Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
النَّفْسَسُ
٧،
عناصر الموضوع
مفهوم النفس
٣٢٠
النفس في الاستعمال القرآني
٣٢١
الألفاظ ذات الصلة
٣٢٢
النفس في حق الله تعالى
٣٢٥
خلق النفس وهدايتها
٣٣٢
حالات النفس
٣٣٤
مسؤولية النفس
٣٣٧
من أمراض النفس الإنسانية
٣٤٩
حفظ النفس وبذلها
٣٥٧
النفس يوم القيامة
المُجَلَّد الثَّالِثِ وَالثَّلاثُونْ
٣٢٦

حرف النون
مفهوم النفس
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: ((نفس، النون والفاء والسين أصل واحد يدل على خروج النسيم كيف
کان، من ربح أو غیرها، وإلیه یرجع فروعه» (١).
ولفظ (النفس) في اللغة يطلق ويراد به معان عديدة، منها:
(النفس) الروح، يقال: خرجت نفسه.
والنفس الجسد، ويقولون: ثلاثة أنفس فیذکرونه؛ لأنهم يريدون به الإنسان.
و(نفس) الشيء عينه يؤكد به، يقال: رأيت فلانًا نفسه وجاءني بنفسه(٢).
ومن معاني (النفس) أيضًا: العظمة والكبر. و(النفس): العزة. و(النفس): الهمة.
و(النفس): الأنفة. و(النفس): عين الشيء وكنهه وجوهره(٣).
والنفس: في كلام العرب يجري على ضربين: أحدهما: خرجت نفسه، أي: روحه.
والثاني: معنى النفس فيه جملة الشيء وحقيقته (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
النفس في اصطلاح العلماء لها عدة معانٍ، منها:
ما ذكره الجرجاني: (( هي الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة
الإرادية)) (٥).
وعرفها الملا علي بأنها: « لطيفةٌ في الجسد تولدت من ازدواج الروح بالبدن واتصالهما
معًا))(٦).
قال المناوي: ((هي جوهر مشرق للبدن، فعند الموت ينقطع ضوؤه من ظاهر البدن
وباطنه)»(٧).
(١) مقاييس اللغة ٥ /٤٦٠.
(٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٣١٦.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٨/١٣.
(٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٥٥٩/١٦.
(٥) التعريفات، الجرجاني ص ٢٤٢.
(٦) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ١٩٠١/٥.
(٧) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣٢٧.
٣٢٠
جَوَسُوع
القرآن الكريم

النفس
النفس في الاستعمال القرآني
وردت مادة (نفس) في القرآن الكريم (٢٩٨) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢٩٥)
مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
المفرد
١٤٠
﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]
الجمع
١٥٥
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ [التكوير: ٧]
وجاءت النفس في القرآن على أربعة أوجه(٢):
أحدها: القلب: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] يعني: القلوب.
الثاني: الجنس والنوع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾
[التوبة: ١٢٨] يعني: من جنسکم.
الثالث: الإنسان، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَّبْنَا عَلَى بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ
نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا
أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] يعني: الإنسان بالإنسان.
الرابع: الروح: ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ﴾
[الأنعام: ٩٣] يعني: أرواحكم.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ١٣٣٥ - ١٣٤١.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٥٠ - ٤٤٩.
www. modoee.com
٣٢١

حرفالنون
الألفاظ ذات الصلة
الروح:
١
الروح لغة:
قال ابن فارس: (روح) الراء والواو والحاء أصل كبير مطرد، يدل على سعة وفسحة
واطراد. وأصل ذلك كله الريح. وأصل الياء في الريح الواو، وإنما قلبت ياء لكسرة ما قبلها.
فالروح روح الإنسان، وإنما هو مشتق من الريح، وكذلك الباب كله. والروح: نسيم الريح.
ويقال أراح الإنسان، إذا تنفس (١).
الروح اصطلاحًا:
قال السهيلي: ((الروح مشتق من الريح وهو جسمٌ هوائي لطيفٌ به تكون حياة الجسد عادةً
أجراها الله تعالى))(٢).
قال العلماء: لا نعلم حقيقتها وهو مما جهل العباد بعلمه مع التيقن بوجوده بدليل قوله
تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
٨٥
[الإسراء: ٨٥].
ووجود الروح أمر متفق عليه في كل الأديان السماوية، كما قال اليهود لقريش: اسألوا
محمداً عن ثلاثة أشياء فإن أخبركم عن شیئین وأمسك عن الثالث فهو نبي، اسألوه عن
أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح (٣).
الصلة بين النفس والروح:
تعددت آراء العلماء في تحديد مفهوم النفس والروح، هل النفس هي الروح أو غيرها؟
فكثرت في ذلك الأقوال:
القول الأول: إن الروح هي النفس وأخذوا بظواهر من الأحاديث ألفاظها محتملةٌ للتأويل
واتساعاتها في الكلام كثيرةٌ، فمما تعلقوا به في أن الروح هي النفس قول بلالٍ: (أخذ بنفسي
الذي أخذ بنفسك) (٤)، مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قبض أرواحنا)(٥)،
(١) مقاييس اللغة ٢ /٤٥٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٦/٥.
(٣) المصدر السابق.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القنوت، رقم ١٣٨/٢،١٥٠٥.
(٥) أخرجه مالك في الموطأ، رقم ٢٦، ٤٦/١ قال الألباني: صحيح.
٣٢٢
جوبيع
القرآن الكريم

