخبرًا عن الذي اعتمده إخوة
يوسف بعدما ألقوه في غيابة الجب: إنهم
رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون،
ويظهرون الأسف والجزع على يوسف،
وقالوا معتذرین عما وقع فيما زعموا: إنا
ذهبنا نترامی، وترکنا یوسف عند ثیابنا
وأمتعتنا فأكله الذئب، وهو الذي كان قد
حذر منه، ونحن نعلم أنك لا تصدقنا حتى
لو کنا عندك صادقین، فکیف وأنت تتهمنا
في ذلك؟! لأنك خشيت أن يأكله الذئب،
فأكله.
وجاءوا على قميصه بدم مکذوپ مفترى،
وهو أنهم عمدوا إلى سخلة فذبحوها،
ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن
هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، ولكنهم
(٢) تفسير القرآن الكريم، الحجرات، الحديد ،
ابن عثيمين ص ٨٩.
٣٤٠
القرآن الكريمِ
النفس
نسوا أن يخرقوه؛ فلهذا لم يرج هذا الصنيع رابعًا: الخيانة:
على نبي الله يعقوب، بل قال لهم معرضًا
عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم
عليه: بل سولت لكم أنفسكم أمرًا، فسأصبر
صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي قد اتفقتم
عليه؛ حتى يفرجه الله بعونه ولطفه، والله
المستعان على ما تذكرون من الكذب
والمحال (١).
ثم إن إخوة يوسف لما ذكروا ذلك
الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص
المليء بالدم ﴿قَالَ﴾ يعقوب عليه السلام:
﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾، أي: زينت ﴿لَكُمْ أَنفُسُكُمْ
أَمْرًا﴾ ففعلتموه به (٢).
وقال تعالى: ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ
أَقْرَّ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِ بِهِمْ
جميعًاْ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
[يوسف: ٨٣].
هذه الآية كنظيرتها السابقة، فلما جاءوا
يعقوب وأخبروه بما يجري اتهمهم، وظن
أنها كفعلتهم بيوسف، أي: لما كان صنيعهم
هذا مرتبًا على فعلهم الأول سحب حكم
الأول عليه ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَقْرًّاً
فَصَبْرٌجَمِيلٌ﴾ (٣).
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٥/٤.
(٢) انظر: السراج المنير، الشربيني ٢/ ٩٦.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٤/٤.
جاء ذكر الخيانة في القرآن الكريم بصيغٍ
مختلفة، وفي عدة من الآيات.
قال تعالى: ﴿أُجِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَّامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ مُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنّ
عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَّخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْكَنَ بَشِرُوهُنَّ
وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَىّ
يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ اْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ
اٌلْفَجْرِ ثُمَّ أَيِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ
وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدِّ تِلْكَ حُدُودُ اَللّهِ
فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ فيه دلالةٌ على أن
هذا الذي أحله الله کان حرامًا عليهم، وهو ما
یفیده سبب نزول الآية، وجعل النساء لباسًا
للرجال، والرجال لباسًا لهن لامتزاج كل
واحدٍ منهما بالآخر عند الجماع، کالامتزاج
الذي یکون بین الثوب ولا بسه، فیستره عن
أعين الناس، أو لأن كلا منهما يستر عيوب
الآخر للألفة والطمأنينة التي بينهما، وهو
الأرجح.
وقد كنتم تخونون أنفسكم بالمباشرة
في ليالي الصوم، وأصل الخيانة: أن
يؤتمن الرجل على شيءٍ فلا يؤدي الأمانة
فيه، وسماهم خائنين لأنفسهم؛ لأن ضرر
ذلك عائدٌ عليهم، ثم تاب الله عليكم
www. modoee.com
٣٤١
حرف النون
بقبول التوبة، أو بالتخفيف عنكم بالرخصة
والإباحة، وعفا عنكم بالعفو من الذنب،
وبالتوسعة والتسهيل.
ثم قال: ابتغوا بمباشرة نسائکم حصول
ما هو معظم المقصود من النكاح وهو
حصول النسل، أو ابتغوا مما كتب لكم من
الإماء والزوجات، وكلوا واشربوا إلى سواد
الليل، حتى يمتاز الليل عن النهار، وذلك
لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر، ثم
أتموا الصيام إلى الليل، فعند إقبال الليل
يفطر الصائم ويحل له الأكل والشرب
وغيرهما، ولا تباشروا النساء وأنتم عاكفون
في المساجد، وهذه الأحكام حدود الله،
وأصل الحد: المنع، ومن ذلك سميت
الحدود حدودًا؛ لأنها تمنع أصحابها من
العود. ومعنى النهي عن قربانها: النهي عن
تعدیھا بالمخالفة لھا، والنهي الوارد لیس في
ذات الحدود، بل عن اقترابها في قوله تعالى
بعدها: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ والله تعالى كما بين
لكم هذه الحدود یبین لكم العلامات الهادیة
إلى الحق(١).
وأخرج البخاري عن البراء بن عازبٍ
رضي الله عنه، قال: (کان أصحاب محمدٍ
صلی الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا،
فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل
ليلته ولا یومه حتى يمسي، وإن قيس بن
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢١٤/١-٢١٥.
صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر
الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعامٌ؟
قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك، و کان
يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما
رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار
غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه
وسلم فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ
اُلْصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآپگُمْ﴾ ففرحوا بها فرحًا
شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقِّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ
اَلْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَرِ﴾ (٢).
وأخرج أيضًا عنه رضي الله عنه:(لما
نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء
رمضان كله، وكان رجالٌ يخونون أنفسهم)،
فأنزل الله ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ
أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (٣).
وجاء العتاب في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ
أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وفي ذلك يتساءل الطبري: وما هذه
الخيانة التي كان القوم يختانونها أنفسهم،
التي تاب الله عز وجل منها عليهم فعفا
عنهم؟!
ثم يجيب بنفسه قائلًا: كانت خيانتهم
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصيام،
باب قول الله جل ذكره: (أحل لكم ليلة
الصيام)، ٢٨/٣، رقم ١٩١٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قول الله جل ذكره: (أحل لكم ليلة
الصيام)، ٢٥/٦، رقم ٤٥٠٨.
٣٤٢
القرآن الكريم
النفس
أنفسهم التي ذكرها الله في شیئین، أحدهما:
جماع النساء، والآخر: المطعم والمشرب
في الوقت الذي كان حرامًا ذلك عليهم (١).
