Indexed OCR Text
Pages 41-49
النبات إما مطلق الإنفاق في وجوه البر والخيرات؛ واجبًا كان أو نفلًا (١)، وإما المراد الإنفاق في الجهاد في سبيل الله عز وجل (٢). والأظهر -والله أعلم- أن الإنفاق في سبيل الله عز وجل في الآية يعم جميع الإنفاق في وجوه البر، وأن أعظم هذه الوجوه هو إنفاق المال في الجهاد في سبيل الله عز وجل؛ لإعلاء كلمة الله سبحانه. وهذا المثل الذي ضربه الله سبحانه للمنفقين في سبيله مثلٌ عظيم، يرغب العباد في الإنفاق، ويحثهم على البذل والعطاء؛ فلقد شبه الله سبحانه حال المنفق في سبيله بحال الزارع الحاذق الذي زرع في الأرض الخصبة العامرة حبةً جيدةً طيبةً؛ فأنبتت الحبة سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، فشبه سبحانه المتصدق بالزارع، وشبه الصدقة بالبذر الذي يبذره الزارع في الأرض، وشبه الأجر العظيم للإنفاق بالمحصول المضاعف الذي نتج عن تلك البذور التي زرعت، فالله عز وجل يعطي المنفق بكل صدقة له سبعمائة حسنة، ثم يضاعف سبحانه الأجر والعطاء لمن يشاء (٣). (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٥٧/١. (٢) انظر: زاد المسير ٣١٦/١. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٣/٣، تفسير السمرقندي ١/ ٢٠٠. ولا شك بأن في هذا المثل ترغيب عظيم للمؤمنين في الإنفاق في سبيل الله، ولا تكاد هذه الآية المباركة التي اشتملت على هذا المثل تقرع قلوب المؤمنين إلا وتشتاق أنفسهم للإنفاق والعطاء، رغبة في الثواب العظيم، والأجر الوفير من أكرم الأكرمين. قال ابن القيم: ((شبه سبحانه نفقة المنفق في سبيله -سواء کان المراد به الجهاد، أو جميع سبل الخير من كل بر - بمن بذر بذرًا؛ فأنبتت کل حبة سبع سنابل، اشتملت كل سنبلةٍ على مائة حبة، والله يضاعف بحسب حال المنفق، وإيمانه، وإخلاصه، وإحسانه، ونفع نفقته، وقدرها، ووقوعها موقعها)» (٤). ثالثًا: أعمال الكافر كالحرث الذي دمرته الريح: إن من مات على الكفر لا يقبل الله عز وجل منه عملًا صالحًا؛ إذ الإيمان والإخلاص لله عز وجل شرط قبول الأعمال عند الله سبحانه، ومهما عمل الكافر من عملٍ فلا يقبل منه، ولا يثاب يوم القيامة عليه؛ لأنه ما عمل ذلك ابتغاء وجه الله سبحانه، ولم يكن يرجو لقاء ربه عز وجل. ولقد ضرب الله عز وجل مثلًا عظيمًا لأعمال الكفار في عدم نفعها لأصحابها؛ إذ (٤) الأمثال في القرآن ص ٥٠. www. modoee.com ٢٩٥ حرف النون ضرب سبحانه لها مثلًا بالسراب، الذي يراه الظمآن المقطوع في أرض الفلاة الخالية فیظنه ماءً، فیسعد به، ویسرع إلیه، حتى إذا جاءه صعق بحقيقة الأمر، إذا علم أن ما كان يرجوه ما هو إلا سراب لا حقيقة له ولا وجود. قال الله عز وجل: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كِتَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلَّمْثَانُ مَآءٌ حَقَّة إِذَا جَآءُ، لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهُ عِنْدَهُ، فَوَنَّنُ حَِابَّةُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ آَوْ كَظُلُمَتِ فِ بَعْرٍ لُّجِيِّ بَغْشَنُهُ مَّوْجُ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن نَّوْقِهِ، سَعَابٌ ثُظُلُّمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ. لَوْ يَكَدَيَرَهَا وَمَن لَّْ يَجْعَلِ اللّهُلَهُ نُورًا فَمَا لَهُمِن نُورٍ﴾ [النور: ٣٩-٤٠]. فکما أن السراب لا ينفع من أتاه وسعی إلیه، فکذلك أعمال الکافر لا تنفع صاحبها، والكافر یحسب أن عمله سینفعه، ولكنه إذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله، لم