النفس
وقوله عز وجل: ﴿اَللَّهُ يَتَوَفِى الْأَنفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢].
القول الثاني: أن النفس غير الروح، وهؤلاء يحتجون بأن الله خلق آدم عليه السلام وجعل
فيه نفسًا وروحًا، فمن الروح عفافه وفهمه وحلمه وسخاؤه ووفاؤه ومن النفس شهوته وطيشه
وسفهه وغضبه ونحو هذا، وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا
فِىِ نَّفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. فلا يحسن ذكر أحدهما في محل الآخر.
القول الثالث: ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء هل الروح هي النفس أو غيرها، ثم
جمع بين الأقوال وقرر أن الروح: ذاتٌ لطيفةٌ كالهواء، ساريةٌ في الجسد كسريان الماء في
عروق الشجر، وأن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن،
واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفسٌ مطمئنةٌ أو أمارةٌ بالسوء، ثم نبه على التوسع
حتى يطلق على الجسد والروح، وجملة ما قاله السهيلي: إن الروح لا يقال هي النفس مطلقًا،
بل يفصل بينهما، فالروح أصل النفس ومادتها، والنفس مركبةٌ منها ومن اتصالها بالبدن، فهي
هي من وجهٍ لا من کل وجهٍ (١).
وقد أيد ابن كثير هذه المعاني - بتعقيبه على أقوال السهيلي - بقوله: (( وهذا معنّی حسنٌ،
والله أعلم))(٢).
الجسد:
٢
الجسد لغة:
قال ابن فارس: (((جسد) الجيم والسين والدال يدل على تجمع الشيء أيضا واشتداده.
من ذلك جسد الإنسان))(٣)، والجسد: البدن. تقول منه: تجسد، كما تقول من الجسم:
تجسم. والجسد أيضًا: الزعفران أو نحوه من الصبغ، وهو الدم أيضًا (٤).
الجسد اصطلاحًا:
الجسد: ((جسم الإنسان، ولا يقال لغيره من الأجسام المغتذية))(٥)، حيث قال الفراهيدي:
((الجسد للإنسان، ولا يقال لغير الإنسان جسدٌ من خلق الأرض)) (٦).
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١١٦/٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) مقاييس اللغة ١/ ٤٥٧.
(٤) انظر: الصحاح، الجوهري ٤٥٦/٢.
(٥) المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٧/ ٢٦٠.
(٦) العين ٦/ ٤٧.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف النون
الصلة بين الجسد والنفس:
اعتبر صاحب تاج العروس أن النفس هي الجسد، حيث قال: (( والنفس: الجسد، وهو
مجازٌ))(١).
وفي هذا المجال يرى السهيلي أن الإنسان روحٌ وجسدٌ، حيث بين رأيه، ثم علله بقوله:
((وقد يعبر بالنفس عن جملة الإنسان روحه وجسده، فتقول: عندي ثلاثة أنفسٍ، ولا تقول:
عندي ثلاثة أرواح)) (٢).
قال ابن جبرين: ((فما دامت الروح في الجسد فإنها تسمى نفسًا وتسمى روحًا، فإذا
خرجت الروح من الجسد فإنها لا تسمی نفسًا غالبًا، وإن كانت قد تسمی بذلك في مثل قول
الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيَدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
يعني: أخرجوا أرواحكم، فإذا خرجت فإنها تقبضها الملائكة وتكفنها، وكذلك قوله
تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَاَلِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] فسماها هاهنا
نفسًا، فما دامت في الجسد فإنها تسمى نفسًا، الله يتوفاها يعني: يقبضها، وبعد قبضها يغلب
عليها اسم الروح، وكذلك في النوم نفس النائم تخرج، ولكنها لا تخرج خروجًا كليًا، بل
يبقى أثرها على البدن)) (٣).
(١) تاج العروس، الزبيدي ١٦ / ٥٦٠.
(٢) الروض الأنف، السهيلي، ١٠٠/٣.
(٣) شرح الطحاوية، ابن جبرين ٥٩/ ٧.
٣٢٤
جوسين
القرآن الكريم

النفس
النفس في حق الله تعالى
جاء ذكر النفس في حق الله تعالى
في مواضع عدة من القرآن الكريم، منها:
قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل
عمران: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى )﴾
[ طه: ٤١].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾
[المائدة: ١١٦].
وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وجاء ذكرها كذلك في السنة في أحاديث
كثيرة، منها:
حديث أبي ذرٍ رضي الله عنه، عن النبي
صلی الله عليه وسلم فيما روى عن الله عز
وجل أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم
على نفسي)(١).
حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (وأعوذ بك منك
لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على
نفسك) (٢).
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب تحريم الظلم، ٤ /١٩٩٤ رقم
٢٥٧٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب ما يقال في الركوع والسجود، ٣٥٢/١،
رقم ٤٨٦.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول
الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه
إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في
نفسي) (٣).
ونقل ابن بطال الإجماع على أن نفس
الله ذاته، حيث قال: ((وما ذكر في الأحاديث
من ذكر النفس فالمراد به إثبات نفس
لله، والنفس لفظة تحتمل معانٍ، والمراد
بنفسه تعالى ذاته، فنفسه ليس بأمر يزيد
علیه، فوجب أن تكون نفسه هي هو، وهذا
إجماع)» (٤).
أقوال العلماء في النفس: اختلف أهل
العلم في النفس المثبتة لله تعالى:
أبو حنيفة النعمان بن ثابت الذي قال
في الفقه الأكبر تحت عنوان: ((القول في
الصفات»:
«وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله
تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في
القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له
صفات بلا کیف، ولا يقال: إن يده قدرته أو
نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل
القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف،
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
التوحيد، باب قول الله تعالى: (ويحذركم
الله نفسه)، ١٢١/٩، رقم ٧٤٠٥، ومسلم في
صحيحه، كتاب الذكر، باب الحث على ذكر
الله، ٤ /٢٠٦١، رقم ٢٦٧٥.
(٤) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ١٠/ ٤٢٧.
www. modoee.com
٣٢٥

