Indexed OCR Text

Pages 41-52

الميثاق
مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًا فَتَحْرِيُ
رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ: إِلَّ
أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن
كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌ
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا ﴾ [النساء: ٩٢].
وإن كان من قوم بينهم وبين المسلمين
عهد فتحرير رقبة وتسليم الدية إلى ذوي
الميثاق؛ لئلا تقع ضغينة بين أهل الميثاق
والمؤمنين (١).
٥. سلامة العقول وصدق اللسان.
وردت في عدة آيات من كتاب الله،
كوصفهم بأنهم أصحاب العقول السليمة:
﴿إِنّ ◌َنَذَّكَُّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبٍ ﴿ الَّذِينَ يُونُونَ بِعَهْدِ الَّهِ
وَلَا يَنقُضُونَ الْمِشَقَ ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٠].
ووصفهم بالصدق في قوله تعالى:
(١) هذا على الراجح من أقوال المفسرين، حيث
ذهب بعضهم إلى أنه لا بد أن يكون مسلما
عند قوم معاهدين، وذهب آخرون إلى أنه
لا يشترط أن يكون مسلما، لأن الآية سكتت
عن ذلك في الوقت الذي صرحت بكونه
مسلما في الحالتين السابقتين، وهذا ما اختاره
الطبري ورد على المخالفين.
انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٢، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٩١/٢، النكت
والعيون، الماوردي ٥١٦/١، التفسير
الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٧٣.
﴿وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَِّبِينَ
فِى الْبَأْسَآءِ وَالشَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسُِ أُوْلَكَ
الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
[البقرة: ١٧٧].
بعد ذكر الموفين بعهدهم إذا عاهدوا،
وأن عملهم من البر فهم أبرار.
٢. آثار الوفاء بالميثاق في يوم
القيامة.
١. تكفير السيئات وإدخال الجنات.
ذكر الله سبحانه أنه أخذ ميثاق بني
إسرائيل، ثم بين هذا الميثاق وذكر الجزاء
على الوفاء به: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [المائدة: ١٢].
ولما ذكر صفات أولي الألباب ذكر منها
أنهم یوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق،
ثم بين عاقبة هؤلاء فقال: ﴿أُوْلَكَ لَمْ عُقْبَ
الدَّارِ ، حَتَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآِهِمْ
وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ وَالْمَلَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِن كُلِّ
سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبْتُمْ فِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
بَابٍ (@)
[الرعد: ٢٢ - ٢٤].
من الآثار التي وردت في أكثر من آية
جزاء لمن وفى بعهده والتزم بميثاقه الوعد
بدخول الجنة وتكفير السيئات، نجد هذا
في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفٍ بِمَهْدِكُمْ ﴾
[البقرة: ٤٠].
قال الإمام ابن جرير: ((وعهده إياهم أنهم
www. modoee.com
١٠٧

حرف الميم
إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة (١).
٢. الجزاء الحسن والأجر العظيم.
أمر الله سبحانه في سورة النحل بالوفاء
بالميثاق، ونهى عن نقض الإيمان بعد
توكيدها، وحث على الصبر على ذلك،
ثم أكد على العهود مرة أخرى بين عاقبة
الصابرين، وما أعده لهم من جزاء حسن.
ثم جاء بأسلوب بدیع یشیر إلی جزاء
من عمل صالحا والوفاء بالعهد من العمل
الصالح حيث وعده بالحياة الطيبة في الدنيا
والجزاء الحسن في الآخرة: ﴿وَأَوْفُواْ
بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ
بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ
وَلَا
كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (@)
تَكُونُواْ كَلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ
أَنْكَنَّا نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُرْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ
تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ
اللَّهُ بِهِ، وَلَيُبَيَِّنَّ لَكُمْ يَوَمَ اَلْقِيَمَةِ مَا كُتُمْ فِيهِ
تَخْتَلِفُونَ ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ
أُمَّةُ وَحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى
وَلَا
٩٣
مَن يَشَاءُ وَلَتُتَكُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
نَتَّخِذُواْ أَيْمَنَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ
ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوَّهَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدٍ
اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
مَا عِندَكُمْ يَنْفَذُ وَمَا
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٥)
(١) انظر: جامع البيان ١/ ٥٥٧.
عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍّ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُر
بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١) مَنْ عَمِلَ
صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْقَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ.
حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم ◌ِأَحْسَنِ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [النحل: ٩١-٩٧].