يجد عمله أغنى عنه شيئًا، ولا نفعه (١). إن حاجة الظمآن إلى الماء شديدة، ورغبته فيه عظيمة، يتمنى أن یفقد کل ما له السرور، فأسرع لینال بغیته، فإذا به يصدم بما يراه، ويشعر بالخيبة والحسرة والألم عند اكتشافه حقيقة السراب، وهكذا الكافر يجد من الحسرة والخيبة والندامة ما لا يعلمه إلا الله حينما لا ينفعه عمله، ولا يغنى عنه ما كسبه، قال الله سبحانه: ﴿وَقَدِ مْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنْتُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقد اشتملت الآية الثانية على مثل آخر لأعمال الکافرین؛ حيث شبه الله عز وجل أعمالهم بالظلمات الشديدة القاتمة، التي تكون في أعماق بحرٍ عميق، يغشاه موج، ومن فوق الموج موج، ومن فوق ذلك سحاب، ظلمات فوق ظلمات، وهذا مثل حال الكافرين الذين هم في ظلمات الجهل، وظلمات الاتباع للباطل، والجري وراء المضلين، من غير علمٍ أو تعقلٍ، فقلوبهم في ظلمات متراكبة، لا تعرف حقًّا، ولا تنکر باطلًا (٢). يقول ابن القيم في ذلك: ((ذكر الله مثلا بالسراب، سبحانه للكافرين مثلين؛ ومثلاً بالظلمات المتراكمة، وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان: أحدهما: من يظن أنه على شيءٍ؛ فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان من الدنيا مقابل أن يظفر بشربة ماء، فإذا رأى يظنه، وهذه حال أهل الجهل، وأهل البدع السراب وظنه ماءً أخذته الفرحة، وغمره والأهواء، الذين يظنون أنهم على هدى وعلم، فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥٢/٦. جوية القرآن الكريم (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠ /٢٥٦. ٢٩٦ النبات وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب يرى في أعين الناظرين ماءً، ولا حقيقة له ... والنوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة، وهم الذين عرفوا الحق والهدى، وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال؛ فتراكمت عليهم ظلمة الطبع، وظلمة النفوس، وظلمة الجهل، حيث لم يعلموا بعلمهم فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي والهوى؛ فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له، وقد غشیه موج، ومن فوق ذلك الموج موج، ومن فوقه سحاب مظلمٌ، فهو في ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان)» (١). ولا شك بأن في هذين المثلین تحذير للكفار من سوء عاقبة أعمالهم، ودعوة لهم للتخلص من ظلماتهم، والاستنارة بنور ربهم عز وجل، فإنه ليس للعبد غنیّ عن نور ربه، ﴿وَمَنْ أَ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن ◌ُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. رابعًا: مثل الحياة الدنيا وزهرتها: كثيرًا ما يغتر الناس بالحياة الدنيا وزينتها، ويشعرون بالاطمئنان لها، والسكون إليها، ويتناسون أن وراءهم دار الآخرة والخلود، (١) الأمثال في القرآن ص١٥ -١٧. والتي فيها النعيم المقيم، أو العذاب الأليم، ولأن الحياة الدنيا غرارة، يغتر بها العباد، تعددت أساليب القرآن الكريم في التحذير منها ومن الركون إليها، والاطمئنان لها، وذلك من خلال بيان حقيقتها، وكشف أمرها، وبيان زيف مظاهرها، وسرعة انقضائها، وقلة نعيمها. ومن أعظم أساليب القرآن المجيد في بيان حقيقة الحياة الدنيا، وتحذير العباد من الاغترار بها أسلوب ضرب المثل لها؛ فلقد ضرب الله عز وجل للناس مثل الحياة الدنيا بأمر حسي یشاهدونه من حولهم، ويعلمون حقيقته بكل حواسهم، ضرب سبحانه مثل الحياة الدنيا بالنبات الذي يخرج عند نزول الماء من السماء، يخرج أخضرًا یانعًا، يسر من رآه، يبهج من نظر إليه، ثم ما يلبث إلا ويصير مصفرًا يابسًا، لا حياة فيه ولا خضرة، ثم يصير حطامًا تبعثره الرياح، وكذلك الحياة الدنيا في سرعة فنائها، واغترار الناس بزينتها. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ اُلْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِ اْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَمُهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ كَذَلِكَ [يونس: نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ www. modoee.com ٢٩٧ حرفالنون ٢٤]. إن أوجه التشابه كثيرة بين حال الحياة الدنيا وحال النبات؛ فالإنسان يخرج إلى الدنيا وينمو فيها كما ينمو النبات، ثم يمر الإنسان في دنياه بمراحل وأطوار كما في النبات من أطوار، والإنسان يعجب بالدنيا وزهرتها وبهجتها كما يعجب الزراع بالزرع إذا هاج وازدهر، ومتاع الدنيا فيه غرور للإنسان؛ يفرح به ثم يأتيه الموت فجأة فتنتهي حیاته، و کذلك النبات والزرع عندما يراه الإنسان مزدهرًا يغتر به، ويظن أنه دائم، ثم يفاجأ بهلاکه بغتةً؛ فإذا هو مستأصل لا شيء فيه، وتصبح الأرض ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، أي: لم تكن مخضرةً عامرةً؛ فكما يهلك الله عز وجل هذا الزرع بغتةً، فکذلك ذهاب الدنیا وفنائها (١). قال ابن القيم: «شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر؛ فتروقه بزينتها، وتعجبه؛ فيميل إليها، ويهواها اغترارًا منه بها، حتى إذا ظن أنه مالكٌ لھا، قادرٌ علیھا، سلبها بغتةً، أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها؛ فشبهها بالأرض الذي ينزل الغيث عليها؛ فتعشب، ويحسن نباتها، ويروق منظرها للناظر؛ فيغتر به، ويظن أنه قادرٌ عليها، مالك لها، فيأتيها أمر الله؛ فتدرك (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٨/٨. نباتها الآفة بغتةً، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنه، وتصبح يداه صفرًا منها، فهكذا حال الدنیا والواثق بها سواء، وهذا من أبلغ التشبيه والقياس»(٢). وفي آية أخرى ضرب الله عز وجل ذلك المثل للحياة الدنيا في سرعة انقضائها، وقرب زوالها، بسرعة انقضاء النبات، قال الله عز وجل: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخَلَطَ بِهِ، نَّبَاتُ اُلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ الرَِّخُ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْنَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]. إن في هذا المثل الذي ضربه الله عز وجل للحياة الدنيا لبيان حقارتها وسرعة انقضائها، ليعرفها العباد حق المعرفة، وتحذيرهم من الركون إليها، وحثهم للاستعداد للدار الآخرة، التي تكون فيها وَمَا هَذِهِ الحَيْوة الحياة الحقيقية الأبدية الدُّنْيَاَ إِلَّا لَهُوٌ وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وأن من تعلق بالدنيا وركن إليها مصيره إلى الندم والحسرة كمن ركن إلى الزرع الأخضر فصار حطامًا يابسًا (٣). (فلا يفخر ذو الأموال بكثرة أمواله، ولا يستكبر على غيره بها، ولا يغترن أهل (٢) الأمثال في القرآن ص ١٢. (٣) انظر: تيسر الكريم الرحمن، السعدي ص٤٧٨. ٢٩٨ جوبيين الْقُرْآن الكَرِيمِ النبات الدنيا بدنياهم، فإنما مثلها مثل هذا النبات الذي حسن استواؤه بالمطر، فلم يكن إلا ريث أن انقطع عنه الماء، فتناهی نهايته، عاد يابسًا تذروه الرياح، فاسدًا، تنبو