حرفالنون
وغضبه ورضاه صفتان من صفات الله تعالى
بلا کیف)» (١).
واستدل ابن عادل على جواز تسمية ذات
الله بالنفس خلال تفسيره للآية: ﴿كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ حيث قال:((
دلت هذه الآية على جواز تسمية ذات الله
سبحانه وتعالى بالنفس، أيضًا قوله تعالى:
﴿تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾
[المائدة: ١١٦] يدل عليه، والنفس هنا بمعنى
الذات والحقيقة، لا بمعنى الجسم والدم؛
لأنه سبحانه وتعالى مقدسُ عنه؛ لأنه لو
کان جسمًا لکان مرکبًا، والمركب ممكن،
وذلك باطلٌ؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١])) (٢).
قال ابن عاشور: (( وفي جواز إطلاق
النفس على ذات الله تعالى بدون مشاكلةٍ
خلافٌ)» (٣).
وما نرجحه هو أن النفس هي ذات الله
سبحانه وتعالى المتصفة، دون تشبيه أو
تمثيل أو تعطيل.
(١) الفقه الأكبر، أبو حنيفة ص ٢٧.
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٧٥/٨.
(٣) التحرير والتنوير ١١٥/٧.
خلق النفس وهدايتها
أولًا: الخلق من نفس واحدة:
جاء ذكر خلق الناس من نفس واحدة
في أربع آيات، منها ثلاث بصيغة الخلق:
(خلقكم) والرابعة بصيغة الإنشاء:
(أنشأكم).
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمْ
الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَجِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيراً وَنِسَاءُ وَّقُواْ اللَّهَ اَلَّذِى تَسََّ لُونَ
بِهِ وَآلْأَرْحَامَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
[النساء:١].
والمعنى: احذروا أيها الناس ربکم في آن
تخالفوا أمره ونھیه، فیحل بکم عقابه، ثم بین
عز وجل أنه خلق جميع الناس من شخصٍ
واحدٍ، يعني: من آدم، وخلق من النفس
الواحدة زوجها؛ أي: امرأتها حواء، فنبههم
بذلك على أن جميعهم بنو رجلٍ واحدٍ وأم
واحدةٍ، وأن حق بعضهم على بعضٍ واجبٌ
وجوب حق الأخ على أخيه؛ لاجتماعهم في
النسب إلى أبٍ واحدٍ وأمٍ واحدةٍ، وأن بعد
التلاقي في النسب إلى آدم مثل الذي يلزمهم
من ذلك في النسب الأدنى؛ ليتناصفوا، ولا
يتظالموا؛ وليبذل القوي من نفسه للضعيف
حقه بالمعروف، على شرع الله، ثم أسند
الطبري هذا القول لعدد من التابعين هم:
٣٢٦
بَرُ النَِّّيَّـ
القرآن الكريمِ

النفس
السدي، وقتادة، ومجاهد (١).
قال ابن كثير: (( يقول تعالى آمرًا خلقه
بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له،
ومنبهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من
نفسٍ واحدةٍ، وهي آدم عليه السلام ﴿وَخَلَقَ
مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء، عليها السلام،
خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه وهو نائمٌ،
فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست
إليه))(٢).
وبین القاسمي أن هذا الخلق یعدمن قدرة
الله الباهرة، و حقیق بالاعتبار، حیث قال عن
ذلك: ((﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنَّقُواْ رَّكُمْ﴾ أي: أخشوه
أن تخالفوہ فیما أمرکم به أو نھاکم عنه، ثم
نبههم على اتصافه بكمال القدرة الباهرة؟
لتأييد الأمر بالتقوى وتأكید إيجاب الامتثال
به على طريق الترغيب والترهيب، بقوله
تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَكُم مِّنْ نَفْسٍ وَحِدَقِ﴾ أي:
فرعکم من أصل واحد وهو نفس أبیکم آدم،
وخلقه تعالى إياهم على هذا النمط البديع
مما يدل على القدرة العظيمة)) (٣).
﴿﴿ هُوَ أَلَّذِى خَلَقَكُمْ
وقال تعالى:
مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ
إِلَيَّهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
وكذلك في هذه الآية المقصود بالنفس
الواحدة هو آدم، وزوجها هي حواء، حيث
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٩/٦ - ٣٤٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٦/٢.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٥/٣.
أخرج الطبري عن قتادة ((قوله: ﴿هُوَ الَّذِى
خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ من آدم)) ويعني
بقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وجعل من
النفس الواحدة وهو آدم زوجها حواء)» (٤).
وقال البغوي: (( قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى
خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَاحِدَةٍ ﴾ يعني: من آدم،
وخلق منها زوجها، يعني:
وَجَعَلَ
حواء، ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليأنس بها ويأوي
إليها، فلما تغشاها، أي: واقعها وجامعها
حملت حملا خفيفًا، وهو أن أول ما تحمل
المرأة من النطفة یکون خفيفًا عليها، فمرت
به، أي: استمرت به وقامت وقعدت به ولم
يثقلها)»(٥).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمْ مِّن نَّفْسِ
وَجِدَةٍ فَسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْفَعُ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ
يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: ٩٨].
معنى الآية: الإنشاء: هو الإحداث
والإيجاد، ولم يبين هنا كيفية إنشائهم من
نفسٍ واحدةٍ، ولكنه بين ذلك في مواضع
أخر بأنه خلق من تلك النفس الواحدة التي
هي آدم زوجها حواء، وبث منهما رجالاً
كثيرًا ونساءً (٦)
(٤) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٦١٧.
(٥) معالم التنزيل، البغوي ٢٥٧/٢.
(٦) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٨٩/١.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف النون
ثانيًا: بيان طريق الهداية والضلال:
ـَهَا
قال تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا) فَـ
◌ُوَرَهَا وَتَقْوَنِهَا (٥) قَدْأَفَلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا وَقَدْ
خَابَ مَن دَسَّنْهَا ﴾ [الشمس: ٧ -١٠].
معنى قوله: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا﴾ أي:
خلقها سويةً مستقيمةً على الفطرة القويمة.
وقوله: ﴿فَمَهَا تُوَرَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾ أي:
فأرشدها إلى فجورها وتقواها، وبين لها
ذلك، وهداها إلى ما قدر لها، فبين لها الخير
والشر (١).
وفي ذلك نقل القرطبي أقوالًا متقاربة
لابن عباس وبعض التابعين، مفادها أن معنی
قوله تعالى: ﴿فَأَهْمَهَا﴾ عرفها طريق الخير
وطريق الشر، أي: عرفها الطاعة والمعصية،
فإذا أراد الله عز وجل ألهم عبده المؤمن
المتقي الخير فعمل به، وإذا أراد به السوء
ألهم الفاجر فجوره والشر فعمل به، كما
قال: ﴿وَهَدَيْنَهُ التَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: ١٠](٢).
وقد بین النبي صلی الله عليه وسلم أن
ذلك لا ينافي وجود الأعمال التي بها تكون
السعادة والشقاوة، وأن من كان من أهل
السعادة فإنه ييسر لعمل أهل السعادة، ومن
كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل
الشقاوة.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١١/٨.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٠/ ٧٥.
ونهی صلى الله عليه وسلم أن يتكل
الإنسان على القدر ويدع العمل، وكل من
اتكل على القدر وترك ما أمر به من الأعمال
الواجبة هو من الأخسرين أعمالًا، وكان من
جملة أهل الشقاوة الميسرين لعمل أهل
الشقاوة؛ لأن أهل السعادة هم الذين يفعلون
المأمور ويتركون المحظورة.
ففي صحيح مسلم عن عمران بن
الحصين رضي الله عنه، قال: (إن رجلين
من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل
الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيءٌ قضي
علیهم ومضی فیهم من قدرٍ قد سبق، أو
فیما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت
الحجة عليهم؟ فقال:) لا، بل شيءٌ قضي
عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في
كتاب الله عز وجل: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنِهَا
فَلْمَهَا لَهُوَّرَهَا وَتَقْوَنِهَا ﴾﴾(٣).
ومعنى سواها في قوله: ﴿وَنَفْسِ وَمَا
سَوَّنَهَا﴾: خلقها وأنشأها وسوى أعضاءها،
والتنكير للتفخيم، و﴿فَمَمَهَا لَهُرَهَا
وَتَقْوَنهَا﴾ أي: عرفها وأفهمها حالهما وما
فيهما من الحسن والقبح، وقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ
مَنْ زَّكَّنْهَا﴾: هو جواب القسم على الراجح،
وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا﴾ أي: خسر
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر،
باب كل ميسر لما خلق له، ٤ /٢٠٤١، رقم
٢٦٥٠.
٣٢٨
صَوَسُو ◌َرُ النَّفِيَّ
جوية
القرآن الكريم