ويعد الله الموفين بعهدهم بجزاء عظيم
يجمله سبحانه ولا يفصله زيادة في التشويق
وبيانا لعظم الأجر: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ
مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٌ فَيِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَدُ
وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا لِيَجْزِىَ
اَللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ
إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا
@)﴾ [الأحزاب: ٢٣ - ٢٤].
٣. وراثة الفردوس.
جعل الله تعالى وراثة الفردوس
والإكرام في الجنات للمؤمنين الذين من
صفاتهم الوفاء بالمواثيق والعهود ورعايتها
والقيام بها بكل صورها وأشكالها:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَ مَنَّتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ
[المؤمنون:٨].
ذكر مآلهم فقال: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُنَ
الَّذِينَ يَرِقُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
١٠
[المؤمنون: ١٠ - ١١].
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَِّنَ هُمْ لِأَمْتَئِهِمْ وَعَهْدِهِمْ
رَعُونَ وَالَّذِيْنَ هُمْ يِشَهَدَّتِهِمْ قَّيُِّونَ ﴾ وَالَّذِينَ هُ
عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٦ أَوْلَكَ فِي جَنَّتٍ مُّكْرَمُونَ
*[المعارج: ٣٢-٣٥].
١٠٨
فَضْو
القرآن الكريم

الميثاق
ويبين جنة الفردوس ومنزلتها الحديث
الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (إذا
سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه
أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار
الجنة، وفوقه عرش الرحمن)(١).
وكذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله
عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ما منكم من أحد إلا له منزلان:
منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات،
فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله) فذلك
قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرُِونَ ﴾
[المؤمنون: ١٠](٢).
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِ
نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَّقِيًّاً ﴾ [مريم: ٦٣].
وكقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ أَلَّتِىّ أُوْرِئْتُمُوهَا
بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الزخرف: ٧٢].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل
الله، رقم ١٦/٤،٢٧٩٠.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، رقم ٤٣٤١،
١٤٥٣/٢.
قال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد
ابن ماجه، رقم ١٥٥١، ٢٦٦/٤: «هذا إسناد
صحيح على شرط الشيخين)).
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٠٣٤٨/٥،٢٢٧٩
آثار نقض الميثاق
يترتب على نقض الميثاق بعض الآثار،
منها:
أولًا: الإفساد في الأرض:
إن نقض الميثاق يكون سببًا للإفساد
في الأرض، ويكون ذلك من خلال أن
الإفساد في الأرض صفة من صفات
الناقضين لمواثيقهم: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ
اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِهِ
أَنْ يُوصَّلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِّ أُوْلَئِكَ هُمُ
الْخَسِرُونَ ()﴾ [البقرة: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ
بَعْدٍ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّهُ
الدَّارِ ﴾ [الرعد: ٢٥].
وفسادهم فيها هو: عملهم بمعاصي
الله، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، وذلك
أن التقاطع بين الناس يحصل من رفض
المحبة والعدایة، ورفضهما سبب کل فساد،
فإن القوم إذا أحبوا وعدلوا تواصلوا، وإذا
تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عمروا وإذا
عمروا عمروا(٣).
وهذه الصفات صفات الكفار المباينة
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٢٨/١٦، تفسير
الراغب الأصفهاني ١/ ١٣١، أنوار التنزيل،
البيضاوي ١ / ٦٥.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الميم
لصفات المؤمنين، كما قال تعالى:
أَفْسَن يَعْلَمُ أَنََّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَِّكَ الْحُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ إِنّا
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا
١٩
يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبُِ
يَقُضُونَ الْمِثَقَ ل وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللّهُ يِة
أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ الْحِسَابِ
﴾ [الرعد:١٩-٢١].
إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ
بَعْدٍ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَّمْ سُوَّهُ
الدَّارِ ﴾ [الرعد: ٢٥](١).
لأن الفساد في الأرض من خصال
المنافقين فإذا كانت فيهم الظهرة على الناس،
أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا
وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا
عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به
أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت
الظهرة عليهم، أظهروا الخصال الثلاث:
إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا
اؤتمنوا خانوا (٢).
