Indexed OCR Text
Pages 21-40
الناس
وفي الثانية اليهود، وفي الثالثة النصارى،
وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة
المجوس، والسادسة فيه مشركو العرب،
وفي السابعة المنافقون، وهو قوله: ﴿إِنَّ
اَلْنَفِقِينَ فِي الدَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ
لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥](١).
وهذا التقسيم المروي عن الضحاك لم
یصح عنه، کما لم يصح تسمية دركات النار
على النحو الذي ذكر، والصحيح أن كل
واحد من هذه الأسماء التي ذكرت: جهنم،
لظى، الحطمة ... إلخ، اسم علمٍ للنار كلها،
وليس لجزءٍ من النار دون جزء، وصح أن
الناس متفاوتون على قدر کفرهم وذنوبهم.
وهذا الترتيب الذي ذكره الضحاك
وغيره يحتاج إلى إعادة نظر، فالمجوس
عباد النيران ليسوا بأقل جرمًا من مشركي
العرب، ومع ذلك فالمجوس في طبقةٍ أقل
من العذاب، والأولى أن نسكت فيما سكتت
عنه النصوص(٢).
وبهذا يتبين أنه لم يرد في القرآن ولا
في السنة ما یبین لنا عدد دركات النار، ولا
سكان هذه الدركات.
علة تخصيص الدرك الأسفل بالمنافقين:
(١) هذا الأثر ضعيف، لأنه من طريق سلام
المدائني، وهو ضعيف الحديث، كما في
ميزان الاعتدال ٢/ ١٧٥ .
انظر: التخويف من النار، ابن رجب ص٧٤.
(٢) الجنة والنار، عمر سليمان الأشقر ص١٢٥.
أخبرنا القرآن أن مصير المنافقين في
الدرك الأسفل من النار، أي: في أذل منازل
العذاب وأسفلها؛ وذلك يرجع لأسباب:
الأول: لأن كفرهم أسوأ الكفر؛ لما حف
به من الرذائل(٣).
الثاني: أنهم جمعوا مع الكفر الاستهزاء
بالإسلام وبأهله (٤).
الثالث: أنهم كانوا يطلعون على بعض
أسرار المسلمين بما كانوا يظهرونه من
الإسلام، وكانوا يخبرون الكفار بهذه
الأسرار، فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء
المنافقين؛ فلهذه الأسباب جعل الله عذابهم
أزيد من عذاب الكفار(٥).
خامسًا: أبواب النار:
أخبر الله عز وجل أن للنار أبوابًا سبعة.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَتَّمَ لَمَوْعِدُ هُمْ أَجْمَعِينَ
(٣) لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ
تَقْسُومُ﴾ [الحجر: ٤٣ -٤٤].
قال ابن كثير: «أي: قد کتب لکل باب
منها جزء من أتباع إیلیس یدخلونه لا محيد
لهم عنه -أجارنا الله منها- وكلٌّ يدخل من
باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر
فعله»(٦).
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٤/٥.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٢٥١ بتصرف.
(٥) المصدر السابق بتصرف.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٦/٤.
www. modoee.com
١٨٧
حرفالنون
وهذه الأبواب تفتح عندما يرد الكفار عند قدوم شهر رمضان.
النار ليدخلوها.
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى
جَهَنَّمَ زُمَرًا حَقَّةٍ إِذَا جَّهُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾
[الزمر: ٧١].
فإذا فتحت أبوابها ورأوا أنهم داخلوها
قال لهم خزنتها موبخين: ﴿أَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ
مِنْكُ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ
لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر: ٧١].
فيقرون مذعنين:
فيقال لهم بعد هذا الإقرار: ﴿قِيلَ
ادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فِئْسَ مَثْوَىَ
الْمُتَكَبِرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].
ـلَ ﴾ [الزمر: ٧١].
فإذا دخلوها وقضي الأمر بأنهم ماکثون
فيها تغلق هذه الأبواب عليهم، فلا مطمع
لهم في الخروج منها بعد ذلك، كما قال
تعالى: ﴿وَلَِّنَ كَفَرُواْ بِثَايَئِنَا هُمْ أَصْحَبُ اٌلْمَشْشَمَةِ
٦عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ١٩-٢٠].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: مؤصدة:
مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب
-بلغة قريش - أي: أغلقه(١)(٢).
هل أبواب النار تغلق في الدنيا؟
أخبرنا القرآن أن أبواب جهنم تغلق
على أصحابها يوم القيامة، وأخبرتنا السنة
الصحيحة أن هذه الأبواب تغلق في الدنيا
(١) المصدر السابق ٤٠٩/٨.
(٢) الجنة والنار، عمر سليمان الأشقر ص١٢٥.
جَوَُّور
القرآن الكريمِ
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء
رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب
النار، وصفدت الشياطين)(٣).
أسماء أبواب النار:
أخبر القرآن أن أبواب النار سبعة، لكن
القرآن لم يعين لنا أسماء هذه الأبواب، ولا
بينتها السنة الصحيحة.
وقد ورد في ذلك حديث عن النبي صلى
الله عليه وسلم فيه أسماء هذه الأبواب
السبعة، لكنه ضعيف لا يثبت(٤).
وقد وردت بعض الآثار عن السلف
فيها تسمية هذه الأبواب السبعة، وعينت
الأصناف التي تدخل من هذه الأبواب (٥).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام،
باب فضل شهر رمضان، ٢ / ٧٥٨، رقم
١٠٧٩.
(٤) عن الخليل بن مرة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ تبارك وحم
السجدة، وقال: [الحواميم سبعٌ، وأبواب
جهنم سبعٌ: جهنم، والحطمة، ولظى، وسعيرٌ،
وسقر، والهاوية، والجحيم، قال: تجيء كل
حم منها يوم القيامة، أحسبه قال: تقف على
باب من هذه الأبواب، فتقول: اللهم لا يدخل
هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرؤني].
أخرجه البيهقي في البعث والنشور ٢٦٨/١ -
٤٦١، وقال: «هذا منقطعٌ، والخليل بن
مرة فيه نظرٌ))، وأخرجه البيهقي في الشعب
١٠٥/٤- ٢٢٥٠ بدون تسمية هذه الأبواب،
وقال: هكذا بلغنا بهذا الإسناد المنقطع.
(٥) ورد عن ابن عباس أنه قال: ﴿سَبْعَةَ أَبْوَبٍ
١٨٨
الناس
صفة أبواب النار:
لم يرد في القرآن ولا في السنة الصحيحة
ما يصف لنا أبواب النار السبعة، ولكن ورد
في الآثار الواردة عن بعض الصحابة وصف
هذه الأبواب:
فقد ورد عن علي بن أبي طالبٍ رضي
الله عنه أنه قال: إن أبواب جهنم أطباق
بعضها فوق بعض، فیمتلئ الأول، ثم الثاني،
ثم الثالث، حتى تملأ كلها(١).
أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير،
ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٦/٤،
والدر المنثور ٨٠/٥. والأثر لا يصح عن
ابن عباس؛ لأنه من رواية الضحاك، ورواية
الضحاك عن ابن عباس منقطعة كما في
الميزان ٣٢٥/٢، ووردت تسمية الأبواب
أيضًا عن ابن جريج والأعمش، كما في الدر
المنثور ٨١/٥-٨٢ وقولهما يحتاج إلى
دلیل.
وعن الضحاك في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ
لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومُ﴾ قال: باب
لليهود، وباب للنصارى، وباب للصابئين،
وباب للمجوس، وباب للذين أشركوا -وهم
كفار العرب - وباب للمنافقين، وباب لأهل
التوحيد، فأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى
للآخرين أبدًا.
انظر: الدر المنثور ٨٢/٥، والأثر لا تصح
نسبته إلى الضحاك؛ لأنه من رواية جويبر،
وجويبر متروك الحديث كما في ميزان
الاعتدال ١ / ٤٢٧.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٤/ ٥٣٧.
(١) الدر المنثور، السيوطي ٨١/٥.
ألوان العذاب في النار
أخبر القرآن الكريم عن ألوان العذاب
في النار منها الطعام والشراب واللباس
والسكن، وسوف نبين ذلك فيما يأتي:
أولًا: الطعام:
ذكر الله تعالى أن أهل النار يطعمون
فيها طعامًا لا يشبه الطعام إلا في اسمه، ثم
يفارقه بعد هذا في کل شيء، فهو لا يسمن
ولا يغني من جوع، لا يزيدهم إلا ضعفًا، ولا
يزدادون به إلا عذابًا وألمًا، قد خبث مذاقه،
وأنتن ریحه، ولا فائدة منه.
وقد بين الله في كتابه صنوفًا من طعام
أهل النار، نذكر منها:
١. الزقوم.
وهو شجرة تنبت في النار.
قال تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُ فِ آَصْلِ
اٌلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤].
قال الطبري: ((وثمرتها كالرصاص أو
الفضة، أو ما يذاب في النار إذا أذیب بها،
فتناهت حرارته، وشدة حميته في شدة
السواد))(٢).
وهذه الشجرة ثمرتها قبيحٌ منظرها، كأنها
في قبحها رؤوس الشياطين، قال الله عنها:
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيِطِينِ﴾ [الصافات:
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٢ / ٤٣ باختصار
وتصرف.
www. modoee.com
١٨٩
حرف النون
٦٥].
وشجرة الزقوم هي الشجرة الملعونة التي
ذكرها الله بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ
أَحَاطَ بِالنَّاسِّ وَمَا جَعَلْنَا الرُِّيَا الَّتِىِّ أَرَيْنَكَ إِلَّا
فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِّ وَغُخَوِّفُهُمْ
فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّأَ طُغْيَنًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠].
فالحاصل أن شجرة الزقوم لها من
الصفات أقبحها وأبشعها: ﴿إِنَّ شَجَرَتَّ
الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِ كَالْمُهْلِ يَغْلِ
فِي الْبُطُونِ كَفَلِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣-
٤٦].
يقول الرازي: ((ومآل الأقوال في الزقوم
كونه في الطعم مرًا، وفي اللمس حارًا، وفي
الرائحة منتنًا، وفي المنظر أسود، لا يكاد
آكله يسيغه فیکره على ابتلاعه)»(١).
وقد توعد الله بالزقوم أصحاب النار،
وبين أنهم يطعمون منه حتى تمتلئ به
بطونهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
طَعَامُ الْأَثِ { كَالْمُهْلِ يَغْلِ فِى الْبُعُونِ
كَفَلِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣-٤٦].
وقال:
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الََّلُونَ الْمُكَذِّبُونَ (
لَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّنِ زَقُّوْمٍ ، فَالُِّونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
[الواقعة: ٥١- ٥٣].
٢. الغسلین.
قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ أَلْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ () وَلَا
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤١٤ بتصرف.
جَوَسُور
القرآن الكريم
طَعَامُ إِلَّمِنْ غِسِْينٍ﴾ [الحاقة: ٥
والغسلين: هو ما يسيل من صديد أهل
النار، وما يخرج من لحومهم(٢).
«فساکن النار لا يجد له طعامًا فيها إلا ما
يخرج من جلود أهل النار من الدم والصدید،
وهو شيءٌ كريه المذاق كريه الرائحة، لا
فائدة فيه، ولا يرجى منه إشباعًا))(٣).
قال قتادة عن الغسلین: هو شر طعام أهل
النار (٤).
فطعام أهل النار طعام منتنٌ ريحه، مقززٌ
تناوله، یشي بسوء الحال، وقبح المآل.
٣. الضريع.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيحِ
ث لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِ مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦ -٧].
والضريع: نوعٌ من الشوك لا تأكله
الدواب لخبثه، وهو من شر الطعام، وأبشعه
وأخبثه(٥).
فأهل النار إذا طلبوا الطعام جيء لهم
بالضريع، وهو كالشوك، مُرِّ منتن، لا خير
فیه، ولا فائدة منه، فلا يقوي بدنًا، ولا يسد
رمقًا، ولا يدفع جوعًا.
قال تعالى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوعٌ﴾
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٥٩١.
(٣) نعيم الجنة وعذاب النار، علي بن نايف
الشحود ١/ ٧٣ بتصرف.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٧/٨.
(٥) نعيم الجنة وعذاب النار ١/ ٧٣.
١٩٠
الناس
[الغاشية: ٧](١). قال أبو الجوزاء: وكيف
يسمن من كان يأكل الشوك؟! (٢).
ومما ذكر عن طعام أهل النار في القرآن
ما ورد في قول الله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَبَحِيمًا
(٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢ -
١٣].
أي: ((طعام لا يستساغ أكله، ينشب في
الحلق، فلا يدخل ولا يخرج»(٣).
((والغصة عارضٌ في الحلق سببه الطعام
أو الشرب الذي لا يستساغ؛ لبشاعةٍ أو
يبوسةٍ))(٤). فطعام الدنيا قد يحدث غصة
-أحيانًا- فيؤذي، لكن هذا الطعام تلازمه
الغصة دائمًا وأبدًا، غصة تمزق حلوقهم
كلما طعموه.
فهذه الآية نفت عن طعام النار كل نفع
يرجى من ورائه؛ لأن «المقصود من الطعام
أحد أمرين: إما أن یسد جوع صاحبه، ویزیل
عنه ألمه، وإما أن يسمن بدنه من الهزال،
وهذا الطعام ليس فيه شيء من هذين
الأمرين، بل هو طعام في غاية المرارة والنتن
والخسة»(٥).
ولهذه الأنواع أوصاف، هي:
شدة الحرارة وقبح المنظر، كما في
(١) صفة النار في القرآن والسنة ١٣٩/١ بتصرف.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤٠/٣١.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٦/٨.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/ ٢٧١.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٢١.
الزقوم.
سوء المذاق ونتن الرائحة، كما في
الغسلین.
النشوب والغصة وانعدام الفائدة، كما
في الضريع.
ثانيًا: شراب أهل النار:
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أربعة
أنواعٍ من شراب أهل النار، وكل نوع من هذه
الأنواع شديدٌ ألمه، عظيمٌ أثره، عدیمٌ نفعه،
طويلٌ أمده، وهذه الأنواع هي:
١. الحميم.