النفس
من أضلها وأغواها، فأخفاها وأهملها ولم
يشهرها بالطاعة والعمل الصالح، والمراد
هنا بالنفس إما: جميع ما خلق من الجن
والإنس، وقيل: المراد نفس آدم (١).
معنى الإلهام في الآية: اختار الزجاج
حمل الإلهام على التوفيق والخذلان،
وذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها
للفجور، حيث قال: (( علمها طريق الفجور
وطريق الهدى، والكلام على أن ألهمها
التقوى وفقها للتقوى، والهمها فجورها
خذلها)) (٢).
١٤
قال تعالى: ﴿بَلِ آلْإِسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (
وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥]
المعنى: بل للإنسان على نفسه من نفسه
رقباء پرقبونه بعمله، ویشهدون عليه به،
يعني: ولو اعتذر بکل عذر وجادل عن نفسه،
فإنه لا ينفعه؛ لأنه قد شهد عليه شاهد من
نفسه، وقيل: معناه ولو اعتذر فعليه من نفسه
ما يكذب عذره، وهذا للإخبار بأن الكافر
يعلم ما فعله؛ لأنهم تشهد عليهم ألسنتهم
وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، إذ هو
قرأ كتاب أعماله، والمقصود بالبصيرة:
إما جوارح الإنسان، كسمعه وبصره
ويده ورجله و جوارحه.
أو ﴿بَلِ﴾ الإنسان شاهدٌ على نفسه
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ /٤٥١، فتح
القدير، الشوكاني ٥٤٧/٥.
(٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٣٢/٥.
وحده.
وأدخلت الهاء في قوله: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ صفةٌ
للذكر، وهي التي يسميها أهل الإعراب هاء
المبالغة، كالهاء في قولهم: داهيةٌ وعلامةٌ
وراويٌ (٣).
والقرطبي أضاف معنىّ ثالثًا نسبه إلى
السدي والضحاك حين قال: « وقيل المراد
بالبصيرة: الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون
منه من خير أو شرٍ، يدل عليه قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ في من جعل المعاذير
الستور)) (٤).
کما وأضاف ابن عاشور معنیّ رابعًا،
وهو قوله: ((ويحتمل أن تكون بصيرةٌ
صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، تقديره: حجةٌ
بصيرةٌ، وتكون بصيرةٌ مجازًا في كونها بينةً
كقوله تعالى: ﴿وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾
[الإسراء: ٥٩].
والتأنيث التأنيث الموصوف، والمعاذير:
اسم جمع معذرةٍ والمعنى: أن الكافر يعلم
يومئذٍ أعماله التي استحق العقاب عليها،
ويحاول أن يعتذر وهو يعلم أن لا عذر له،
ولو أفصح عن جميع معاذيره)»(٥).
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩١/٢٣ -٩٣.
لباب التأويل، الخازن ٤ /٣٧١.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٠/١٩.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤٨/٢٩.
www. modoee.com
٣٢٩

