Indexed OCR Text
Pages 21-40
الناس ضد له ولا ند له، ولا شريك معه (١)، تبين اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، فكانت أعمالهم الدنيا وزينتها، فلا يسألون ربهم هذه الآية أن سبب الكفر هو اتخاذ الأنداد من دون الله تعالى، وفي الصحيحين عن إلا متاعها، ولا حظ لهم في ثواب الله، عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، ولا نصيب لهم في جناته وكريم ما أعد أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا لأوليائه(٣)، وتوضح الآيات أن المقسم إلى الفريقين جميع الناس من المسلمين وهو خَلَقكَ)(٢). والمشركين؛ لأن الآية نزلت قبل تحجير ٢. الكافرون بالآخرة. الحج على المشركين بآية براءة، فيتعين أن المراد بمن ليس له في الآخرة من خلاق هم المشركون؛ لأن المسلمین لا یھملون الدعاء لخير الآخرة ما بلغت بهم الغفلة، فالمقصود من الآية التعريض بذم حالة المشركين، فإنهم لا يؤمنون بالحياة الآخرة (٤). ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم تعالى: يقول مَّنَسِكَكُمْ فَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّكْرِكُ ءَبَآءَ كُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَقِ ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا قضيتم مناسككم أيها المؤمنون فاذكروا الله کذکر کم آباءكم أو أشد ذکرًا، وارغبوا إليه فيما لديه من خير الدنيا والآخرة بابتهال وتمسكن، واجعلوا أعمالكم لوجهه خالصًا ولطلب مرضاته، وقولوا: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: ٢٠١]. تبين لنا الآيات صنفين من الناس في الدعاء فيحذرنا الله تعالی أن نكون ممن (١) انظر: المصدر السابق ١ /٤٧٦. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (فلا تجعلوا لله أنداداً)، ١٨/٦، رقم ٤٤٧٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، ١/ ١٤١، رقم ٥٢. ٣. الكافرون يوم القيامة المتبرئون من الأصنام. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَمْ أَعْدَآءَ وَكَانُواْبِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦]. وإذا جمع الناس يوم القيامة لموقف الحساب، كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء، لأنهم يتبرؤون منهم ﴿وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِينَ﴾ ومعنى قوله تعالى ذكره: وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا بعبادتهم جاحدين، لأنهم يقولون يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرأنا إليك منهم يا ربنا (٥). (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤ / ٢٠١. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٧/١. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢ / ٩٦. www. modoee.com ٢٣١ حرفالنون ٤. الكافرون المجادلون بغير علم من الناس. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]. يقول تعالى ذامًا لمن كذب بالبعث، وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، مُعْرِضًا عما أنزل الله على أنبيائه، متبعًا في قوله وإنکاره و کفره کل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حال أهل الضلال والبدع المعرضين عن الحق المتبعين للباطل؛ يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة، الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء (١)، والآية نزلت في النضر بن الحارث الذي قال: إن الله عز وجل غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد ترابا(٢). صفات الناس إن من رحمة الله تعالی بخلقه أنه جعل لكل مخلوق من مخلوقاته صفات يتميز بها عن غيره، فصفات الإنسان تختلف عن صفات الحيوان، والنبات والجن وغيره من المخلوقات، والناس رغم اتفاقهم في كثير من الصفات إلا أنهم مختلفون في بعض منها، وللناس صفات فطرية، وأخرى مكتسبة، وهي على النحو الآتي: أولًا: الصفات الفطرية ١. هداية الفطرة. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفَاً فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الروم: ٣٠]. صنعة الله التي خلق الناس عليها، أي: فطر الله الناس على ذلك فطرةً، والمقصود بالفطرة هو الإسلام مذ خلقهم الله من آدم جميعاً (٣). وقد أخرج الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولودٍ يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٤/٥. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/١٢. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠ / ٩٧. ٢٣٢ جُوَسُورَةُ النَّفتْبـ القرآن الكريمِ الناس تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء؟)(١). ٢. النسيان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ،عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. ولقد وصينا آدم وأمرناه، وعهدنا إليه عهدا ليقوم به فالتزمه وأذعن له وانقاد وعزم على القيام به، ومع ذلك نسي ما أمر به وانتقضت عزيمته المحكمة، فجری علیه ما جرى، فصار عبرة لذريته، وصارت طبائعهم مثل طبيعته، نسي آدمُ فنسيت ذُرِّيَّتُه، وخَطِئَ فَخَطِئوا، ولم يثبت على العزم المؤكد، وهم کذلك، وبادر بالتوبة من خطيئته، وأقر بها واعترف، فغُفِرَتْ له (٢)، ومن المعلوم أن آدم عليه السلام هو أبو الناس والبشر جميعًا. ٣. الآدمية والمساواة. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمِمِنْ ذَكَرٍ وَأَنْتَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ الَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا (١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، ٢/ ١٠٠، رقم ١٣٨٣ صحيح مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، رقم ٢٦٥٨. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥١٤. كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَأَتَّقُواْ اللّهَ الَّذِى تَسَلَّةَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامّ إِنَّ اللَّهُ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام، وأنه خلق منه زوجه حواء، ثم انتشر الناس منهما(٣)، والخبر في قوله: ﴿فَلَقْتَكُم مِّنْ ذَكَرٍ وَأَنْتَى﴾ مستعمل كناية عن المساواة في أصل النوع الإنساني ليتوصل من ذلك إلى إرادة اكتساب الفضائل والمزايا التي ترفع بعض الناس على بعض (٤). ٤. اختلاف اللون واللسان. قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوْتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْئِلَافُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيَّكُمَّ إِنَّفِى ذَلِكَ لَيَنْتٍ لِّلْعَلِمِينَ﴾[الروم: ٢٢]. الألسنة: اللغات، أو أجناس النطق وأشكاله، خالف عز وعلا بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقین متفقین في همس واحد، ولا جهارة، ولا حِدَّةٍ، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لَكْنةٍ، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها، والألوان وتنويعها، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو اتفقت وتشاكلت وكانت ضربًا واحدًا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح کثیرة، وربما رأیت توأمين يشتبهان في الحلية، فيعروك الخطأ في التمييز بينهما، (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٤/٣. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦١/٢٦. www. modoee.com ٢٣٣ حرف النون وتعرف حكمة الله في المخالفة بين الحلي، مزاولة هذه الشهوات ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾، فهي شهوات مستحبة مستلذة؛ وفي ذلك آیة بینة حیث ولدوا من أب واحد، وفرعوا من أصل فذ، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون(١). وليست مستقذرة ولا كريهة، والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وکراهیتها؛ إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها، ووضعها ٥. حب الشهوات. في مكانها لا تتعداه، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى. والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك الشهوات في غیر استغراق ولا إغراق! قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاَللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَشَابِ ﴾ [آل عمران: ١٤]. وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها، ومحاولة تهذيبها وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى ورفعها، لاكَيْتِها وقمعها (٢). ويدخل ضمن هذه الشهوات حُبُّ الآباء والزوجة والأولاد. ٦. الهلع والجزع والمنع. قال تعالى: ﴿إِنَّ اَلْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا" ١٩ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ أَْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]. يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة: إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ثم فسره بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا﴾ أي: إذا أصابه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن یحصل له بعد ذلك خیر. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أي: إذا حصلت (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٧٤/١- ٣٧٣. ٢٣٤ جوبي القرآن الكريم أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل؛ فهو محبب ومزين، وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه، ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات، وهو جزء من تكوينه الأصیل، لا حاجة إلى إنكاره، ولا إلى استنكاره في ذاته، فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد كما أسلفنا. ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبًا آخر يوازن ذلك الميل، ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده؛ وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها، هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي، والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤٧٩/٣. الناس له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [البقرة: ٣١]. حق الله فيها (١). ٧. الأكل. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِىِ اَلْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَِّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُلَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]. وانظر إلى دقة الأداء القرآني في ترتيب الأحكام بعضها على بعض، فالإنسان المخلوق لله في الأرض المسخرة له بكل ما فيها، له حياة یجب أن یحافظ عليها، وتبقى الحياة ببقاء الرزق في الاقتيات من مأكل ومشرب، وكذلك يبقى النوع الإنساني بالتزاوج، وتكلم الله في رزق الاقتيات، فجعله للناس جميعًا عندما قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِ اَلْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] (٢). فالأمر هنا بالأكل لم یکن غاية في حد ذاته بل هو وسيلة للحفاظ على النوع، وأداء الواجبات المنوط بهم، وكذلك فيه إرشاد باختيار نوع الأكل ومجانبة الشيطان في تحريم وتحليل الطعام والشراب. ثانيًا: الصفات المكتسبة: ١. العلم والتعلم. قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنَِّئُونِى بِأَسْمَاءِ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٦/٨. (٢) انظر: تفسير الشعراوي ١/ ٤٨٥. وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤]. والحق جل جلاله لم يكن يترك آدم في حياته على الأرض دون أن يعلمه ما يضمن استمرار حياته وحياة أولاده، يعلمه على الأقل بدايات، ثم بعد ذلك تتطور هذه البدايات بما يكشفه الله من علمه لخلقه(٣)، إن آدم علیه السلام لم یکن بطبعه عالمًا، بل اكتسب هذا العلم من الله تعالى الذي علمه الأسماء كلها، وبهذا العلم كان التكريم والتشريف لآدم عليه السلام. ٢. التزاوج. قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾[الروم: ٢١]. أي: خلق لكم من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا(٤) هذه آية تدل على أن الزواج آية من آيات الله تعالى، وهو آية لقوم يتفكرون فإن المعنى في هذه الآية أناس يتفكرون ويتدبرون الآيات، وحقيقة الأمر أن نظرة الزواج تختلف من إنسان لإنسان آخر فبعض الناس يقدم على الزواج والبعض (٣) انظر: تفسير الشعراوي ١/ ٥٧. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٩/٦. www. modoee.com ٢٣٥ حرف النون الآخر يعرض ويحجم، وعليه فالزواج صفة تکتسب اکتسابًا. حال أكثر الناس إن المتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن القرآن الكريم ذكر أحوال الناس في صور متعددة، ولعل هذا يتطابق مع تنوع الناس واختلافهم، فناسب أن تتعدد أحوالهم، وهي في القرآن على النحو الآتي: أولًا: الكفر: وكفر الناس في القرآن الكريم جاء على عدة أنواع منها: ١. كفر الجحود والإنكار للقرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَ أَكْثَرُ اَلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]. يقول ذكره: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل، احتجاجًا بذلك كله عليهم، وتذكيرا لهم، وتنبيها على الحق ليتبعوه ويعملوا به، ﴿فَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾، فأبى أكثر الناس إلا جحودًا للحق، وإنكارا لحجج الله وأدلته(١). ٢. كفر النفاق. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللّهِ وَبِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٥٤٨. ٢٣٦ جوبيع النفسية القرآن الكريم قَضوري الناس الذنوب، والمنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغیبه، ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فیقع بذلك فساد عریض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار، أن يظن بأهل الفجور خير (١). ٣. الكفر بلقاء الله تعالی. خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمَّىٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَآٍ رَيِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ [الروم: ٨]. اللام للتوكيد، والتقدير: لكافرون بلقاء ربهم، على التقديم والتأخير؛ أي: الكافرون بالبعث بعد الموت (٢)، ولقاء الله تعالى يكون بالبعث بعد الموت، فالكفر بلقاء الله تعالی إنکارًا للبعث. ثانيًا: الفسق: قال تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَوْ فَاعْلَمْ أَنَّا يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٦/١-١٧٧. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن الكريم، القرطبي ٠٩/١٤ لَفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]. يقول الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾، وإن كثيرًا من اليهود لتاركو العمل بكتاب الله، ولخارجون عن طاعته إلی معصيته(٣). والفاسقون أي: المتمردون في الكفر المصرون عليه الخارجون عن الحدود المعهودة (٤). ولا تعارض هنا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمُ مَّا كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾ وبين تفسير الإمام الطبري بأن الناس هنا اليهود، وذلك لأن اليهود صنف كبير من الناس، ذكر مرارًا وتكرارًا في القرآن الكريم، ليؤكد على حقيقتهم وطبعهم، وهو الفسق. ثالثًا: الغفلة: قال تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ نُنَجِّكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ اَلنَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢]. إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده بلا روح، وعليه درعه المعروفة به على نجوة من الأرض وهو المكان المرتفع، ليتحققوا موته وهلاكه ... وقوله تعالى: ﴿لَغُفِلُون﴾ أي: لا يتعظون بها، (٣) انظر: جامع البيان / ٣٩٣. (٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤٧/٣. www. modoee.com ٢٣٧ حرف النون ولا يعتبرون(١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مرسل، ولا ملك مقرب، وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه(٣). ◌ِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَيِفِلُونَ﴾، وهذا القول يوضح أن هناك من يغفل عن الآيات، وهناك من لا يغفل عنها، وينظر إلى تلك الآيات ويتأملها ويتدبرها، ويتساءل عن جدوى كل شيء، فيصل إلى ابتكارات واختراعات ينتفع بها الإنسان، أذن بميلادها عند البحث عنها؛ لتستبين عظمة الله في خلقه(٢). رابعًا: لا يعلمون: إن المتدبر في كتاب الله يجد أن الله تعالی وصف الناس في بعض الآيات بعدم العلم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ومن هذه المواضع ما يلي: ١. لا يعلمون وقت الساعة. قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرْسَنَهَا قُلِّ إِنَّمَا عِلْمُهَا ◌ِنْدَ رَبِّ لَا يُحَلِيَهَا لِوَقِّهَا إِلَّا هُوَّ تَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيكُمْ إِلََّ بَغْنَةٌ يَسْتَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. ولم يعلموا أنك - لكمال علمك بربك، غير مبال بالسؤال عنها، ولا حريص على ذلك، فلم لا يقتدون بك، ويكفون عن الاستحفاء عن هذا السؤال الخالي من المصلحة المتعذر علمه، فإنه لا يعلمها نبي (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٤/٤. (٢) انظر: تفسير الشعراوي ٨/ ٤٠٦٩. ٢. لا یعلمون حكمة الله من الأشياء. يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن مِّصْرَ لِأَمْرَأَنِ: أَكْرِمِى مَثْوَنُهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَآَ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدَّأَ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي اُلْأَرْضِ وَلِنُعَلِمَهُ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِّ وَاَللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: ((لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه لما يريد))(٤). ٣. لا يعلمون حقيقة جهلهم بالبعث. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌّ لَا يَبَّعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨]. يقول تعالى مخبرا عن المشركين: أنهم حلفوا فأقسموا ﴿يِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌ﴾ أي: اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان على أنه ﴿لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتٌ﴾ أي: استبعدوا ذلك، فكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا على نقيضه، فقال تعالى مكذبًا لهم وردًا عليهم: ﴿بَى﴾ أي: بلی سیکون ذلك، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي: لا بد منه، ﴿وَلَكِنَّ (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣١٠. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٨/٤. جَوَسُوعَة البقية لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٢٣٨ الناس أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر (١). ٤. لا يعلمون إرسال محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافة. قال تعالى: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَانَّةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]. يقول تعالى ذكره: وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشرکین بالله من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيرًا لمن أطاعك، ونذيرًا لمن كذبك ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أن الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر (٢). ٥. لا يعلمون حقيقة التفاضل. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٣٦]. وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَنِفِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤]. وقوله: ﴿وَقَالُواْ فَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]. أي: فضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم یکن ربکم راضیًا بما نحن عليه من (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٥٧١. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٠٥. الدين والفضل لم يخولنا ذلك؛ لأن من أحسن إلیه فلا یعذبه. فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به من الغنى، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلّ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: یوسعه لمن يشاء ﴿وقدرُ﴾ أي: إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحانًا لهم، فلا يدل شيء من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعادة الآخرة، فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغني عنکم غدًا شيئًا. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون هذا لأنهم لا يتأملون(٣). ٦. لا يعلمون حقيقة خلق السماوات والأرض. يقول تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]. يقول تعالى ذكره: الابتداع السموات والأرض، وإنشاؤها من غير شيء، أعظم أيها الناس عندكم إن كنتم مستعظمي خلق الناس وإنشائهم من غير شيء من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله (٤). (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٥/١٤. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٠٥/٢١. www. modoee.com ٢٣٩ حرف النون خامسًا: لا يشكرون: إن الله تعالى أسبغ علينا نعمه ظاهرة، وباطنة، وحري بنا معشر الناس أن نقابل النعم بالشكر، ولقد بين القرآن أن أكثر الناس لا يشكرون في مواطن عديدة من کتاب الله تعالی منها: ١. لا یشکرون فضل الله ونعمته بتأخير العذاب. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَ النَّاسِ وَلَكِنَّأَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣]. أي: لذو أفضال وإنعام على كافة الناس، ومن جملة نعمه تأخير عقوبة هؤلاء على ما يرتكبونه من المعاصي التي من جملتها استعجال العذاب، ولكن أكثرهم لا يشكرون لا يعرفون حق النعمة فيه فلا يشكرونه، بل يستعجلون بجهلهم وقوعه كدأب هؤلاء(١). وينبه عباده على سعة جوده وكثرة أفضاله ویحثهم علی شکرها، ومع هذا فأکثر الناس قد أعرضوا عن الشكر واشتغلوا بالنعم عن المنعم(٢). ٢. لا يشكرون الهداية للتوحيد و ملة الإسلام. قال تعالى: ﴿وَأَتَبَعْتُ مِنَّةَ ءَابَآءِىّ إِبْزَهِيمَ (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٩٨/٦. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٠٩. وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَّا أَنْ نُشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨]. ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ إذ جعلنا أنبياء ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ إذ جعلنا الرسل إليهم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ على نعمة التوحيد والإيمان(٣). ٣. لا يشكرون نعمة تسخير بعض المخلوقات للناس. يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَاْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾[غافر: ٦١]. يقول تعالى ممتنًا على خلقه، بما جعل لهم من اللیل الذي يسكنون فيه ويستریحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار، وجعل النهار مبصرًا، أي: مضيئًا؛ ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا یقومون بشکر نعم الله علیھم (٤). (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن الكريم، القرطبي ١٩١/٩. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ١٥٥/٧. مُوسُو عَدَ النفسية المَصوي الْقُرْآن الكَرِيمِ ٢٤٠ الناس اتباع الناس إن المتأمل في کتاب الله عز وجل يجد أن الناس والأقوام في اتباعهم على حالتين: الأولى: الاتباع المحمود، وذلك باتباع الحق وأهله من الرسل والأنبياء، كذلك اتباع أوامر الله تعالى، فجميع الأنبياء والرسل أرسلوا لقومهم، وأرشدوهم لعبادة الله تعالى. الثانية: الاتباع المذموم، وذلك باتباع الباطل وأهله من الشيطان وأعداء الإسلام، فنهج أعداء الله تعالى الصد عن دين الله ومحاربته، وسنلقي إن شاء الله الضوء على هذا المحور في هذا المبحث، وذلك على النحو الآتي: أولًا: اتباع الناس المحمود: ١. اتباع إبراهيم عليه السلام. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾[آل عمران: ٦٨] يخبر الله تعالى أن أولى الناس بإبراهيم محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وأتباع الخليل، قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وأما اليهود والنصارى، والمشركون فإبراهيم بريء منهم ومن ولا یتهم؛ لأن دينه الحنيفية السمحة التي فيها الإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب، وهذه خصيصة المسلمين (١). ٢. اتباع الصراط المستقيم. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى قال تعالى: مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَقَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ، ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ. لَعَلَّكُمْ تَثَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] هذه آية عظيمة فإنه لما نھی وأمر حذر هنا عن اتباع غیر سبیله، فأمر فيها باتباع طريقه (٢). ٣. اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُعِي، وَيُّمِتٌ فَشَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الأُِيِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَيِّهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد للناس كلهم: ﴿إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيمًا﴾ لا إلی بعضکم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل، مرسلًا إلى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إلى جميعكم. وأما قوله: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ فاهتدوا به أيها (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٦٨. (٢) انظر الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٧/٧. www. modoee.com ٢٤١ حرف النون الناس، واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة (٣). طاعة الله؛ لكى تهتدوا فترشدوا وتصيبوا الحق في اتباعكم إياه(١). ٤. اتباع الحق. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَتَّبَعُوا الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَبَعُواْ أَلَّْ مِن زَّيْهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ﴾ [محمد: ٣] وأما ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بما أنزل الله على رسله عمومًا، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم خصوصًا كفرالله عنهم صغار الذنوب، وكبارها، وإذا كفرت سيئاتهم، نجوا من عذاب الدنيا والآخرة، ﴿وَأَصْلَحَ بَاهُمْ﴾، أي: أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم، والسبب في ذلك أنهم: ﴿أَتَبَعُواْ اَلْحَقَّ﴾ الذي هو الصدق واليقين، وما اشتمل عليه هذا القرآن العظيم الصادر ﴿مِن نَّهِمْ﴾﴾ الذي رباهم بنعمته، ودبرهم بلطفه فرباهم تعالی بالحق فاتبعوه، فصلحت أمورهم(٢). ٥. اتباع القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ مُبَارٌَ فَاتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] فيه الدعوة إلى اتباع القرآن ووصفه بالبركة (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧٠/١٣ - ١٧٢. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٨٤. ثانيًا: اتباع الناس المذموم: ١. اتباع الشيطان. لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ الَّهِ بِغْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَنِ قَرِيدِ﴾ [الحج: ٣]. يريد شياطين الإنس وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر وقد یکون المراد بذلك إبليس وجنوده ... کتب على من يتبع الشيطان أنه من تولى الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار، وذلك زجر منه تعالى فكأنه تعالى قال: كتب على من هذا حاله أنه يصير أهلًا لهذا الوعيد (٤). ٢. اتباع الهوى. لقوله تعالى: ﴿يَنْدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾[ص: ٢٦]. ولا تؤثر هواك فى قضائك بينهم على الحق والعدل فيه، فتجور عن الحق ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقول: فيميل بك اتباعك هواك في قضائك على العدل والعمل بالحق عن طريق الله الذي جعله لأهل الإيمان فیه، فتكون من الهالکین بضلالك عن سبيل (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٩/٣. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٣١٤. ٢٤٢ ـضـ مَوْسُورُ القرآن الكريم الناس الله(١)، وهذا الخطاب ليس لنبي الله داود وحده؛ بل هو لكل من وجد في مكانه فعليه بالعدل لا الجور. ٣. اتباع وطاعة السادات والكبراء. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنََّ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبِرَةَ نَافَأَ ضَلُّونَا السَّبِيلَأْ﴾ [الأحزاب: ٦٧]. أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء (٢). ٤. اتباع السحرة. قال تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَِّعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ اٌلْغَلِينَ ﴾ [الشعراء: ٤٠]. ورجوا اتباع السحرة، أي: اتباع ما يؤيده سحر السحرة وهو إبطال دين ما جاء به موسی ... كناية عن رجاء تأييدهم في إنكار رسالة موسى فلا يتبعونه (٣)، واتباع السحرة ليس معناه نتبعهم في السحر إنما أراد نتبعهم في نصرة ديننا وملتنا والإبطال على معارضتنا (٤)، فإن اتباع السحرة فيه إعلان الحرب على الله ورسله وأوليائه، فاتباعهم فيه الهلاك والخسران. ٥. اتباع الشعراء. قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء: ٢٢٤]. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨٩/٢١. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٤/٦. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٦/١٩. (٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٧٧/٤. ومعنى ﴿الْغَاوُونَ﴾ جمع غاوٍ، وهو الضال، وهؤلاء يتبعون الشعراء؛ لأنهم يؤيدون مذهبهم في الحياة بما يقولون من أشعار؛ ولأنهم لا يحكم منطقهم مبدأ ولا خلق، بل هواهم هو الذي يحكم المبدأ والخلق، فإن أحبوا مدحوا، وإن كرهوا ذموا(٥). ٦. اتباع الآباء والأجداد. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَّبِعُواْمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَ آبَاءَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١] وإذا قيل لهؤلاء الذين يجادلون في توحيد الله جهلا منهم بعظمة الله: اتبعوا أيها القوم ما أنزل الله على رسوله، وصدقوا به، فإنه يفرق بين المحق منا والمبطل، ويفصل بين الضال والمهتدي، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من الأديان، فإنهم كانوا أهل حق (٦). (٥) انظر: تفسير الشعراوي ١٠/ ٦٦٩٣. (٦) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤٩/٢٠. www. modoee.com ٢٤٣ حرفالنون نداءات الله تعالى للناس النداء من الأساليب التي استخدمها القرآن الكريم ليوصل للناس ما يريد وذلك باستخدامه حرف النداء يا، وقد استفتح القرآن الكريم بعض سوره بالنداء، وذلك في عشر سور، منها سورتین افتتحت بالنداء وَيُّهَا النَّاسُ﴾، وذلك في سورة النساء يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَفَاءٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءُ لُونَ بِه وَالْأَرْحَمَّ إِنَّ اللّهُ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِبًا﴾ [النساء: ١]. وفي سورة الحج يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْ! عَظِيمٌ﴾[الحج: ١](١). أولًا: تكرار النداءات: لقد تكرر النداء في سور متعددة من القرآن الكريم نحو عشرين مرة، منها ما تكرر في السور المكية، ومنها ما تكرر في السور المدنية، وقد جاءت على النحو الآتي: تكرار النداء في السور المكية: تكرر النداء بـ﴿يَتُهَا النَّاسُ﴾ في السور المکیة عشر مرات في خمس سور مکیة و هي: الأعراف مرة واحدة. (١) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي ١ /١٧٨. سورة يونس تكرر النداء بـ ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فيها أربع مرات. سورة النمل مرة واحدة. سورة لقمان مرة واحدة. سورة فاطر ثلاث مرات. تكرار النداء في السور المدنية: تكرر النداء بـ﴿يَيُّهَا النَّاسُ﴾ في السور المدنية عشر مرات في أربع سور مدنية وهي: سورة البقرة تكرر النداء ب﴿يَأَيُّهَا النّاسُ ﴾ مرتین. سورة النساء تكرر النداء ب﴿يَأَيُّهَا آلنَّاسُ﴾ ثلاث مرات. سورة الحج أربع مرات. سورة الحجرات مرة واحدة. حكم النداءات: إن تعدد النداء للناس، أو كثرة النداء للناس في القرآن الكريم، لم يرد إلا لحكم عظيمة، لما للنداء من أهمية في الأسلوب القرآني وصيغة النداء للناس الواردة في القرآن هي ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ويا حرف نداء والمنادى أي وهو اسم مفرد مبني على الضم، وها حرف تنبيه مقحم بين المنادى وصفته(٢). وحرفا النداء والتنبيه جاءا ليلفتا الانتباه لما سيأتي بعدهما من أوامر ونواهٍ، ومن (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/ ٦٤. مُوسُوبَةُ النفسية القرآن الكريم ٢٤٤ الناس خلالها تظهر بعض الحکم، وبعد الغوص في معاني وسياقات القرآن الجليلة نقف على بعض الحكم التي تم التوصل إليها خلال هذا البحث ومنها: حكم النداءات في السور المكية: ١. الأمر بالإيمان. قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُعْىِ، وَيُمِتٌ فَثَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِ النَّبِيِّ الْأُمِّيّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[الأعراف: ١٥٨] يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود، والعربي ﴿وَإِى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ والعجمي، جَمِيعًا﴾ أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة. وقوله: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الْأُمِّ﴾ أخبرهم أنه رسول الله إليهم، ثم أمرهم باتباعه والإيمان به (١). جاء النداء لیشمل جميع الناس کما بینت الآيات السابقة؛ ليدعوهم ویأمرهم بالإيمان بالله تعالى، وهذا يتفق مع خصائص (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٩/٣-٤٩١. السور المكية التي تدعو إلى غرس الإيمان والتوحيد والعقيدة. ٢. التذكير بالتقوى واليوم الآخر. لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدَّ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًاْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ ﴾ [لقمان: ٣٣]. يقول تعالى ذكره: أيها المشركون من قريش، اتقوا الله، وخافوا أن يحل بكم سخطه ... لأن الأمر يصير هنالك بيد من لا يغالب، ولا تنفع عنده الشفاعة والوسائل، إلا وسيلة من صالح الأعمال التي أسلفها في الدنيا. وقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اُللَّهِ حَى﴾ يقول: اعلموا أن مجيء هذا اليوم حق، وذلك أن الله قد وعد عباده ولا خلف لوعده(٢). ٣. ترسيخ مفهوم التوحید. قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَذَكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمُّ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُّكُمْ مِنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ فَأَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣]. ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له، كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان؛ ولهذا قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلََّّ (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠ / ١٥٩. www. modoee.com ٢٤٥ حرفالنون هُوٌ فَأَنَّى تُؤْفَگُونَ ﴾ أي: فكيف تؤفكون أكرم الله نبيه سليمان بها. (تصرفون) بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟!(١). والمتأمل في هذه الآية يجد أنها اشتملت على أنواع التوحيد الثلاثة، توحید الألوهية المتمثل في قوله تعالى: ﴿لَا إِلَّهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ وتوحيد الربوبية المتمثل في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اَذَكْرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُّكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ﴾ وقضية الخلق والرزق من قضايا توحيد الربوبية، أما توحيد الأسماء والصفات فمتمثل في قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾. ٤. إظهار الإعجاز والمعجزة. قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدٌّ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَمُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ﴾ [النمل: ١٦]، قوله تعالى: ﴿وَقَالَ بَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي: قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ﴾ أي: تفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض، في أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها (٢)، وإن علم منطق الطير من المعجزات التي (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٣/٦. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٠١٦٤/١٣ ٥. بيان حاجة الناس لخالقهم. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اَللَّهِ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه ومزيد حاجتهم إلى فضله فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ ﴾ أي: المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا فهم الفقراء إليه على الإطلاق ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ على الإطلاق ﴿اَلْحَمِيدُ﴾ أي: المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم(٣). ٦. بيان الجزاء والعاقبة. قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُّكُمْ عَى أَنْفُسِكُمْ مَتَعَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَنْجِعُكُمْ فَتُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣]. أي: غاية ما تؤملون ببغيكم، وشرودکم عن الإخلاص لله، أن تنالوا شيئًا من حطام الدنيا وجاهها النزر اليسير الذي سينقضي سريعًا، ويمضي جميعًا، ثم تنتقلون عنه بالرغم. ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْ جِعُكُمْ ﴾ في يوم القيامة (٤). ولما ذكر سبحانه أن هؤلاء المتقدم ذكرهم يبغون في الأرض بغير الحق ذكر (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ /٤٢٦. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٦١. جوُو ◌َرَ النَّفْسِيَةْ لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٢٤٦ الناس عاقبة البغي وسوء مغبته(١). حكم تكرار النداءات في السور المدنية: ١. بيان أصل الخلقة والنشأة والغاية منها. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُرِ مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَمُّكُمْ إِنَّ اللّهُ عَلِيُ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس إنا أنشأنا خلقكم من ماء ذکر من الرجال، وماء أنثى من النساء(٢). ويخبر تعالی أنه خلق بني آدم من أصل واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ویرجعون جمیعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله تعالى بث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، وفرقهم، وجعلهم شعوبا وقبائل أي: قبائل صغارًا وكبارًا، وذلك لأجل أن يتعارفوا، فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه، لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبا وقبائل؛ لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها، مما يتوقف على التعارف، ولحوق الأنساب، ولكن الكرم بالتقوى، فأكرمهم عند الله أتقاهم(٣). (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٤٠/٢. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠٩/٢٢. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٠٢. ٢. الأمر بالعبادة. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. وهذا أمر عام لكل الناس بأمر عام وهو العبادة الجامعة؛ لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالی بما خلقهم له (٤). ٣. الأمر بأكل الطيبات والنهي عن اتباع الشيطان. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى اٌلْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُلَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]. لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالاً من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غیر ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما زينه لهم في جاهليتهم(٥). ٤. التذكير بالتقوى. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ (٤) انظر: المصدر السابق ص ٤٤. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٨/١. www. modoee.com ٢٤٧ حرفالنون إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، هو الحق وأنه يحيي الموتى، وكما أحياكم أولًا وأخر جکم من العدم إلى الوجود وأحيا أمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم (١). الأرض بعد موتها وهمودها، كذلك تأتي الساعة من غير ريب ولا شك، ويبعثكم لما وعدکم من حسابکم وجزائکم (٣). ٥. التذكير بالبعث. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ لُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَيُّفِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ ◌ِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُنَوَلَّ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْعِ بَهِيج﴾ [الحج: ٥]. يا أيها الناس إن كنتم في شك من الإعادة ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْ﴾ أي: خلقنا أباكم الذي هو أصل البشر، يعني: آدم عليه السلام ﴿مِّن تُرَابٍ﴾ ثم خلقنا ذريته(٢)، ووضح من تقلبکم من حالة إلى حالة في الأرحام، وبعد خروجکم إلی الدنیا، وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم، وتشاهدون الأرض على صفة من الهمود والموت إلى حين نزول الماء فنحيي ونخرج أنواع النبات وضروب الثمرات كل ذلك يسقى بماء واحد ذلك بأن الله (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٣/ ٢. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/١٢. ٦. ضرب الأمثال في عجز الأصنام. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنِ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَهُ: وَإِن يَسْبُّهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]. قال ابن كثير: (يقول تعالى منبها على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي: لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ﴾﴾ أي: أنصتوا وتفهموا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوٍ أَجْتَمَعُواْ لَهُ﴾ أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك)(٤). (٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١٣٠/٥. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٠/٥، ٤٥٣. مُقَبَةُ النفسية الْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٤٨ الناس الناس والجن إن الناس والجن من مخلوقات الله تعالی الذین ورد ذکرهم في كتابه الکریم. وقد بين سبحانه العلاقة بين الناس والجن من أول لحظة وجد فيها أبو الناس جميعًا، وهو آدم عليه السلام، والناس والجن المخلوقان الوحيدان المكلفان في الأرض، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلنَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وسنلقي من خلال هذا محاور ومنها: أولًا: مادة الخلق: إن طبيعة خلق الناس تختلف عن طبيعة خلق الجن، فالناس خلقوا من الطين والجن خلقوا من النار. قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن ا وَخَلَقَ الْجَاَنَّ مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَّارِ مَّارِجَ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٤- ١٥]. وقال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذَّ أَمِّئُكَّ قَالَ أَنَّأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم من طريق عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)(١). ثانيًا: العداء بين الناس والجن: إن علاقة الناس بالجن منذ لحظتها الأولى قائمة على العداء حتى قيام الساعة، وذلك لقوله تعالى: ﴿قَالَ أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِيَعْضِ عَدٌُ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَحُّ إِلَى حِينٍ ﴾ [الأعراف: ٢٤]. والمراد بالخطاب في ﴿آهپطُوا﴾ آدم، وحواء، وإبليس، والعمدة في العداوة آدم المبحث الضوء على الناس والجن في عدة وإبليس (٢). ثالثًا: تكبر الجن على الناس: قَالَ يَابْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسَجَدَ قال تعالى لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَنَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ؟ [ص: ٧٥]. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُواْ وقال: ◌َِّّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرٌ وَكَانَ مِنَ اَلْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. في الآيتين السابقتين يبين الله تعالى أن تكبر إبليس واستعلاءه منعه من السجود وإطاعة أمر الله تبارك وتعالى، والذي منع إبليس من الاستجابة لأمر الله تعالى، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة، رقم ٢٩٩٦. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٩/٣. www. modoee.com ٢٤٩ حرف النون والسجود هو ظنه الخاطئ بأنه خير من آدم وذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَّئُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. رابعًا: تكريم وتشريف الناس على الجن: الناس أشرف وأكرم من الجن، وذلك بتشريف الله لأبي البشر آدم وأمر الملائكة وإبليس بالسجود لآدم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُواْلَّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِيْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرٍ رَيِّدِّةُ أَفَتَتَّخِذُونَهُ, وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَاءُ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾ [الكهف: ٥٠]. يخبر تعالى عن عداوة إبليس لآدم وذريته، وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم؛ إکراما وتعظيمًا؛ وامتثالا لأمر الله(١)، فإن تشريف وتكريم الآباء تشريف وتكريم للأبناء. خامسًا: زمن الخلق: إن المتأمل في کتاب الله تعالی یتبین له أن زمن خلق الجن متقدم على خلق الناس، وهذا يفهم من سياق الآيات المتعددة في کتاب الله تعالی. (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٧٩. يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَنَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضًا (٢). سادسًا: الاشتراك في العبادة والتكليف: بينت الآيات أن الجن والناس المخلوقات المكلفة بالعبادات في الأرض لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا ◌ِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. أي: وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها. فإن قلت: لو كان مريدًا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادًا. قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه(٣). سابعًا: التقديم والتأخير: إن المتدبر في كتاب الله تعالى يجد أن هناك آيات قدم فيها الجن على الإنس أو الناس، وبعض آيات تقدم فيها الإنس على الجن مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠/ ٤٥٥. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ /٤٠٨. ٢٥٠ ضـ جوسُوبَة النفسية لِلْقُرْآن الكَرِيمِ