قال تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَآءَ حَمِيمًا فَقَطَّعَ
ـمْ﴾ [محمد: ١٥].
أَمْعَآَةَ
والحميم: الماء الشديد الحرارة(٦)،
الذي بلغ من حرارته أنه يقطع الأمعاء
ويمزقها، يشربه أهل النار رغمًا وقهرًا، لا
یملکون عنه امتناعًا ولا ابتعادًا، بل یشربون
منه كما تشرب الإبل العطاش التي تشرب
ولا ترتوي لداءٍ أصابها.
يقول تعالى: ﴿فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْحَسِيمِ
فَشَرِبُونَ شُرْبَ اَلِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤ -٥٥].
يقول الرازي معلقًا: ((فيه بيان لزيادة
العذاب، ومعناه: أي: لا يكون أمركم أمر
من شرب ماءً حارًا منتنا فیمسك عنه، بل
يلزمكم أن تشربوا منه مثل ما تشرب الهيم،
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٥٤.
www. modoee.com
١٩١
حرف النون
وهي الجمال التي أصابها العطش فتشرب ولحمه، وقيل: الزمهرير البارد لا يستطيعون
أن یذوقوه من شدة برده(٤).
ولا ترتوي))(١).
وهذا الحميم من شدته وعظمته أفرد
کأنه عذاب وحده، يرد عليه أهل النار بعد
تعذيبهم في جهنم.
يقول تعالى: ﴿هَذِهِ، جَهَنَّمُ أَلَتِى يُكَذِّبُ
بِهَا الْرِمُونَ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حِيمٍ مَانٍ﴾
[الرحمن: ٤٣ -٤٤].
والمعنی: «یمشون بین مکان النار وبین
الحمیم، فإذا أصابهم حر النار طلبوا التبرد،
فلاح لهم الماء فذهبوا إليه، فأصابهم حره
فانصرفوا إلى النار، وهكذا يكون عذابهم
بهذه الصورة الفظيعة)) (٢).
وتتأكد شدة هذا الحميم وعظم ما فيه من
العذاب حين نعلم أنه ينبع من عينٍ شديدة
الحرارة والغليان، قال تعالى في سورة
الغاشية عن الوجوه الخاشعة: ﴿ُتقَىمِنْعِيْنِ
ءَانِيَةِ﴾ [الغاشية: ٥].
أي: «قد انتهى حرها وغليانها))(٣).
وكل هذا يدلنا على قبح هذا النوع من
الشراب وشدة عذابه وألمه عافانا الله منه.
٢. الغساق.
قال تعالى: ﴿هَذَا قَلْيَّذُ وقُوهُ حِيمٌ وَغَسَّاقٌ،
[ص: ٥٧].
والغساق: هو ما يسيل من جلد الكافر
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤١٥/٢٩ بتصرف.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٤/٢٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٥/٨.
وقد جمع الحافظ ابن كثير بين المعنيين
بقوله: ((الغساق: هو ما اجتمع من صديد
أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم،
فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا يواجه من
نتنه»(٥).
وقد بین الله عز وجل في كتابه أن أهل
النار يستبدلون بالشراب الطيب والنسيم
البارد حميمًا وغساقًا؛ جزاء لهم على
أعمالهم.
قال تعالى: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا
﴿﴿ إِلَّا حَيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤-٢٥].
وعلى ما ذكر من أن الغساق بارد لا
يستطاع من برده نجد أن الله قد جمع عليهم
عذاب الحر الشديد بالحمیم، وعذاب البرد
الشدید بالغساق، «فالحمیم یحرق بحره،
والغساق يحرق ببرده))(٦).
٣. الصدید.
قال تعالى: ﴿مِّنْ وَرَآبِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّآءِ
صَدِيدٍ ٦ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيفُهُ.
وَيَأْتِهِ اَلْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيْتٍ
وَمِن وَرَآبِهِ، عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ [إبراهيم: ١٦-
١٧].
والصديد: ((هو ما يسيل من الدمل
(٤) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٢٢٦.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٧/٨.
(٦) الكشاف، الزمخشري ٤/ ١٠١.
جَوَسُولَةُ النفسية
القرآن الكريم
١٩٢
الناس
والجروح من القيح)) (١). وهذا الماء يكون
في نفسه صديدًا؛ لأن كراهته تصد عن
تناوله(٢).
وقد اشتملت هذه الآية على بيان قبح هذا إلا حرارة (٤). فهو كالمهل في سواده ونتنه
الشراب وشدة إيذائه بو جوه بلیغة، منها(٣):
وقد بينت الآية من آثار هذا الشراب أنه
يشوي الوجوه شيًا والتعبير بالوجه؛ لأنه
«أشد الأعضاء تألمًا من حر النار.
أنه جعل الصديد ماء على التشبيه البليغ
في الإسقاء؛ لأن شأن الماء أن يسقى،
والمعنى: ويسقى صديدًا عوض الماء
إن طلب الإسقاء.
أنه عطف جملة
﴿وَيُسْقَى﴾ على
جملة ﴿مِّنْ وَرَآَبِهِ جَهَنَّمُ﴾ لأن السقي
من الصدید شيء زائد على نار جهنم،
فإسقاؤه من ماء الصديد عذاب فوق
دخوله النار.
أن هذا الصديد يسقاه بعنف فيتجرعه
غصبًا وكرهًا، وأنه ﴿وَلَا يَكَادُ
يُسِينُهُ﴾ أي: لا يقارب أن يسيغه
فضلاً عن أن يسيغه بالفعل لقذارته
ومرارته، والتقزز والتكره بادیان، نکاد
نلمحهما من خلال الكلمات.
٤. ماء کالمھل.
قال تعالى: ﴿وَإِنِ يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ
كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾
[الكهف: ٢٩].
(١) المفردات، الراغب ص ٤٧٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٧٩/١٩ -٨٠ بتصرف.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١١/١٣،
في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٠٩٣.
والمهل هو عكر الزيت المغلي شديد
الحرارة، وتشبيه هذا الماء بالمهل في
سواد اللون وشدة الحرارة، فلا يزيدهم
وغلظته وحرارته(٥).
.
قال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾
[المؤمنون: ١٠٤]))(٦).
وإذا كان يشوي الوجوه عند الاقتراب
منه (فكيف بالحلوق والبطون التي
تتجرعه؟!)) (٧).
ومما يجلي لنا أثر هذا الماء في أهل النار
ما ذكره سعيد بن جبير قال: ((إذا جاع أهل
النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها
فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارًا مر
بھم یعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها، ثم
يصب عليهم العطش فيستغيثون، فيغاثون
بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا
أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم
وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود)»(٨).
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٥/٥،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٨/١٥، في
ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٦٩/٤.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٥/٥.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٩/١٥.
(٧) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٦٩/٤.
(٨) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٥/٥.
www. modoee.com
١٩٣
حرف النون
كما حكم الله على هذا الشراب بأنه
﴿يَتْسَ الشَّرَابُ ﴾ [الكهف: ٢٩].