حرفالنون
ثالثًا: إحاطة علم الله بما في النفس:
قال تعالى: ﴿وَلَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا
عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآِ أَوْ أَكْتَنْتُمْ فِىّ
أَنفُسِكُمَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَّا
تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرَّا إِلََّ أَنْ تَقُولُواْ قَوْلًا مَعْرُوفَّاً وَلَا
تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النَّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ
أَجَلَةً، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ
فَأَحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (
٢٣٥
[البقرة: ٢٣٥].
معنى الآية: واعلموا أيها الناس أن الله
يعلم ما في أنفسكم من هواهن، ونکاحهن،
فاحذروا الله واتقوه في أنفسكم أن تأتوا
شيئًا مما نهاكم عنه من عزم عقدة نكاحهن،
واعلموا أن الله ذو سترٍ لذنوب عباده،
وتغطية عليها فيما تكنه نفوس الرجال من
خطبة المعتدات، وذكرهم إياهن في حال
عددهن، أنه ذو أناةٍ لا يعجل على عباده
بعقوبتهم علی ذنوبهم (١).
والهاء في قوله (عليه):
يحتمل أن تعود على الله تعالى، أي:
فاحذروا عقابه.
ويحتمل أن تعود على ما لا يجوز من
العزم، أي: فاحذروا ما لا يجوز ولا
تعزموا عليه.
فلما هددهم بأنه مطلعٌ على ما في
أنفسهم، وحذرهم منه، أردف ذلك
(١) انظر: المصدر السابق ٢٨٦/٤.
بالصفتين ﴿غَفُورُحَلِيمٌ﴾ ليزيل عنهم بعض
روع التهديد والوعيد، والتحذير من عقابه،
ليعتدل قلب المؤمن في الرجاء والخوف(٢).
ويفيد قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ
فَأَحْذَرُوهُ﴾ توعد المصرحين بخطبة النساء
على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء،
وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر (٣).
وقال أبو السعود:(﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
مَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾ من ذوات الصدور التي من
جملتها العزم على ما نهیتم عنه)» (٤).
وقال القاسمي: (( واعلموا أن الله يعلم
ما في أنفسكم من الميل إليهن قبل الأجل
فاحذروه، واعلموا أن الله غفورٌ يغفر ذلك
المیل إذ لم يتعد العزم عقدة النكاح، حليمٌ
لا يعاجل بالعقوبة » (٥).
قال تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ
أَوْ تُخْفُّوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
هذا إخبار من الله جل جلاله أن له ما في
السماوات وما في الأرض، خلق الجميع
ورزقهم ودبرهم لمصالحهم، فكانوا بأوامر
في هذا الوجود إما ظاهرًا وإما على سبيل
الخفية، فيغفر لمن يأتي بأسباب المغفرة،
ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يتب منه،
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٨٤/١، البحر
المحيط، أبو حيان ٥٢٦/٢.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٤١/١.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣٣/١.
(٥) محاسن التأويل، القاسمي ١٦٠/٢.
٣٣٠
جوبيه
القرآن الكريمِ

النفس
وسبحانهعلى كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا
فيّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ﴾
شق ذلك على المسلمین، وظنوا دخول هذه
الخواطر فيه، فنزلت الآية التي بعدها، وفيها
قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾﴾
[البقرة: ٢٨٦].
فبينت أن ما لا طاقة لهم به فهو غير
مؤاخذٍ له، ولا مكلف به (١)، ومرادهم أن
هذه الآية أزالت الإيهام الواقع في النفوس
من الآية الأولى (٢)، وبينت أن المراد بالآية
الأولى: العزائم المصمم عليها (٣).
ومعنى الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم
فتعملوا به أو تخفوه مما أضمرتم ونويتم،
یحاسبکم به الله ويخبر كم به، أو یکون ذلك
في كتمان الشهادة، فإن تعلنوا الشهادة أو
تخفوها یجازیکم بها الله، ثم يغفر للمؤمنين
إظهارًا لفضله، ويعذب الكافرين إظهارًا
لعدله، يدل عليه أنه قال: يحاسبكم به الله،
ولم يقل: يؤاخذكم به، والمحاسبة غير
المؤاخذة (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيٌّ
(١) انظر: روائع التفسير، ابن رجب الحنبلي
١٩٩/١.
(٢) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٢/ ٨٥.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص١٢٠.
(٤) انظر: تفسير السمر قندي ١٨٨/١، معالم
التنزيل، البغوي ١ / ٤٠٠.
أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ جملة شرطية
جوابها: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِ اللّهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ﴾ أي: وإن
تظهروا ما في قلوبكم ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يعني:
تسروه، فلا يطلع عليه أحد، يطلعكم عليه
الله على وجه المحاسبة، ولا يلزم من
المحاسبة العقوبة؛ ولهذا قال: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ (٥).
(٥) انظر: تفسير الفاتحة والبقرة، ابن عثيمين
٠٤٣٣/٣
www. modoee.com
٣٣١