عنه أعين الناظرين، ولكن ليعمل للباقي الذي لا يفنى، والدائم الذي لا يبيد ولا يتغير» (١). (١) جامع البيان، الطبري ٣٠/١٨. لمسات إعجازية في النبات لقد اعتنى العلماء بدراسة النبات عناية فائقة، وأصبح للنبات علمًا مستقلًا عن باقي العلوم؛ يدرس في المعاهد والجامعات، وتعطى فيه أعلى الدرجات العلمية، وتؤلف فيه الكتب والموسوعات، وتنفق الأموال الطائلة في إجراء البحوث والدراسات علیه، ولا زال العلماء يكتشفون من عجائبه وأسراره، وكلما تبحروا في دراسته أكثر، كلما عرفوا عنه المزيد. ولقد وقف علماء النبات على حقائق في النبات قد سبق القرآن الكريم الإشارة إليها، وقد درج العلماء المعاصرون على تسمية ذلك بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وفي ذلك دلالة واضحة لكل ذي لبٍ أن القرآن الكريم كلام العليم الخبير سبحانه، وما هو من عند بشر؛ بل أنزله اللطيف الخبير، وفي المطالب الآتية إشارة إلى بعض اللمسات الإعجازية المتعلقة بالنبات في کتاب الله عز وجل. أولًا: الخضر والحب المتراكب: إن الآيات التي أشارت إلى حقائق علمية عظيمة تتعلق بالنبات كثيرة في كتاب الله عز وجل، وقد وقف العلماء على بعضها، وكلما تقدم العلم زادت اكتشافات العلماء لتلك الحقائق، ومن الآيات التي أشارة www. modoee.com ٢٩٩ حرف النون إلی حقائق علمية کبری تخص النبات قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاوِمَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَّرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن ◌َلْمِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتِهَا وَغَيْرَ مُتَشَبَةٍ أَنْظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنِْةِ: إِنَّ فِ ذَلِكُمْلَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. وقد بسط العلماء المختصون تفصيل وجوه الإعجاز العلمي في هذه الآية، نقف على بعضها فيما يأتي: أخبر الله سبحانه أنه ينزل الماء من السماء فيخرج به نبات كل شيء، ثم يخرج من النبات الخضر، أي: نباتًا أخضرًا غضًا ناضرًا طريًا (١)، ولقد اكتشف العلماء المعاصرون أن سبب الخضرة في النبات هي المادة الخضراء (الیخضور)، واكتشفوا أن هذه المادة الخضراء في النبات هي أكبر مصنع للطاقة على وجه الأرض؛ إذ بهذه المادة العظيمة، التي أودعها الله عز وجل في النبات يقوم النبات بامتصاص ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون من الجو، مع الماء الممتص من التربة، ثم يحول ذلك إلى مادة الجلوكوز أو السكر الأحادي، ثم تتحد وحدات الجلوكوز لتكون سلسلة (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٦/٥، البحر المحيط، أبو حيان ٤/ ١٩٢. طويلة من السكريات والتي نسميها بالنشا، والذي يخزن في النبات ويستعمله الإنسان والحيوان كمصدر أساسي للغذاء وللطاقة. ثم أخبر سبحانه أنه يخرج من الخضر الحب المتراكب، فقال سبحانه: ﴿تخرجُ مِنْهُ حَبَّا مُتََّاكِبًا﴾، وقوله ﴿مِنْهُ﴾ إذا عادت على النبات فهو الذي يصنع الحب -بإذن الله تعالى-، وإذا عادت على الخضر فهو الوسيلة الحيوية الرئيسية التي هيأها الله تعالى لصنع الغذاء، وإنتاج الحب المتراكب، وإذا عادت على بعض النباتات فهذا حقٌّ لأن بعض النباتات تخرج الحب المتراكب؛ مثل القمح والشعير، وبعضها لا يخرج الحب المتراكب بل يخرج ثمارًا وبذور غير متراكبة. وهذه العمليات الحيوية العظيمة القدر والقيمة تتم بإذن الله تعالى في النبات الذي خلقه الله عز وجل، ولو اجتمع العلماء وأصحاب البحوث العلمية، ومختبرات