Indexed OCR Text
Pages 1-20
جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ النَّهَارَ و عناصر الموضوع مفهوم النهار ٤٣٦ النهار في الاستعمال القرآني ٤٣٧ الألفاظ ذات الصلة ٤٣٨ حكمة اقتران النهار بالليل ٤٤٠ ٤٤٢ النهار آية كونية ٤٤٩ القسم بالنهار ٤٥٢ أجزاء النهار ٤٥٥ النهار والعبادة ٤٥٩ النهار والعذاب ٤٦٢ النهار والسعي للمعاش ٤٦٥ النهار والدعوة إلى الله تعالى ٤٦٨ لمسات إعجازية في النهار المُجَلَّدَ الثَّالِثِ وَالثّلاثُونْ حرف النون مفهوم النهار أولًا: المعنى اللغوي النهار مفرد، وجمعها أنهر ونُهْرٌ، ونهر والنهر هو الأخدود الواسع، وما يجري في الأخدود، ونهر أي زجر من الماء، وأنهر الدم: أي جعل الدم يجري جريان الماء في النهر، ومن المعاني أيضًا الضياء، والسعة في الرزق والمقام والمكان، والمقصود بالنهار الضياء الواسع ممتدما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والنهار ضد الليل، يقال: طرفي النهار: أي: أوله وآخره(١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي ذكر العلماء عدة تعريفات اصطلاحية لا تخرج في مضامينها عن التعريفات اللغوية لكلمة النهار، ومن هذه التعريفات ما يأتي: قال الألوسي: النهار هو ((ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس))(٢). وقال ابن باديس: النهار ((هو الوقت الذي يتجلى على جانب الكرة المقابل للشمس فتضیؤه بنورها»(٣). وبعد النظر في التعريفين السابقين، يمكن القول بأن التعريف الأدق للنهار بحسب الأصل هو الفترة الزمنية المبدوءة بطلوع الشمس، والمنتهية بغروبها، أما بحسب الشرع فهو: الفترة الممتدة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٤). (١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣١٨/١٤، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ٢٢٩٢/٣، معجم وتفسير لغوي لألفاظ القرآن، حسن الجمل ١٢٢/٥. (٢) روح البيان، ٢٢٢/٦. (٣) انظر: تفسير ابن باديس ص٤٥. (٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٢٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١٢٨/٥، روح المعاني، الألوسي ٥٨٩/٨، الموسوعة القرآنية، الأبياري ٥٧٤/٨. ٤٣٦ جَوَسُولَةُ النَّفِي القرآن الكريمِ النهار النهار في الاستعمال القرآني وردت كلمة (النهار) في القرآن الكريم (٥٧) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ اَلنَّهَارَ فِي التعريف ٥٤ أَلَّيْلِ﴾ [لقمان التنكير ٣ قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْبِى لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾ [نوح: ٥] وجاء (النهار) في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: ضد الليل، وهو الوقت ما بين طلوع (٢). الفجر - أو الشمس - إلى غروب الشمس (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٧٢٠-٧٢١، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب النون ص١٣٤٨ - ١٣٤٩. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آ بادي، ١٢٨/٥، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٢٢٥/٤. www. modoee.com ٤٣٧ حرفالنون الألفاظ ذات الصلة اليوم ١ اليوم لغة يوم مفرد، جمعها أيام، ويعني المدة من وقت طلوع الفجر إلى غروب الشمس (١). اليوم اصطلاحًا هو مدة زمانية يختلف مقدارها بحسب مراد المتكلم (٢). الصلة بين النهار واليوم أن اليوم يطلق على فترة النهار فقط، ويطلق على مجموع فترتي النهار والليل. الضياء ٢ الضياء لغة أصلها ضوء قلبت الواو إلى ياء لمناسبة الكسرة قبلها(٣)، والضوء هو الإنارة الناجمة عن مصدر ذاتي الإشعاع (٤). الضياء اصطلاحًا هو الإشعاع الشمسي الذي يؤثر في العين فيمكن المبصر من الرؤية (٥). وقال الراغب: ((الضوء ما انتشر من الأجسام النيرة))(٦). الصلة بين النهار والضياء أن الضياء يطلق على الأشعة المنبثقة من الشمس، فتسبب الرؤية، أما النهار فهو الفترة الزمنية التي تضيء خلالها أشعة الشمس القِسْمَ الذي يواجهها من الكرة الأرضية. (١) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ٢٥٢٢/٣. (٢) انظر: المصدر السابق. (٣) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ١٠٧٨. (٤) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، التهانوي ١١٠٩/٢. (٥) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ١٣٧٣/٢، الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله، عبد الله الجربوع ٧٤٧/٢. (٦) المفردات ص٥١٤. ٤٣٨ جَبُوا القرآن الكريمِ النهار الصباح ٣ الصباح لغة هو أول النهار، والصباح مفرد، والجمع أصباحٌ، ويقابل الصباح في الأزمنة المساء(١). الصباح اصطلاحًا هو أول النهار، ويحدد بالفترة التي تسبق أو تَلِيَ شروق الشمس مباشرة(٢). الصلة بين النهار والصباح أن الصباح جزء من النهار، فهو أول النهار، بينما يمتد النهار لفترة أطول، فهو يبدأ بالصباح، ثم يمر بالظهيرة، ثم العصر، ثم يمتد إلى آخر النهار. (١) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٦٨/٣. (٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ١٢٦٢/٢. www. modoee.com ٤٣٩ حرفالنون حكمة اقتران النهار بالليل من حكمة الله تعالى البالغة أن ساق لعباده