حرف النون
حالات النفس
قسم العلماء النفس تقسيمات عديدة
وفقًا لأحوالها المختلفة، ومن أهم هذه
التقسيمات جعلوا النفوس ثلاثة أنواع:
أولًا: النفس الأمارة بالسوء:
وهي التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل
الذنوب والمعاصي، أي: هي التي تميل إلى
الطبيعة البدنية، وتأمر باللذات والشهوات
الحسية، وتجذب القلب إلى الجهة السفلية،
فهي مأوی الشرور، ومنبع الأخلاق الذميمة،
وهذه هي النفس هي التي توسوس لصاحبها
وتحدثه بالآثام والتي يجب مجاهدتها.
﴿﴿ وَمَا أَبَرِيُ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ
قال تعالى:
لَأَمَّارَةٌ بِالشُّوءِ إِلَّ مَا رَحِمَ رَبِ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
[يوسف: ٥٣].
٥٣
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا
تُوَسَوِسُ بِه نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].
ومقام الوسوسة من العبد مقام النفس
الأمارة بالسوء، فوسوسة العدو في الصدور،
وهو الشيطان المقصود في قوله تعالى:
﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
●﴾ [الناس: ٥].
ووسوسة النفس في القلب (١).
(١) انظر: تفسير السلمي
التستري ٢١١/١.
جَوَسُوعَرَ النَّفْسِي الحضور
القرآن الكريم
ثانيًا: النفس اللوامة:
وهي التي تذنب وتتوب فعندها خيرٌ
وشرّ، لكن إذا فعلت الشر تابت وأنابت
فتسمى لوامةً؛ لأنها تلوم صاحبها على
الذنوب؛ ولأنها تتلوم أي: تتردد بين الخير
والشر (٢).
فهي تلك التي تنورت بنور القلب عن
سنة الغفلة، وكلما صدرت عنها سيئة بحكم
جبلتها أخذت تلوم وتعنف نفسها وتتوب
عنها، وحالت دون التمادي في العصيان،
والتي تلومه كذلك على عدم الاستكثار في
(٣)
الخير (١).
قال تعالى: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِّوْمِ الْقِيَمَةِ وَلَّ
أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة: ١-٢].
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ
وقال تعالى:
فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللّهُ وَلَمْ
١٣٥ ﴾ [آل
يُصِرُّواْ عَ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
عمران: ١٣٥].
ولا يمكن زكاة النفس وطهارتها إلا بعد
محاسبتها، وقد ربط ابن القيم بين هذين
المعنيين حيث قال: «فإن زكاتها وطهارتها
موقوفٌ على محاسبتها، فلا تزكو ولا تطهر
ولا تصلح ألبتة إلا بمحاسبتها، فبمحاسبتها
يطلع على عيوبها ونقائصها، فيمكنه السعي
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢٥/١.
٢/ ٤٣٤، تفسير
(٣) التعريفات، الجرجاني، ص٢٤٣.
٣٣٢

النفس
في إصلاحها)) (١).
ووقت الليل هو أفضل الأوقات لمحاسبة
الإنسان لنفسه، وأكد الماوردي هذا المفهوم
وبين سببه وكيفيته، حيث قال: (( ثم عليه أن
يتصفح في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن
الليل أخطر للخاطر وأجمع للفكر، فإن كان
محمودًا أمضاه وأتبعه بما شاکله وضاهاه،
وإن کان مذمومًا استدرکه إن أمكن وانتھی
عن مثله في المستقبل)) (٢).
ثالثًا: النفس المطمئنة:
وهي التي تحب الخير والحسنات
وتريده، وتبغض الشر والسيئات وتكره
ذلك(٣)، والتي تعتبر الحوادث الحياتية
خيرها وشرها ابتلاء ومحنة، وهي تلك
النموذج الذي يسعى إليه الإنسان المسلم،
وهي التعبير الصادق عن تلك الحالة التي
لا يعرف فيها الفرد أمراض الشبهة والشك
والشهوة والبغي، وهي النموذج الأكمل
للصحة النفسية التي تؤدي إلى الحياة الطيبة
في الدنيا وإلى الفوز والنعيم المقيم في
الآخرة (٤).
٢٧
قال تعالى: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ
أَرْجِعِيٍ إِلَى رَبِّكِ رَضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِ فِي عِبَدِى )
(١) مدارج السالكين، ابن القيم ٢/ ٤٧٧.
(٢) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ٤٥٣.
(٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٢٤٣.
(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٩/ ٢٩٤.
وَأَدْخُلِ جَنَِّ ن﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].
من العلماء من يرى أنها ليست ثلاثة
أنفس، بل الصحيح عندهم أنها نفس
واحدة، فتارة يغلب عليها الاطمئنان
فتوصف بأنها نفس مطمئنة، فيقال: إن هذا
الإنسان نفسه مطمئنة، وتارة يغلب عليها
وصف اللوم، يفعل المرء الشيء ويلوم نفسه
عليه، فيقال: هذا الإنسان نفسه لوامة، وتارة
يغلب عليه السوء والأمر بالسوء، فهي نفس
واحدة تتصف بهذه الصفة تارة، وبهذه تارة،
وهذه تارة، ولا تکون ثلاثة أنفس، وهذا هو
الصحيح من أقوال العلماء(٥).
الخلاصة: إذا كانت النفس تحت أمر الله
تعالى، وزايلها الاضطراب بسبب معارضة
الشهوات سميت مطمئنة، وإذا لم يتم
سكونها وصارت مدافعة لشهوات النفس
أو معترضة عليها سميت لوامة؛ لأنها تلوم
صاحبها على تقصيرها في عبادة مولاها،
وإن تركت الاعتراض وأذعنت لمقتضى
الشهوات ودواعي الشيطان سميت أمارة
بالسوء.
(٥) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف النون
مسؤولية النفس
أولًا: تكليف النفس بقدر وسعها:
جاء هذا المعنى في كثير من الآيات،
ويتضح ذلك مما يلي:
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَأَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾
[البقرة: ٢٨٦].
معنى الآية: ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾: إلا طاقتها
وقدرتها؛ لأن التكليف لا يرد إلا بفعل يقدر
عليه المكلف، أي: لا يكلفها إلا ما يتسع
فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى غاية الطاقة
والمجهود، فلا يكلفها ما لا قدرة لها عليه
لاستحالته، ولا ما يثقل عليها أداؤه، وتحمل
المکروه، ولها ما کسبت من طاعة وعليها ما
اكتسبت من معصية (١).
والوسع هو الطاقة والاستطاعة، والمراد
به هنا ما يطاق ويستطاع، والمستطاع هو
ما اعتاد الناس قدرتهم على أن يفعلوه إن
توجهت إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء
الموانع، وهذا دليلٌ على عدم وقوع التكليف
بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى؛ لعموم
﴿نَفْسًا﴾ في سياق النفي؛ لأن الله تعالی ما
شرع التكليف إلا للعمل واستقامة أحوال
الخلق، فلا یکلفهم ما لا یطیقون فعله، وقد
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢٥٥/١،
الكشاف، الزمخشري ٣٣٢/١.
امتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق ﴿وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
ومن قواعد الفقه العامة ((المشقة تجلب
التيسير)» (٢).
ويتضح هذا المعنى أكثر من خلال
معرفتنا لسبب نزول الآية، كما جاء في
العديد من كتب الحديث:
(( عن ابن عباس قال: (لما نزلت هذه
الآية:
﴿وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ
تُخْفُّوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل
قلوبهم من شيءٍ، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: (قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا) قال:
فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله
تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ لَهَا
مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا
[البقرة: ٢٨٦]) قال:
إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾
قد فعلت (﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاْ إِصْرًا كَمَا
حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦])
قال: قد فعلت (﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا
طَاقَةَ لَنَابِهٌِ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ
مَوْلَئِنَا فَأَنصُْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
﴾ [البقرة: ٢٨٦]) قال: قد فعلت)(٣).
وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ
وقال تعالى:
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٤/٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في
أنفسكم)، رقم ١٢٦، ١١٦/١.
٣٣٤
جوبيبو
القرآن الكريمِ