كما أن نقض الميثاق المبرم مع الإمام
كالبيعة على السمع والطاعة، وكذلك
نقض الميثاق من قبل الحاكم بعدم الوفاء
لرعيته بالمواثيق التي قطعها على نفسه لهم،
يكون سببا للإفساد في الأرض وخاصة في
الخروج على الحاكم، فقدروى البخاري عن
مصعب بن سعد، ((قال: سألت أبي: ﴿قُلْهَلْ
نُنَُّّكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلَّاً ﴾ [الكهف: ١٠٣]: هم
الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى،
أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه
وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا:
لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين
ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد
يسميهم الفاسقين))(٣).
وروى الحاكم عن مصعب بن سعد،
قال: ((كنت أقرأ على أبي حتى إذا بلغت
هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ تُلِقَكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا
١٠٣
[الكهف: ١٠٣].
قلت يا أبتاه أهم الخوارج؟ قال: لا يا
بني اقرأ الآية التي بعدها ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّبِهِ، فَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ وَزْنَا (٠٠)﴾ [الكهف: ١٠٥].
قال: «هم المجتهدون من النصاری کان
کفرهم بآيات ربهم بمحمد ولقائه» وقالوا:
ليس في الجنة طعام ولا شراب، ولكن
الخوارج هم الفاسقون الذين ينقضون عهد
الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به
أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم
الخاسرون» (٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (قل هل ننبئكم بالأخسرين
أعمالا)، رقم ٤٧٢٨، ٩٣/٦.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٧/١. (٤) أخرجه الحاكم في المستدرك على
الصحيحين ٢/ ٤٠٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ٣٨٩/٤.
١١٠
فَضْو
جَوَسُبو
القرآن الكريم

الميثاق
والصحيح أن الآية عامة الشمول، وفي منها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه دمهم،
فالروح الذي يحيا به والدم الذي ينبض في
عرقه هو كدم الآخرين وأرواحهم، لا فرق
بينهم في الشريعة التي وحدت بينهما في
المصالح العامة.
الآية التي تأتي بعدها تفسير صريح عن
المقصودین، وهم الذين كفروا بآيات ربهم
ولقائه واتخذوا آياته ورسله هزوا، وهذا
تعبير شامل ليس فيه أي محل لجعله وصفا
لطائفة معينة (١).
ويشير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ
لَا تَسْفِكُونَ بِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن
دِيَكْرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
[البقرة: ٨٤] إلى أن نقض العهد والميثاق
يؤدي إلى سفك الدماء والتهجير من البلدان
وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس
الواحدة کما قال صلى الله عليه وسلم: (مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم
بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)(٢).
فقد أخذ الله العهد على بني إسرائيل: لا
يريق بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم
بعضا من دیارهم وأوطانهم، وقد جعل غیر
الرجل کأنه نفسه، ودمه کأنه دمه إذا اتصل
به دينا أو نسبا، إشارة إلى وحدة الأمة
وتضامنها، وأن ما يصيب واحدا منها فكأنما
یصیب الأمة جمعاء، فیجب أن یشعر كل فرد
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه)). ولم يتعقبه الذهبي.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٢٩/١٦،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣١١/٣.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٠/١.
ويجوز أن يكون المعنى: لا ترتكبوا من
الجرائم ما تجازون عليه بالقتل قصاصا، أو
بالإخراج من الديار فتكونون كأنكم قد قتلتم
أنفسكم؛ لأنكم فعلتم ما تستحقون به القتل،
كما يقول الرجل لآخر قد فعل ما يستحق به
العقوبة: أنت الذي جنی علی نفسه.
فقد كان سفك الدماء وتقاتل اليهود
وطرد بعضهم بعضا من ديارهم ظاهرة
شائعة فيهم، وظلت هذه الظاهرة إلى عصر
التنزيل القرآني، فكان يهود بني قريظة حالفوا
الأوس، ويهود بني النضير حالفوا الخزرج،
فإذا نشبت الحرب بينهم، كان كل فريق من
اليهود يقاتل مع حلفائه، فيقتل اليهودي
یهودیا آخر، ویخرب بعضهم دیار بعض،
ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها
من الأثاث والمال، مع أن ذلك محرم عليهم
بنص التوراة، وإذا أسر بعضهم فدوهم
بالمال، وكانوا إذا سئلوا، لم تقاتلونهم
وتفدونهم، قالوا: أمرنا- أي في التوراة-
بالفداء، فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون:
حياء أن تستذل حلفاؤنا، فأنزل الله:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ
www. modoee.com

حرف الميم
بِبَعْضٍ﴾(١).