ويدلل على إجابته بقول أسنده لكثيرين
أن ناسًا من المسلمين أصابوا النساء
والطعام في رمضان بعد العشاء، منهم
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورجل
من الأنصار، فشكوا ذلك إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿عَلِم
اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ (٢).
ومعنى العتاب في قوله: ﴿مَخْتَانُونَ
أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تخونونها بالمباشرة في
ليالي الصوم، فالاختيان هنا معبرٌ به عما
وقعوا فيه من المعصية بالجماع، وبالأكل
بعد النوم، وكان ذلك خيانةً لأنفسهم؛ لأن
وبال المعصية عائدٌ على أنفسهم، فكأنه
قيل: تظلمون أنفسكم وتنقصون حقها من
الخیر، فتستأثرون أنفسكم فیما نهیتم عنه،
بقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قبول التوبة
من خيانتهم لأنفسهم، فتجاوز عنكم وعفا
عنكم ولم يعاقبكم بما فعلتم، والتخفيف
عنهم بالرخصة والإباحة (٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩٣/٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ٤٩٦/٣.
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢١٣/٢،
تفسير السمرقندي ١٢٤/١، فتح القدير،
الشوكاني ٢١٤/١.
والعتاب أيضًا في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ﴾ أي: إرادة اتقائهم الوقوع في
المخالفة؛ لأنه لو لم یبین لهم الأحکام لما
اهتدوا لطريق الصواب، أو لعلهم يلتبسون
في الإتيان بالمأمورات على وجهها
الصحيح، إذ لو لم يبين الله لهم؛ لأنوا
بعباداتٍ غير مستكملةٍ، وهم وإن كانوا
معذورین عند عدم البيان، وغير مؤاخذین
بإثم التقصير إلا أنهم لا يبلغون صفة
التقوى (٤).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ
بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَنِكَ اَللَّهُ وَلَا تَكُن
لِلْخَلِنِينَ خَصِيمًا
وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ
(١٠٥
اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٦) وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ
يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
خَوَّانَا أَثِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٠٥-١٠٧].
المعنى: ولا تجادل یا محمد صلى الله
عليه وسلم فتخاصم عن الذين يخونون
أنفسهم، يجعلونها خونةً بخيانتهم ما خانوا
من أموال من خانوه ماله وهم بنو أبیرقٍ، فلا
تخاصم عنهم من یطالبهم بحقوقهم، وما
خانوه فیه من أموالهم، فالله لا یحب من كان
من صفته خيانة الناس في أموالهم، وركوب
الإثم في ذلك وغيره مما حرمه الله علیه(٥).
و﴿يَخْتَانُونَ﴾ بمعنى يخونون، وهو
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٦/٢.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٤٧٠.
www. modoee.com
٣٤٣
حرفالنون
افتعالٌ دالٌ على التكلف والمحاولة لقصد لقتادة بن النعمان، وخبأها عند يهودي،
فحلف طعمة ما لي بها علمٌ، ورماه بالسرقة،
المبالغة في الخيانة، ومعنى خيانتهم أنفسهم:
أنهم بارتكابهم ما یضر بهم كانوا بمنزلة من
يخون غيره كقوله:
◌ُ أَنَّكُمْ كُنتُ
عَلِمَ اللهُ
تَمْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: ١٨٧].
فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهودي، فقال
اليهودي: دفعها إلي طعمة، فسأل قوم طعمة
النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادل عن
صاحبهم و أن ییریه (٤).
وكذلك أنفسهم هنا: بمعنى بني أنفسهم،
أي: بني قومهم، كقوله: ﴿تَقْتُلُونَ
أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنَكُمْ مِّن دِيَرِهِمْ﴾
[البقرة: ٨٥].
أي: الذين يختانون ناسًا من أهلهم
وقومهم (١).
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَلْيِنِينَ
خَصِيمًا﴾ وهو طعمة، يعني: مخاصمًا
عنهم، أي: لا تكن معینا مدافعًا عنه، واستغفر
الله مما هممت به من معاقبة اليهودي، وقال
مقاتلٌ: واستغفر الله من جدالك عن طعمة،
إن الله كان غفورًا رحيمًا(٢).
وفي هذه الآية تشريف للرسول صلى
الله عليه وسلم، وتفويض الأمور إليه بقوله:
لتحكم بين الناس بما أراك الله، وتقويم
أيضًا على الجادة في الحكم، وتأنيب على
قبول ما رفع إليه في أمر بني أبيرق بسرعة (٣).
وهذه الآيات وما بعدها نزلت في طعمة
ابن أبيرقٍ، سرق درعًا في جراب فيه دقیقٌ
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٤/٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤٧٦/١،
معالم التنزيل، البغوي ٦٩٩/١.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٠٨/٢.
جوية
الْقُرآن الكَرِيْمِ
وعن قتادة: «ذكر لنا أن هؤلاء الآيات
أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق، وفيما هم
به نبي الله صلی الله علیه وسلم من عذره،
وبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيه
وحذره أن یکون للخائنین خصیمًا »(٥).
وجاء العتاب في توجيه النهي إلى رسول
الله صلی الله علیه وسلم بألا یکون خصيمًا
لأجل الخائنين، أي: مدافعًا عنهم، ويعد
هذا عتاب؛ لأن أسلوبه شديد في موضعیه،
وخرج مخرج التحذير مما يخشى وقوعه
لاحقًا لو تكرر.
خامسًا: المخادعة:
قال تعالى: ﴿ُحَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ
[البقرة: ٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِّعُونَ اللَّهَ
وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
والمخادعة: إظهار غير ما في النفس.
(٤) انطر: الوجيز، الواحدي ص ٢٨٧، البحر
المحيط، أبو حيان ٤ / ٥٥.
(٥) جامع البيان، الطبري ٩/ ١٨٢.
٣٤٤
النفس
وذلك أن المنافقين أبطنوا الكفر وأظهروا عنده أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من
النار؛ استدراجًا لهم.
الإيمان، وإذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا
الله، ونسب ذلك إلی الله تعالی من حیث
أن معاملة الرسول كمعاملته، وذلك كقوله
عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
وعلى هذا يوجه مفهوم المخادعة
أن معناه أنهم يقدرون في أنفسهم أنهم
يخادعون الله، والله هو الخادع لهم، أي
المجازي لهم جزاء خداعهم، وهنا يجدر
التنبيه على أمرين:
أحدهما: فظاعة فعلهم فيما تجرؤوه
من الخديعة، وأنهم بمخادعتهم الرسول
والمؤمنین يخادعون الله.
والثاني: التنبيه على عظم المقصود
بالخداع، وتنبيها على عظم الرسول صلى
الله عليه وسلم، وأن معاملته کمعاملة الله،
وعظم أوليائه (١).