الفضاء والذرة وأردوا صنع حبة قمح واحدة، وأقاموا لذلك مصنعًا بمساحة قارة لعجزوا عن صنع هذه الحبة من مكوناتها الأولية، فسبحان الخالق ما أعظمه (٢). والعجيب أنه لولا وجود الخضر لما نبت البنات، ولولا الخضر ما تكونت أي (٢) انظر: مقال للدكتور نظمي خليل أبو العطا بعنوان: («فأخرجنا منه خضرًا»، في موقعه على الانترنت. ٣٠٠ جَوَسُولَة النَّقيمة القرآن الكريم النبات مادة غذائية على الأرض، ولولا الخضر ما محفوفة ومحاطة بأشجار النخيل، وبين كان على الأرض نارًا، ولا خشبًا، ولا فحمًا، أشجار الأعناب زرع من أنواع النباتات غير الطويلة، وتجري الأنهار بالماء العذب الوفير بين الأشجار، وهذا في غاية الحسن والبهاء، وأخبر سبحانه بأن كلا البستانين أثمر على أحسن ما يكون الثمر وأكثره (١). ولا بترولًا، ولا کھرباء، ولا حیاة، فالشمس هي أصل الطاقة على الأرض، واليخضور (الخضر) هو المثبت الأصلي للطاقة الشمسية، من يوم أن خلق الله تعالى النبات الأخضر، فسبحان من أعطى كل شيء خلقه، وسبحان من فطر كل شيء ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَتَّدَهُ نَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. ثانيًا: السياج من النخل وأثره على ما بداخل الجنات: لقد تحدث القرآن الكريم عن جنتين أعطاهما الله عز وجل لعبد من عباده، اختبارًا له وابتلاءً، وأخبرنا سبحانه عن قصة ذلك الرجل مع صاحبه، فقال سبحانه: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمُ مَّثَلَا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَقْتَهُا بِنَخْلِ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (2) كِلْنَا الْجَنَيْنِ ءَالَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٢ - ٣٣]. ولا يعنينا في هذا المقام ما ورد في القصتين من أحداث؛ وإنما الشاهد من الآيتين هنا أنهم أشارتا إلى حقيقة هامة في علم الزراعة، وخاصة في زراعة الأعناب. لقد أخبرت الآيتين عن بستانين من الأعناب يتصفان بأعلى صفات الجودة والحسن والجمال؛ إذ أشجار الأعناب والإعجاز العلمي النباتي في الآيتين أنهما وصفتا أحسن الأجواء، وأفضل الظروف لزراعة بساتين الأعناب، إذ من المعروف أن أكثر العوامل البيئية تأثيرًا على زراعة الفاكهة عمومًا والعنب خصوصًا هي التربة التي ينمو فيها النبات، ويعيش ويستمد منها كافة احتياجاته الغذائية، وكذلك المناخ بعناصره المختلفة؛ من حرارة ورطوبة وریاح وضوء، والتي تؤثر تأثيرًا مباشرًا على نمو النبات، وأن هذه العوامل تتداخل فيما بينها، وإن ارتباطها بشكل جيد يزيد من إنتاجية وجودة العنب، كما وأن التقلبات الجوية والسنوية تؤثر على نضج العناقيد، وبطريقة غير مباشرة، على تطور وانتشار الأمراض والآفات. وقد أثبتت التجارب والأبحاث أن تعرض سطح التربة الزراعية للحرارة والرطوبة يؤثر على خواصها الطبيعية والكيميائية، كما يعرضها للتعرية، وقد وجد أنه من الأفضل زراعة محاصيل تغطية (١) انظر: جامع البيان، الطري ١٩/١٨. www. modoee.com ٣٠١ حرفالنون تحمي التربة، وجذور العنب من الجفاف أن من دلائل قدرته سبحانه أنه يجعل لهم من الشجر الأخضر الرطب نارًا يستدفئون بها، ويطهون عليها، وينتفعون بها في منافع اٌلَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِّنَ شتى، قال سبحانه: الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ [يس: ٨٠]. والتعرض المباشر للضوء والحرارة، كما أن زراعة مصدات للرياح من شأنه حماية التربة والنباتات من العواصف الصحراوية الشديدة، وتمنع تساقط