النفس
أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةُ
وَعَلَى الْمَلُودِ لَُّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُونِّ لَا تُكَلَّفُ
نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].
لا
هذه الآية جاءت بصيغة:
تُكَلَّفُ﴾: قال المفسرون: وعلى المولود
له، يعني: الأب، أي: على الزوج أجر
الرضاع للمرأة المطلقة وطعامها وكسوتها
إذا أرضعت الولد ﴿پالمُعْرُوفِ ﴾ بما يعرفون
أنه عدلٌ علی قدر الإمكان وهو معنى قوله:
﴿لَا تُكَلَُّ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لا تلزم نفسٌ
إلا ما يسعها، يعني: لا يجب على الأب من
النفقة والكسوة إلا مقدار طاقته، وعلى قدر
الميسرة (١).
واعتبر الشوكاني قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ
إِلَّا وُسْعَهَا﴾ هو تقييدٌ بالمتعارف عليه،
حيث قال: ((﴿بِالْعْرُوفِ﴾ أي: هذه النفقة
والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه
الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت
وسعه وطاقته، لا ما يشق عليه ويعجز
عنه»(٢).
الخلاصة: لاحظنا أن تكليف النفس
بوسعها وبما تطيقه جاء في شتى الجوانب
الحياتية العملية، كما تبين من خلال
تفسير الآيات السابقة، سواء أكان ذلك في
المعاملات بين الناس أو النفقة أو العبادات
(١) انظر: الوجيز، الواحدي ص ١٧٢.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٢٨١/١.
أو الكيل والميزان أو غيرها، وهذا يدلل على
يسر وسماحة شرع الإسلام، ومدى توافقه
مع فطرة الإنسان؛ وبالتالي يدلل على رحمة
الله تعالى بعباده ورأفته بهم، وهو ما أكدته
الآيات السابقة، وهي نصّ على أنه تعالى لا
يكلف العبد ما لا يطيقه، بل مع ما يتناسب
ويتوافق مع قدرته وإمكانه.
ثانيًا: تحمل النفس لمسؤولية أعمالها
خيرًا أو شرًا:
الآيات التي تحمل معنى هذا العنوان هي
آيات مكية، وسبب ذلك أن القرآن المكي
أصلًا جاء لغرس العقيدة الصحيحة في
النفوس، وبيان أن عمل کل إنسان مرهون
بذاته، فهو الذي يقرر ماذا يعمل؟ وبالتالي
عليه تحمل نتيجة عمله سواء في الخير أو
الشر.
قال تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ
أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ
[فصلت: ٤٦].
عن معنى الآية وما فيها من بلاغة، يقول
القرطبي: ((قوله تعالى: ﴿مَّنْ عَيِلَ صَلِحًا
فَلَنَفْسِهِ﴾ شرطٌ، وجوابه: ﴿وَمَنْ أَسَلّءُ
فَعَلَيْهَا﴾ والله عز وجل مستغنٍ عن طاعة
العباد، فمن أطاع فالثواب له، ومن أساء
فالعقاب عليه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ
نفى الظلم عن نفسه عز وجل قليله وكثيره،
www. modoee.com
٣٣٥

