Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ سُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ حـ ٧ النَّصَّيْحَّة عناصر الموضوع مفهوم النصيحة ٢٢٠ النصيحة في الاستعمال القرآني ٢٢١ الألفاظ ذات الصلة ٢٢٢ ٢٢٤ أنواع النصيحة ٢٢٧ مجالات النصيحة ٢٣٢ لمن تكون النصيحة ٢٤٠ الانتفاع بالنصيحة ٢٤٥ نماذج من النصيحة في القرآن ٢٤٩ آثار النصيحة المُجَلَّد الثَّالِثِ وَالثَّلاثُونْ حرف النون مفهوم النصيحة أولًا: المعنى اللغوي: (نصح) النون والصاد والحاء أصلٌ يدل على ملاءمةٍ بين شيئين وإصلاحٍ لهما، ونصح الشيء: خلص، والنصيحة: خلاف الغش، وهي كلمة جامعة مشتقة من مادة ((ن ص ح)) الموضوعة لمعنيين: أحدهما الخلوص والبقاء، والثاني: الالتئام والرفاء، وقومٌ نصح ونصاحٌ، والتنصح: كثرة النصيحة، نصحت له نصيحتي نصوحًا أي: أخلصت وصدقت، والاسم النصيحة، والنصيح: الناصح، وانتصحت فلانًا وهو ضد اغتششته، وانتصح فلانٌ أي: قبل النصيحة، والتوبة النصوح: أن لا يعود إلى ما تاب عنه (١). ومن خلال ما سبق تبين أن النصيحة هي نقيض الغش، وهي تقديم النصح بإخلاص وإرادة الخير للمنصوحين، فهي تعني الخلوص والالتئام والرفاء. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: «النصیحة کلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، فلیس یمکن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها))(٢). حقيقة النصح: إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك، أو النهاية في صدق العناية(٣). قال الجرجاني: ((النصيحة: هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد))(٤). عرفها ابن الصلاح بقوله: ((النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلًا)) (٥). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦١٥/٢، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣٥/٥، العين، الفراهيدي ١١٩/٣، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٦٣/٥. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٦١٥/٢. (٣) انظر: النسفي، مدارك التنزيل ١ / ٥٧٦. (٤) التعريفات ص ٢٤١. (٥) انظر: اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص الحنبلي ١٠/ ١٧٠. ٢٢٠ القرآن الكريم النصيحة النصيحة في الاستعمال القرآني وردت مادة (نصح) في القرآن الكريم (١٣) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٣ ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْلِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] الفعل المضارع ٢ ﴾ [الأعراف: ٦٢] أَبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنْصَحُ لَكُمْ ﴾ المصدر ١ ﴿وَلَا يَفَمُّكُ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] اسم الفاعل ٦ ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ ﴾ [القصص: ٢٠] الصفة المشبهة ١ [التحريم:٨] وجاءت النصيحة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: من الخلوص والبقاء؛ وذلك لأن الناصح يخلص للمنصوح له عن الغش، ومن الالتئام والرفاء؛ لأن الناصح يرفأ ويصلح حال المنصوح له كما يفعل الخياط بالثوب(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٠٢، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب النون ص١٣٢٥. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٦٣/٥-٦٨، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١٨٢/٤. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ www. modoee.com ٢٢١ حرف النون الألفاظ ذات الصلة ١ الوعظ: الوعظ لغةً: الواو والعين والظاء: كلمة واحدة، فالوعظ: التخويف، والعظة الاسم منه، والعظة والموعظة: النصح والتذكير بالعواقب (١). الوعظ اصطلاحًا: قال ابن سيده: ((هو تذكيرك للإنسان بما يلين قلبه من ثوابٍ وعقاب)) (٢). قال الجرجاني: ((هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب)) (٣). الوعظ: ((إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده، وزجر مقترن بتخويف)) (٤) الصلة بين النصيحة والوعظ: الوعظ هو تذكير الشخص بشيء قد يكون علمه ونسيه، أما النصيحة أعم قد تكون ابتداء لم يسبقه معرفة من المنصوح، وقد يكون تذكير كالوعظ، وكلاهما إرادة الخير للآخرين. الإرشاد: ٢ الإرشاد لغةً: (رشد) الراء والشين والدال أصل واحد يدل على استقامة الطريق، (الرشاد) ضد الغي، والمراشد: مقاصد الطرق، وهو نقيض الضلال، وأرشده الله: هداه، واسترشده: طلب منه الرشد، والإرشاد: الهداية والدلالة (٥). الإرشاد اصطلاحًا: هو الهداية إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا، والتنبيه إلى الرشد والفضيلة (٦). الصلة بين النصيحة والإرشاد: النصيحة هي إرادة الخير وتقديم النصح بإخلاص دون غش، والإرشاد هو تقديم النصح (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٦/٦، مختار الصحاح، الرازي ص٣٤٢. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٤٦٥/٧. (٣) التعريفات ص٢٥٣. (٤) المفردات، الراغب ص٥٢٧. (٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٩٨/٢، لسان العرب، ابن منظور ١٧٥/٣. (٦) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٩/ ٢٢١. ◌َرَ النَِّيـ جوبيبو لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٢٢٢ النصيحة وتوجيه المنصوح إلى الوصول للهداية والصلاح. البلاغ: ٣ البلاغ لغةً: بلغ المكان بلوغًا: وصل إليه، أو شارف عليه، والاسم من الإبلاغ والتبليغ، وهما: الإيصال، والبلاغ: الإبلاغ وما يتبلغ به ويتوصل إلى الشيء المطلوب (١) البلاغ اصطلاحًا: ((الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى، زمانًا أو مكانًا أو أمرًا من الأمور المقدرة))(٢). وذلك يعني أن البلاغ هو إيصال الشيء على الوجه الصحيح ببلاغة وفصاحة لسان. الصلة بين النصيحة والبلاغ: البلاغ يعني بيان أمر ما وإيصاله للآخرين بطريقة تقوم به الحجة وتتضح به المحجة، ويشارك النصيحة في كون الغرض منه إرادة الخير. التعبير: ٤ التعبير لغةً: عير يعير، تعييرًا، فهو معير، والمفعول معير، عار الشخص: عابه، ذكر من صفاته أو أعماله ما يدعو إلى الخجل، عيره بذنبه: نسبه إلى العار، قبح عليه صفاته وفعله ومن ذلك عیره بجهله أو بهزيمته(٣). التعبير اصطلاحًا: إظهار السوء وإشاعته في قالب النصح، وزعم أنه إنما يحمله على ذلك العيوب إما عامًا أو خاصًا، وكان غرضه في الباطن التعبير والأذى (٤). الصلة بين النصيحة والتعيير: النصح يقترن به الستر، والتعبير يقترن به الإعلان، قال الفضيل: (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير)، فالناصح غرضه بذلك إزالة عيب أخيه المؤمن واجتنابه له، والفاجر مقصودة تنقص أخيه المؤمن في إظهار عيوبه ومساويه للناس(٥). (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ٧٨٠، لسان العرب، ابن منظور ٤١٩/٨. (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٨٣. (٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٢٢٢، لسان العرب، ابن منظور ٦٢٥/٤. (٤) انظر: الفرق بين النصيحة والتعبير، ابن رجب الحنبلي ص ٢٢. (٥) انظر: المصدر السابق، ص ١٧. www. modoee.com ٢٢٣ حرف النون أنواع النصيحة تنقسم النصيحة بطبيعة مقصودها والغرض منها إلى نوعين، النوع الأول النصيحة المحمودة، وهي التي دعانا لها الدين الإسلامي حيث تحمل في طياتها إرادة الخير للآخرين والحرص على مصالحهم وهدايتهم وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم، وتكون بأسلوب لين رقيق، والنوع الآخر هو النصيحة المذمومة التي تحمل اسم النصيحة قالبًا وشكلا دون المضمون، فهي لا تخلو من الغش والخداع والمصالح الشخصية الناصح، وتعريض الأخرين للأذى والايقاع بهم في ما يضر بهم، وهذا النوع من النصيحة لیس من الدین بل هو مذموم ومنهي عنه، وبيان ذلك في النقاط الآتية: أولًا: النصيحة المحمودة: النصيحة المحمودة هي التي يراد بها الخير للآخرين، بحيث تكون سرًا لا علانية؛ لأن الغرض منها الإصلاح وليس الفضيحة أو التوبيخ، وتکون بلین ورفق وإخلاص نية من الناصح، والنصيحة المحمودة تحمل خيرًا بحيث تحمي الآخرين من العقاب والوقوع في الفساد وتسير بهم نحو الهداية والصلاح، فالنصيحة تحتاج إلى أمانة وصدق وإخلاص وصبر من الناصح، والأنبياء جميعهم كانت نصيحتهم محمودة صادقة تحمل الخير والشفقة فمضمونها الدعوة إلى توحيد الله وتصدیق رسله و کتبه. قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُّ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِةٍ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١]. برغم اسقاط الجهاد في حق أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى الذين لا یقوون على الجهاد والذين لا يجدون ما ينفقون ولا قدرة لهم على تكاليف الجهاد، إلا أن هذه الآية بينت أنه لا حرج عليهم في تقديم النصح لله وللرسول، قال القرطبي في تفسيره: النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بصفات الألوهية، وتنزيهه عن النقائص والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته، والتزام طاعته في أمره ونهیه، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وتعظيمه وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم والنصح لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، إرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم والنصح للعامة: ترك معاداتهم، وإرشادهم، والدعاء لجميعهم وإرادة ٢٢٤ جَوَسُو ◌َة النفسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ النصيحة الخير لكافتهم(١)، فهذه الآية الكريم بينت وعداوتهم))(٢). أن النصيحة المحمودة ينبغي أن تحمل الخير للآخرين بإرشادهم لما فيه صلاحهم وهدايتهم وذلك بدعوتهم إلى توحيد الله وطاعته، وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع كل ما جاء به من أوامر واجتناب نواهيه، وحث الآخرين على الجهاد وعدم تثبیطهم في حال عدم قدرتهم على الجهاد. ﴿وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ وقال تعالى: أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَنٍ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩]. ومن نماذج النصيحة المحمودة ما كان يقوم به الأنبياء من تبليغ رسالات ربهم لأقوامهم ونصحهم والاشفاق عليهم حرصًا على مصالح أقوامهم وخوفًا عليهم من التعرض لعقاب الله وعذابه، وهذه الآية تتحدث عن نبي الله صالح عليه السلام كيف أنه أبلغ قومه رسالات ربه