فيا لله ما أقبح هذا الشراب! وما أقبح
وصفه ونعته! وهل هناك شراب أقبح من
شراب وصفه الله بالقبح والسوء؟!
وهي:
٠
ثالثًا: اللباس:
مما ذكره الله تعالى في القرآن من ألوان
العذاب للكفار والمجرمين في النار اللباس،
حيث بين تعالى أنه أعد للمعذبين في النار
لباسًا، هذا اللباس لا يقيهم بردًا ولا حرًا،
وإنما لباس یحرق أبدانهم، ویأکل جلودهم،
ويذيب لحومهم.
وقد جاء الإخبار عن هذا اللباس في قوله
تعالى: ﴿قَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِبَابٌ
مِّنْ تَارِ﴾ [الحج: ١٩].
قال ابن كثير رحمه الله: ((﴿فَلَّذِينَ
كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَارٍ﴾ أي:
فصلت لهم مقطعات من نار، قال سعيد بن
جبير: من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة
إذا حمي))(١).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٤٠٦.
وكان إبراهيم التيمي يقول: ((﴿قَالَّذِينَ
كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ﴾ سبحان
من قطع من النیران ثيابًا)»(٢).
وقد جاء في الحديث أن أول من یکسی
من حلل النار إبليس، فعن أنس بن مالكٍ
وذكر لهذه الأنواع من الشراب أوصافًا، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (إن أول من یکسی حلةً من النار
إبليس فيضعها على حاجبه، ويسحبها وهو
شدة الحرارة.
نتن الرائحة وشدة البرودة.
یقول: پا ثبوراه، وذريته خلفه، وهم يقولون:
یا ثبورهم، حتی یقف علی النار، ویقول: یا
سواد اللون.
ثبوراه، ويقولون: يا ثبورهم، فيقال:
نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَبِدًّاً وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرٌ﴾
[الفرقان: ١٤])(٣).
وجاء بيان مادة هذا اللباس في قوله
تعالى: ((﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:
٥٠].
أي: ثيابهم التي يلبسونها عليهم من
قطران (٤)، وهو الذي تطلى به الإبل، وهو
ألصق شيء بالنار ... ))(٥).
وقد جعل ثيابهم من قطران؛ لأنه «شدید
(٢) البعث والنشور، البيهقي ص٢٩٦.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٢١٩/٢١، رقم
١٣٦٠٣.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة،
٢٨٠/٣، رقم ١١٤٣.
(٤) القطران: مادة سائلة تطلى بها الإبل الجرباء،
وهو ألصق شيء بالنار.
انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٢٥٦،
لسان العرب، ابن منظور ١٠٥/٥.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٢/٤.
١٩٤
مَوَبُوبة التي
القرآن الكريمِ
الناس
الحرارة يؤلم الجلد الواقع عليه))(١)؛ ولأن لهم منه مفرًا ولا مخرجًا.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمُ النَّارُ بِمَا
((النار إذا لفحته قوي اشتعالها))(٢).
كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨].
والقطران تجتمع فيه صفات أربع: أنه
يحرق الجلد؛ ولذا تطلى به الإبل الجرب،
وأنه يسرع فيه اشتعال النار، وأنه أسود
اللون، منتن الريح، فإذا طليت به جلود
أهل النار عاد طلاؤه لهم كالسرابيل -وهي
القمص-؛ لتجتمع عليهم الأربع: لذع
القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم،
واللون الوحش، ونتن الربح (٣).
((فمشهد المجرمين اثنين اثنين مقرونين
في الوثاق، يمرون صفًا وراء صف، مشهد ٣٩].
مذل دال كذلك على قدرة القهار، ويضاف
إلى قرنهم في الوثاق أن سرابيلهم وثيابهم
من مادةٍ شديدة القابلية للالتهاب، وهي
في ذات الوقت قذرة سوداء من قطران،
ففيها الذل والتحقير، وفيها الإيحاء بشدة
الاشتعال بمجرد قربهم من النار))(٤).
رابعًا: سكن أهل النار:
النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين
والمجرمين، فهي سكنهم ومستقرهم، وهي
مأواهم الذي لا مأوى لهم سواها، ولا مولی
لهم إياها، جعلها الله سجنًا لهم، لا یجدون
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣/ ٢٥٣
بتصرف.
(٢) غريب الحديث، ابن الجوزي ٢/ ٢٥٢.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٥٦٧.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢١١٣.
وقال: ﴿وَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى
الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: ١٥١].
وقال أيضًا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ
اللَّهِ كُفْرَاً وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) جَهَنَّمَ
[إبراهيم: ٢٨-
يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾
٢٩].
وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَىِ ) وَءَائِرَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاَ
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧-
٣٨
وإذا كان السكن غايته تحصيل معاني
الطمأنينة والسكينة والراحة، فإن سكن
أهل النار ليس فيه شيء من ذلك ألبتة،
ففيه يعذبون أشد العذاب، ويلاقون من
أنواع المهانة والصغار ما تعجز عن وصفه
أكثر أقلام الكاتبين تشاؤمًا، فهو سكنٌ لا
راحة فیه، ولا نوم فیه، طعامهم فيه عذاب،
وشرابهم فيه عذاب، وثيابهم فيه عذاب،
وفرشهم فيه عذاب. وصدق الله العظيم
إذ يقول: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾
[الفرقان: ٦٦].
ويمكننا أن نستخرج من آيات القرآن أهم
صفات هذا المسكن من خلال ما يأتي:
١. محيطة بساكنيها.
لما كانت جهنم سجنًا لساكنيها فقد
www. modoee.com
١٩٥
حرف النون
جعلها الله محيطة بهم إحاطة السوار
بالمعصم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ
بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
والمراد من ضرب هذا السرادق ((ألا
يكون لهم مخلص منها ولا فرجة يتفرجون
بالنظر إلى ما وراءها من غير النار، بل هي
محيطةٌ بهم من كل الجوانب))(١).
فلا فرجة لهم ينظرون منها إلى ما وراءها ولا طريقًا للخلاص.
من غير النار، ولا هي تطال أحدًا غيرهم، فقد
اجتمع عذابها بكامل لهبها ودخانها وشررها
عليهم، لا يضيع منه شيء في هواء أو فضاء؛
لأنها محيطة بهم، مغلقة عليهم.
٢. ضيقة على سكانها.
جهنم مسکن لمن قدر الله علیه أن یکون
من أهلها، وهذا المسكن علی سعته واتساعه
إلا أنهم فيها في ضيق، ضيقٌ يحيط بأبدانهم
زيادة على الضيق الذي يملأ صدورهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانَا ضَيْقًا
مُقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].
وقد ذكر بعض العلماء في قوله:
عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ٥) فِ عَمَدٍ مُمَدَّدَةِ﴾ [الهمزة:
٨-٩].
أن العمد بمعنى القصبة المجوفة تضيق
عليهم(٢).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٥٩/٢١.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٠٢/٩.