ثانيًا: الكفر لمن ینقض میثاقه مع الله
تعالى:
قرن الله تعالى بين الكفر ونقض العهد
معه تعالى في أكثر من موضع في القرآن
الكريم، قال تعالى مخاطبا بني إسرائيل
مذكرا لهم بالميثاق الذي أخذه عليهم
ومبينا الحال التي آلوا إليها: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا
مِيثَفَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الُْوَرَ خُذُواْمَآَ
ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُوا سَمِعْنَا
وَعَصَيْنَا وَأَشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْمِجْلَ
بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِتْسَمَا يَأْمُرُكُم بِةٍ
إِيَمَنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: ٩٣].
وينفي القرآن الإيمان عن النابذين
لعهودهم وهم أکثر من الموفین، ولذلك
فغير المؤمنين أكثر من المؤمنين، وهذا
أحد وجهي تأويل الآية: ﴿أَوَكُلَّمَا
عَهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: ١٠٠] (٢).
ويأمر الله تعالى أمرا حاسما لا تردد فيه
بقتال ناقضي الميثاق بسبب كفرهم.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَكَنُواْ أَيْمَنَهُم مِّنْ
بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَدِلُواْ
(١) انظر: تفسير المراغي ١/ ١٦٠، أضواء البيان،
الشنقيطي ٢٥/٨، التفسير المنير، الزحيلي
٢١٤/١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٤٤٣.
أَيْمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ
يَنْتَهُونَ ﴾
وتستمر الآيات مبینة کفر من كذب بعهد
الله وميثاقه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ التَِّيْنَ مِشَقَهُمْ
وَمِنْكَ وَمِنْ تُوجِ وَإِبْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَيْنِ
مَنْيَمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّشَقًّا غَلِيظًا ل لِيَسْتَلَ
الصَّدِقِينَ عَنِ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا
أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧ - ٨].
وبأسلوب الاستفهام يأتي قوله تعالى:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالرَّسُولُ يَدْ عُوكُمْ لِنُؤْمِنُواْ
بِرَبَّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيْتَقَكُمْ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ
[الحديد: ٨] (٣).
ثالثًا: الفسق:
جاءت الآيات القرآنية مبينة فسق من
نقض المیثاق، ووردت بمعنی الکفر، وذلك
تأكيد لما سبق من بيان كفر من تخلى عن
العهد والميثاق، ففي أول آية جاء فيها لفظة:
الميثاق حكم الله على الناقضين بالفسق
فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ
الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾
[البقرة: ٢٦ - ٢٧].
والفسوق هو: الترك لأمر الله والخروج
عن طاعته، وقال الفراء: الفسق: الخروج
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧٢/٢٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ٤/ ٢٤٥، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٢٥٨/٥، تفسير القرآن
العظیم، ابن كثير ٣/ ٥٥.
١١٢
جوبيه
القرآن الكَرِيمِ

الميثاق
عن الطاعة، والعرب تقول: فسقت الرطبة عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى
عن قشرها، إذا خرجت، وقد يكون الفسوق مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ
مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ
١٢
[المائدة: ١٢].
شرکا، ویکون إثما، والذي أريد به ههنا:
الكفر (١).
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ
النَّبِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ
ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ
بِهِ، وَلَتَنْصُنَّهُ، قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ
إِصْرِىٌ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ
الشَّهِدِينَ ﴿ فَمَنْ تَوَلَى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ
هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: ٨١-٨٢].
﴿وَمَا وَجَدْنَا
وكذلك قوله تعالى:
لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍّ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ
لَفَسِقِينَ ﴾ [الأعراف: ١٠٢].
وتؤكد هذه الآيات شناعة فعل الناقضين
لعهودهم، وسوء جريرتهم، وأنهم فاسقون
لخروجهم عن أمر الله وميثاقه.
والضلال في سواء السبيل، وهذا ما حل
بني إسرائيل لما كفروا بالله وخانوا مواثيقه:
وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِيَ إِسْرَِّيلَ
وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ
إِنِّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمُ
الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ
وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٤١٠، التفسير
الوسيط، الواحدي ١/ ١٠٩، المحرر الوجيز،
ابن عطية ١/ ١١٢، تفسير القرآن العظيم، ابن
کثیر ١ / ١١٧.
وهذه الآيات تبين فسوق وضلال
وخسران ناقض المیثاق مع الله تعالى، وإن
مصير ذلك إلى الكفر والنفاق وما يترتب
على ذلك من العذاب الأليم في الآخرة (٢).