ونصحهم ولم يتوقف عن نصحهم، بل حذرهم من عذاب الله واستمر في نصحهم دون جدوى، فقد كانوا قومًا لا يحبون النصيحة ولا يتقبلونها، وكان ما قاله صالح عليه السلام ((على سبيل التفجع والتحسر عليهم: لقد بلغتكم الرسالة، وحذرتكم عذاب الله، وبذلت وسعي في نصيحتكم، ولكن شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٢٧/٨. فكانت نصيحته لقومه نصيحة محمودة تدعوهم لما فيه صلاح لهم وارشادهم إلى توحيد الله وعبادته خوفًا عليهم وحرصًا علی مصلحتهم، ولکن قومه لم يستجيبوا له ولم ينتصحوا. وقال تعالى: ﴿فَنَّوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَنِّ وَنَصَحْتُ لَكُمّ فَكَيْفَ مَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣]. هذه الآية تبين ما قام به شعيب عليه السلام من إبلاغ قومه رسالات ربه ونصحه لهم ولم يتوقف عن نصحهم خوفًا عليهم وحرصًا على هدایتھم، حیث قال لهم يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي التي أرسلني بھا إلیکم ونصحت لکم ببيان ما فيه سلامة دينكم ودنياكم فكيف أحزن على قوم كافرين بالله مصرين على كفرهم متمردين عن الإجابة، وقد قال شعيب هذه المقالة تحسرًا على عدم إيمان قومه، ثم سلا نفسه بأنه كيف يقع منه الأسى على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم بالله وعدم قبولهم لما جاء به رسوله(٣). فهذا هو حال الأنبياء مع أقوامهم يحرصون على إبلاغ أقوامهم رسالات ربهم (٢) صفوة التفاسير، الصابوني ص ٤٢٣. (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٥٧/٢. www. modoee.com ٢٢٥ حرف النون ويخلصون في نصحهم ويخافون عليهم من عذاب الله، بل يتحسرون ويحزنون إن لم ينتصحوا، فهذه النصائح التي تصف حال الأنبياء عليهم السلام كلها نماذج للنصيحة المحمودة التي أمر الله بها والتي من شأنها إصلاح أحوال الآخرين والأخذ بأيديهم على طريق الهداية والنجاة. ثانيًا: النصيحة المذمومة: النصيحة المذمومة هي تلك النصيحة التي تكون في قالب النصح ولكن لا يكون مقصودها إرادة الخير للآخرين، وإنما غشهم وخداعهم والوصول إلى أغراض شخصية بعيدًا عن مصلحة المنصوح، وهذه النصيحة ليست من الدين، لما فيها من أذى للآخرين، ومن الآيات التي اشتملت على النصيحة المذمومة ما يأتي: قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَّا إِ لَّكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. هذه الآية تبين موقف الشيطان من آدم عليه السلام وحواء وذريته من بعده، وكيف أنه لبس ثوب الورع والنصح لهم والحرص على مصالحهم، فأخذ يوسوس لهم ويكيد لهم في صورة الناصح لهم، فقد کانت نصيحته مذمومة، فعندما نصحهم أراد الإيقاع بهم، والنيل منهم، حيث أغر بهم وقد بين حرصه على نصحهم ومصلحتهم بأن (( وَانِى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِسِينَ أقسم لهما بالله أي: من جملة الناصحين حيث قلت لكما ما قلت، فاغترا بذلك، وغلبت الشهوة في تلك الحال على العقل)) (١). فكانت نصيحته مذمومة تحمل الشر والحقد لآدم عليه السلام بعد أن فضله الله علیه وأمره بالسجود له، فكيف يعقل أن یرید بهم خيرًا، وهو نفسه الذي رفض السجود لآدم عليه السلام، وتوعد بالنيل من ذريته وإضلالهم عن الحق والقعود لهم في كل مرصد لإغوائهم. وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَتَأَبَنَا مَا لَكَ لَا تَأْمَئِثًا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١]. هذه الآية تبين كيف أظهر إخوان يوسف عليهم السلام حرصهم على أخیھم یوسف، وخوفهم عليه، ونصحهم له وتعهدهم لأبيهم برعايته، ومع ما يحمله كلامهم من طابع النصح إلا أنه كان نصحًا غير محمود بل مذموم فقد أرادوا الخير في ظاهر كلامهم ولكن في باطنه أرادوا إيقاع السوء بیوسف عليه السلام فقد أضمروا بداخلهم التخلص منه، فقد جاؤوا أباهم يعقوب عليه السلام، فقالوا: ما بالك لا تأتمنا على یوسف، وتخافنا علیه، ونحن له ناصحون، أي: نحبه، ونشفق علیه، ونرید الخیر له، ونخلص له النصح؟ وهم یریدون خلاف (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٨٥. ◌َالنَّفَ جَوَسُوع القرآن الكريمِ ٢٢٦ النصيحة ذلك، لحسدهم له، بعد ما علموا من رؤيا يوسف، وأدركوا حب أبيه له، لما يتوسم فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة. ويمكن الاستفادة من الآيات بأن النصيحة المحمودة: هي التي حث عليها الشرع وتحمل بداخلها الخير للآخرين، وتكون بأسلوب لين ورقيق، ويؤديها الناصح بأمانة وإخلاص، ومن النماذج عليها ما كان يقوم به الأنبياء من نصح لأقوامهم خوفًا علیهم وحرصًا على هدایتهم. ونستفيد كذلك بأن النصيحة المذمومة: هي تلك النصيحة التي نهى الشرع عنها، فغرضها خداع الآخرين وغشهم والنيل منهم وإلحاق الأذى بهم، ومن ذلك ما قام به الشيطان الرجیم مع آدم عليه السلام، وما قام به إخوان يوسف عليه السلام. مجالات النصيحة تعتبر النصيحة من الأمور الهامة التى دعا لها الدين الاسلامي، وقد أطلق عليها الدین كما ورد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) (١). وذلك لأن النصيحة من أهم الدعائم التي تنشر الدين وتحث عليه، وتغير المعتقدات الخاطئة عند الناس، وتقوم من سلوكهم، وتزيل العادات السيئة والمخالفة للدين، وتحسن الطباع