الآيات الباهرة الدالة دلالة قطعية على وجود الخالق -جل وعلا- وعظمته، ومن هذه الآيات المتعددة والمتنوعة، آيتا الليل والنهار (١). قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ ءَايَنَّيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةٌ لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْتَهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]. ومما لا ینکره عاقل ما الليل والنهار من أهمية بالغة في حياة المخلوقات، فبالليل يكون السكون، وبالنهار يكون السعي، وبهما معًا يكون الحساب الدقيق للأوقات، ومعرفة الأيام والأشهر والسنين، ولولاهما لما ضبطت المواعيد، ولعمت الفوضى، ولاضطربت أحوال الخلق. ونظرًا لما تقدم فقد جاءت العديد من آيات القرآن الكريم مقرنةً بين الليل والنهار، ولعل الحِكَمَ من ذلك ما يأتي: ١. الاستدلال على ربوبية الله تعالى، واستحقاقه الألوهية. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ أَلَّتِى ◌َجْرِى (١) انظر: لباب التاويل، الخازن ١٢٤/٣. فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيْتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. يذكر الله تعالى فى هذه الآية الكريمة جملة من الأدلة المشاهدة المحسوسة، والتي بدورها تبرز وتثبت لكل عاقل يستعمل عقله في التفكر والتدبر والربط والاستنتاج؛ أن الربوبية له تعالی وحده دون سواه (٢). ومن خلال النظر في الآية السابقة يلاحظ ما يأتي: ■ أن الله تعالى يرشد عباده إلى أحقيته بالألوهية وحده دون سواه، ويظهر ذلك من خلال عرضه جل وعلا لجملة من الآيات الكونية ذات الصلة الوثيقة بمعيشة الخلق، وقضاء حوائجهم، وكأنه سبحانه يقول لعباده إن أعظم ما ينفعكم لهو من صنعي، فلا تُعْرِضوا عن عبادتي، ومن المعلوم أنه لا غنى للعباد عن لیل ینامون فیه، ولا عن نهار يبصرون فيه دروبهم، ولا عن التنقل البحري بواسطة الفلك، ولا عن مياه الغيث الذي يجلب أنواع الرزق، ولا عن الرياح الطيبة النافعة. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ١٨٤. ٤٤٠ جوبين القرآن الكريم النهار تأكيد الله تعالى على الأثر النافع لكل صاحب عقل متفكر بآلاء الله تعالی، وتمثل هذا الأثر بالإيمان بالله تعالی، وقد جاء هذا التوكيد من خلال مؤکدین، الأول: حرف التوكيد إن، الثاني: لام التوكيد في ﴿لَآَيَتِ﴾. استخدام الفعل المضارع ﴿يَعْقِلُونَ﴾، ومعلوم أن الفعل المضارع يدل على التجدد، فيكون المعنى أنه كلما فكر العقلاء في آيات الله تعالى أكثر، ازدادت قناعاتهم بوجود الله تعالى ووحدانیته وقدرته أكثر. ٢. إظهار فضل الله تعالى على عباده. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرُ دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ أَلَّلَ وَاَلنَّهَارَ ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٣ - ٣٤]. يبين الله تعالى لعباده أنه أنعم عليهم بأن وفر لهم كافة مستلزماتهم، والتي منها الشمس والقمر، والليل والنهار، ثم أكد سبحانه أنه على الرغم من كل ما أنعم به على عباده إلا أنهم يقابلون هذه النعم بالجحود والنكران (١). ٣. الحث على عمل الصالحات. (١) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري ٥٨/٣-٦٠. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]. يبين الله تعالى لعباده أنه سخر لهم نعمتي الليل والنهار، وجعلهما متعاقبين، بغية تیسیر أداء العبادات الدورية، كالصلوات الخمس، والأذكار، وغيرها من العبادات المتنوعة ذات الصلة بالليل والنهار(٢). (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٢٨/٦. www. modoee.com ٤٤١ حرفالنون النهار آية كونية مما لا شك فيه أن الله تعالى عندما خلق هذا الكون الفسيح أودع فيه من الآيات والأسرار ما يبهر العقول ويقودها إلى معرفة من أوجد تلك الآيات، وأودع تلك الأسرار، ومن هذه الآيات الكونية آية النهار التي قال الله تعالى في شأنها: ﴿وَحَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَّيْنِّ فَحَوْنَاْ ءَايَةَ أَلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةٌ لِتَبَتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْنَهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]. والآية تدل على أن النهار من أعظم ما أنعم الله تعالی به على عباده، کما تدعو إلى التفكر في هذه النعمة العظيمة، وتفصيل ذلك كما سيتم ذكره في النقاط الآتية: أولًا: النهار نعمة إلهية: مما لا شك فيه أن الله تعالى قد أغدق على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة. قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُتْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]. ومن المعلوم أن من بين هذه النعم نعمة النهار، وتتجلى هذه النعمة من خلال آثارها الجليلة، والتي منها ما يأتي: ١. أن النهار آية من آيات الله تعالى التي تهدي إلى الإيمان. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتِ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَفِي خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْثُ مِن دَةٍ عَيْتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَأَخْلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَّا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَلِ مِنِ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَا وَتَصْرِيفِ الْرِيَجِ ءَايَتُ لِقَوْرِيَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣ - ٥]. تشير هذه الآيات الكريمات إلى الدلالات الواضحة التي أودعها الله تعالى في هذا الكون الفسيح، والتي تقود أصحاب العقول النيرة إلى الإيمان بالله تعالى وحده(١)، ومن ضمن الدلالات الكونية التي ذكرتها الآيات الكريمات آية النهار. ٢. أن النهار يشتمل على مواقيت للعبادة. قال تعالى: ﴿ أَقِرِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بإقامة الصلوات ويخص بالذكر صلاة الفجر، ثم يعلل ذلك التخصيص بأن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار(٢). وقال تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى السََّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ اَلْوُسّطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. يأمر الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآية بالمحافظة على الصلوات عمومًا، والصلاة الوسطى أي صلاة العصر (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢ / ٥٩. (٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٧/ ٩٧. ٤٤٢ مُؤَ الَرُ الْمَقِيَّة القرآن الكريم النهار خصوصًا، وذلك لما لها من أهمية بالغة (١)، وقد علل الحق جل وعلا تشديده على المحافظة على الصلاة بأنها ماحية للذنوب والخطايا. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. ٣. أن النهار هام للدعوة إلى الله تعالى. قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيَةٍ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧٢]. يمن الله تعالى على عباده بأنه لم يجعل النهار أبديًا دائمًا، ولو كان ذلك لحدثت اضطرابات واختلالات في النظام الذي اعتاده البشر، حيث إن النهار الذي ينفعهم للحصول علی أرزاقهم لابد وأن يعقبه ليل يسكنون فيه، ويستجمعون فيه طاقاتهم وقواهم(٢)، ومما لاشك فيه أن هذه المنة الإلهية بالطريقة التي عرضها القرآن الكريم تشكل مادة دعوية تخدم الدعاة في دعوتهم إلی الله تعالی. ٤. أن النهار هام لقضيتي طلب الأرزاق، وحساب الأوقات. (١) انظر: معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن الكريم، حسن الجمل ٢٢٤/٥. (٢) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣٨٢/٣. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَّيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةً أَلَيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةٌ لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَضَّلْتَهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]. يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أهمية الليل والنهار للاستدلال على وجود الله تعالى وعظمته (٣)، وبتحليل الآية الكريمة يظهر أن جملتي ﴿لْتَبْتَغُواْ﴾، ﴿وَلِتَعْلَمُواْ﴾ في محل نصب مفعول لأجله، فيكون المعنى: أن الله تعالى قد جعل النهار مضيئًا لسببين، الأول: حتى يتمكن الناس من طلب الأرزاق، الثاني: حتى يعلم الناس الأوقات (٤). ثانيًا: التفكر في آية النهار: حثَّ القرآن الكريم على إعمال العقول في كل أمر يحتاج إلى التفكير والتأمل والتدبر، وذلك يدل على أن القرآن الكريم يتفق مع العلم اتفاقًا كاملًا؛ وذلك لأن الذي نَزَّلَ القرآنَ والذي أَوْدَعَ في الكون أسرار العلوم والمعارف هو اللهُ تعالى، ولا يمكن أن تتعارض أمور مردها إلى الله تعالی. ومن الآيات التي دعا القرآن الكريم إلى تدبرها آیات النهار. (٣) انظر: التفسير الوجيز، الواحدي ص٦٢٩. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٤/١٥- ٤٥. www. modoee.com ٤٤٣ حرف النون قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّتْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًاً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَنْتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧]. یبین الله تعالى لعباده أنه هو الذي جعل لهم اللیل لیسکنوا فيه مما کانوا فيه في النهار من التعب والمشقة، وهو الذي جعل لهم النهار مبصرًا، ليسعوا إلى طلب أرزاقهم، ثم يدعوهم جل وعلا إلى التفكر في عظمة هاتين الآيتين العظيمتين لعلهم يهتدون إلى وجوب إفراده بكل صور العبادة (١). ويلاحظ من الآية السابقة أن التفكر في آيتي الليل والنهار يقود أصحاب العقول السليمة إلى وجوب الاعتراف بوحدانية الله تعالی. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِيَ وَأَنْهَرًّا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]. يبين الله تعالى لعباده أنه أكرمهم بأن جعل لهم الأرض منبسطة ليسيروا فيها، وجعل لهم فيها جبالًا وأنهارًا، كما جعل فيها أصنافًا متعددة من الثمرات الطيبة، وسخر الليل في عقب النهار فتكون الراحة بعد المشقة، ثم يؤكد الله تعالى على أن علة ذلك الإكرام هو حث أصحاب العقول على التفكر في صاحب الجود والكرم الذي (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ١٤٤. جَوْبُور القرآن الكريمِ أکرمهم بکل ما يتنعمون به (٢). ويتضح من الآية السابقة أن التفكر فيما أنعم به الله تعالى على عباده يقود الإنسان إلى معرفة الله تعالى حق المعرفة، وقد جاء عن أحد رعاة الإبل قوله: ((البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، ألا تدل على العليم الخبير))(٣). ويستفاد من الآيتين السابقتين أنه ينبغي على الدعاة أن يوظفوا آيات الله تعالى الكونية في دعواتهم الناس إلى الهدى. ثالثًا: علاقة النهار بالليل: قال تعالى: ﴿يُولِجُ اَلَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَتَّىَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]. يبرهن الله تعالى من خلال هذه الآية الكريمة على أحقيته وحده دون سواه بالعبادة، وذلك من خلال عرضه جل وعلا الآيات الكونية الباهرة المتمثلة في إدخال أجزاء من الليل في أجزاء من النهار والعكس، والمتمثلة كذلك في تسخير الشمس والقمر اللذين يدوران في مدارين (٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٥/٣. (٣) العقيدة في الله، عمر الأشقر ص٧٣. ٤٤٤ النهار محددين لهما (١). ويتبين من الآية السابقة أن علاقة الليل بالنهار هي علاقة ولوج حیث تتداخل أجزاء من النهار في أجزاء من الليل فجرًا، وتتداخل أجزاء من الليل في أجزاء من النهار عند أول الليل. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَا رَوَاسِقَ وَأَتْهَرًّا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]. يبرز الله تعالى لعباده في هذه الآية ما يدعوهم إلى التفكر والتدبر في عظيم الصنعة للاستدلال على عظم الصانع جل وعلا، فالله تعالى هو الذي بسط الأرض، وجعل فيها الجبال الرواسي، وأجرى فيها الأنهار الغنية بالخيرات النافعة للإنسان والحيوان، كما أنعم على عباده بالثمرات المغذية والمطبية، كما ألبس الليل ضوء النهار، وألبس النهار ظلمة الليل (٢). ويفهم من هذه الآية الكريمة أن علاقة الليل بالنهار هي علاقة استبدال، فضوء الشمس بالنهار يزيل ظلمة الليل، وعتمة (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٤٧، كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين، عبد الرحمن التميمي ص٨٨. (٢) انظر: لبّاب التأويل، الخازن ٥/٣. الليل تغطي ضوء النهار(٣). وقال تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ اَلَيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧]. يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن من العلامات الدالة على عظمته جل وعلا انسلاخ النهار من الليل حين يحل الظلام (٤). ويظهر من هذه الآية الكريمة أن علاقة الليل بالنهار علاقة انفصال وانتزاع، حيث ينتزع النهار من الليل حين تشرق الشمس (٥). وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوْرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى أَلَيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرُّ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَتَّىُّ أَلَا هُوَ اَلْعَزِيزُ الْغَفَّرُ﴾ [الزمر: ٥]. يذكر الله تعالى في هذه الاية الكريمة أنه خلق السماوات والأرض، وأنه الذي يلف عتمة الليل بضوء النهار، ويلف ضياء النهار بعتمة الليل، وأنه الذي سخر الشمس والقمر وجعلهما يدوران في مدارین خاصین بهما لا یزیغان عنه حتى يأذن الله تعالى، ثم يقرر سبحانه أنه العزيز القادر على كل شيء، وأنه الغفار الذي لم يعاجل العصاة من عباده بالعقوبة، وبانتزاع ما في بديع صنعه من (٣) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٣٠٦/٣. (٤) انظر: تفسير السمر قندي ١٢٣/٣. (٥) انظر: معجم وتفسير لغوي لألفاظ القرآن الكريم، حسن الجمل ٣٢٨/٢. www. modoee.com ٤٤٥ حرف النون الخيرات والرحمات (١). ويلاحظ من الآية السابقة أن علاقة الليل بالنهار هي علاقة لف وإخفاء، فالليل وإن طالت مدته شتاءًا أو قصرت صيفًا فلا يبدده إلا ضوء النهار، والنهار مهما طال صيفًا، أو قصر شتاءً فلا يغطيه إلا عتمة الليل (٢). وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا أَلَِّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَّيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةً أَلَتْلِ وَحَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبَتَغُواْ فَضْلًا مِن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَاَلِْسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْتَهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]. يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جعل الليل والنهار آيتين دالتين على عظمته وقدرته، ثم حدد الله تعالى أثر النهار على الليل حيث بين أن ضوء النهار يمحو ويبدد عتمة الليل، فیری الناس دروبهم، ويطلبون أرزاقهم، ويضبطون أوقاتهم، ثم يبين الله تعالی أنه قد وضح للناس كل ما يحتاجون إلى توضيحه(٣). ويتضح من الآية السابقة أن علاقة الليل بالنهار هي علاقة محو، حيث يمحو ضوء النهار عتمة الليل فيبصر الناس ما حولهم من الأشياء (٤). (١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٧/٥. (٢) انظر: معجم وتفسير لغوي لألفاظ القرين الكريم، حسن الجمل ٤ /١٠٥. (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٢٤/٣. (٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٣٢/٣. جوبيه القرآن الكريم رابعًا: اختتام آيات النهار بصفات الله والدعوة للتفكر: خلق الله تعالى الجن والإنس ليعبدوه. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ولتحقيق هذه الغاية العظيمة، فقد أعان الله تعالى عباده على الوصول إليه بالمعرفة الحقة، وذلك من خلال آثاره التي تركها في كل ما يحيط بهم من الأشياء، ومن هذه الآثار خلق النهار الذي لا يغفل عن أهميته أحد من الخلق، ومع ذلك فإن القرآن الكريم لم يترك مقامًا ينبغى فيه التذكير بهذه النعمة العظيمة إلا ويذكر بها العباد ويرشدهم إلى ضرورة التفكر في هذه النعمة، وفي عظمة خالقها جل وعلا. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى أَلَّيْلَ اَلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَدِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخََّتٍِ بِأَمْرِيَّةٍ أَلَا لَّهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. يؤكد الله تعالی علی ربوبيته، من خلال بيانه أنه الذي خلق السماوات والأرض، وأنه الذي جعل الليل والنهار، وأنه الذي سخر الشمس والقمر والنجوم بأمره جل وعلا، ثم ختم الله تعالى الآية ببيان أنه المتفرد بالخلق، وأنه صاحب الأمر النافذ في جميع ٤٤٦ النهار خلقه، وأنه رب العالمين جميعًا(١). تعالى عباده إلى التفكر في ما أنعم به عليهم، ويلاحظ من الآية السابقة أن الله تعالى إنما يأتي في سياق هداية الله تعالى عباده إلى طريق الحق والإيمان. قد ختم الآية السابقة بذکر صفة من صفاته، وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهُ يُولِجُ اٌلَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١]. وهي صفة الربوبية؛ وذلك لتقرير أنه سبحانه المتفضل بخلق كل ما ذكر من النعم في هذه الآية الكريمة بواسطة أمره الذي هو جزء من كلامه جل وعلا، وهذا من شأنه أن يقود الناس إلى طريق الهدى والرشاد المتمثل في الإيمان بالله تعالى وحده. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى مَذَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ وَأَتْهَرًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]. يبين الله تعالى في هذه الآية أنه الذي بسط الأرض طولًا وعرضًا، وجعل فيها الجبال الرواسي للأرض، والأنهار الجارية، وأنه الذي جعل في الأرض من جميع صنوف الثمار الطيبة، وجعل فيها الأزواج المختلفة من المخلوقات، وجعل فيها كذلك الليل والنهار، ثم ختم الله تعالى هذه الآية بالتأكيد على فاعلية تلك الآلاء عند أصحاب الفكر السليم في التعريف بخالقها جل وعلا(٢). ويلاحظ من الآية السابقة أن دعوة الله (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ٦٤/٥-٦٨. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٨/١٦ - ٣٣٠. يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يدخل الليل في النهار حتى تقل فترة النهار شتاءً، ويدخل النهار في الليل حتى تقل فترة اللیل صيفًا، ثم يختم سبحانه الآية ببيان أنه متصف بکمال السمع والبصر، وبالتالي فهو سمیع لكل ما يصدر عن عباده، وبصير بكافة (٣) أحوالهم(٣). ويلاحظ أن الله تعالى قد ختم الآية السابقة بإثبات صفتي السمع والبصر لنفسه جل وعلا، ولعل المناسبة في ذلك أنه تعالى لما ذكر وبين في الآية ما يوجب الإيمان به وحده دون سواه، ناسب أن يختم الآية بالتنبيه على أنه جل وعلا بعد ذلك البيان سمیع لما یصدر عن عباده من إیمان أو كفر، بصير بأحوال المؤمنين والمكذبين منهم، وفي ذلك بشری لمن آمن، ووعید لمن کفر. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيَةٍ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧٢]. (٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١٣٥/٣. www. modoee.com ٤٤٧ حرفالنون ينبه الله تعالى عباده في هذه الآية الكريمة إلى واحدة من أعظم نعمه وهي نعمة تعاقب الليل والنهار التي توفر للناس الراحة بعد التعب والمشقة، ويأتي التنبيه من خلال توجيه السؤال للعباد عن حالهم، فيما لو أن الله تعالى قد جعل النهار أبديًّا لهم دون أن یکون هنالك لیل یسکنون فیه، فهل هنالك حينها من سيأتيهم بليل يرتاحون فيه سوى الله تعالى؟، ثم يختم الله تعالى الآية بالسؤال الإنكاري عن عدم إبصار الكافرين المنكرين لهذه الآية الكونية العظيمة التي جعلها الله تعالی هداية وإرشادًا لکل مبصرٍ محقّ يوظف بصره لخدمة ذاته، وإرشاد نفسه إلى طريق الحق الذي لا مریة فیه(١). ويلاحظ أن الآية السابقة قد ختمت بالتنبيه على ضرورة توظيف العقل نعمة الإبصار للنظر الدقيق في عظيم صنع الله تعالى في الكون، وتكمن ضرورة ذلك التوظيف في أنه الطريق إلى الهدى والرشاد، وقد ذم الله تعالى أولئك الذين منحهم أعينًا، ومع ذلك لا يستخدمونها في النظر إلى ما في الكون الذي يعيشون فيه من بديع صنع الله تعالى؛ للاستدلال على وجود خالقهم وعظمته. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ اَلْجِنِّ وَاُلْإِنسِّ لَمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٧٠/٣. جوسين القرآن الكريمِ وَلَهُمْ أَعْيُنٌّ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَانَانٌ لَّا يَسْبَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ اُلْغَفِلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ بُكَوِّرُ أَلَيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى أَلَيْلِّ وَسَخَرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرُّ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَتَّىُّ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّرُ﴾ [الزمر: ٥]. يخبر الله تعالى عباده في هذه الآية أنه الذي أوجد السماوات والأرض، وجعل كلًّا من الليل والنهار يلف الآخر، فالليل يلف النهار بعتمته، والنهار يلف الليل بضوئه، وأنه سبحانه الذي سخر الشمس والقمر، وجعل کل واحدٍ منهما یسیر في مدارٍ خاصّ به بلا توقفٍ حتی یأذن جل وعلا، ثم يختم الآية ببيان أنه العزيز القادر على الانتقام ممن عاين تلك الآلاء فلم يؤمن بها، الغفار لمن نظر في بدیع وعظمة صنعه فآمن بعد ضلال وتیە (٢). والملاحظ في هذا المطلب أن الله تعالى قد ختم آيات النهار تارة بالدعوة إلى التفكر؛ لإظهار حرص الخالق جل وعلا على هداية عباده من خلال العقل الذي منحهم إياه، وتارة أخرى بذکر صفات الله تعالى؛ وذلك لتعريف العباد بخالقهم جل وعلا، وحثهم على الإيمان به، وتخويفهم من إنكاره. (٢) انظر: تفسير السمر قندي ١٧٧/٣. ٤٤٨ النهار القسم بالنهار لم يدع القرآن الکریم أسلوبًا من أساليب التوكيد إلا واستخدمها لإثبات الحقائق ودحض الأباطيل، ومن هذه الأساليب أسلوب القسم، والذي يعرف بأنه: الحلف، أو اليمين(١). وهو من أقوى أساليب توكيد الخبر، ويكون استخدامه في الحالات التي يكون المخاطب منكرًا للخبر الذي أخبر به. وجاء القسم في القرآن الكريم طمأنةٌ لأصحاب الأنفس السوية، وإقناعًا لأصحاب النفوس التي شابتها شوائب الباطل بحقائق هذا الدين الحنيف، وقد جاء المقسم به في القرآن على ضربين، الأول: القسم بذات الله وبصفاته، الثاني: القسم بالمخلوقات، وقد جاء النوع الثاني في القرآن الكريم لأغراض منها: ١. إثباتًا لحقيقة وجود المقسم به، إذا كان مما ينكره بعض الناس، مثل القسم بالملائكة. قال تعالى: ﴿وَالنَّزِعَتِ غَرْقَالُ وَالنَّشِطَتِ نَشْطَالْ وَالسَّبِحَتِ سَبْحَانِ فَالسَِّقَتِ سَبْقَا فَالْمُدََِّّتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ١ -٥]. وقد أقسم الله تعالى في هذه الآيات الکریمات بخمسة أصناف من الملائكة. (١) انظر: العين، الفراهيدي ٨٦/٥. ٢. بيانًا لعظمة المقسم به. لآ يومٍ اقْسِم وذلك كقوله تعالى: اَلْقِيئَةِ﴾ [القيامة: ١]. ٣. لفت الأنظار إلى الكون وما فيه من عجائب. قال تعالى: ﴿وَلَيْلِ إِذَايَفْشَىِ ) وَالتَّهَارِ إِذَا تَجَلَّ ٢) وَمَا خَلَقَ الذُّكْرَ وَالْأَثْقَ﴾ [الليل: ١-٣]. ٤. تأكيد الخبر وتقريره. قال تعالى: ﴿وَالضُّحَىِ ) وَلَيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ -٣]. ٥. إبراز المعقول في صورة المحسوس. قال تعالى: ﴿وَأَلَيْلِ إِذَا عَسْمَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨]. فالقسم في هاتين الآيتين يعطي كلَّ من الليل والنهار صفةً حسیة، فأعطى الليل صفة العسعسة والتي تعني الإقبال والإدبار (٢)، وأعطى النهار صفة التنفس. ٦. الإشارة إلى أحداث تاريخية هامة. قال تعالى: ﴿وَآلِنِّيْنِ وَالزَّيْتُونِ ) وَطُورٍ سِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣]. فالقسم بالتين والزيتون فيه إشارة إلى الحدث الهام الذي شهدته المنطقة المشهورة بزراعته وهو بعثة سيدنا عيسى عليه السلام في فلسطين، والقسم بطور سینین فیه إشارة إلى الحدث الهام الذي وقع على جبل الطور وهو بعثة سيدنا موسى عليه (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٣٩/٦. www. modoee.com ٤٤٩ حرفالنون السلام، والقسم بالبلد الأمين مكة إشارة إلى في إيصالهم إلى الحق من خلال تفكرهم فیمن خلق النهار. بعثة محمد صلی الله عليه وسلم(١). وقد جاء القسم بالنهار في القرآن الكريم على ضربين، هما: القسم بالنهار كله، وقد تكرر القسم به في القرآن الكريم مرتين؛ في قوله تعالى: ﴿وَاَلنَّهَارِ إِذَا جَلَّنْهَا﴾ [الشمس: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّ﴾﴾ [الليل: ٢]. القسم بجزء من النهار، وقد تكرر القسم بجزء من النهار خمس مرات، في قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر: ١]. وفي قوله تعالى: ﴿وَلُّبْحِ إِذَا أَشْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿وَأَلُّبْح إِذَا نَنَفَّسَ﴾﴾ [التكوير: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١]. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ﴾ [العصر: ١]. مما سبق يمكن القول: إن القسم بالنهار كله أو جزء منه قد تكرر في القرآن الكريم سبع مرات، وهذا إن دل فإنما يدل على أهمية النهار عند الخالق والمخلوق، فهو من أعظم الموجودات عند الخلق؛ لدوره في هدايتهم المتمثلة في تمكينهم من إبصار ما حولهم من خلال ضوء النهار، وهو كذلك من أعظم المخلوقات عند الخالق جل وعلا؛ لدوره في هداية الخلق المتمثل وقد جاء القسم بالنهار وأجزائه لعدة أغراض هي: ١. الحث على تزكية النفس، والتحذير من الفجور. يتضح ذلك من خلال قسمه جل وعلا في سورة الشمس بعدة أمور من ضمنها النهار الواضح المضيء على ضرورة تعويد النفس على فعل الخيرات واجتناب المنكرات(٢)، قال تعالى في بيان جواب القسم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّنَهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. ٢. التاکید علی تباين أعمال العباد. يظهر ذلك من خلال قسمه جل وعلا في سورة الليل بعدة أمور منها النهار المضيء على اختلاف أعمال العباد، فمن أعمالهم ما هو صالح، ومنها ما هو طالح، قال تعالى في جملة جواب القسم: ﴿إِنَّ سَعْكٌ لَشَقَّ﴾ [الليل: ٤]. ٣. وعد المؤمنين بالتمكين في الأرض، والغلبة على عدوهم الكافر. يفهم ذلك من قسمه جل وعلا في سورة الفجر بالفجر الذي يرمز إلى زوال ظلمة البغي، وسطوع نور الحق، كما يجلي ضوء النهار ظلمة الليل، دل على ذلك (٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٧١١/٤. (١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٧٤٥/٣. جونيو القرآن الكريم ٤٥٠ النهار جواب القسم وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ من عذاب الله تعالى. فَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. وإن قيل بأن جواب القسم مضمر فتقديره: لينصرن الله المؤمنين، ولیقهرن الكافرين، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ اَلْبِلَدِ ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ ى وَفِرْعَوْنَ ذِى اُلْأَوْنَادِ ، الَّذِينَ طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ ﴿ فَأَكْثَرُواْ فِيَهَا الْفَسَادَ ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ٨ - ١٣]. وقد نزلت سورة الفجر إبان احتدام المعركة بين الحق المتمثل في الإيمان، والباطل المتمثل بالكفر (١). ٤. التخويف من عذاب الله تعالى. يتضح ذلك من قسمه جل وعلا في سورة المدثر بعدة أمور من ضمنها الصبح إذا أضاء على أن سقر أي: جهنم، هيإحدى الكبر أي: الأمور العظيمة(٢). قال تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الكُبرِ ﴾ نَذِيرًا ◌ِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٥-٣٦]. وجاءت ﴿نذيراً﴾ منصوبة على أنها حال متعلق بفاعل قم المضمر في أول السورة(٣) في قوله تعالى: ﴿قُرْقَنَذِرْ﴾ [المدثر: ٢]. فیکون المعنی: قم یا محمد نذيرًا للناس (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٢٤/٤. (٢) انظر: تفسير السمر قندي ٥١٨/٣. (٣) انظر: مشكل إعراب القرآن، مكي بن أبي طالب ٢/ ٧٧٤. ٥. إثبات أن القرآن حق من عند الله تعالی. ويتجلى ذلك من خلال قسمه جل وعلا في سورة التكوير بعدة أمور منها الصبح إذا أشرق على أن القرآن منزلٌ بواسطة الوحي جبريل عليه السلام على محمد صلى الله علیه وسلم. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍكَرِيمٍ ﴾ ذِى قُوَّقِ عِنْدَ ذِى الْعَشِ مَكِينٍ ﴾ قُطَاعِ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩-٢١]. ٦. التأكيد على عدم انقطاع الوحي عن رسول الله محمد صلی الله عليه وسلم. يظهر ذلك من خلال قسم الله تعالى في سورة الضحى بالضحى، وبالليل إذا سكن(٤)، على أن الله تعالى لم يترك محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولم يبغضه، ولم يقله من المهمة التي أسندها إليه، قال تعالى في ذكر جواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَ﴾ [الضحى: ٣]. ٧. حث الناس على المسارعة إلى عمل الصالحات. يتضح ذلك من القسم بالعصر في سورة العصر على أن الإنسان لفي خسارة، باستثناء المؤمنين المداومين على عمل الصالحات، ومن الملاحظ أن السورة الكريمة قد (٤) انظر: معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن الكريم، حسن الجمل ٢٩١/٢. www. modoee.com ٤٥١ حرف النون وظفت أساليب التوكيد الثلاثة القسم في ﴿وَاَلْعَصْرِ﴾، وحرف التوكيد إن في إِنَّ الْإِنسَنَ﴾، ولام التوكيد في ﴿لَفِى﴾ للتشديد على أهمية المسارعة إلى عمل الصالحات. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى [العصر: ١ - ٢]. كما جاء القسم بالعصر للحث على المسارعة إلى فعل الخيرات، فلا متسع في الوقت أمام الإنسان؛ فالزمن في آخره، كما أن العصر في آخر النهار. أجزاء النهار اقتضت حكمة الله تعالی أن یقسم الليل والنهار إلى أجزاء؛ وذلك حتى يعين عباده علی ذکره وحسن العبادة له، فمع كل جزء هنالك ذكر أو عبادة ينبغي على المؤمن ألا يفوتها حتى ينال أجرها من الله تعالى، وبما أن هذا البحث خاص بالنهار فسيكون الحديث عن أجزاء النهار فقط وهي كما يأتي: أولًا: أول النهار: ١. الفلق وهو مبدأ ظهور النور صباحًا(١). وهو مفرد جمعه أفلاق وفُلْقان(٢)، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ [الفلق: ١]. ٢. الصبح وهو أول النهار(٣). وصبح مفرد جمعها أصباح(٤)، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم في عدة مواضع منها قوله تعالى: ﴿وَلِصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]. وقوله تعالى: ﴿فَلْغِيَرَتِ صُبْحًا﴾ [العاديات: ٣]. (١) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص ٦٢٥. (٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣١١/٢٦. (٣) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص ٦٢٥. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٠٢/٢. ٤٥٢ البَشَبـ جوي القرآن الكريم قَضوري النهار ٣. الفجر وهو ضياء الصباح(١). وهو وقت انكشاف ضياء الصباح قبیل الشروق(٢)، والفجر فجران، الأول: المستطيل ويطلق عليه ذنب السرحان، والثاني: المستطير وهو الذي ينشر ضياؤه في الأفق(٣)، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقِّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ اْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ٤. الغدوة وهي الفترة المحصورة ما بين أول النهار إلى الزوال. أو ما بين أول النهار إلى طلوع الشمس (٤)، وهي مفرد جمعها غدوات(٥)، وقد جاء ذكر الغدوة في القرآن الكريم في قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ. يُسَبِّحُ لَهُفِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ [النور: ٣٦]. ٥. البكرة وهي بمعنى الغدوة (٦). وقيل: هي بمعنى التقدم في أي وقت (٧)، وهي مفرد جمعها البكر (٨)، (١) انظر: العين، الفراهيدي ٦/ ١١١. (٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ١٦٧٤/٣. (٣) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٣٩٤/٧. (٤) انظر: مشارق الأنوار، القاضي عياض ١٢٩/٢. (٥) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٤/ ٢٢٨. (٦) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٧/ ١٧. (٧) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ /٧٧. (٨) انظر: العين، الفراهيدي ٣٦٥/٥. وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ وَسَبِّحُوهُ بَكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. ٦. الضحى وهو ((وقت ارتفاع النهار وامتداده، وهو قرب منتصف النهار))(٩). وهي جمع مفردها ضحوة(١٠)، وقد ورد ذكر الضحى في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ [طه: ٥٩]. وفي سورة الضحى. قال تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١]. ٧. الشروق وهو طلوع الشمس، واسم الموضع منها مشرق، والجمع مشارق (١١). وقد جاء ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ. يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]. ثانيًا: وسط النهار: ١. الظهيرة وهي حد انتصاف النهار، والظهر ساعة الزوال(١٢). وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن (٩) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ١٣٥٠/٢. (١٠) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ١٨٣. (١١) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٦/ ١٦٢. (١٢) انظر: العين، الفراهيدي ٤/ ٣٧. www. modoee.com ٤٥٣ حرفالنون الکریم في قوله تعالى: ﴿ وَلَهُ اُلْحَمْدُ فِی السَّمَوَنِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]. يقول الخازن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: ((أي: تدخلون في الظهيرة وهي صلاة الظهر)) (١). ٢. القيلولة وهي النوم في منتصف النهار (٢). وهو التوقيت الذي يرتاح فيه الناس خلال فترة النهار، وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَتَّا أَوْ هُمْ قَآيِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤]. توجه هذه الآية الكريمة التهديد للكفار المجرمين، وذلك من خلال إخبارها بأن عذاب الله تعالى قد حل بأقوام خلال استمتاعهم بأوقات الراحة حيث كانوا يشعرون بالسكون والراحة والأمن(٣). ثالثًا: آخر النهار: ١. الرواح وهو الوقت الممتد من الزوال إلى الليل (٤). وقد ورد في السنة المطهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لغدوةٌ في سبيل (١) لباب التأويل، الخازن ٦/ ١٩٢. (٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٩/ ٢٣٢. (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ١٨١. (٤) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم، محمد بن فتوح الأزدي ص٥٥١. الله أو روحةٌ، خيرٌ من الدنيا وما فيها) (٥). ٢. العصر وهو وقت آخر النهار ينتهي قبيل الغروب(٦). وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١]. وقد أقسم الله تعالى بالعصر في هذه السورة؛ لأنه يشمل آخر النهار وأول الليل(٧). ٣. الأصیل وهو الوقت المحصور بين ما بعد العصر إلى الليل (٨) وأصيل مفرد جمعها آصال(٩)، وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِّنَ الْفَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. يوجه الله تعالى عباده في هذه الآية الكريمة إلى ضروة المداومة على ذكره (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الغدوة والروحة في سبيل الله، وقاب قوس أحدكم من الجنة، ٤ /١٦، رقم ٢٧٩٢. (٦) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ٢/ ١٥٠٧. (٧) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١٠ / ٦١١. (٨) انظر: تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، أبو حيان الأندلسي ص ٤٧. (٩) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٢/ ١٦٩. ٤٥٤ الْقُرْآن الكَرِيمِ