رابعًا: الخسران:
قرر القرآن الكريم أن الخسران عاقبة من
نقض میثاقه ونکث بعهده.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
مِنْ بَعْدٍ مِتَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِءَ أَنْ
يُؤْصَّلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِّ أُوْلَبِكَ هُمُ
﴾ [البقرة: ٢٧].
الْخَسِرُونَ (٢٧)
ويؤكد القرآن الكريم أن الخسران مآل
من تولى عن أخذ الميثاق كما أمر به الله،
مبينا نعمة الله على بعض عباده حيث
رحمهم من أن يكونوا من الخاسرين.
قال تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا
فَوْقَكُمُ الْقُلُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ
مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَثَّقُونَ ، ثُمَّ تَوَلَيْتُم مِّنْ بَعْدٍ
ذَلِكٌ فَلَوَلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٤١٠، التفسير
الوسيط، الواحدي ١/ ١٠٩، المحرر الوجيز،
ابن عطية ١/ ١١٢، تفسير القرآن العظيم، ابن
كثير ١ / ١١٧.
www. modoee.com
١١٣

حرف الميم
[البقرة: ٦٣ - ٦٤].
٦٤
مِّنَ الْخَسِنَ
خامسًا: اللعن وقسوة القلوب والطبع
عليها:
العاقبة شديدة والأثر أليم، فقد لعنهم الله
وجعل قلوبهم قاسية، وتبعا لذلك ضلوا
وانحرفوا عن سواء السبيل: ﴿فَمَا نَقْضِهِمِ
فِيثَقَّهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةً
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ
حَظًّا مِّمَا ذُكِرُ واْ بِةٍ وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَإِنَةِ
مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [المائدة: ١٣].
وكما يبين سبحانه أنه طبع على قلوبهم
جزاء لهم على كفرهم ونقضهم لميثاقهم:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِشَايَتِ اللَّهِ
وَقَبْلِهِمُ الْأَنِيََّ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَّفٌ
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
[النساء: ١٥٥].
وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ
اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ أُوْلَيْكَ لَهُمُ
اللَّعْنَةُ وَهُمْ سُوَّهُ اَلنَّارِ ﴾ [الرعد: ٢٥](١).
وهذه الآيات بيان من الله للمصير
الذي ينتظر الناكثين لعهودهم الناقضين
لمواثيقهم، وهو إنذار وتحذير للمؤمنين بل
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ١١.
وللناس أجمعين.
سادسًا: الإغراء بالعداوة والبغضاء:
أخذ الله الميثاق على النصارى كما
لما نقض بنوا إسرائيل عهودهم كانت أخذه على اليهود، ولكنهم سلكوا مسلكهم
وأخذوا طريقهم، فنقضوا الميثاق وبدلوا
في دينهم، وضيعوا أمر الله، فأورثهم الله
العداوة والبغضاء وجعلها ملاصقة لهم لا
تنفك عنهم، واستحكمت فيهم الخلافات
والأهواء، فاختلفوا في نبيهم، وحرفوا
کتابهم، و کانوا ضالین في دینھم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا
إِنَّا نَصَرَى أَخَذُنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ حَظًَّا
مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَآءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةَّ وَسَوْفَ
يُنَبِّتُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
١٢﴾ [المائدة: ١٤](٢).
سابعًا: القتل والتشرید:
من الآثار الدنيوية العاجلة التي تحل
بالخائنين، الناقضين للعهود والمواثيق،
أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم إن لقي
هؤلاء الخائنين وتمكن منهم، أن يعاقبهم
عقوبة يؤدب بها من خلفهم، عقوبة قاسية
تتعدى آثارها هؤلاء المجرمين إلى ما يقف
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٦١/٢،
التفسير الوسيط، الواحدي ١٦٦/٢، تفسير
الراغب الأصفهاني ٣٠٢/٤، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٢/ ١٧٠.
١١٤
القرآن الكريمِ

الميثاق
خلفهم ویتربص بالنبي صلى الله عليه وسلم
وصحبه الدوائر، يكون من آثارها تشرید
أولئك المتربصین و تفریق کلمتهم وتشتيت
شملهم: ﴿الَّذِينَ عَهَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ
عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ ) فَإِمَّا
تَثْقَفَّهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأنفال: ٥٦ - ٥٧].
وهذا ما فعله رسول صلى الله عليه وسلم
عندما ظفر ببني قريظة، تنفيذا لأمر الله من
فوق سبع سماوات وأي عقوبة دنيوية أشد
من هذه العقوبة، إن أخذه أليم شديد(١).