الأزهار والعقد، وتثبيت التربة وتحفظها من عوامل التعرية، وبشرط توفير الإضاءة اللازمة للنبات؛ لحاجته إليها؛ لأن التظليل يضرها كثيرًا؛ حيث لا يتحمل العنب سوى ظله فقط، وخير وسيلة لذلك زراعة أشجار النخيل حول بساتين الأعناب كما وصف الله عز وجل. وأوصت هذه الأبحاث بضرورة زراعة محاصيل تغطية شتوية حينما تتساقط أوراق العنب لتزيد من خصوبة التربة وتساعد على دوران العناصر بها ونشاط الكائنات الدقيقة النافعة ومكافحة الآفات(١). وكل هذه المواصفات قد اشتمل عليها قول الله عز وجل: ﴿وَحَفَفْتَهَا بِنَخْلِ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾؛ فسبحان من أنزل الكتاب، وجعل فيه الآيات والعبر. ثالثًا: النار من الشجر الأخضر: لقد أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز (١) انظر: الإعجاز العلمي في تصميم مزارع الأعناب، محمد طاهر موسى، وهو من أبحاث المؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة، دولة الإمارات، دبي ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٤م. والمعنى الظاهر للآية: أن الله عز وجل قادرٌ على إخراج النار المحرقة من الشجر الأخضر الرطب، مع أن الخضرة والرطوبة ضد النار المحرقة، وهذا من آيات الله سبحانه؛ فهو سبحانه الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء، حتى صارت خضرًا نضرًا ذا ثمرٍ وينعٍ، ثم أعادها سبحانه إلى أن صارت حطبًا يابسًا، توقد به النار، فكذلك هو سبحانه فعالٌ لما یشاء، قادرٌ على ما یرید، لا يمنعه شيء (٢). إلا أنه في هذا العصر اكتشف العلماء أن مما يقوم به الشجر الأخضر من وظائف إنما هي في غاية الدقة والتعقيد، وفي منتهى الإبداع، ولا تستطيع جميع مصانع البشر حتى تقليدها إلى يومنا هذا؛ فإن عملية التركيب الضوئي التي تتم في الورقة الخضراء عملية في غاية الأهمية للنبات والإنسان والحيوان؛ فمن خلال هذه العملية يصنع النبات مادة الجلوكوز أو السكر (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٥/١١. ٣٠٢ مَنْشَوَالَرُ النَّفِيَةْ جوسين القرآن الكريمِ النبات الأحادي، ومن ثم النشا، والذي يخزن في ذلك وأعمق. النبات ويستعمله الإنسان والحيوان كمصدر أساسي للطاقة. والنبات الأخضر هو الذي يمتص كميات ثاني أكسيد الكربون الزائدة في الجو، والتي لو زادت عن حدها لأدى ذلك إلى اختلال عظيم على الأرض؛ لكن الورقة الخضراء بأمر الله تنقذنا من هذه المادة الضارة لا بل تحولها إلى مادة هي مصدر طاقة أساسي لمعظم الكائنات الحية ألا وهو الجلوكوز الناتج من المعادلة والأروع من هذا والأبدع هو الناتج الثاني وهو الأكسجين؛ فلا نار يمكن أن توقد من دون أوكسجين وكم من الكم الهائل من النيران توقد يوميا على هذه الأرض للطهي وفي الصناعات، وكلها لن توقد من دون أوكسجين فمن يعوض كل هذه الكميات المستهلكة من الأوكسجين؟ إنه الشجر الأخضر. والأكسجين ضروري لكل خلية في كل كائن حي؛ وذلك لأنه بالأكسجين يتم تحويل الغذاء إلى طاقة لازمة لقيام كل خلية بنشاطها الحيوي، وأداء دورها الوظيفي. وبهذا نرى بديع صنع الله سبحانه، وعظيم خلقه، ونعلم أن النار التي يجعلها الله سبحانه من الشجر الأخضر ليست فقط النار التي توقد من الخشب؛ بل هي أعم من وهنا يسأل العاقل نفسه: هل كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من يعلم أن اللون الأخضر في النبات هو سبب وجود النار والطاقة على سطح الكرة الأرضية؟ موضوعات ذات صلة: الآيات الكونية، البعث، الرياح، السحاب، السماء، الشجر، الماء www. modoee.com ٣٠٣