وقوله تعالى: ﴿ُخَدعُونَ﴾ أي: يفعلون
فعل المخادع، فالمخادعة تکون بین اثنین،
فيظهرون خلاف ما يسرون، وکذلك معناه
يخدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فصورة صنیعهم مع الله سبحانه وتعالی من
إظهار الإيمان واستبطان الكفر، وصنع الله
معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم
(١) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص
٧١٢. تاج العروس، الزبيدي، ٢٠/ ٤٩١.
ومعنى ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي:
ما تحل عاقبة الخداع إلا بهم، فدائرة الخداع
راجعة إليهم وضررها يحيق بهم ووبال
فعلهم راجع عليهم، وأنهم في ذلك خدعوا
أنفسهم لما غروها بذلك، فخدعتهم أنفسهم
حيث حدثتهم بالأماني الفارغة وحملتهم
على مخادعة من لا تخفى عليه خافية،
والنفس ذات الشيء وحقيقته، فالمراد
بالأنفس هاهنا ذواتهم.
﴿وَمَا يَشْعُونَ﴾: لا يحسون لذلك
لتمادي غفلتهم، والشعور: الإحساس، أي:
لا يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم (٢).
وعن اعتقاد المنافقين بأنهم ﴿يُحَدِعُونَ
اُللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ وكيف رد الله عليهم،
قال ابن کثیر:
((ولهذا قابلهم على اعتقادهم ﴿مُحَدِعُونَ
اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ
إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ﴾ يقول: وما يغرون
بصنیعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما
يشعرون بذلك من أنفسهم كما قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾
[النساء: ١٤٢])) (٣).
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤٤/١.
التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ٧١.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٧٧.
www. modoee.com
٣٤٥
حرف النون
سادسًا: اتباع الهوى:
غالبًا ما يجيء ذكر الهوى في القرآن
الكريم في مقام الذم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ
مَنْيَمَ الْبَيْنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بُوجِ الْقُدُسِّ أَفَكُلَّمَا جَآءَ كُمْ
رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَىَّ أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَغَرِيقًا
(٨٧) ﴾ [البقرة: ٨٧].
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَّقْتُلُونَ (
يصف الله جل جلاله بني إسرائيل
بالعتو والعناد والمخالفة، والاستكبار على
الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر
أنه آتى موسى التوراة فحرفوها وبدلوها،
وخالفوا أوامرها وأولوها.
وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين
يحكمون بشريعته، فكانت بنو إسرائيل
تعامل الأنبياء عليه السلام أسوأ المعاملة،
ففريقًا يكذبونه، وفريقًا يقتلونه، وما ذاك
إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة
لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة
التي قد تصرفوا في مخالفتها؛ فلهذا كان
يشق ذلك عليهم، فيكذبونهم، وربما قتلوا
بعضهم(١).
وعن سبب التعبير بالهوى عن رفضهم
للحق، قال أبو السعود: ((والتعبير عنه بذلك؛
للإيذان بأن مدار الرد والقبول عندهم: هو
المخالفة لأهواء أنفسهم والموافقة لها لا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢١/١.
شيءٍ آخر» (٢).
والتعبير عن القتل بالمضارع مع كونه
کالتكذيب وقع في الماضي فيه نكتة بلاغية
وهي: تصوير جرم القتل الشنيع واستحضار
هيئته المنكرة، كأنه وقع في الحال؛ للمبالغة
في النعي عليهم وتوبيخهم، حيث أفادت
الآية أنهم بلغوا من الفساد واتباع أهوائهم
أعلى درجة بهم في الضلال، حتى لم يعد
يؤثر في قلوبهم وعظ الرسل وهدیھم، بل
صار يغريهم بزيادة الكفر والتكذيب وقتل
أولئك الهداة الأخيار(٣).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ
إِسْرَّهِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَا كُلَّمَا جَاءَهُمْ
رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىَ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ
وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ {
[المائدة: ٧٠].
٧٠
عن مصير الرسل الذين أرسلوا إلى بني
إسرائيل، يتساءل ويجيب صاحب تفسير
المنار: ((ماذا كان حظ أولئك الرسل من
بني إسرائيل؟ كان حظهم منهم ما أفاده
الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا
جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَى أَنفُسُكُمُ أُسْتَكْبَرْتُمْ﴾
فاتبعتم الهوى وأطعتم الشهوات، وعصيتم
الرسل واحتميتم عليهم أن أنذروكم
ودعو کم إلی أحکام کتابکم ،(٤).
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٢٧/١.
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٣٩٨/٦.
(٤) المصدر السابق ٣١٢/١.
٣٤٦
جَوَسُورَةُ النَِّين
القرآن الكريمِ
النفس
ويفيد قوله: ﴿بِمَا لَا تَهْوَىَّ أَنْفُسُهُمْ﴾
الإشارة إلى زيادة تفظيع حالهم من أنهم
یکذبون الرسل أو یقتلونهم، ولا يلتمسون
لأنفسهم فيها عذرًا من تكليفٍ بمشقةٍ
فادحةٍ، كما فعل المشركون من العرب في
مجيء الإسلام، بل لمجرد مخالفة هوى
أنفسهم بعد أن أخذ عليهم الميثاق فقبلوه،
فتتعطل بتمردهم فائدة التشريع وفائدة طاعة
الأمة لهداتها(١).
الفائدة: هذا تعلیمٌ عظيمٌ للأمم أن تكون
سائرةً في طريق إرشاد علمائها وهداتها،
وأنها إذا أرادت حملهم على مسايرة أهوائها
فقد حق عليهم الخسران كما حق على
بني إسرائيل؛ لأن في ذلك قلبًا للحقائق
ومحاولة انقلاب التابع متبوعًا والقائد
مقودًا، وأن قادة الأمم وعلماءها إذا سايروا
الأمم علی هذا الخلق کانوا غاشین لهم،
وزالت فائدة علمهم وحكمتهم واختلط
الحابل بالنابل
سابعًا: نسيان النفس من الأمر والنهي:
* أَتَأْمُ ونَ النَّاسَ بِأَلْبِرِ
قال تعالى:
وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: ٤٤].
تفسير الآية: هذا خطاب لبني إسرائيل
في أمرٍ يفعله علماؤهم، ويرضى به سائرهم
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٤/٦.
(٢) انظر: المصدر السابق.
وأخلافهم، فيلامون جميعًا عليه، إذ هو
عيب فيهم سلفًا وخلفًا، وهو عيب الناس
إذا ضعف وازع الدین، وهو أن یأمروا الناس
بالحقائق الدينية، ولا يأخذون بهديها، وتلك
إحدى صفات النفاق، فيكون قولهم مخالفا
لفعلهم ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا
تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: ٣].