والأخلاق عند المسلمين، فهي أقرب الوسائل القادرة على استمالة القلوب وتهذيب النفوس، وتقويم العقيدة، فالإنسان بحاجة ماسة إلى وجود من ينصحه باستمرار ومن يستنصحه، فهو لا يعيش وحيدًا، بل في مجتمع يحمل الكثير من المعتقدات منها ما يوافق الشرع الإسلامي، ومنها ما يخالفه. والحياة مليئة بالملهيات والمغريات المادية التي قد تجعل نفسه يتناسى ما عليه من واجبات ویتذکر ماله من حقوق، لذلك يحتاج الإنسان إلى من يقوم سلوكه ويصحح معتقداته، ويذكره بواجباته ويوقظه من غفلته وانشغاله بملذات الدنيا وتحذيره من زلاته وعواقبها، وترشده إلى طريق الهداية (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، ٧٤/١، رقم ٩٥. www. modoee.com ٢٢٧ حرف النون المستقيم، ومن المجالات التي تتناولها والحج، وكل ما فيها من أحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو عبادات النصيحة الأمور التي تتعلق بالجانب الديني، والأمور التي تتعلق بالجانب الدنيوي. تعاملية وذلك بالتحلي بالأخلاق الإسلامية وترك الأخلاق الذميمة التي نهى عنها أولًا: أمور الدين: الإسلام كالصدق، والأمانة، والإخلاص، وعدم الكذب، وعدم الغيبة، وعدم النميمة، وغض البصر، وعدم سماع الغناء، لذلك ينبغي على المسلم أن يسعى دوما لنصح إخوانه وأهل زمانه، وقد مدح الله تعالى في كتابه العزيز الأمة الإسلامية لأنها تحرص كان النصح مهمة الأنبياء التي شرفهم الله بها، فقد حملوا هم الدعوة إلى الله عز وجل والنصح إلى توحيده وعبادته، فكانوا ينصحون الناس بالخير ويأمرونهم بالقيام به، وينهونهم عن كل ما هو منكر ومخالف لشرع الله، وأصبحت هذه مهمة الصالحين من بعدهم وأولي الأمر، ونجد القرآن الكريم قد اعتنى عناية فائقة لأهمية ذلك وعظم شأنه في الدين، فبه تتحقق غايات الشرع ومقاصده وبهم يصلح حال الفرد والمجتمع، وبالنظر في الآيات التي تحدثت عن نصح الأنبياء لأقوامهم والأحاديث النبوية التي كانت تحمل النصح للمسلمين، نجد أغلبها تتناول أمور الدين، لأن من صلحت أمور دينه صلحت أمور دنياه. ومن أهم الأمور الدينية التي يجب النصح والتذكير بها كل ما يتعلق بالعقيدة السليمة من تذکیر بالله وتوحيده لله وعدم الشرك به، واثبات أسمائه وصفاته، وتصديق أنبيائه وما جاؤوا به من کتب وشرع، وأوامر ونواهٍ، وكل ما يتعلق بالأمور التعبدية سواء كانت شعائر كالصلاة والصيام والزكاة وعلى تقديم النصيحة، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، في قوله تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وكان الأنبياء عليهم السلام شديدي الحرص في تقديم النصيحة لأقوامهم في أمور دينهم، ومن الآيات التي توضح ذلك: ما جاء على لسان صالح عليه السلام لقومه: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩]. وما جاء على لسان شعيب عليه السلام: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمَّ فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾ [الأعراف وما جاء على لسان هود عليه السلام: ﴿وَأَنَاْ لَكُمْ نَامِعُ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]. وما جاء على لسان نوح عليه السلام: ٢٢٨ جَوَبُ القرآن الكريم النصيحة ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِيِّنُكُم بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف: ٦٢]. كما جاءت الآيات تبين أن النصح الواجب على المؤمنين وإن لم يستطيعوا الجهاد ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]. فسماهم محسنین لنصيحتهم لله بقلوبهم لما منعوا من الجهاد بأنفسهم، وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد فى بعض الحالات، ولا یرفع عنه النصح لله، فلو كان مريضًا ولا یمکنه عملٌ بشيء من جوارحه بلسانٍ ولا غيره، غير أن عقله ثابتٌ، لم يسقط عنه النصح لله بقلبه وذلك بأن یندم على ذنوبه، وینوي إن صح أن يقوم بما افترض الله علیه، ویجتنب ما نهاه عنه، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه(١). ومن الآيات التي فيها نصح للمؤمنين ما ورد على لسان لقمان من نصائح ومواعظ لابنه في قوله تعالى: ﴿يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( ١٣ وَوَضَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ, وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ، فِ عَمَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَ لِدَيْكَ إِلَّ الْمَصِيرُ ﴾ وَإِن جَهَدَ اكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًاً وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ثُمَّ (١) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي ٢٢٥/١. يَبُنَّ إِنَّ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ (١٥ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ اُلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ ﴿ يَبُنَّ أَقِمِ الضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأَمُورِ ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ، وَأَقْصِدْ فِى مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَّ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ اْخِيرِ﴾ [لقمان: ١٣ ومن النصائح قوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] فالمتمعن في كتاب الله يجد الكثير من الآيات التي تحمل الأمر والنهي والتي یمکن استخدامها في نصح الآخرین والأخذ بأيديهم نحو طريق الهداية والجنة والنجاة من النار. ثانيًا: أمور الدنيا: لا تتوقف النصيحة على أمور الدين، بل تتعداها إلى النصح في جميع الأمور الدنيوية، كأن يستنصحك أحدهم حول وظيفة، أو سيارة يريد شراءها، فعلى المسلم أن يشير عليه وينصحه بما فيه الخير والنفع له، فلا يغشه في النصيحة ولا يخدعه، وكذلك إذا أحس أن أخاه المسلم في خطر فعليه أن ينبهه وذلك كما ورد في قصة www. modoee.com ٢٢٩ حرفالنون موسى في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا وإن كان في ذلك فوات ربح ما يبيع من تجارته، وكذلك جميع ما يضرهم عامة، الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ بَمُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَأَخْرُجْ إِّ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠]. ويحب صلاحهم ودوام النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم، ودفع كل أذى ومكروه عنهم، وإرشادهم إلى مصالحهم، أي: جاء من آخرها وأبعدها، یسعی علی رجليه، ليخبر موسى عليه السلام أن أشراف قوم فرعون يؤامر بعضهم بعضًا بقتلك، فاخرج من القرية، إني لك من الناصحين في أمري إياك بالخروج (١). وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذب عنهم، ومجانبة الغش، والحسد لهم، وإيثار فقيرهم وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محبة لإزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه(٢). فهذا الرجل لم يكتف بتحذير موسى عليه السلام ممن أرادوا قتله، بل ونصحه بالخروج من قريتهم حتى لا يمسكوا به فينالوا منه، هذا إلى جانب المجهود الذي بذله والسعي الذي سعاه ليسبق القوم إلى موسى عليه السلام ويحذره، فهكذا يجب أن يكون المسلم ناصحاً لغيره ومحذراً له من أي ضرر قد يلحق به أو أي خطر قد يهدد حياته، بل عليه أن يدله على طريق النجاة إن كان على علم بها، وكذلك الأمور الدنيوية الأخری علیه أن يقدم النصح فیما فيه خير للمسلمين في أمور دنياهم. والنصيحة للمسلمين: أن يحب لهم ما يحب لنفسه، ویکره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر کبیرهم، ویحزن لحزنھم، ويفرح لفر حھم، وإن ضره ذلك في دنياه كرخص أسعارهم، (١) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٣٦٣/١٧. ومن النصائح الدنيوية: لو أن إنسانًا قال لك: أنا لا أعرف انتق لي بنطالًا على ذوقك، وانتقيت له البنطال الكاسد ذي اللون غير المرغوب، من أجل أن تصرف هذا اللون الذي ربص أمامك، فأنت لست ناصحا أمينا، وإذا قال لك إنسان: أفتح محلا بهذه المصلحة، وأنت تعلم أن هذه المصلحة ذات أرباح طائلة، تقول: لا هذه مصلحة فاقورة، تريد أن تصرفه عن هذه المصلحة وأنت مسلم؟! فقد غششته، والمستشار مؤتمن. (٢) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي ٢٢٢/١. جَوَسُولَةُ التَّقِينَ القرآن الكريم ٢٣٠ النصيحة وهناك أمثلة لا تعد ولا تحصى، أكثرها لذلك كبرت خيانةً عند الله: أن تحدث في العمل، قال لك فلان: هل أشتري هذا الناس بحديث هم لك مصدقون وأنت لهم البيت؟ تبيع البيت أنت، وأنت تبيع هذا به كاذب. البيت لعلةٍ خطيرة شعرت أن فيه خطرًا، وزينت له هذا البيت حتى بعته له، أنت مسلم؟ لا والله. عن أبي هريرة، أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (حق المسلم على المسلم ست) قیل: ما هن یا رسول الله؟، قال: (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فسمته، وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه)(١). فحينما يأتيك إنسان، ويقول لك: انصحني ماذا أفعل؟ هل تعلم ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك: أنه واثقٌ من رجاحة عقلك، ومن إخلاصك له، إنسان وضع ثقته فيك، وضع ثقته برجاحة عقلك، وضع ثقته بإخلاصك له، أعطاك صفتين؛ صفة عقلية وهي الرجحان، وصفة نفسية وهي الإخلاص، لا يمكن أن تأتي إنسانًا وتستنصحه إلا إذا وثقت بعقله وأخلاقه، إلا إذا وثقت برجاحة عقله وصدق إخلاصه، إذًا حينما يأتيك إنسان وقد منحك الثقة، وقد منحك كل عوامل الرضا تخونه؟! (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب حق المسلم على المسلم رد السلام، ١٧٠٥/٤، رقم ٢١٦٢. فإذا طرق بابك واستنصحت فانصح، فالإنسان يستشير بموضوع زواج، بموضوع تجارة، بموضوع فتح محل تجاري، بموضوع استثمار مال، بموضوع سفر، بموضوع شراء بيت، هذه أشياء تعارف الناس على أنها تنفع فيها المشورة، ويجب أن تنصح المسلمين من خلال عملك في الدرجة الأولى، كلٌّ في عمله؛ الطبيب في عيادته، والمحامي في مكتبه، والبائع في دكانه، والموظف وراء طاولته، هذا الذي أمامك إن كان مخلوقًا فهو مخلوقٌ لله عليك أن تنصح له، وإن كان مسلمًا له عليك حقان؛ الحق الأول هو الأخوة في الإنسانية، والحق الثاني هو الأخوة في الدین، يجب أن تنصح له، والمؤمن ناصحٌ ونصوح، من صفات أهل الإيمان أنهم نصحةٌ متوادون، من صفات أهل النفاق أنهم غششةٌ متحاسدون. فلذلك: حينما فهم المسلمون أن الدين عباداتٌ شعائرية تؤدى وتركوا جوانب الدين الأخرى كأمور العقيدة والمعاملات وغيرها، صاروا خلف الأمم، ولم تكن كلمتهم هي العليا، وحينما فهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن الدین نصحٌ لكل مسلم؛ الدين معاملة، الدين انضباط، www. modoee.com ٢٣١ حرف النون فتحوا العالم، فإذا أردت أن تكون من المؤمنين الصادقين، فالدين النصيحة. عن جرير بن عبد الله، قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)(١). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة)، ٢١/١، رقم ٥٧. لمن تكون النصيحة النصيحة من أهم الأساليب التي تعمل على نشر الدين الإسلامي، ونشر تعاليمه وشعائره الصحيحة، وقد عني القرآن الكريم بالنصيحة لأهميتها أشد العناية وأمر بها. قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]. وقال جل شأنه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىْ نَنفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥]. ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ وقال: أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٧١]. ووضع لها أساليب وآدابًا وأخلاقًا حتى تؤتي ثمرها وتجدي نفعها. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوّنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُّ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)(٢). فبدأ بالنصح لله ولكتابه، ثم لرسوله، ثم لأئمة المسلمين وعامتهم، وذلك حتى (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، ٧٤/١، رقم ٩٥. مَوَسُوعَةُ النَفسِير القرآن الكريمِ ٢٣٢ النصيحة تتحقق الغاية من النصيحة، فيستقيم حال تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وقال تعالى: ﴿يَبُنَّىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]. الفرد والمجتمع ويصلح، وقد ذكر الله في كتابه أن الأنبياء عليهم السلام نصحوا أممھم. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَ الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. وهذا يعني أن من تخلف عن الجهاد لعذر، فلا حرج عليه بشرط أن یکون ناصحًا لله ورسوله في تخلفه، فإن المنافقین کانوا يظهرون الأعذار كاذبين، ويتخلفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله(١). أولًا: النصيحة لله ولكتابه: فالنصيحة لله تكون في ((إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بصفات الألوهية وتنزيهه عن النقائص، والرغبة فى محابه، والبعد من مساخطه))(٢). وباتباع أمره، ونصرة دينه، والتسليم له في حكمه، ومن أوامره تعالى الطهارة، والصلاة، والصيام، والزكاة (٣). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا (١) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي ٢١٨/١. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٧/٨، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٠ / ١٧٠. (٣) انظر: النصيحة الكافية، زروق ص١. وقال: ﴿وَمَن يَبْتَعِ غَيْرَ اْلْإِسْلَِ دِينًا فَكَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. كما أن معنى النصيحة لله تعالى منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيهه من جميع النقائص، والقیام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه والبغض فيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمته وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور (٤). فاحذروا المحرمات واجتنبوا المنكرات، وحذروا الناس منها بالنصيحة، فإن ديننا هو دين النصيحة، وما سمي دين النصيحة إلا لأننا كنا به إخوة. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ قال تعالى: فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُنَ﴾ [الحجرات: ١٠]. وكنا به كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر، وكنا به كالبنيان الذي يشد بعضه بعضًا، وبالنصيحة يتحقق الإيمان، وتسلم (٤) انظر: شرح صحيح مسلم، النووي ص ١٣١. www. modoee.com ٢٣٣ حرف النون القلوب من أمراضها، وقد نصح رسول الله خصال الإسلام والإيمان والإحسان، وسمى صلى الله عليه وسلم بقوله وبفعله وبتعامله ذلك كله دينًا، فإن النصح لله يقتضي القيام وبأخلاقه، ونصح أصحابه من بعده، ولا تزال الأمة بخير ما دامت النصيحة (١). وقال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البينة: ٥]. كما أنه يجب أن يكون الإنسان دائمًا ذاكرًا لربه بقلبه ولسانه و جوارحه، وأن تكون غيرته لله فيغار لله عز وجل إذا انتهكت محارمه، وأن یبطل کید الکائدین، ویرد على الملحدین، وأن یکون باثًا دین الله في عباد الله؛ لأن هذا مقام الرسل كلهم، فهم دعاة إلى الله يدعون الناس إلى الله عز وجل، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَافِكُلّ أُمَّةٍ رَسُولًاً أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَّ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَهُ﴾ [النحل: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم﴾ أي: من الأمة التي بعث فيها الرسول (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لَلِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين النصيحة يدل على أن النصيحة تشمل (١) انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سعد