حرف النون
وإذا انتفت المبالغة انتفى غيرها، دليله قوله
الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِّمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾
[يونس: ٤٤])(١).
وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ
لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
يقول تعالى ذكره لبني إسرائيل فيما قضى
إليهم في التوراة: إن أحسنتم يا بني إسرائيل،
فأطعتم الله وأصلحتم أمركم ولزمتم أمره
ونهيه أحسنتم وفعلتم ما فعلتم من ذلك
لأنفسكم؛ لأنکم إنما تنفعون بفعلتكم ما
تفعلون من ذلك أنفسكم في الدنيا والآخرة،
أما في الدنيا فإن الله يدفع عنکم من بغاكم
سوءًا، وينمي لكم أموالكم، ويزيدكم إلى
قوتكم قوةً، وأما في الآخرة فإن الله سبحانه
﴾
وتعالى يثيبكم به جنانه، ومعنى
فإليها، والمعنى: وإن عصیتم الله ورکبتم
ما نهاكم عنه حينئذٍ، فإلى أنفسكم تسیئون،
لأنکم تسخطون بذلك علی أنفسکم ریکم،
فیسلط علیکم في الدنیا عدوكم، ویمکن
منكم من بغاكم سوءًا، ويخلدكم في الآخرة
في العذاب المهين (٢).
وعن معنى ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ
لِأَنفُسِكُمْ﴾، قال ابن عاشور: ((أننا نرد
أصبحتم في حالة نعمةٍ، فإن أحسنتم كان
جزاؤكم حسنًا وإن أسأتم أسأتم لأنفسكم،
فكما أهلكنا من قبلكم بذنوبهم فقد أحسنا
إليكم بتوبتكم، فاحذروا الإساءة كيلا
تصيروا إلى مصير من قبلكم، وإعادة
فعل أحسنتم تنويةٌ فلم يقل: إن أحسنتم
فلأنفسكم، وأسلوب إعادة الفعل عند إرادة
تعلق شيءٍ به أسلوب عربي فصیح یقصد به
الاهتمام بذلك الفعل)» (٣) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
جَآءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَىْ فَإِنَّمَا
يَهْتَدِى لِنَفْسِةِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنّا
عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٥)﴾ [يونس: ١٠٨].
يقول تعالى آمرًا لرسوله صلى الله عليه
وسلم أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به
من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا
شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع
ذلك الاتباع علی نفسه، ومن ضل عنه فإنما
پرجع وبال ذلك علیه، ویبین لکم الرسول
صلى الله عليه وسلم أنه غير موكلٌ بكم
حتى تكونوا مؤمنين به، وإنما أنا نذيرٌ لكم،
والهداية على الله تعالى (٤).
ومعنى قوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَ كُمُ الْحَقُّ
مِن رَّبِّكُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن،
لكم الكرة لأجل التوبة وتجدد الجيل وقد والثاني: محمد صلى الله عليه وسلم،
ولم يبق لكم عذر، فمن اهتدى بالإيمان
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٧٠/١٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٤٧٨.
جَوَبُور
القرآن الكريم
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣/١٥.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٠/٤.
٣٣٦

النفس
والمتابعة فإنما يهتدي لنفسه؛ لأن نفعه
لها، ومن ضل بالكفر بهما فإنما يكون وبال
ضلاله على نفسه ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلِ﴾
أي: في منعكم من اعتقاد الباطل، ولست
بحفيظ عليكم من الهلاك كما يحفظ الوكيل
المتاع من الهلاك، ولست موكول إلى
أمركم، وإنما أنا بشير ونذير (١).
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٥٤/٢.
أنوار التنزيل، البيضاوي ١٢٦/٣.
من أمراض النفس الإنسانية
إن أمراض النفس الإنسانية متنوعة فمنها
ما يتعلق بالجانب المادي، ومنها بالجانب
المعنوي.
أولًا: الشح:
ومما جاء في الحديث عن ذم الشح
والتحذير منه: عن جابر بن عبد الله رضي
الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، قال: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ
يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك
من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا
دماءهم واستحلوا محارمهم) (٢).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم
قال: خطب رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: (إياكم والشح، فإنما هلك من
كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا،
وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور
ففجروا) (٣).
وبين الفَخْرُ الرازي أن الشح من صفات
النفس، حيث قال: ((واعلم أن الفرق بين
الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع،
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة،
باب تحريم الظلم، ١٩٩٦/٤، رقم ٢٥٧٨.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، بابٌ في الشح،
٢/ ١٣٣، رقم ١٦٩٨.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٥٢١/١، رقم ٢٦٧٨.
www. modoee.com
٣٣٧

حرف النون
والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى
المنح، فلما كان الشح من صفات النفس لا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
جرم قال تعالی: ومن يوق شح نفسه فأولئك
هم المفلحون الظافرون بما أرادوا)) (١).
ذكر الشح:
جاء ذكر الشح في القرآن الكريم في
العدید من الآيات.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ
مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى
صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ
نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[الحشر: ٩].
أخرج البخاري في صحيحه: (عن أبي
هريرة رضي الله عنه، أن رجلًا أتى النبي
صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه
فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (من يضم أو يضيف
هذا) فقال رجلٌ من الأنصار: أنا، فانطلق
به إلى امرأته، فقال: أکرمي ضيف رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا
إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك،
وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا
أرادوا عشاءً، فهيأت طعامها، وأصبحت
سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها
تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٠٨/٢٩.
(ضحك الله الليلة، أو عجب، من فعالكما)
فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَكَ هُمُ
اَلْمُفْلِحُونَ﴾﴾ (٢).
وشح النفس: هو كثرةٌ طمعها، وضبطها
على المال، والرغبة فيه، وامتداد الأمل هذا
جماع شح النفس، وهو داعية كل خلق
سوء، وشح النفس فقرٌ لا یذهبه غنی المال،
بل یزیدہ(٣).
وقال تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُ
وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ
وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(٢)) [التغابن: ١٦].
المعنى: أخبر الله سبحانه وتعالى بأن
الأموال والأولاد فتنة، ثم أمرهم سبحانه
وتعالى بالتقوى والطاعة فقال: فاتقوا الله
ما أطقتم، وبلغ إلیه جهدكم، واسمعوا ما
تؤمرون به، وأطيعوا الأوامر، أي: اصغوا
إلى ما ينزل عليكم وأطيعوا لرسوله فيما
یأمر کم وینھاکم.
وأنفقوا من أموالكم التي رزقكم الله
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب
الأنصار، باب قول الله: (ويؤثرون على
أنفسهم ولو کان بهم خصاصة)، ٣٤/٥،
رقم ٣٧٩٨.
(٣) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٤١٠/٥.
٣٣٨
فَضْو
جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِيَةْ
القرآن الكريم