ولذا خاطبهم الله سبحانه وتعالى
مستنكرًا تلك الحال فيهم، والاستفهام
هنا إنكاري لإنكار واقع حالهم من أنهم
يأمرون الناس بالخير، وينسون أنفسهم، أي:
یتر کونها من غیر توجیه إلیه، فیکونون بمنزلة
من ينسونها، ولا يفكرون في أمرها، مع أن
دواعي التذكير والتفكر في ذات أنفسهم
قائمة؛ لأنهم يتلون الكتاب، فالاستنكار
للحال التي يجتمع فيها الأمر بالخير والحث
عليه مع ترك أنفسهم لا تفعلها، وكأنهم
نسوها ولم یذکروها.
ولذا قال سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ﴾ والاستفهام هنا للتنبيه إلى مناقضة
حالهم للعقل المدرك، فمعنى الاستفهام: أن
حالهم هي حال من لا عقل له ولا إدراك،
و(ألا) هنا: للاستفهام والتنبيه إلى نفي ما
وراءه، والفاء فاء السببية، أي بسبب هذه
الحال يحكم عليهم بأنهم لا يعقلون (٣).
وعن معنى نسيان النفس هنا، قال
(٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢١٥/١.
www. modoee.com
٣٤٧
حرف النون
الطبري: ((ومعنى نسيانهم أنفسهم في هذا حججه، ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه،
وموصلون إلى خلقه ما استودعهم وائتمنهم
الموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه:
﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
عليه، وهم أترك الناس لذلك وأبعدهم من
نفعه وأزهدهم فيه))(٣).
بمعنی: ترکوا طاعة الله فترکهم الله من
ثوابه))(١). وأما الألف في ﴿أَتَأْمُرُونَ﴾ يرى
الزجاج أنها ألف استفهام، ومعناه: التقرير
والتوبيخ ههنا، ثم بين أن المقصود في (البر)
هاهنا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه التمسك بكتابهم، فقد كانوا
يأمرون أتباعهم بالتمسك بكتابهم ویترکون
هم التمسك به.
وليس الأمر بالبر وفعله مقتصرًا على
اليهود، بل على كل مسلم، حيث جاء في
الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض
شفاههم بمقارض من نارٍ، فقلت: من هؤلاء
يا جبريل؟)، فقال: (الخطباء من أمتك،
والثاني: اتباع محمد صلى الله عليه يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم
يتلون الكتاب أفلا يعقلون) (٤).
وسلم؛ لأن جحدهم النبي صلى الله عليه
وسلم هو أصلا ترکهم التمسك بكتابهم.
والثالث: الصدقة، حيث كانوا يأمرون
ببذلها وكانوا يضنون بها؛ لأنهم وصفوا
بقساوة قلوبهم، وأكلوا الربا والسحت (٢).
وعن خطورة هذا الفعل - خاصة من
العلماء - قال الشوكاني: ((وأشد ما قرع الله
في هذا الموضع من يأمر بالخير ولا يفعله
من العلماء الذين هم غير عاملين بالعلم،
فاستنكر عليهم أولًا أمرهم للناس بالبر مع
نسيان أنفسهم في ذلك الأمر الذي قاموا به
في المجامع، ونادوا به في المجالس إيهامًا
للناس بأنهم مبلغون عن الله ما تحملوه من
(١) جامع البيان، الطبري ١/ ٦١٥.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج
١٢٥/١.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٩٢.
(٤) أخرجه أحمد في المسند، رقم ٢١٩٧،
٤/ ٠٧٧
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١/ ٥٨٥، رقم ٢٩١.
٣٤٨
القرآن الكريم
النفس
حفظ النفس وبذلها
أولًا: حفظ النفس:
١. النهي عن قتلها.
جاء النهي عن قتل النفس في عدة آيات.
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ
اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا
لِوَلِيِّهِ، سُلْطَنًا فَلَا يُشْرِفِ فِى الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ
مَنْصُورًا ﴾ [الإسراء: ٣٣].
قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ
اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني: إلا بإحدى ثلاث
مواضع: إِذا قتل أحدًا فيقتص به، أو زنى
وهو محصن فیرجم، أو پرتد فیقتل، ومن
قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سبيلاً وحجة
علیه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، وإن
شاء أخذ الدية إذا اصطلحا، ولا يسرف في
القتل، أي: لا يقتل غير القاتل حمية، ولا
يقتل بعد ما عفا أو أخذ الدية، إنه كان معانًا
من الله تعالى فقد جعل الأمر إليه في القود
(١).
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾: ((علة النهي
على الاستئناف، والضمير إما للمقتول فإنه
منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله وفي
الآخرة بالثواب، وإما لوليه، فإن الله تعالى
نصره حيث أوجب القصاص له وأمر الولاة
بمعونته، وإما للذي يقتله الولي إسرافًا
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٣١٠/٢.
بإيجاب القصاص أو التعزير والوزر على
المسرف»(٢).
واختلفوا في هذا الإسراف الذي منع منه
ولي القتيل، فالذي عليه أكثر المفسرين:
* لا يقتل غير القاتل، وذلك أنهم كانوا في
الجاهلية إذا قتل منهم قتيلٌ لا يرضون
بقتل قاتله حتى يقتل أشرف منه.
أو معناه: إذا كان القاتل واحدًا فلا یقتل
جماعةً بدل واحدٍ، وكان أهل الجاهلية
إذا كان المقتول شريفًا لا يرضون بقتل
القاتل وحده حتى يقتلوا معه جماعةً
من أقربائه.
أو معناه: لا يمثل بالقاتل (٣).
والعتاب جاء هنا لإبطال عادة جاهلية،
وهي قتل البريء بجريرة آخر.
وقد نقل الطبري عن ابن زيد: ((إن
العرب كانت إذا قتل منهم قتيل، لم يرضوا
أن يقتلوا قاتل صاحبهم، حتى يقتلوا أشرف
من الذي قتله، فقال الله جل ثناؤه: ﴿فَقَدْ
جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾ ينصره وينتصف من
حقه ﴿فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ﴾ يقتل بريئًا (٤)
.(
وذكر أيضًا قولًا آخر في هذا الشأن:
((كان المشركون يغتالون أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم، فقال الله جل جلاله:
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣،/ ٢٥٤.
(٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٣٢/٣.