الحجري ص٥. (٢) انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين ٣٨٤/٢. بأداء واجباته على أكمل وجوهها، وهو مقام الإحسان، فلا یکمل النصح لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضًا(٣). کما ذکر النبي صلی الله عليه وسلم أن النصيحة أيضا تكون لكتاب الله تعالى، وذلك بأن «تؤمن به وتتلوه وتعمل بما فيه وتدعو الناس اليه)) (٤) ومن ذلك أيضًا: ((الاعتقاد بأنه كلام الله والعمل بمحكمه والتسلیم لمتشابهه )»(٥). والنصح یشمل کتاب الله الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بأن يدافع المسلم، يدافع من حرفه تحريفًا لفظيًا، أو تحریفًا معنويًا، أو من زعم أن فیه نقصًا، أو أن فيه زيادة. قال تعالى: ﴿ إِنَّا تَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ. لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. فالله عز وجل تكفل بحفظه، ومن ادعى أنه قد نقص حرفًا واحدًا اختزل منه؛ فقد (٣) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي ٢١٨/١. (٤) روح البيان، الخلوتي ٢٠٤/٢. (٥) المصدر السابق ٤٨٤/٣. ٢٣٤ جوسين لِلْقُرآن الكَرِيمِ النصيحة كذب الله عز وجل، فعليه أن يتوب ويرجع يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَبَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤]. إلى الله من هذه الردة، ومن النصيحة لکتاب الله: الإيمان بأن الله تعالى تكلم بهذا القرآن حقيقة، وأنه كلامه عز وجل؛ الحرف والمعنى. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَنَفْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]. وقال تعالى: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. ومن النصيحة لكتاب الله عز وجل أن يقوم الإنسان باحترام هذا القرآن العظيم. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا اَلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّلَمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]. فمن ذلك أن لا يمس القرآن إلا وهو طاهر، وأن لا يضعه في موضع یمتهن فیه(١)، ومن ذلك ((قراءته والتفقه فيه، والذب عنه وتعليمه، وإكرامه والتخلق به))(٢). قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِنُنْذِرَأُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَمَاً وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢]. وقال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَّةَ الَيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣ (١) انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين ٣٨٦/٢. (٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٤١٠/٧. كما أنه يجب الإيمان بأنه لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوة، والوقوف على أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. ثانيًا: النصيحة لرسول الله: والنصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تتضمن: ((التصديق بنبوته، والتزام طاعته، في أمره ونهيه وحب من أحبه، وحب آل بيته ومن سار بسيرته وإحياء سنته بالمدارسة والنفقة والعمل بها والدفاع عنها))(٣)، والإيمان التام برسالته، وأن الله أرسله إلى جميع الخلق. قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ (٣) التفسير الواضح، محمد محمود الحجازي ٩٢٠/١. www. modoee.com ٢٣٥ حرف النون [النساء: ٧٩]. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اَلَّذِى نَزَّلَ اَلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا ◌ُِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. فنؤمن بأن محمدًا رسول الله إلى جميع الخلق من جن وإنس، و أنه صادق مصدوق، صادق فیما یخبر به، مصدوق فیما أخبر به من الوحي(١). ومن النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، بذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قال تعالى: أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُقْبِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِيعِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ. يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِيٍ مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَيَتَّعَدَّ حُدُودَهُ، يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ تُهِيبٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته، وأما بعد وفاته:فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، (١) انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين ٣٨٩/٢. ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عمن تدين بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإن كان متدينًا بها، والتشبه به في زيه ولباسه(٢). قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهُ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن نَنَزَعْنُمْ فِ شَىْءٌ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَلَرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ اُلْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [ محمد: ٣٣]. والآيات التي دعت إلى ذلك كثيرة، ومن النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم بث دعوته ونشر شريعته، ونفي التهمة عنها واستثارة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف فى تعلمها وتعليمها وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه(٣)، وإكرام قرابته، فقد قال تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبَ﴾ [الشورى: ٢٣]. (٢) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي ١/ ٢٢١. (٣) انظر: شرح صحيح مسلم، النووي ص١٣١. ٢٣٦ جونيو القرآن الكريم النصيحة قال ابن عباس: يعني: لا تؤذوا قرابتي. ومن النصیحة للرسول صلی الله عليه وسلم الشفقة على أمته، وتكون بثلاثة أمور: القيام لهم بفروض الكفاية كالعلم، والجهاد، وصلاة الجنازة، ومنها القيام بالحرف المهمة، التي بها نظام العالم، وبالسنن المؤكدة على الكفاية، كالأذان، والإمامة، ونحو ذلك، فإن فعل ذلك بنية إعانة إخوانه المسلمين، أثيب عليه ثواب من رفع المشقة عن حاضري الموضوع الذي تعین ذلك فیه، والنية إكسير الأعمال، تقلب أعيانها وتحقق حقائقها (١). ثالثًا: النصيحة للعلماء والأمراء: العلماء: هم أئمة الدين الذين يقودون الناس لكتاب الله، ويهدونهم إليه، ويدلونهم على شريعته تعالى. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَيِمَّةً قال تعالى: يَهْدُونَ بِأَتِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَئِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. والنصح لهم بأن يحرص الإنسان على تلقي ما عندهم من العلم. قال تعالى: ﴿فَسْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]. فإنهم الواسطة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم- وبين أمته، فيحرص على (١) انظر: النصيحة الكافية، زروق ص١٢٨- ١٢٥. تلقي العلم منهم بكل وسيلة، وليكن تلقيه على وجه التأني لا على وجه التسرع؛ لأن الإنسان إذا تسرع في تلقي العلم فربما يتلقاه على غير ما ألقاه إليه شيخه وقد أدب الله النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأدب، فقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. ومن النصح أيضًا: أن لا يتتبع الإنسان عوراتهم وزلاتهم وما يخطئون فيه؛ لأنهم غير معصومين، فكم من إنسان انتفع من تلاميذه، لذلك من نصيحتك لهم أن تدافع عن عوراتهم، وأن تسترها ما استطعت، وأن لا تسكت إذا سمعت شيئًا بل نبه العالم، فقوم أخاك ولا سيما أهل العلم؛ لأن العالم خطره عظيم، إن أصاب هدى الله على يده خلقًا کثیرًا، وإن أخطأ ضل علی یده خلق كثير فزلة العالم من أعظم الزلات. أما الأمراء: فهم أئمة السلطة وهم في الغالب أكثر خطأ من العلماء؛ لأنه لسلطته قد تأخذه العزة بالإثم فيريد أن يفرض سلطته على الصواب والخطأ، والنصيحة لهم بأن نکف عن مساوئهم، وأن لا ننشرها بين الناس، وأن نبذل لهم النصيحة ما استطعنا، لأن الأمة إذا امتلأت صدورها من الحقد على ولاة أمورها عصت الولاة، ونابذتهم، وحينئذ تحصل الفوضى، ويسود الخوف، ويزول الآمن، فإذا بقيت هيبة ولاة www. modoee.com ٢٣٧ حرف النون الأمور في الصدور صار لهم هيبة، وحميت رابعًا: النصيحة لعامة الناس: أوامرهم ونظمهم التي لا تخالف الشريعة. فالمهم أن أئمة المسلمين تشمل النوعین، أئمة الدين وهم العلماء، وأئمة السلطان وهم الأمراء، فيجب علينا أن نناصحهم، ونحرص على بذل النصيحة لهم، في الدفاع عنهم وستر معايبهم (١)، ((ومعاونتهم على الحق، وطاعتهم فیه، وتذکیرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك))(٢). قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ مَا مَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. واختلف أهل التأويل في ﴿وَأُوْلِ الْأَمَِّ﴾ الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية، فقال بعضهم: هم الأمراء، وقال آخرون: هم أهل العلم والفقه (٣). ((قال الخطابي: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح)) (٤). (١) انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين ٣٩٢/٢. (٢) جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي ٢٢٣/١. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/ ٤٩٦. (٤) شرح صحيح مسلم، النووي ص١٣١. جوسين القرآن الكريمِ والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذب عنهم، ومجانبة الغش، والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، ودفع الأذى والمكروه عنهم، وإيثار فقيرهم وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محبة لإزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه. ومن أعظم أنواع النصح أن ينصح لمن استشاره في أمره، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له)(٥). وإذا ذكر في غيبه بالسوء أن ينصره، ويرد عنه، وإذا رأی من یرید أذاه في غیبه، کفه عن ذلك، فإن النصح في الغيب يدل على صدق النصح، فإنه قد يظهر النصح في حضوره تملقا، ويغشه في غيبه، قال الحسن: ((إنك لن تبلغ حق نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تعجز عنه))، وقال الفضيل بن عياض: ((ما (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب هل يبيع لبادٍ بغير أجر، وهل يعينه أو ينصحه، ٧٢/٣، رقم ٢١٥٠. ٢٣٨