ثامنًا: الخزي في الدنيا:
لما ذكر الله تعالى المواثيق التي أخذها
على بني إسرائيل، ذكر خيانتهم وغدرهم
ونکٹهم للعهود والمواثيق، ثم هددهم قائلا:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ
بِبَعْضِْ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا
خِىٌ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى
أَشَدِّ الْعَذَابُ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (
[البقرة: ٨٥].
وتأتي الآية التي بعدها مباشرة مؤكدة
هذه النهاية المفجعة التي تنتظر هؤلاء
الغادرين: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أُشْتَرَوُا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
بَلْآَخِرَةٍ فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُصَرُونَ
[البقرة: ٨٦]
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٢٥.
والخزي هو: الذل والصغار، يقال منه:
«خزي الرجل يخزى خزيا»، في الحياة
الدنيا، يعني: في عاجل الدنيا قبل الآخرة،
وذلك هو حكم الله الذي أنزله إلى نبيه
محمد صلى الله عليه وسلم من أخذ القاتل
بمن قتل، والقود به قصاصا، والانتقام
للمظلوم من الظالم، وأخذ الجزية منهم ما
أقاموا علی دینھم، ذلة لهم وصغارا، كما
أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بني
النضير من ديارهم لأول الحشر، وقتل مقاتلة
قريظة وسبي ذراريهم، فكان ذلك خزيا في
الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم (٢).
وبين الله سبحانه ما أعده للكافرين
الذين لم يصدقوا مع الله فيما أخذه على
النبيين من عهد وميثاق، من العذاب الأليم
الذي يليق بمكانتهم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ
مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ تُوعِ وَإِبْزَهِيمَ وَمُوسَى وَصِيسَى
أَبْنِ مَرْيَمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم بِشَقًّا غَلِيظَالِيَسْتَلَ
الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا
أَلِمَا﴾ [الأحزاب: ٧- ٨](٣).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٤/٢، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ١/ ١٦٥، التفسير
الوسيط، الواحدي ١/ ١٧٠، النكت والعيون،
الماوردي ٤ /٣٧٧، تفسير القرآن العظيم، ابن
کثیر ٣٤٢/٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٣/٢٠، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ /٢١٦، النكت
والعيون، الماوردي ٣٧٧/٤، تفسير القرآن
العظیم، ابن کثیر ٣٤٢/٦.
www. modoee.com
١١٥

حرف الميم
١٥
تاسعًا: الموقف المخزي يوم القيامة يُوَلُونَ الْأَذْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا
[الأحزاب: ١٥].
والعذاب الشديد:
ما ذكره سبحانه عن حال الذين يشرون
بعهد الله وإيمانهم ثمنا بخسا زهيدا في
الدنيا، حالتهم يوم القيامة شر حالة، ومآلهم
شر مآل، ومصيرهم أسوء مصير، فلا خلاق
لهم ولا حجة ولا نصيب ولا قوام(١) وأشد
من ذلك أن الله لا يكلمهم كلاما يسرهم،
ولا ينظر إليهم نظر رحمة وعطف، بل ولا
يزكيهم ويطهرهم من ذنوبهم وسيئاتهم في
موقف ينتظر كل إنسان رحمة الله وعفوه
ومغفرته، ونهايتهم في العذاب الأليم:
﴿إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ تَمَلَقَلِيلًا
أُولَئِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ
اَللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيِةٌ ﴾ [آل عمران: ٧٧](٢).
كما يترتب على نقض العهد السؤال في
الآخرة حيث يقف ناقض العهد أمام الباري
عز وجل ليسأله عن جريرة اقترفها وذنب
عمله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَنْهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا
(١) الخلاق هو: النصيب الوافر من الخير
والصلاح، يقال: رجل لا خلاق له، أي: لا
رغبة له في الخير ولا صلاح في الدين، وفي
الآخرة لا نصيب له في الخير.
انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ٤٥٢، معاني
القرآن، النحاس ٤٢٦/١، معاني القرآن
وإعرابه، الزجاج ٤٣٤/١، لسان العرب، ابن
منظور ١٠/ ٩٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ٣٢٠.