(٤) انظر: المصدر السابق ١٧ / ٤٣٠.
www. modoee.com
٣٤٩
حرفالنون
من قتلکم من المشرکین، فلا يحملنكم قتله
إياكم على أن تقتلوا له أبًا أو أخّا أو أحدًا من
عشيرته، وإن كانوا مشركين، فلا تقتلوا إلا
قاتلكم»(١).
وجاء العتاب أيضًا في قوله: ﴿فَلَا
يُسْرِف﴾ وحول هذا يقول أبو حيان:
((إنما الظاهر والله أعلم النهي عما كانت
الجاهلية تفعله من قتل الجماعة بالواحد،
وقتل غير القاتل، والمثلة، ومكافأة الذي
يقتل من قتله))(٢).
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ
إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن ◌َّرَاضِ مِّنَكُمْ وَلَا
نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا )﴾
[النساء: ٢٩].
أجمل الطبري المعنى في هذه الآية
بقوله: ((يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ
أَنْفُسَكُمْ﴾: ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم
أهل ملةٍ واحدةٍ ودعوةٍ واحدةٍ ودینٍ واحدٍ،
فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضهم
من بعضٍ، وجعل القاتل منهم قتيلًا في قتله
إياه منهم بمنزلة قتله نفسه، إذا كان القاتل
والمقتول أهل يدٍ واحدةٍ على من خالف
ملتهما))(٣).
٢. النهي عن ظلمها.
(١) انظر: المصدر السابق ١٧ / ٤٤٢.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٧ /٤٥.
(٣) جامع البيان، الطبري ٦/ ٦٣٧.
ظلم النفس أنواعٌ مختلفة ودرجات
متفاوتة، فقد يكون ظلمها بالشرك الذي
لا يغفره الله إذا مات العبد عليه قبل التوبة
منه، وقد يكون ظلمها بالمعاصي التي
يكون صاحبها تحت المشيئة إذا لم يتب
منها، وكل أحدٍ ظلم نفسه على قدر درجته
ومنزلته، وظلم النفس إذا أطلق تناول جميع
الذنوب فإنها ظلم العبد نفسه، كما قال
تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ
ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِأَتْخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ
إِلَى بَارِيكُمْ﴾ [البقرة : ٥٤]، وقالت بلقيس:
﴿قَالَتْ رَبِّ إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ
سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وقال
آدم عليه السلام: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا
وَإِن ◌َّرْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَّتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ
(٢٣ )﴾ [الأعراف: ٢٣].
ثم قد یقرن ببعض الذنوب كقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَا
أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥](٤).
و((ظلم النفس هو فعل ما نهى الله عنه
وتوعد عليه، فإن فعله إلقاءٌ بالنفس إلى
العذاب، فكان ظلمًا للنفس» (٥).
وجاء النهي عن ظلم النفس في القرآن
الكريم في العديد من الآيات.
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ
(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٢/٧.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٦/١٠.
٣٥٠
القرآن الكريمِ
النفس
اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ
حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ
أَنْفُسَكُمْ وَقَطِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً
كَمَا يُقَئِلُونَكُمْ كَافَّةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
مَعَ الْمُنَّقِينَ ﴾ [التوبة: ٣٦].
وروى الطبري عن ابن عباس أنه فسر
ضمير فيهن بالأشهر الاثني عشر فالمعنى
عنده: فلا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في
جميع السنة؛ يعني: أن حرمة الدين أعظم من
حرمة الأشهر الأربعة في الجاهلية، ونسب
لغيره أن معنى ذلك: فلا تظلموا في الأربعة
الأشهر الحرم أنفسكم، والهاء والنون عائدةٌ أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
على الأشهر الأربعة (١).
وهناك من يرى أن المراد كل السنة،
فقد أخرج البيهقي عن ابن عباسٍ، قال: ((
لا تظلموا أنفسكم في كلهن، ثم اختص
من ذلك أربعة أشهرٍ فجعلهن حرمًا، وعظم
حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم،
والعمل الصالح بالأجر أعظم)»(٢).
والأنفس تحتمل أنها أنفس الظالمين في
قوله: ﴿فَلا تظلمُوا﴾ أي: لا یظلم كل واحدٍ
نفسه.
ووجه تخصيص المعاصي في هذه
الأشهر بالنهي: أن الله جعلها مواقيت
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٤٤٤.
(٢) انظر: شعب الإيمان، البيهقي، ٣٤٠/٥، رقم
٣٥٢٥.
للعبادة، فإن لم يكن أحدٌ متلبسًا بالعبادة فيها
فلیکن غير متلبسٍ بالمعاصي، وليس النهي
عن المعاصي فيها بمقتضٍ أن المعاصي في
غير هذه الأشهر ليست منهيًا عنها، بل المراد
أن المعصية فيها أعظم وأن العمل الصالح
فيها أكثر أجرًا، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا
فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
فإن الفسوق منهيٌّ عنه في الحج وفي
غيره.
وإضافة الأنفس إلى ضمير المخاطبين:
للتنبيه على أن الأمة كالنفس من الجسد على
حد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُ يُوتًا فَسَلِمُواْ عَلَى
أي: على الناس الذين فيها على أرجح
التأويلين في تلك الآية، والمراد على هذا
تأكيد حكم الأمن في هذه الأشهر، أي: لا
يعتدي أحدٌّ على آخر بالقتال (٣).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ
فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
◌ِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ
يُصِرُ واْ عَلَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آلـ
عمران: ١٣٥].
البلاغة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ
فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ تم عطف
ظلم النفس على فعل الفاحشة مع أن فعل
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور
١٨٦/١٠.
www. modoee.com
٣٥١
حرفالنون
الفاحشة داخل في ظلم النفس، ذلك لأنه
من أبلغ أنواع ظلم النفس، فالفاحشة نوع
من أنواع ظلم النفس، وهو الزنا أو كل
کبیرة، فخص بهذا الإثم تنبيهًا على زيادة
قبحه، وأريد بظلم النفس ما وراء ذلك من
الذنوب (١).
٣. حفظها من الشبهات والشهوات.
جاء الأمر من الله تعالی للإنسان باتباع
دينه وحفظ النفس من الشبهات والشهوات
في العديد من الآيات.
قال تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَاً
أَنْتُمْ وَمَابَا ؤُكُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَيٍّ إِن يَتَّبِعُونَ
إِلَّا الََّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَهُم
مِّن رَّبِِّمُ الْمُدَىَّ ◌َ أَمْ لِلْإِنسَنِ مَا تَمَّى )﴾
[النجم: ٢٣-٢٤].