وإذا كان من «جمع في مكانٍ یجمع بین
ضيق المكان وتزاحم السكان، وتقرينهم
بالسلاسل والأغلال»(٣)، فهل بعد هذا
عذاب؟!
٣. مغلقة علی سکانھا.
أهل النار مقيمون فيها إقامة جبرية لا
خيار لهم في الخروج منها إلى غيرها؛ لأنها
مغلقة علیهم، فلا يجدون سبيلاً للخروج،
قال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةً﴾ [الهمزة:
٨]. ومعناه: مطبقة أو مغلقة (٤).
و((معنى إيصادها عليهم: ملازمة العذاب
واليأس من الإفلات منه، كحال المساجين
الذين أغلق عليهم باب السجن)»(٥).
وبهذا يسد عليهم كل طريقٍ للفرار إلا
طريقًا واحدًا وهو الفرار إلى وادٍ من الحميم.
قال تعالى: ﴿يَطُوفُنَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حِيمٍ مَانِ﴾
[الرحمن: ٤٤].
يقول ابن عاشور رحمه الله: ((يمشون
بين مكان النار وبين الحميم، فإذا أصابهم
حر النار طلبوا التبرد، فلاح لهم الماء،
فذهبوا إليه فأصابهم حره، فانصرفوا إلى
النار دواليك)»(٦). ففرارهم من عذابٍ إلى
عذاب.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٧٩.
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥/ ٥٢٢.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٤١/٣٠.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧/ ٢٦٤.
١٩٦
القرآن الكريم
الناس
سبل الوقاية من النار
بين القرآن الكريم سبل الوقاية من النار
حتى يسلكها العبد للنجاة من النار وعذابها،
وسوف نتناولها بالبيان فيم يأتي:
أولًا: توحيد الله:
التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وتنزيهه
عن كل ند وشريك ومثيل، وهو أشرف
المقامات وأعلاها على الإطلاق، وهو رأس
الأمر، وأصل الدين الذي لا يقبل الله من
الأولين والآخرين دينًا غيره، ولأجله أرسل
الله الرسل، وأنزل الكتب، كما قال تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ
إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّآ أَنْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وهو أعظم حقٍ لله تعالى على عبيده،
ففي الصحيحين من حديث معاذٍ رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا
یشر کوا به شيئًا)(١).
ولما کان توحيد الرب جل جلاله بهذه
القيمة وذاك الشرف كان - لا شك - أعظم
أسباب النجاة من النار، ويتبين ذلك من
خلال ما يأتي:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك،
٨/ ٦٠، رقم ٦٢٦٧، ومسلم في صحيحه،
كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان،
٥٨/١، رقم ٣٠.
١. التوحيد مفتاح المغفرة.
باب مغفرة الذنوب والطمع في تجاوز
الله عنها مفتاحه واحد هو توحيد الله، ولا
يغلق هذا الباب إلا بقفل واحد هو بالموت
على الشرك، وقد جاء بيان هذه الحقيقة في
القرآن في كثير من الآيات، أظهرها قوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدٍ أَفْتَرَى
إِثْمَا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ
بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ وَمَن يُشْرِكَ
بِاَللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَأْ بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].
((فالمشرك قد سد على نفسه أبواب
المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة فلا
تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده
المصائب شيئًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَن
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَفْتَرَىٌ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:
٤٨].
وفي الحديث القدسي قال رب العزة:
(ومن لقيني بقراب الأرض خطيئةً لا يشرك
بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرةً))(٢).
٢. التوحيد مفتاح دخول الجنة.
إذا كان التوحيد مفتاح المغفرة فلازم
ذلك أنه مفتاح الجنة، فالجنة مفتوحة أبوابها
للموحدين مهما كثرت ذنوبهم، مغلقة
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر، باب
فضل الذكر والدعاء والتوبة، ٤ /٢٠٦٨، رقم
٢٦٨٧.
www. modoee.com
١٩٧
حرف النون
أبوابها أمام المشركين مهما كثرت فضائلهم، بديعة في إفادة الأصول الثلاثة؛ إذ جعل
التوحيد أصلًا لها، وفرع عليه الأصلان
الآخران، وأكد الإخبار بالوحدانية بالنهي
عن الإشراك بعبادة الله تعالى))(٢).
فالجنة محرمة عليهم؛ لأنهم اخترقوا حرمة
التوحید، وتنکروا لنعم الله وأفضاله علیھم.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ، مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ
اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٢
وقال صلى الله عليه وسلم: (من لقي الله
لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك
به دخل النار)(١).
فالتوحيد من أعظم الأمور التي تكفل
له النجاة يوم أن يلقى خالقه، ويقبل على
ربه ومولاه، وقد أمر الله كل من يرجو
لقاءه ويخاف عقابه بالتخلص من الشرك
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىّ
أَنَّا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌّ فَنْ كَانَ يَرْجُو ◌ْلِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ
عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُثْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:
١١٠].
يقول ابن عاشور: ((المعنى: يوحى الله
إلي توحيد الإله، وانحصار وصفه في صفة
الوحدانية دون المشاركة، وتفريع
﴿ فَنْ كَانَ
يَرْحُو ◌ْلِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠].
هو من جملة الموحى به إليه، أي
یوحى إلي بوحدانية الإله، وبإثبات البعث،
وبالأعمال الصالحة، فجاء النظم بطريقة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة،
ومن مات مشركًا دخل النار، ١/ ٩٤، رقم
١٥٢.
وهكذا يظهر ما للتوحيد من أثرٍ عظيم في
نجاة العبد يوم القيامة، ووقايته من الجحيم.
٣. التوحيد سبب الأمن في الدنيا والآخرة.
الآخرة فيها أهوال جسام وشدائد عظام
يشيب من هولها الولدان، والناس فيها
سیکونون في فزع عظیم، ورعب شدید.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَعُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ
فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلََّ مَن شَآءَ اللَّهُ وَكُلُّ
أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧].
وتوحيد الرب جل وعلا ونفي الشريك
عنه من أعظم ما ینجي العبد ويؤمنه في الدنيا
قبل الآخرة.
قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ
إِيَمْنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَتَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم ◌ُهْتَدُونَ﴾
[الأنعام: ٨٢].
﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمْنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، أي: ((لم
يخلطوا إيمانهم بشرك)» (٣).
لَهُمُ الْأَمْنُ﴾، أي: ((الأمن من عذاب
الدنيا بالاستئصال ونحوه، ومن عذاب
الآخرة» (٤).
فلا أمن ولا أمان من النار إلا لمن وحد
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩/٩.
(٣) أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٨٣.
(٤) التحرير والتنوير ٣٣٣/٧.
١٩٨
جوبيبو
القرآن الكريم
الناس
ربه وأفرده وأخلص له عمله، وكلما كان حض الله في القرآن على لزوم طاعة الأنبياء
العبد أكثر تحققًا بمقام التوحيد كان أكثر والرسل، وبين أنه من أعظم أسباب النجاة
أمانًا يوم القيامة ولا شك.
ولما كان التوحيد هو سبب الأمن كان
الشرك على نقيضه، يقول جل جلاله: ﴿وَمَن
يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَكَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ
الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِ مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾
[الحج: ٣١].
التوحيد، فيهوي إلى درك الشرك، فإذا هو
ضائع ذاهب بددًا، كأن لم يكن من قبل أبدًا،
إنه الهوي من أفق الإيمان السامق إلى حيث
الفناء والانطواء؛ إذ يفقد القاعدة الثابتة التي
يطمئن إليها، قاعدة التوحيد، ويفقد المستقر
الآمن الذي يثوب إليه فتتخطفه الأهواء
تخطف الجوارح، وتتقاذفه الأوهام تقاذف
الرياح، وهو لا يمسك بالعروة الوثقى، ولا
يستقر على القاعدة الثابتة التي تربطه بهذا
الوجود الذي یعیش فیه»(١).
وهكذا يظهر أن التوحيد هو أعظم
أسباب الوقاية من النيران، جعلنا الله من
أهل توحيده وطاعته.
ثانيًا: اتباع الرسل:
اتباع الرسل وطاعتهم من أعظم أسباب
نجاة العبد من النيران وإسكانه الجنان؛ ولذا
(١) في ظلال القرآن ٢٤٢١/٤-٢٤٢٢ بتصرف.
في الآخرة.
قال عز وجل: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرُسُلِهِ،
وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ
يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾
[النساء: ١٥٢].
فالإيمان بالله تعالى وبرسله واتباعهم،
(هذه هي صورة من تزل قدماه عن أفق وعدم التفريق بين أحد منهم في أصل
الإيمان بهم، يوجب أجرًا عظيمًا بقدر عظمة
الواعد سبحانه.
ولاشك أن الإيمان بالرسل عامة واجب
لا ينجو الإنسان يوم القيامة إلا بتحقيقه، وقد
دلت الآيات الكثيرة على ذلك - كما سبق
بيانه- غير أنه من الضروري أن ننبه على
أهمية الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه
وسلم خاصة؛ لأنه خاتم الأنبياء، وتكذيبه
يعني: تکذیب کل الأنبياء والمرسلین، ومن
كفر به وبما جاء به فقد بين الله تعالى في
غير آية أنه من أهل النار، كما بين سبحانه أن
طاعته تورث صاحبها جنات النعيم.
وقد اتخذت صور الإثابة المترتبة على
طاعة النبي صلى الله عليه وسلم صورًا
عدة، منها:
١. الوعد بالخلود في الجنة.
الخلود في الجنة لاشك من أرفع ما
تشرئب إليه الأعناق، ومنتهى ما تصل إليه
www. modoee.com
١٩٩
حرفالنون
وأطاعه.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَهِّ
وَمَنْ يُطِيعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ
فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [النساء:
١٣].
«فهذا الجزاء الحسن قد أعده الله تعالى
لمن أطاعه وأطاع رسوله صلى الله عليه
وسلم الذي حمل إليه ما أمر الله به وما نھی
عنه، إنه جنات تجرى من تحتها الأنهار، فيها
ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر
على قلب بشر، وإنه الخلود في هذه الجنات
والعيش الدائم في نعيمها))(١).
وقال تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَلِ وَاَلْأَرْضِ
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ
اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾
[الحديد: ٢١].
فهذه الجنة العظيمة، الجنة التي عرضها
كعرض السماء والأرض، أعدها الله لمن
آمن واتبع الرسل ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ﴾ وتأمل كيف أنه خص جل جلاله
العرض بالذكر؛ «ليكون أبلغ في الدلالة على
فرط اتساع طول الجنة؛ لأنه إذا كان عرضها
كعرض السماء والأرض فإن العقل يذهب
(١) التفسير القرآني للقرآن ٧١٥/٢.
الهمم، وقد وعدها الله من اتبع الرسول كل مذهب في تصور طولها، فقد جرت
العادة أن يكون الطول أكبر من العرض»(٢).
فالإيمان بالرسل واتباعهم وطاعتهم إذًا
من أعظم ما ينجي العبد يوم القيامة من النار،
ويجعله من سكان جنة الأبرار.
٢. صحبة النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين.
صحبة الأنبياء والصديقين والشهداء
والصالحين من أعظم الأمور التي قد يتطلع
إليها الإنسان، فهي صحبة لأعظم ركب
ميمون، ولأجل موكب ظهر في هذا الوجود،
وهذه الصحبة الكريمة جعلها الله لمن أطاع
النبي صلى الله عليه وسلم، وتقفى خطاه.
يقول تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
فَأُوْلَيْكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ
أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
فأنعم به من جزاء! فهل هناك صحبة
أعظم من هذه الصحبة؟ بل إن صحبة الفريق
الواحد من أعظم ما يبهج النفوس، ويشرح
الصدور، فكيف بالمجموع؟!
٣. غفران الذنوب والوقاية من العذاب.
وهذا من الخير العظيم والبركة الكبيرة
لطاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه.
يقول تعالى: ﴿يَقَوْمَنَاْ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ
وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَهُجِرَّكُمُ مِنْ
(٢) المصدر السابق ٢٠٥/٢٩.
جَوَسُورَةُ النَّفِي
القرآن الكريم
٢٠٠
الناس
عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١].
فهذه الآية تبين حسرة من أعرض
فقد بينت هذه الآية الكريمة أن إجابة وخسرانه عن اتباع النبي صلى الله عليه
النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة أمره،
وتلبية دعوته، مما تغفر به الذنوب، ومما
یجیر العبد من عذاب الله، وهذا من الخير
العظيم، فإنه متى («أجارهم من العذاب
الأليم، فما ثم بعد ذلك إلا النعيم، فهذا
جزاء من أجاب داعي الله))(١).
فطاعة الرسول إذًا سبيل الوقاية من
النيران، ونيل السعادة في الدنيا والآخرة.
وكما أن طاعة الرسول خلفها خير عظيم
فإن عصيانه والکفر به يهلك العبد، ويجعله
من أهل النار، وقد جاءت العديد من الآيات
التي تحذر من مغبة الكفر بالنبي صلى الله هذا الظالم: ﴿لَيْتَِ لَّمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾))(٢).
علیه وسلم، أو تكذيبه وعدم اتباعه.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ, يُدْخِلْهُ نَارًا
خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيبٌ﴾
[النساء: ١٤].
وهذه الآية تبين مغبة عصيان النبي صلى
الله عليه وسلم، وأنها مع عصیان الله تدخل
صاحبها النار، وتورثه العذاب الأليم فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى
يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
٢ يَوَيِلَقَ لَيْتَفِ لَمْ أَقَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:
٢٧
٢٧-٢٨].
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٧٨٣.
وسلم لما عاين أهوال القيامة، وأنه يتمنى
ساعتها أن لو عاد إلى الدنيا؛ ليتخذ مع
الرسول سبيلاً «فهي حالة تكشف عن سبب
الحسرة التي تملأ قلب الظالم في هذا اليوم،
وهو أنه قد كان على طريق مخالف لطريق
النبي صلی الله عليه وسلم، وأنه دعي إلى
الإيمان فأبى، ولم يتخذ مع الرسول سبيلاً،
بل اتخذ سبيله مع الضالين والظالمين من
أمثاله الذين أغووه وأغواهم، فكانوا حزبًا
على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين،
وهذا ما يشير إليه قوله جل جلاله على لسان
وقال سبحانه أيضًا مبينًا ما يتمناه
أهل النار وهم يعذبون فيها: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ
وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَاْ أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا
الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦].
«إنهم يتمنون أن لو أطاعوا الرسول لكنها
أمنية ضائعة، لا موضع لها ولا استجابة، فقد
فات الأوان، وإنما هي الحسرة على ما
كان)»(٣).
فهذه الآيات وغيرها تبين جميعًا سوء
عاقبة من كذب النبي صلی الله عليه وسلم
ولم يؤمن به، ولم يتبعه فیما أمر به ونھی
(٢) التفسير القرآنى للقرآن ١١/١٠ بتصرف.
(٣) في ظلال القرآن ٢٨٨٣/٥ بتصرف.
www. modoee.com
٢٠١
حرفالنون
عنه، فكان مرده إلى خسران مبين كما في الحميم، أي: ((الماء الذي اشتد غليانه
أو ضحت الآيات الكريمات.
ولما كانت طاعة الرسل وحسن اتباعهم
سبيل عظيم للوقاية من النيران، كان تكذيبهم
من أكثر ما يورد الإنسان النار، ولقد توعد
الله المكذبين للرسل بعقوبات أخروية.
قال
﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
سبحانه:
بِالْكِتَبِ وَمَا أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿ إِذِ الْأَغْلَلُ فِىَ أَعْنَقِهِمْ
۵ في الحَمِیمِ ثُمَّ فِی
وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ
ثُمَّقِيلَ لَمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ
النَّارِ يُسْجُرُونَ ()
مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل
تُشْرِكُونَ )
لَمْ نَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [غافر: ٧٠ -٧٤].
ففي هذه الآيات بين سبحانه العاقبة
الوخيمة لمن كذب بالکتاب وكذب الرسل،
وتأمل كيف أن الله قال: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَّمُونَ﴾
ففي ((هذا تهديدٌ شديدٌ، ووعيدٌ أكيدٌ من
الرب -جل جلاله - لهؤلاء))(١).
والمعنى: أنهم سوف يعلمون ((سوء
عاقبة تكذيبهم لأنبياء الله تعالى، ولكتبه
التي أنزلها عليهم))(٢).
وشرعت الآيات بعد ذلك في بيان
عاقبتهم و کیف أنها إلى جهنم، حیث تجعل
السلاسل في أعناقهم وأرجلهم، ويسحبون
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٥٧.
(٢) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٢/ ٣١١.
وحره»(٣). ومما يظهر شدة إهانتهم وإذلالهم
ذكر الآيات أنهم يسجرون في النار، أي:
((يوقد عليهم اللهب العظيم، فيصلون بها،
ثم يوبخون على شركهم وكذبهم، ويقال
لهم: ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [غافر: ٧٣]))(٤)
إنها - كما يقول صاحب الظلال -: ((الإهانة
والتحقير في العذاب، لا مجرد العذاب»(٥).
وهكذا تظهر شؤم عاقبة التكذيب بالرسل،
وأنها سبب العذاب والخزي في الدنيا
والآخرة.
٤. فعل الخيرات وترك المنكرات.
فعل الخيرات والإكثار من الصالحات
من أكثر الأمور التي تقي العبد من النيران،
وأما اقتراف المنكرات والسيئات فمن أکثر
ما یزج به في السعیر.
قال تعالى مرغبًا في فعل الخير: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ
وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
وقال جل جلاله آمرًا بالاحتراز من بعض
المنكرات: ﴿فَأَجْتَنِبُواْ الْرّْسَ مِنَ
الْأَوْثَنِ وَجْتَنِبُواْ فَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:
٣٠].
وقد ذكر عز وجل في كتابه الكثير من
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٤٢.
(٤) المصدر السابق.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥ / ٣٠٩٦.
٢٠٢
بَرُ النَِّّيَّـ
جوبيع
القرآن الكريم
الناس
الخيرات، ورغب في فعلها؛ لتقود العبد
إلى جنة ربه، كما ذكر العديد من المنكرات
وحذر منها؛ لأنها تقود العبد إلى النار.
وفيما يلي إشارة إلى بعض هذه
المنكرات وتلك الخيرات دون استقصاء
لها؛ لأن استقصاءها يطول، ويخرجنا عن
المقصود، وإنما هي شارات على منارات.
٥. خیرات وصالحات ينبغي الإكثار منها.
إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان
بالرسل ونصرتهم، والتصدق.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَلقَ
بَنِي إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ
نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنَّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ
الضَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم
بِرُسُلٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيَِّاتِكُمْ
وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّتٍ ◌َّجْرِى مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَدُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ
فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢].
﴿وَقَالَ اُللَّهُ إِ مَعَكُمْ﴾ (وعد عظيم،
فمن کان الله معه فلا شيء إذن ضده، ومهما
یکن ضده من شيء فهو هباء لا وجود -في
الحقیقة- له ولا أثر، ومن كان الله معه فلن
يضل طريقه، فإن معية الله جل جلاله تهديه
كما أنها تكفيه، وعلى الجملة فمن كان الله
معه فقد ضمن وقد وصل، وما له زيادة
يستزيدها على هذا المقام الكريم.
ولكن الله جل جلاله لم يجعل معيته
جزافًا ولا محاباة ولا كرامة شخصية منقطعة
عن أسبابها وشروطها عنده، إنما هو عقد،
فيه شرط وجزاء، شرطه: إقامة الصلاة، لا
مجرد أداء الصلاة، إقامتها على أصولها التي
تجعل منها صلة حقيقية بين العبد والرب،
وعنصرًا تهذيبيًا وتربويًا وفق المنهج الرباني
القويم، وناهيًا عن الفحشاء والمنكر، حیاء
من الوقوف بين يدي الله بحصيلة من
الفحشاء والمنكر.
وإيتاء الزكاة اعترافًا بنعمة الله في الرزق
وملكيته ابتداء للمال، وطاعة له في التصرف
في هذا المال وفق شرطه، وهو المالك
والناس في المال وكلاء.
والإيمان برسل الله كلهم دون تفرقة
بينهم، فكلهم جاء من عند الله، وكلهم
جاء بدين الله، وعدم الإيمان بواحد منهم
كفر بهم جميعًا، وكفر بالله الذي بعث بهم
جمیعًا.
وليس هو مجرد الإيمان السلبي إنما هو
العمل الإيجابي في نصرة هؤلاء الرسل،
وشد أزرهم فيما ندبهم الله له، وفيما وقفوا
حیاتهم کلها لأدائه، فالإیمان بدین الله من
مقتضاه أن ينهض المؤمن لينصر ما آمن
به، وليقيمه في الأرض، وليحققه في حياة
الناس.
وبعد الزكاة إنفاق عام يقول عنه الله
www. modoee.com
٢٠٣
حرف النون
تعالى إنه قرض لله، والله هو المالك وهو بِاَللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
الواهب، ولكنه فضلًا منه ومنة يسمي ما وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ
أَوَ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ
ینفقه الموهوب له -متی أنفقه لله- قرضًا
لله.
فِي قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجٍ مِنْهٌ
وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَّحْنِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِدِينَ فِيهَأَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ
أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[المجادلة: ٢٢].
ذلك كان الشرط، فأما الجزاء: تكفير
السيئات، والإنسان الذي لا يني(١) يخطئ،
تكفير السيئات بالنسبة إليه جزاء ضخم،
ورحمة من الله واسعة، وتدارك لضعفه
وعجزه وتقصيره.
وجنة تجري من تحتها الأنهار، وهي
فضل خالص من الله، لا يبلغه الإنسان
بعمله، إنما يبلغه بفضل من الله، حين يبذل
الجهد، فيما يملك وفيما يطيق))(٢).
٦. تحقيق الولاء والبراء.
الولاء والبراء من أعظم الأعمال وأجلها،
وهو الرابطة التي يجتمع عليها المسلمون في
شتی البقاع والأنحاء، وهو من لوازم الإيمان
بالله ورسوله، بل ما يكون العبد خالص
الإيمان بالله ورسوله حتی یوالي في الله،
ویعادي في الله، ويحب في الله، ويبغض
في الله، ويعطي لله، ويمنع لله.
قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
(١) الونى: الفترة في الأعمال والأمور والتواني،
تقول: فلان لا يني في أمره، أي: لا يفتر ولا
يعجز.
انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٥/ ٣٩٨.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢ / ٨٥٧-٨٥٨
باختصار.
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ
الْآَخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَادَّ أَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي:
لا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبد مؤمنًا
بالله واليوم الآخر حقيقة إلا كان عاملًا على
مقتضى الإيمان ولوازمه، من محبة من قام
بالإيمان وموالاته، وبغض من لم يقم به
ومعاداته، ولو كان أقرب الناس إليه.
وهذا هو الإيمان على الحقيقة الذي
وجدت ثمرته والمقصود منه، وأهل هذا
الوصف هم الذين كتب الله في قلوبهم
الإيمان، أي: رسمه وثبته وغرسه غرسًا لا
يتزلزل، ولا تؤثر فيه الشبه والشكوك.
وهم الذين قواهم الله بروح منه، أي:
بوحيه ومعونته ومدده الإلهي، وإحسانه
الرباني.
وهم الذين لهم الحياة الطيبة في هذه
الدار، ولهم جنات النعيم في دار القرار التي
فيها من كل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين
صَوَسُولَة
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٢٠٤
الناس
وتختار (١).
(وأما من يزعم أنه يؤمن بالله واليوم
الآخر وهو مع ذلك موادّ لأعداء الله، محبٌ
لمن ترك الإيمان وراء ظهره، فإن هذا إيمان
زعمي لا حقيقة له، فإن کل أمر لا بد له من
برهان يصدقه، فمجرد الدعوى لا تفید شيئًا،
ولا يصدق صاحبها)) (٢).
فتأمل -رحمك الله- كيف جمع لهم
هذا العمل هذه الجزاءات العظيمة: كتب
في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروحٍ منه،
ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها، رضي الله عنهم ورضوا عنه،
أولئك حزب الله، فما أعظمه من عمل وما
أجله!
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٤٨.
(٢) المصدر السابق.
أسباب دخول النار
من خلال النظر في مواضع ورود النار
في القرآن، وتتبع أسمائها وأوصافها تبين أن
هناك العديد من المعاصي التي تكون سببًا
في دخولها، منها:
أولًا: الكفر والشرك:
الكفر والشرك أعظم الأسباب التي تورد
الإنسان الخلود في الجحيم، وقد جاءت
العديد من الآيات في القرآن التي تحدثت
عن سوء عاقبة الكفر، وشناعة مصير
المشركين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ اَلْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ
سَعِيرًا
خَلِينَ فِيهَا أَبْدٌ لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا
٦٤
نَصِيرًا (٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ
يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب:
٦٤-٦٦].
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ
رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُواْ
أَوَّلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَتِّ قَالُواْ
بَلَنْ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَلُواْ الْكَفِرِينَ إِلََّّ فِى
ضَلَلٍ﴾ [غافر: ٤٩- ٥٠].
وقال: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ
لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ
عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:
٣٦].
وتأمل کیف «وقع الإخبار عن نار جهنم
www. modoee.com
٢٠٥
حرفالنون
بلام الاستحقاق؛ للدلالة
بأنها ﴿لَهُمْ﴾
على أنها أعدت لجزاء أعمالهم»(١). جهنم
بما فيها أعدت لتكون جزاء لكفرهم، فما
أخبثها من عاقبة! وما أبشعها من نهاية!
وبين سبحانه أن الكفار والمشركين في
نار جهنم خالدين، وأنهم شر البرية.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَاً
أُوْلَكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦].
كما أخبر سبحانه أن المشرك يحرم
الجنة، وأن مأواه النار، وبئس المصير.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ، مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ
اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلَّلِمِينَ
مِنْ أَنْصَارِ ﴾ [المائدة: ٧٢].
الله عز وجل بجواز غفرانه کل الذنوب إلا
الشرك، فإنه لا يغفره أبدًا، قال جل جلاله:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨].
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ
قال تعالى:
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٧/٢٢.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَرَ جَهَنَّمَ خَلِينَ
فِيَهَا هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ
تُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨].
هذا هو الجزاء الذي أعده الله لأهل
النفاق والكفر، نار جهنم خالدین فیھا، لا
يتحولون عنها أبدًا، هي حسبهم، أي: هي
کل ما لهم عند الله، لا شيء لهم غيرها،
ثم من وراء جهنم وعذابها، لعنة الله القائمة
عليهم، وعذاب مقيم لا يفتر عنهم، وهم فيه
مبلسون(٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْنَفِقِينَ فِىِ الدَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾
[النساء: ١٤٥].
((إنه مصير يتفق مع ثقلة الأرض
فالمشرك بالله شركًا أكبر مقطوع بحرمانه التي تلصقهم بالتراب، فلا ينطلقون
من الجنة، وخلوده في النار أبدًا؛ إذ قضى ولا يرتفعون، ثقلة المطامع والرغائب،
والحرص والحذر، والضعف والخور.
الثقلة التي تهبط بهم إلى موالاة الكافرين،
ومداراة المؤمنين، والوقوف في الحياة ذلك
الموقف المهين، مذبذبين بين ذلك، لا إلى
هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، فهم كانوا في الحياة
ثانيًا: النفاق:
الدنيا يزاولون تهيئة أنفسهم وإعدادها لذلك
المصير المهين، في الدرك الأسفل من
من أكثر أسباب الهلاك التي تورد
صاحبها النار؛ لیذوق فيها أشد ألوان الهوان
وأخبثها - النفاق.
النار))(٣). ((وتأكيد الخبر بـ ﴿إِنَّ﴾ لإفادة أنه
لا محيص لهم عنه، وإنما كان المنافقون في
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٨٣٨/٥-٠٨٣٩
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٧٨٥.
٢٠٦