أما السؤال عن نقض العهد في الدنيا:
فإن الظاهر من أقوال المفسرين أن السؤال
عن الميثاق يكون في الآخرة لكن يمكن
أن يكون المعنى عاما يتناول السؤال عن
الميثاق أيضا في الدنيا من خلال المطالبة
بالوفاء ممن هو له أو من قبل الحاكم،
قال الماوردي: ((﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا
يحتمل وجهين: أحدهما مسئولا عنه للجزاء
عليه، الثاني: للوفاء به))(٣).
وأما سوء الدار فإنه المصير السيئ ينتظر
الناقضين لعهد الله، والنهاية المهلكة مالهم
ومستقرهم، والدار دار سوء لا دار سعادة
وفلاح، ولقد حقت عليهم لعنة الله ومقته،
قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ
بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَهُمْ سُوَهُ
الدَّارِ ﴾ [الرعد: ٢٥].
عاشرًا: الجناية على النفس:
ذكر الله تعالى عاقبة نقض الميثاق:
إنَّ
الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ
أَيْدِيِهِمَّ فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِهُ وَمَنْ
(٣) النكت والعيون ٤/ ٣٨٤.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٨/٢٠،
التفسير الوسيط، الواحدي ٣ / ٤٦٣، تفسير
السمعاني ٤ / ٢٦٧.
١١٦
جوبيه
القرآن الكريم

الميثاق
أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اَللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
﴾ [الفتح: ١٠].
١٠
والنكث هو: نقض ما تعقده، وما تصلحه،
ومن نكث بيعته إياك يا محمد، ونقضها فلم
ينصرك على أعدائك، وخالف ما وعد ربه
﴿فَمَنْ تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يقول:
فإنما ينقض بيعته، لأن البيعة مع الله ولا إلى
الله، لأنه لا يتضرر بشيء، فضرره لا يعود
إلا إليه، ولأنه بفعله ذلك يخرج ممن وعده
الله الجنة بو فائه بالبيعة، فلم یضر بنکثه غير
نفسه، ولم ينكث إلا عليها (١).
وقال محمد بن كعب القرظي: ((ثلاث
من فعلھن لم ينج حتى ينزل به: من مكر
أو بغي أو نکث، وتصديقها في كتاب الله
تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ اَلْمَكْرُ السَّبِّئُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾
[فاطر: ٤٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ
عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى
نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]))(٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٢١٠، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٢/٥، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٨/ ٧٣.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٦/٦.
صفات ناقضي الميثاق
ذكر القرآن صفات للناقضين لعهودهم،
والخائنين لمواثيقهم:
١. نفى العقل عن الذين يأخذون كل
ما عرض لهم حلالا كان أو حراما،
مخالفين بذلك ميثاق الكتاب
الذي أخذ عليهم، وجاء نفي العقل
بصيغة الاستفهام: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم
مِيثَقُ الْكِتَبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا
اُلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ وَالذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ
لِلَّذِينَ يَتَّقُونُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ {
(١٦٩
[الأعراف: ١٦٩].
٢. ومن الصفات التي وصفهم الله بها
أنهم شر الدواب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ
عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ عَهَدَتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ
عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ
[الأنفال: ٥٥ - ٥٦] أي: أن الذين
ينقضون مواثيقهم شر ما دب على
الأرض عند الله، الذين كفروا بربهم،
فجحدوا وحدانيته، وعبدوا غيره فهم
لا يصدقون رسل الله، ولا يقرون
بوحيه وتنزيله، فيكونون في ترك القبول
بمنزلة من لم يسمع ولم يعقل(٣).
٣. ومن صفات هؤلاء، أنهم خائنون:
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/١٤ معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٠٩/٢.
www. modoee.com
١١٧

حرف الميم
فَإِمَّا تَتْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنّ
خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿ وَإِمَّا
تَّخَافَنَ مِن قَوْرٍ خِيَانَةٌ فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ
عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْغَايِنِينَ ﴾
[الأنفال: ٥٧ - ٥٨].
٤. وختام تلك الصفات وأعظمها
وصفهم بالنفاق، والكذب، والكذب
وَمِنْهُم مَنْ عَنْهَدَ
مطية النفاق:
اللَّهَ لَيْنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ
فَلَمَآ
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ
ءَاتَنَّهُم مِّن فَضْلِهِ، بَحِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ
تَّهُمْ مُعْرِضُونَ ()
قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا
وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾
[التوبة: ٧٥- ٧٧].
موضوعات ذات صلة:
الأسرة، العهد، المؤاخذة، النبوة، النكاح،
الوفاء
١١٨
قَضوري
جوبي
القرآن الكريمِ