لما ذكر تعالى ما جاء به محمد صلى الله
علیه وسلم من الهدى ودين الحق، والأمر
بعبادة الله وتوحيده، ذكر بطلان ما عليه
المشركون من عبادة من ليس له من أوصاف
الكمال شيء، ولا تنفع ولا تضر، وإنما هي
أسماء لا حقيقة لها ولا أنزل الله تعالى بها
برهانًا ولا حجة، سماها المشركون هم
وآباؤهم الجهال الضلال، وابتدعوا لها من
الأسماء الباطلة التي لا تستحقها، فخدعوا
بها أنفسهم وغيرهم من الناس، فالآلهة التي
(١) انظر: أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن
غرائب آي التنزيل، الرازي ص ٥٢.
بهذه الحال لا تستحق العبادة، فكل أمر ما
أنزل الله به من حجة وبرهان، فهو باطل
فاسد، لا یتخذ دینا، وهم في أنفسهم ليسوا
بمتبعين لبرهانٍ يتيقنون به، وإنما دلهم على
قولهم الظن الفاسد، وما تهواه أنفسهم من
الشرك والبدع الموافقة لأهويتهم، والظن:
میل النفس إلى أحد معتقدین متخالفین دون
أن یکون میلها بحجة ولا برهان.
وهوی الأنفس: هو إرادتها الملذات لها،
فأينما تجد هوى النفس أبدًا تترك الأفضل؛
لأنها مجبولة بطبعها على حب الملذات،
بينما العقل والشرع يردعها ويسوقها إلى
حسن العاقبة، وقوله: ﴿أَمْ لِلإِنسَنِ مَا تَمَنَّ
(١) فيه توبيخ وإنكار لحالهم ورأيهم،
والهدى المشار إليه محمد صلى الله عليه
وسلم وشرعه (٢).
ثانيًا: بذل النفس:
١. بذلها ابتغاء مرضاة الله تعالى.
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللّهَ أَشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْنُلُونَ
وَيُقْنَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقَّا فِي التَّوْرَةِ
وَاُلْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ،
مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْبِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم ◌ِ.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٠١/٥،
٢٠٢، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٨١٩.
٣٥٢
القرآن الكريم
النفس
﴾ [التوبة: ١١١].
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١)
المعنى: إن الله اشترى من المؤمنين
أنفسهم وأموالهم بالجنة وعدًا عليه حقًا،
وعدهم الجنة جل جلاله، وحقًّا أن يوفي
لهم به في كتبه المنزلة التوراة والإنجيل
والقرآن، إذا هم وفوا بما عاهدوا الله
فقاتلوا في سبيله ونصرة دينه أعداءه فقتلوا
وقتلوا، ومن أحسن وفاءً بما ضمن وشرط
من الله؟! فاستبشروا أيها المؤمنون الذين
صدقوا الله فيما عاهدتم ببيعكم أنفسكم
وأموالكم بالذي بعتموها من ربكم، فإن
ذلك هو الفوز العظيم، فما من مسلمٍ ولله
في عنقه بيعةً وفى بها أو مات عليها فيّ قول
الله، إلا وله الجنة، بايعهم الله فأغلى لهم
(١)
الثمن، فذلك هو الفوز العظيم
وعن كيفية شراء الله المؤمنين أنفسهم
وأموالهم قال صاحب زاد المسير: ((فأما
اشتراء النفس فبالجهاد، وفي اشتراء الأموال
وجهان: أحدهما: بالإنفاق في الجهاد،
والثاني: بالصدقات)»(٢).
وعن سبب تسمية ذلك بيعًا، قال
القرطبي: ((سمى ذلك كله بيعًا وشراءً
على وجه المجاز، تشبيهًا بعقود الأشرية
والبياعات التي تحصل بها الأغراض)) (٣).
ذكر في أسباب النزول أن الآية نزلت في
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥/١٢.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٣٠٢/٢.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥١/٥.
بيعة العقبة لما بايعت الأنصار رسول الله
صلی الله علیه وسلم، و کانوا سبعين رجلاً،
علی أن یعبدوا الله ولا یشرکوا به شيئًا وأن
یمنعوه مما يمنعون أنفسهم، كما يلي:
أخرج الواحدي:(قال محمد بن کعبٍ
القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة، وهم
سبعون نفسًا، قال عبد الله بن رواحة: یا
رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت،
فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا
به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما
تمنعون منه أنفسكم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك
فماذا لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع، لا
نقيل ولا نستقيل. فنزلت هذه الآية) (٤).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى
نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهُ وَاَللَّهُ رَهُوفٌ
بِالْعِبَادِ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧].
قال الرازي: أكثر المفسرين على أن
المراد بهذا الشراء: البيع، وتحقيقه أن
المكلف باع نفسه بثواب الآخرة، وهذا
البيع هو أنه بذلها في طاعة الله من الصلاة
والصيام والحج والجهاد، يبتغي بذلك
ثواب الله، فكان ما يبذله من نفسه كالسلعة،
وصار الباذل کالبائع، والله کالمشتري، وقد
سمى الله تعالى ذلك تجارةً، حيث قال
(٤) أسباب النزول، الواحدي ص ٢٦٦، رقم
٥٢٩.
www. modoee.com
٣٥٣
حرف النون
سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ أَذُلُّكُ عَلَى ◌َِزَقْ نُچِكُرِّنْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُهِدُونَفِ سَبِيلِ
عَذَابٍ أَكْم ®
اَللَّهِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠- ١١](١).
ويعتبر الأخفش أن معنى: ﴿یَشْرِی
نَفْسهُ﴾ من الأضداد، فيقول: «يبيعها، كما
تقول: شریت هذا المتاع أي: بعته، وشریته:
اشتريته أيضًا، يجوز في المعنيين)» (٢).
أخرج الحاكم عن عكرمة قال: (لما
خرج صهيبٌ مهاجرًا تبعه أهل مكة فتثل
كنانته، فأخرج منها أربعين سهمًا، فقال: لا
تصلون إلي حتى أضع في كل رجلٍ منكم
سهمًا، ثم أصير بعد إلى السيف فتعلمون
أني رجلٌ، وقد خلفت بمكة قينتين فهما
لكم، وعن أنسٍ نحوه، ونزلت على النبي
صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ فلما
رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: أبا يحيى
ربح البيع قال: وتلا عليه الآية)(٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اَللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيبِهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا
يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِةِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَنْهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٥٠/٥.
(٢) معانى القرآن، الأخفش ١٧٨/١.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، باب ذكر
مناقب صهيب بن سنانٍ مولى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ٣٩٨/٣، رقم ٥٧٠٠.
وقال عنه: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم
يخرجاه.
وصححه الألباني في فقه السيرة ص١٥٧.
فَسَيُؤْتِهِ أَجْرَاً عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ١٠].
المعنى: إن الذين يبايعونك بيعة
الرضوان بالحديبية تحت الشجرة على
قتال قريشٍ وأن لا يفروا عند لقاء العدو،
ولا یولوهم الأدبار، إنما يبايعون الله،
فأخبر سبحانه وتعالى أن هذه البيعة لرسوله
صلى الله عليه وسلم هي بيعةٌ له؛ فمن يطع
الرسول فقد أطاع الله وذلك لأنهم باعوا
أنفسهم من الله بالجنة؛ لأن عقد الميثاق مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم كعقده مع
الله سبحانه وتعالى من غير تفاوتٍ، كأنهم
يبايعون الله ببيعتهم نبيه، فمن نقض ما عقد
من البيعة فإنما ينقض على نفسه؛ لأن ضرر
ذلك راجعٌ إلیه لا يجاوزه إلى غيره، ومن
أوفى وثبت على الوفاء بما عاهد عليه في
البيعة لرسوله فله الأجر العظيم وهو الجنة،
وجاء عن مجاهد وغيره: يعني: أعراب غفارٍ
ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل، وهم
الأعراب الذين كانوا حول المدينة (٤).
وعن شدة وقوة هذه البيعة قال السعدي:
(«حتى إنه من شدة تأكده أنه قال: ﴿َدُلَّهِ فَوْقَ
أَيْدِيهِمْ﴾ أي: كأنهم بايعوا الله وصافحوه
بتلك المبايعة، وكل هذا لزيادة التأكيد
والتقوية، وحملهم على الوفاء بها، ولهذا
قال: ﴿فَمَنْ تَّكَثَ﴾ فلم يف بما عاهد الله
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٦/٥-٥٧،
محاسن التأويل، القاسمي ٨/ ٤٨٧.
٣٥٤
الْقُرْآن الكَرِيمِ
النفس
عليه ﴿فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: لأن وبال صلى الله عليه وسلم، طلبه أيضًا قوم نوحٍ
من نوحٍ، فأبى (٣).
ذلك راجع إلیه، وعقوبته واصلة له)) (١).
وكذلك عن أهمية هذه البيعة، قال ابن
عاشور: (( وفرع قوله: ﴿فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا
يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ على جملة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ فإنه لما كشف
كنه هذه البيعة بأنها مبايعةٌ لله ضرورة أنها
مبايعةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
باعتبار رسالته عن الله صار أمر هذه البيعة
عظيمًا خطيرًا في الوفاء بما وقع عليه التبايع
وفي نكث ذلك، والكلام تحذيرٌ من نكث
هذه البيعة وتفظيعٌ له؛ لأن الشرط يتعلق
بالمستقبل)» (٢).
وقال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ.
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنَّا
وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ
وَكَانَ أَمْرُهُ فُوْطًا (٦)﴾ [الكهف: ٢٨].
المعنى: في هذه الآية نهى الله جل
جلاله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طرد
ضعفاء المسلمين وفقرائهم، وأمره أن
یصبر نفسه معهم، وأن لا يعدو عيناه عنهم
إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا، فنهاه عن
إطاعة الكفرة في ذلك، وبين أن طرد ضعفاء
المسلمین الذي طلبه کفار العرب من نبينا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٩٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٩/٢٦.
ويأتي الزرقاني بنكتة مهمة تعبر عن دقة
ملاحظته، فيقول: ((ولعلك تلمح معي من
وراء هذا العتاب رحمة الرسول بأعدائه،
وإخلاصه لدعوته، وتفانيه في وظيفته،
وحرصه على هداية الناس أجمعين»(٤).
التوجيه: هو في أمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالتصبر مع المؤمنين، وعدم
ترك عنايته بالفقراء منهم، والانتباه إلى
غيرهم؛ إرادةً لزينة الحياة الدنيا.
٢. إزهاق النفس في مساخط الله تعالى.
إزهاق النفس في مساخط الله تعالى جاء
فى عدة آیات:
قال تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَآ
أَوْلَئِدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
00
[التوبة: ٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبُّكَ أَمَوَلَهُمْ
وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِ الدُّنْيَا
وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
٨٥
[التوبة: ٨٥].
يعني بإزهاق النفس في قوله: ﴿وَتَزْهَقَ
أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ ﴾: تخرج أنفسهم،
فيموتوا على كفرهم بالله وجحودهم نبوة
(٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٧٨/١.
(٤) مناهل العرفان، الزرقاني ٣٩٥/٢.
www. modoee.com
٣٥٥
حرفالنون
نبي الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، يقال ينفقون كارهين فيعذبون بها بإخراج الزكاة
وبما ينفقون في سبيل الله، وقوله: ﴿وَزْهَقَ
منه: زَهَقَتْ نفس فلانٍ، وزَهِقَتْ، ویقال:
زهق الباطل: إذا ذهب ودرس '
٠
أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ ﴾: نص في أن الله يريد
أن يموتوا كافرين، سبق بذلك القضاء (٣).
يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلی الله
عليه وسلم: ولا تعجبك يا محمد أموال
هؤلاء المنافقين وأولادهم، فتصلي على
أحدهم إذا مات وتقوم على قبره من أجل
كثرة ماله وولده، فإني إنما أعطيته ما أعطيته
من ذلك لأعذبه بها في الدنيا بالغموم
والهموم، بما ألزمه فيها من المؤن والنفقات
والزكوات وبما ينوبه فيها من الرزايا
والمصيبات ﴿وَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ﴾ يقول:
ولیموت فتخرج نفسه من جسده، فیفارق ما
أعطيته من المال والولد، فيكون ذلك حسرةً
علیه عند موته و وبالًا علیه حينئذٍ ووبالًا عليه
في الآخرة بموته، جاحدًا توحيد الله ونبوة
نبيه محمد صلی الله عليه وسلم(٢).
فمعنى الآية: أي: لا تستحسن ما
أعطيناهم ولا تمل إلیه فإنه استدراجٌ، وإنما
يريد الله ليعذبهم بها، وقيل: في الكلام
تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنى فلا تعجبك أموالهم
ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله
ليعذبهم بها في الآخرة، وقيل: المعنى فلا
تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله
ليعذبهم بها في الدنيا؛ لأنهم منافقون فهم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٥٠٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ٦١٥/١١.
وعن علة إعطائهم ذلك المال وتكثيره
لهم، قال الجزائري: «ووجه تعذیبھم بها
في الحياة الدنيا أن ما ينفقونه من المال
في الزكاة والجهاد، يشعرون معه بألم لا
نظیر له؛ لأنه إنفاق يعتبرونه ضدهم ولیس
في صالحهم، إذ لا يريدون نصر الإسلام
ولا ظهوره، وزيادة على هذا يموتون وهم
كافرون فينتقلون من عذاب إلى عذاب
أشد» (٤).
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٨/ ١٦٤.
(٤) أيسر التفاسير، الجزائري ٣٨١/٢.
٣٥٦
ـةُ الَِّنَّة
جَوَبُور
القرآن الكريم
النفس
النفس يوم القيامة
أولًا: المحاسبة والمجازاة على
الأعمال:
قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ أَلْيَوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
الْحِسَابِ ﴾ [غافر: ١٧].
يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيله يوم
القيامة حين يبعث خلقه من قبورهم لموقف
الحساب: اليوم يثاب كل عاملٍ بعمله،
فیوفى أجر عمله، فعامل الخير يجزى الخير،
وعامل الشر يجزى جزاءه (١).
فلما قرر أن الملك لله وحده في ذلك
اليوم، أخبر تعالى عن عدله في حکمه بین
خلقه، أنه لا يظلم مثقال ذرةٍ من خيرٍ ولا من
شر، فكل نفس تجزى بما عملت في الدنيا،
وأن الظلم مأمون منه، بل يجزي بالحسنة
عشر أمثالها، وبالسيئة واحدةً؛ ولهذا قال:
﴿لَاُظُلْمَ أَلْيَّوْمَ﴾ لأن الله تعالى ليس بظلام
للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ؛ لأنه لا يشغله
حساب عن حساب فيحاسب الخلق كله
في وقت واحد، أي: يحاسب الخلائق
كلهم كما يحاسب نفسًا واحدةً، وهو أسرع
الحاسبين كما قال: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ
إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [لقمان: ٢٨](٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٩/٢٠.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ١٣٦/٧،
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا
عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُ
لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأْ بَعِيدًاً وَيُحَذِّرُكُمُ
اللّهُ نَفْسَهُ, وَاَللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ()﴾
[آل
عمران: ٣٠].
عما تدل عليه فاصلة الآية.
قال الشوكاني:
((وفي قوله: ﴿وَاللهُرَءُوفٌ يآلعِبَادِ ﴾ دليلٌ
على أن هذا التحذير الشديد مقترنٌ بالرأفة
منه سبحانه بعباده لطفًا بهم)) (٣).
والضمير في قوله: ﴿وَبَيْنَهُ﴾ على هذا
يعود إلى ما عملت من سوءٍ، أو يكون عائدًا
إلى يوم أي: تود أنه تأخر ولم يحضر (٤).
ثانيًا: الشهادة على النفس:
قال تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ أَلْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ
يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَِ
وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءُ يَوْمِكُمْ هَذَأَ قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى
أَنْفُسِنَّا وَغَرَّتْهُمُ الْمَةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ
أَنَّهُوْ كَانُواْ كَفِرِينَ ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
المعنى: أي: يوم نحشر عالم الجن
والإنس ثم نقول لهم: ألم يأتكم رسلٌ؟
فيعترفون بما فيه افتضاحهم، ومعنى
فى الخلق والتكليف والمخاطبة،
ولما كانت الجن ممن يخاطب ویعقل قال:
مدارك التنزيل، النسفي ٢٠٤/٣.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٣٨١/١.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٣/٣.
www. modoee.com
٣٥٧
حرف النون
المعنى: وجاءت يوم ينفخ في الصور
منکم، وإن كانت الرسل من الإنس وغلب
الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر كل نفسٍ ربها، معها سائقٌ يسوقها إلى الله،
وشهيدٌ يشهد عليها بما عملت في الدنيا من
خیر أو شٍ (٣).
على المؤنث، لكن ابن عباس قال:(( رسل
الجن هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه
لکن الطبري أخرج عن ابن عباسٍ، قوله:
﴿وَحَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّعَهَا سَابِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ قال: ((
السائق من الملائكة، والشهيد: شاهدٌ عليه
من نفسه)) (٤).
من الوحي، كما قال: ﴿وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم
مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩])» ويؤكد ذلك أنه
کان قومٌ من الجن استمعوا إلى نبينا صلى
الله عليه وسلم، ثم عادوا إلى قومهم
ونرى أن القولين متقاربان و النص
يحتملهما فالملائكة تسوق المذنبين الى
العقاب، والجوارح تشهد على هؤلاء إذا
انكروا تلك الذنوب والمعاصي.
وأخبروهم، فيقال لهم: رسل الله، وإن
لم ينص على إرسالهم، وقوله: ﴿وَغَرَّتَّهُمُ
اٌلْيَةُ الدُّنيا﴾ أي: إن هؤلاء قد غرتهم الحياة
الدنيا، فخدعتهم وظنوا أنها تدوم، وخافوا
زوالها عنهم إن آمنوا (١).
معنى الشهادة على النفس في قوله
تعالى: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنا﴾ أي: أقررنا
أن الرسل قد بلغونا رسالاتك، وأنذرونا
لقاءك، وأن هذا اليوم كائنٌ لا محالة.
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُواْ عَ
أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة اعترفوا بكفرهم،
﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ﴾ أي: في الدنيا، بما
جاءتهم به الرسل، وهذا حين شهدت عليهم
الجوارح بالشرك وبما كانوا يعملون (٢).
وقال تعالى: ﴿وَحَدَمَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّعَهَا سَآَبِقٌ
وَشَهِيدٌ ﴾ [ق: ٢١].
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٨٥/٧- ٠٨٦
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤١/٣.
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨٧/٧.
ثالثًا: المجادلة عن النفس:
﴿ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ
قال تعالى:
تُجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَقَّ كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١﴾ [النحل: ١١١].
المعنى: يوم تأتي يوم القيامة كل نفسٍ
تحاج عن نفسها بما أسلفت في الدنيا من
خيرِ أو شرٍ، أو إيمانٍ أو كفرٍ، وتسعى في
خلاصها، لا يهمها إلا ذاتها وشأنها، ولا
يغني عنها مال ولا أب ولا ابن ولا أخٌ ولا
زوجةٌ ولا شيء ما، وتوفی کل نفسٍ ما
عملت في الدنيا من طاعةٍ ومعصيةٍ، وهم لا
يفعل بهم إلا ما يستحقونه ويستوجبونه بما
(٣) انظر: مصنف ابن أبي شيبة، ٢١١/٧، رقم
٣٥٤٢١، الزهد، نعيم بن حماد ١٠٦/٢.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٣٠.
٣٥٨
جَوَبُوالَهُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم