Indexed OCR Text

Pages 21-39

مكت
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی
الله علیه وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد
حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو
حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد
شوكه، ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا
من عرفها ولا يختلى خلاها)(١)(٢).
سابعًا: تحريم الإلحاد والظلم فيها:
حرم الله الإلحاد والظلم في البلد
الحرام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ
لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادٍ وَمَن يُرِدْ فِيهِ
بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
[الحج: ٢٥].
أي: ومن يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي
الکبار عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول،
عن ابن عباس بظلم هو أن تستحل من
الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل
فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك
فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم
وقال مجاهد: ﴿بِظُلْرٍ﴾ (يعمل فيه عملًا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجزية،
باب إثم الغادر للبر والفاجر، رقم ٣١٨٩،
١٠٤/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج،
باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها
ولقطتها، إلا لمنشد على الدوام، رقم ١٣٥٣،
٩٨٦/٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٦/٦.
سيئًا وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب
البادي فيه بالشر إذا كان عازمًا عليه وإن لم
یوقعه(٣).
قال الإمام الرازي: ((الإلحاد العدول
عن القصد وأصله إلحاد الحافر، وذكر
المفسرون في تفسير الإلحاد وجوها:
أحدها: أنه الشرك، يعني من لجأ إلى
حرم الله ليشرك به عذبه الله تعالى، وهو
إحدى الروايات عن ابن عباس وقول عطاء
بن أبي رباح وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل.
وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما:
نزلت في عبد الله بن سعد حيث استسلمه
النبي صلى الله عليه وسلم فارتد مشركا،
وفي قيس بن ضبابة، وقال مقاتل: نزلت
في عبد الله بن خطل حين قتل الأنصاري
وهرب إلى مكة كافرًا، فأمر النبي صلى الله
عليه وسلم بقتله يوم الفتح كافرًا.
وثالثها: قتل ما نهى الله تعالى عنه من
الصيد.
ورابعها: دخول مكة بغیر إحرام وارتكاب
ما لا يحل للمحرم.
وخامسها: أنه الاحتكار عن مجاهد
وسعيد بن جبير.
وسادسها: المنع من عمارته.
وسابعها: عن عطاء قول الرجل في
المبايعة: لا والله وبلی والله. وعن عبد الله
(٣) المصدر السابق ٣٦١/٥.
www. modoee.com
١٧٩

حرف الميم
بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في
الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب
أهله عاتبهم في الحل، فقيل له فقال: كنا
نحدث أن من الإلحاد فیه أن یقول الرجل لا
والله وبلى والله.
وثامنها: وهو قول المحققين: أن الإلحاد
بظلم عام في كل المعاصي، لأن كل ذلك
صغر أم كبر يكون هناك أعظم منه في سائر
البقاع حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه: لو
أن رجلا بعدن هم بأن يعمل سيئة عند البيت
أذاقه الله عذابا أليما. وقال مجاهد: تضاعف
السیئات فیه كما تضاعف الحسنات، فإن قيل
كيف يقال ذلك مع أن قوله: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَاپٍ
أَلِيمٍ﴾ لائق بكل المعاصي قلنا: لا نسلم،
فإن كل عذاب يكون أليما، إلا أنه تختلف
مراتبه على حسب اختلاف المعصية))(١).
والملحد في الحرم أبغض الخلق إلى
الله تعالى: فعن ابن عباس رضي الله عنه
أن النبي صلی الله عليه وسلم، قال: (أبغض
الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ
في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ
بغیر حق لیھریق دمه)(٢).
(١) مفاتيح الغيب ٢١٧/٢٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات،
باب من طلب دم امرئ بغير حق، رقم ٦٨٨٢،
٦/٩.
إبراهيم عليه السلام ومكة
أولًا: دعاء إبراهيم لمكة وأهلها:
تضمن القرآن الکریم آیات عديدة تخبرنا
عن عناية إبراهيم عليه السلام بهذا البلد
واهتمامه به ودعائه له ولأهله وقد خصه
بدعوات مباركات كما يأتي:
١. دعا إبراهيم عليه السلام ربه بأن
يجعله بلدًا آمنًا.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهُِ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا
بَلَدَاءَمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦].
فهذا دعاء من أبي الأنبياء إبراهيم عليه
السلام للوادي الذي لازرع فيه ولا أنيس ان
یجعله الله بلدًا آمنا، ثم دعا له بعد أن صار
بلدًا مأهولًا وآمنًا.
قال تعالى: ﴿ وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ أُجْعَلْ
هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥].
قال أبو جعفر الطبري: ((يعني: آمنًا من
الجبابرة وغيرهم، أن يسلطوا عليه، ومن
عقوبة الله أن تناله، كما تنال سائر البلدان،
من خسف، وغرق، وغير ذلك من سخط الله
ومثلاته التي تصيب سائر البلاد غيره)»(٣).
والمراد من الآيات دعاء إبراهيم عليه
السلام للمؤمنين من سكان مكة بالأمن
والتوسعة بما يجلب إلى مكة؛ لأنها بلد لا
(٣) جامع البيان، الطبري ٢/ ٤٤.
١٨٠
جوببيو
القرآن الكريمِ

مكت
زرع ولا غرس فيه، فلولا الأمن لم يجلب ضدها من الأمن (٤).
إليها من النواحي وتعذر العيش فيها، ثم
إن الله تعالی أجاب دعاءه وجعله آمنا من
الآفات من القحط والخسف والمسخ من
القتل، فلم يصل إلیه جبار إلا قصمه الله كما
فعل الله تعالى بأصحاب الفيل.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
بِأَصْحَبِ الْفِيلِ ) أَلَمْ بَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ
٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًّا أَبَابِيلَ ا تَرْبِيهِم
◌َعَلَهُمْ كَعَصْفٍ
٤
بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِيلٍ {
مَّأْكُولٍ ﴾﴾ [الفيل: ١ -٥](١).
ودعاء إبراهيم للبلد الحرام بالأمن كان
السبب في التمدن بمكة، فإن البلد إذا كان
ذا أمن، أمكن الإقامة فيه ووفود التجار إليه
لطلب الربح (٢).
والدعاء لمكة بالأمن مختص بها دون
غيرها، قال السمعاني: «أجمعوا أن البلد هو
مكة))(٣)؛ لأن ((ال)) للعهد، واسم الإشارة
يفيد التعيين والاختصاص، وإن كان إبراهيم
قد دعا له منكرًا، فإن ذلك ربما یکون قبل أن
يصير بلدًا، الفرق بينهما أنه سأل في الأول
أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها
فيها ولا يخافون وسأل في الثاني أن يخرج
هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤ / ٤٨.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٦١٣.
(٣) تفسير السمعاني ١١٩/٣.
٢. دعا إبراهيم عليه السلام ربه بأن
يرزق أهله من الثمرات.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبٍّ أَجْعَلْ
هَذَا بَلَدًا ءَامِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ, مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ
مِنْهُم ◌ِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ، قَلِيلًا
ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَيِئْسَ الْمَصِيرُ!
[البقرة: ١٢٦].
وإنما سأل ربه ذلك؛ لأنه أسكن فيه
ذريته، وهو غير ذي زرع ولا ضرع، فاستعاذ
ربه من أن يهلكهم بها جوعا وعطشا، فسأله
أن یؤمنهم مما حذر علیھم منه(٥).
﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ, مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ
وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ أي: وارزق أهله من أنواع
الثمار، إما بزرعها بالقرب منه، وإما بأن
تجبى إليه من الأقطار الشاسعة، وقد
حصل كلاهما استجابة لدعوة إبراهيم كما
هو مشاهد، وقد جاء في سورة القصص:
﴿أَوَلَمْ ثُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَ إِلَيْهِ
ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّنْ لَّدُنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧](٦).
وخص إبراهيم بدعائه المؤمنين، وإن
کان سبحانه لواسع رحمته جعل رزق الدنیا
(٤) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١٧٥/٢، لباب
التأويل، الخازن ٣٩/٣، التفسير البياني
للقرآن الكريم، عائشة بنت الشاطئ ١٦٩/١.
(٥) جامع البيان، الطبري ٢/ ٤٧.
(٦) النكت والعيون، الماوردي ١٣٩/٣.
www. modoee.com
١٨١

حرف الميم
عامًا للمؤمنين والكافرين.
قال تعالى: ﴿كُلَّا تُمِدُّ هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءِ مِنْ
عَطَاءِ رَبِّكْ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ مَحْظُورًا ﴾
[الإسراء: ٢٠] لأن تمتيع الكافرين قصير
محدود بذلك العمر القصير، ثم إلى النار
وبئس المصير، وهذا ما بينه عز اسمه بقوله:
﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّمُهُ، قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابٍ
النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦].
أي: قال یا إبراهیم قد أجبت دعوتك،
ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات،
ورزقت كفارهم أيضًا، وأمتعهم بهذا الرزق
أمدا قليلا وهو مدة وجودهم في الدنیا، ثم
أسوقهم إلى عذاب النار سوقًا اضطراريًا لا يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس
يقصدونها من سائر الجهات والأقطار (٣).
اختیار لهم فیه، ولا یعلمون أن عملھم ینتھی
بهم إلیه(١).
٣. دعا إبراهيم عليه السلامٍ ربه أن
يجعل في قلوب بعض خلقه ميلا إليهم
فيسعدوا بجوارهم.
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّ أَسْكنتُ مِن ذُرِّيَّقی
بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا
لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ
تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ
يَشْكُرُونَ ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
أي: تریدهم وتسرع إلیھم، وتحن إليهم،
وقال قتادة: تنزع إليهم، وقال مجاهد: لو قال
أفئدة الناس، لازدحمت علیه فارس والروم
(١) تفسير المراغي ١/ ٢١٢.
جَوَسُو ◌َر التفسير
القرآن الكريم
والترك والهند، وقال سعيد بن جبي: لو قال
أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى
والمجوس، ولکنه قال: أفئدة من الناس فهم
المسلمون، قال عكرمة: هو أنهم يحجون
إلى مكة (٢).
وفي معنى قوله تعالى: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً
مِنَ النَّاسِ تَهْوِىٌ إِلَيْهِمْ﴾ أربعة أوجه:
أحدها: أنه بمعنى تحن وتهواهم وتنزل
إليهم، لأن مکة في واد والقاصد إليها نازل
إليها، وأن یجعل الله الناس يهوون السكنى
بمكة، فيصير بيتا محرما يحج الناس
إليه، فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو
٥. دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن
يبعث الله فيهم رسولا منهم.
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا
مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[البقرة: ١٢٩].
فاستجاب الله دعاءه فبعث فينا نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم (٤).
(٢) التفسير الوسيط، الواحدي ٣٤/٣.
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٣٨/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٣٧٤،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ /٣٦٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٨٦/٣، النكت
والعيون، الماوردي ١٩١/١، معالم التنزيل،
١٨٢

مكت
قواعد البيت، والقواعد: أساطين البناء التي
فقد جاء في حديث أبي أمامة أن أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: (يا تعمده واحدتها قاعدة، وهي كالأساس لما
فوقها (٢).
رسول الله أخبرنا عن نفسك فقال: (دعوة
أبي إبراهيم وبشرى عيسى) (١).
ثانيًا: بناؤه الكعبة مع إسماعيل عليهما
السلام:
أخبر الله في القرآن أن إبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام هما اللذان بنيا الكعبة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ
وَأَمْنَا وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ وَعَهِدْنَاً
إِلَى إِبُهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَطَِّفِينَ
وَاْعَكِفِينَ وَالرُّكَعِ السُّجُودِ ، وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ
رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَدًا ءَمِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ
ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِّ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ.
قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِسَ الْمَصِدُ
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ
رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
١٢٧)
[البقرة: ١٢٥ - ١٢٧].
فالآيات تدل على أن إبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام هما اللذان بنيا بيت الله
الحرام، وكانا يدعوان الله وهما يرفعان
البغوي ١/ ١٨٢.
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٢٢٦١،
٥٩٥/٣٦، والحاكم في المستدرك، رقم
٢،٤١٧٤ /٦٥٦.
قال الحاکم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم
٤،١٥٤٦ /٠٦٢
وهناك من المفسرين من يقول بأن
البيت أول من بناه آدم عليه السلام، وقيل:
الملائكة، قال الإمام الرازي: ((الأكثرون
من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان
موجودًا قبل إبراهيم عليه السلام وأن أول
من بناه آدم على ما روينا من الأحاديث فيه
واحتجوا بقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إَِّهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ
اٌلْبَيْتِ﴾، فإن هذا صريح في أن تلك القواعد
كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه
السلام رفعها وعمرها(٣).
ولكن الظاهر من الآية أن الذي بناه هو
إبراهيم، قال الإمام الرازي: (( اتفقت الأمم
على أن باني هذا البيت هو الخليل عليه
السلام، وباني بيت المقدس سليمان عليه
السلام، ولا شك أن الخليل أعظم درجة
وأكثر منقبة من سليمان عليه السلام فمن
هذا الوجه يجب أن تكون الكعبة أشرف من
بيت المقدس»(٤).
وقال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية:
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ٢٩٧، تفسير
القرآن، السمعاني ١٣٩/١، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٢٩/٢، معالم التنزيل، البغوي
١٦٧/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٣٠٢/١.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٤/ ٥١.
(٤) المصدر السابق ٢٩٧/٨.
www. modoee.com
١٨٣

حرف الميم
((ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن في مخالفتها لظاهر القرآن، ولم يستح
البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام بعض الناس من إدخالها في تفسير القرآن
وإلصاقها به وهو برئ منها.
ومن تمسك في هذا بقوله مکان البیت فلیس
بناهض ولا ظاهر؛ لأن المراد مكانه المقدر
في علم الله المقرر في قدرته المعظم عند
الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان
إبراهیم، وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة
وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا
البيت وأن السفينة طافت به أربعين يوما
أو نحو ذلك، ولكن كل هذه الأخبار عن
بني إسرائيل وقد قررنا أنها لا تصدق ولا
تکذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فھي
مردودة))(١).
وقال محمد رشيد رضا في تفسير قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إَِّهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
وَإِسْمَعِيلُ﴾: ((ظاهر في أنهما هما اللذان بنيا
هذا البيت لعبادة الله تعالى في تلك البلاد
الوثنية، ولكن القصاصين ومن تبعهم من
المفسرين جاءونا من ذلك بغير ما قصه الله
تعالى علينا، وتفننوا في رواياتهم عن قدم
البیت، وعن حج آدم ومن بعده من الأنبياء
إليه، وعن ارتفاعه إلى السماء في وقت
الطوفان، ثم نزوله مرة أخرى.
وهذه الروایات یناقض أو يعارض بعضها
بعضًا، فهي فاسدة في تناقضها وتعارضها،
وفاسدة في عدم صحة أسانيدها، وفاسدة
(١) البداية والنهاية ١٨٨/١.
جَوَبُواحَرَ النَّقِيَّة
القرآن الكريمِ
ومن ذلك زعمهم أن الكعبة نزلت من
السماء في زمن آدم، ووصفهم حج آدم إلیھا
وتعارفه بحواء في عرفة، بعد أن كانت قد
ضلت عنه بعد هبوطهما من الجنة، وحاولوا
تأكيد ذلك بتزوير قبر لها في جدة، وزعمهم
أنها هبطت مرة أخرى إلى الأرض بعد
ارتفاعها بسبب الطوفان وحليت بالحجر
الأسود، وأن هذا الحجر کان یاقوتة بيضاء.
وقيل: زمردة من يواقيت الجنة أو زمردها،
وأنها كانت مودعة في باطن جبل أبي قبيس
فتمخض الجبل فولدها، وأن الحجر إنما
أسود لملامسة النساء الحيض له.
وقيل: لاستلام المذنبين إياه، وكل هذه
الروايات خرافات إسرائيلية بثها زنادقة
اليهود في المسلمين ليشوهوا عليهم دينهم
وينفروا أهل الكتاب منه))(٢).
[انظر: إبراهيم: إبراهيم عليه السلام وبناء
الكعبة]
ثالثًا: مقام إبراهيم عليه السلام:
ذكر الله تعالى مقام إبراهيم عليه السلام
في موضعین من کتابه:
الموضع الأول: أخبر الله تعالى أن مقام
(٢) تفسير المنار ٣٨٣/١.
١٨٤

مكن
إبراهيم آيات بينات.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
فِیهِ
٩٦
لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ
ءَايَتُ بَيْنَتُ مَّقَامُ إِبْرَهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِناً
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ أَلْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ (٢)﴾
[آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
وقد اختلف المفسرون بالمراد بالمقام
على أقوال ذكرها الإمام الرازي وغيره:
الأول: أنه الحجر الذي قام عليه إبراهيم؛
لأنه لما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه
السلام عن وضع الحجارة قام على حجر،
وهو مقام إبراهيم عليه السلام.
الحرم کله وهو قول مجاهد.
الثالث: أنه عرفة والمزدلفة والجمار،
وهو قول عطاء.
الرابع: الحج كله مقام إبراهيم، وهو
قول ابن عباس.
ثم رجح القول الأول، وقال: ((واتفق
المحققون علی أن القول الأول أولى، ويدل
علیه وجوه:
الأول: ما روی جابر رضي الله عنه أنه
صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الطواف
أتى المقام، وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن
مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ فقراءة هذه اللفظة عند
ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه
اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر.
وثانيها: أن هذا الاسم في العرف
مختص بذلك الموضع، والدليل عليه أن
سائلًا لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم
علیه السلام لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا
الموضع.
وثالثها: ماروي أنه صلى الله عليه وسلم
مر بالمقام ومعه عمر رضي الله عنه فقال:
(يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟
قال: بلى، قال: أفلا نتخذه مصلی؟ قال: لم
أومر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم
حتى نزلت الآية)(١).
ورابعها: أن الحجر صار تحت قدميه في
القول الثاني: أن مقام إبراهيم عليه السلام رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم
عليه السلام، وذلك من أظهر الدلائل على
وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه
السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من
اختصاص غيره به، فكان إطلاق هذا الاسم
علیه أولى.
وخامسها: أنه تعالى قال: ﴿وَأَّخِذُواْ
مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ وليس للصلاة
تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا
الموضع، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو
هذا الموضع.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب ما جاء في القبلة، ومن لم ير الإعادة على
من سها، فصلى إلى غير القبلة، رقم ٤٠٢،
٨٩/١.
www. modoee.com
١٨٥

حرف الميم
وسادسها: أن مقام إبراهيم هو موضع رواية قتيبة: (آية بينة) على التوحيد (٤)، فمن
قيامه، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا قرأ على الإفراد فمراده أن مقام إبراهيم عليه
الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على السلام آية وحده وهو أثر قدميه في المقام
وهو حجر صلد آية بينة (٥).
غيره فحمل هذا اللفظ، أعني: مقام إبراهيم
عليه السلام على الحجر يكون أولى))(١).
و کذلك رجح هذا القول الإمام أبو جعفر
الطبري حيث قال: ((وأولى هذه الأقوال
بالصواب عندنا، ما قاله القائلون: إن مقام
إبراهيم، هو المقام المعروف بهذا الاسم،
الذي هو في المسجد الحرام (٢)، لما ورد
عن جابر رضي الله عنه قال: (استلم رسول
الله صلی الله علیه وسلم الر کن، فرمل ثلاثا،
ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقراً:
﴿وَّخِذُواْ مِنْ مَقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ فجعل
المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين))(٣).
کما اختلف المفسرون في الآيات البينات
المذكورة في الآية بسبب اختلافهم في
القراءات بالإفراد والجمع، فقرأ الجمهور:
﴿مَايَتُ بَيِّنَتٌّ﴾ على الجمع، وقرأ أبيٌّ
وعمر وابن عباس ومجاهد وأبو جعفر في
(١) مفاتيح الغيب ٤/ ٤٤.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٢٨، أحكام
القرآن، ابن العربي ٣٧٢/١، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ١/ ٢٩٠.
(٢) جامع البيان ٣٦/٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج،
باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم
٨٨٦/٢،١٢١٨.
وعلى قراءة الجمهور بالجمع ﴿مَايَتُ
بَيْنَكُ﴾ أي: أنه وحده آيات بينات وفيه
توجھین:
أحدهما: أن يجعل وحده بمنزلة آيات
كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله
ونبوة إبراهيم عليه السلام من تأثير قدمه في
حجر صلد كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ
أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٢٠
[النحل: ١٢٠].
والثاني: اشتماله على آيات؛ لأن أثر
القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها
إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون
بعض آیة، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء
لإبراهيم خاصة آية، وحفظه مع كثرة أعدائه
من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة
ألوف سنين آية أيضًا (٦).
الثاني: أن مقام إبراهيم آية من الآيات
البينات في البيت ومعه آيات أخرى.
(٤) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري
٣٥٢/٢.
(٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج
٤٤٦/١، الكشف والبيان، الثعلبي ٣/ ١٥٠،
التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٤٦٧، النكت
والعيون، الماوردي ١/ ٤١١.
(٦) البحر المحيط، أبو حيان ٢٧١/٣.
١٨٦
جوسين
القرآن الكريم

مكت
إبراهيم عليه السلام أن قدميه دخلتا في
حجر صلد بقدرة الله تعالى؛ لیکون ذلك
دلالة وآية على توحيد الله وعلى صحة نبوة
إبراهیم صلی الله عليه وسلم، ومن الآيات
فيه ما ذكرنا من أمن الوحش، وأنسه فيه مع
السباع الضارية المتعادية، وأمن الخائف في
الجاهلية فيه: ﴿وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾
[العنكبوت: ٦٧]. وإمحاق الجمار على كثرة
الرامي من لدن إبراهيم عليه السلام إلى
يومنا هذا مع أن حصى الجمار إنما تنقل
إلى موضع الرمي من غيره، وامتناع الطير
من العلو عليه وإنما يطير حوله لا فوقه،
واستشفاء المريض منها به، وتعجيل العقوبة
لمن انتهك حرمته، وقد كانت العادة بذلك
جارية، ومن إهلاك أصحاب الفيل لما
قصدوا لإخرابه بالطير الأبابيل، فهذه كلها
من آيات الحرم سوى ما لا نحصيه منها،
وفي جميع ذلك دليل على أن المراد بالبيت
هنا الحرم كله؛ لأن هذه الآيات موجودة في
الحرم، ومقام إبراهيم عليه السلام ليس في
البيت إنما هو خارج البيت))(١).
قال الإمام الرازي: «مقام إبراهيم وهو
(١) أحكام القرآن ٢٦/٢.
وانظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج
١/ ٤٤٦، الكشف والبيان، الثعلبي ١٥٠/٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٤٦٧، النكت
والعيون، الماوردي ١/ ٤١١.
قال أبو بكر الجصاص: (( الآية في مقام الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه عليه فجعل
الله ما تحت قدم إبراهيم عليه السلام من
ذلك الحجر دون سائر أجزائه كالطين
حتى غاص فيه قدم إبراهيم عليه السلام،
وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله ولا يظهره
إلا على الأنبياء، ثم لما رفع إبراهيم قدمه
عنه خلق فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى،
ثم إنه تعالى أبقى ذلك الحجر على سبيل
الاستمرار والدوام فهذه أنواع من الآيات
العجيبة والمعجزات الباهرة أظهرها الله
سبحانه في ذلك الحجر))(٢).
الموضع الثاني: أن الله تعالى أمر
بالصلاة عنده قال تعالى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِنْ مَقَامِ
إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ وَعَهِدْنَاْ إِلَى إِبْهِمَ وَإِسْمَعِيلَ
أَنْ طَهِرَا بَيْتِيَ لِلطَّيِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
أجمع العلماء على مشروعية صلاة
ركعتين بعد الطواف، والمستحب أن يقرأ
في الأولى من ركعتي الطواف: ﴿قُلْ يَأَيُّهَاً
اَلْكَفِرُونَ ﴾ [الكافرون: ١].
وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾
[الإخلاص: ١].
کما هو ثابت في حديث جابر رضي الله
عنه. وجمهور أهل العلم على أن ركعتي
الطواف لا يشترط في صحة صلاتهما أن
تكون خلف المقام، بل لو صلاهما في أي
(٢) مفاتيح الغيب ٢٩٧/٨.
www. modoee.com
١٨٧

حرف الميم
موضع غيره صح ذلك(١).
((ولو طاف في وقت نهي، فأحد قولي
أهل العلم: إنه يؤخر صلاتهما إلى وقت لا
نهي عن النافلة فیه، ومما يدل على هذين
الأمرين أعني صحة صلاتهما في موضع
آخر، وتأخير صلاتهما إلى وقت غير وقت
النهي الذي طاف فيه ما ذكره البخاري في
صحيحه تعليقا بصيغة الجزم، قال: باب
الطواف بعد الصبح والعصر، وكان ابن عمر
رضي الله عنهما: يصلي ركعتي الطواف ما
لم تطلع الشمس، وطاف عمر بعد الصبح،
فرکب حتى صلى الركعتين بذي طوی (٢).
وفعل عمر رضي الله عنه هذا الذي
ذكره البخاري يدل على عدم اشتراط كون
الركعتين خلف المقام، بل تصح صلاتهما
في أي موضع صلاهما فيه، وأن تأخيرهما
عن وقت النهي هو الصواب، وممن قال
به: أبو سعيد الخدري، ومعاذ بن عفراء،
ومالك، وأصحابه: وعزاه بعضهم إلى
الجمهور، وقد قدمنا مرارا قول من يقول
من أهل العلم: إن ذوات الأسباب الخاصة
من الصلوات لا تدخل في عموم النهي في
أوقات النهي، إلا أن القاعدة المقررة في
الأصول: أن درأ المفاسد مقدم على جلب
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ٤١٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب الطواف بعد الصبح والعصر، ١٥٥/٢.
جَوَبُور
القرآن الكريمِ
المصالح)»(٣).
والصحيح من اتخاذ مقام إبراهيم مصلى
معناه: موضعا للصلاة المعهودة، كما بان
في سبب نزول الآية السابق ذكره عن عمر
رضي الله عنه، واتضح منه أربعة أمور:
وهي أن ذلك الموضع هو المقام المراد
في الآية، وأن المراد به الصلاة المتضمنة
للركوع والسجود، لا مطلق الدعاء، وأن
الصلاة عقب الطواف، وأن ركعتي الطواف
مطلوبتان، وهما عند المالكية: واجبتان،
فمن تر کهما، فعلیه دم(٤).
وقوله تعالى: ((﴿وَأَخِذُواْ مِنْ مَقَامِ إِبْرَّهِمَ
مُصَلَّ﴾ هو أمر ظاهره الإيجاب، والمراد
بالآية فعل الصلاة بعد الطواف، وقد روي
أن النبي صلی الله عليه وسلم قد صلاهما
عند البيت، فدلت هذه الآية على وجوب
صلاة الطواف، ودل فعل النبي صلى الله
عليه وسلم لها تارة عند المقام، وتارة عند
غيره على أن فعلها عنده ليس بواجب))(٥).
والصحيح من هذه الأقوال إن المراد
من قوله تعالى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهَِ
مُصَلّ﴾ مكانًا للصلاة فيه، أي: تصلى خلفه
ركعتي الطواف (٦).
(٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ٤١١.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤ / ٤٤، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١١٢/٢، البحر
المحيط، أبو حيان ١/ ٦١٠.
(٥) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٦٠.
(٦) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢٠٥/١،
١٨٨

مكت
واجبات ساكنيها وقاصديها
جعل الله تعالى واجبات ساكني الحرم
و قاصدیه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْتَهُ
لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِّ وَمَن يُرِدْ فِيهِ
بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ تُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَكِيمٍ ﴾
[الحج: ٢٥] والعاكف هو: المقيم في مكة،
والبادي وهو: الطارئ الذي ينتابه من غير
أهله في قول الجميع، سواء فيه: ليس المقيم
فیه بأولی من النازح إليه (١).
والمراد باستواء العاكف والبادي فيه
هو: استواؤهما في تفضیله، وتعظيم حرمته،
وإقامة المناسك به، وهذا مذهب مجاهد،
والحسن، وقول من أجاز بيع دور مكة،
وكان المشركون يمنعون المسلمين عن
الصلاة في المسجد الحرام والطواف به،
ويدعون أنهم أربابه وولاته(٢).
وقوله: ﴿الَّذِى جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءَ
العکِفُ فِيهِ وآلبَادِ﴾ أي: يمنعون الناس عن
الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله
الله شرعًا سواء لا فرق فيه بين المقيم فيه
لباب التأويل، الخازن ٧٩/١.
(١) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٢٩١،
المفردات، الراغب ص٥٧٩.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢٦٥/٣،
تفسير القرآن، السمعاني ٤٣٢/٣.
والنائي عنه البعيد الدار منه سواء العاكف
فیه والباد، ومن ذلك استواء الناس في رباع
مكة وسكناها، كما قال علي بن أبي طلحة
عن ابن عباس، وقال عبد الرزاق عن معمر
عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله(٣).
قال سيد قطب في الظلال قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ
وَاْسْجِدِ الْحَرَّامِ الَّذِىِ جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً
الْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَادِّ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامِ
بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ أَلِيمٍ ﴾ [الحج:٢٥].
((وكان ذلك فعل المشركين من قريش:
أن يصدوا الناس عن دين الله- وهو سبيله
الواصل إليه، وهو طريقه الذي شرعه
للناس، وهو نهجه الذي اختاره للعباد- وأن
يمنعوا المسلمين من الحج والعمرة إلى
المسجد الحرام- كما فعلوا عام الحديبية-
وهو الذي جعله الله للناس منطقة أمان ودار
سلام، وواحة اطمئنان.
يستوي فيه المقیم بمكة والطارئ عليها،
فهو بيت الله الذي يتساوى فيه عباد الله، فلا
يملكه أحد منهم، ولا يمتاز فيه أحد منهم:
﴿سَوَآءُ الْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾.
ولقد كان هذا النهج الذي شرعه الله
في بيته الحرام سابقًا لكل محاولات البشر
في إيجاد منطقة حرام. يلقى فيها السلاح،
ويأمن فيها المتخاصمون، وتحقن فيها
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٣٦٠.
www. modoee.com
١٨٩

حرف الميم
الدماء، ويجد كل أحد فيها مأواه لا تفضلا من العذاب الأليم)) عن الضحاك بن مزاحم،
قال: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو في
بلد آخر ولم يعملها، فتكتب عليه))(٣).
من أحد، ولكن حقا يتساوى فيه الجميع
وهكذا سبق الإسلام سبقا بعيدًا بإنشاء
واحة السلام، ومنطقة الأمان، ودار الإنسان
المفتوحة لكل إنسان! والقرآن الكريم يهدد
من يريد اعوجاجا في هذا النهج المستقيم
بالعذاب الأليم: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ
يُظُلْمٍ تُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]))(١).
وأما واجبات ساكني مكة وقاصديه
فيمكن بيانها في النقاط الآتية:
١. حسن النية.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامِ
بِظُلْمٍ تُذِقَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].
وهذه الآية تدل على أن الإنسان يجب
عليه العقاب بنيته لفعل الشر في الحرم،
ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامِ
يُظُلْمِ نُذِقَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولم يقل: من
يفعل ذلك، وإنما ذكر العقوبة على الإرادة
فقط، فهو ظاهر الآية، وذلك لعظيم حرمة
الحرم وجلالة قدره، وكذلك يضاعف فيه
الحسنات أكثر مما يضاعف في غيره(٢).
فقد روى ابن جرير بسنده عن عبد الله
بن مسعود رضي الله عنه، قال: «ما من رجل
پهم بسیئة فتکتب عليه، ولو أن رجلا بعد أن
بين هم أن يقتل رجلا بهذا البيت، لأذاقه الله
(١) في ظلال القرآن ٢٤١٧/٤.
(٢) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
٤٨٦٩/٧.
٢. تعظيم الحرمات والشعائر.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُّمَتِ
اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَيْةِ، وَأُحِلَّتْ
لَكُمُ الْأَنَْمُ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ
فَأَجْتَنِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ
قَوْلَ الزُّورِ ﴾ [الحج: ٣٠].
والحرمة: مکة والحج والعمرة، وما نھی
الله عنه من معاصيه كلها (٤).
قال الزجاج: ((وحرمات الله الحج
والعمرة وسائر المناسك، وكل ما فرض
الله فهو من حرمات الله، والحرمة ما وجب
القيام به وحرم تركه والتفريط فيه))(٥).
وقال الواحدي: ((وهي في هذه الآية ما
نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها، وتعظيمها:
ترك ملابستها، وكثير من الناس اختاروا في
معنى الحرمات ههنا إنها المناسك، لدلالة
ما يتصل بها من الآيات، وقال ابن زيد:
المراد بالحرمات ههنا البيت الحرم، والبلد
الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام،
والإحرام)) (٦).
(٣) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٦٠١.
وانظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢٦٦/٣.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٦١٧.
(٥) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٢٤/٣.
(٦) التفسير الوسيط، الواحدي ٢٦٩/٣.
جَوْسُو ◌َرَ النَّفِيمـ
القرآن الكريمِ
١٩٠

مكث
قال الإمام الزمخشري في تفسير قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ
الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنَّ
أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: ٩١].
((والبلدة: مكة حرسها الله تعالى:
اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه
إليها؛ لأنها أحب بلاده إليه، وأكرمها عليه،
وأعظمها عنده، وهكذا قال النبي صلى الله
عليه وسلم حين خرج في مهاجره، فلما بلغ
الحزورة استقبلها بوجهه الكريم فقال: (إني
أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا
أن أهلك أخرجوني ما خرجت)(١) وأشار
إليها إشارة تعظيم لها وتقريب، دالا على
أنها موطن نبيه ومهبط وحيه، ووصف ذاته
بالتحريم الذي هو خاص وصفها، فأجزل
بذلك قسمها في الشرف والعلو، ووصفها
بأنها محرمة لا ينتهك حرمتها إلا ظالم
مضاد لربه ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه
من عذاب أليم لا يختلی خلاها، ولا يعضد
شجرها، ولا ینفر صیدھا، واللاجئ إليها
آمن وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته
وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما)»(٢).
٣. المحافظة على الحرم ونظافته.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَهِيمَ
مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَّا تُشْرِكْ إِ شَيْئًا وَطَهِّرْ
(١) سبق تخريجه.
(٢) الكشاف ٣٨٨/٣.
بَيْتِىَ لِلِّفِينَ وَالْقَآبِينَ وَالرُّكَجِ
السُّجُودِ ﴾ [الحج: ٢٦].
والمراد بالطهارة ما يشمل الحسية
والمعنوية أي: وطهر بيتي من الأوثان
والأقذار لمن يطوف به ويصلي عنده(٣).
٤. ترك الإلحاد في الحرم بكل صوره
وأشكاله.
والإلحاد في الحرم هو الميل بالظلم فيه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ
لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادٍ وَمَن يُرِدْ فِيهِ
بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ تُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
[الحج: ٢٥].
وقد سبق بيان معنى الإلحاد، وقد عظم
الله الذنب في الحرم، وبين أن الجنايات
تعظم على قدر عظم الزمان كالأشهر الحرم،
وعلى قدر المكان كالبلد الحرام، فتكون
المعصية معصيتين: إحداهما المخالفة،
والثانية إسقاط حرمة الشهر الحرام أو البلد
الحرام.
فالشرك وعبادة غير الله وكل شيء كان
منهيا عنه، وحتی شتم الخادم ودخول مكة
بغير إحرام، وأذى حمام مكة، واستحلال
محظورات الإحرام وركوبها، وأشياء كثيرة
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٣٦/٩،
محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ٢٤٠، تفسير
المراغي ١٧ / ١٠٧.
www. modoee.com
١٩١

حرف الميم
لا يجوز للمحرم أن يفعلها (١).
قال أبو جعفر: (( أنه معني بالظلم في هذا
الموضع كل معصية لله، وذلك أن الله عم
بقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ﴾
ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر
ولا عقل، فهو على عمومه، فإذا كان ذلك
كذلك، فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد
الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي الله فيه، نذقه
يوم القيامة من عذاب موجع له))(٢).
الإعجاز العلمي في موقع مكة المكرمة
خص الله مكة المكرمة وشرفها بكونها
وسط الأرض ومركزها، ويشير إلى ذلك
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا
لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
ولعل في الآية امتنانًا بجعل هذه الأمة في
أوسط مكان في الأرض، خاصة وأن الآية
تضمنت ذكر القبلة بعد الإخبار عن وسطية
الأمة، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ
أُنَّةَّ وَسَطَا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا
اَلْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَبِعُ الرَّسُولَ
مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا
عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمّْ
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( قَدْ تَرَى
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً
تَرْضَنَهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ
وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَبِّهِمْ وَمَا
اَللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ () وَلَيْنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَابَةٍ مَّا تَبِعُواْ فِبْلَتَكَّ وَمَا
أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَنَهُمَّ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعِ قِبْلَةَ بَعْضِّ
وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم مِّنْ بَعْدٍ مَا جَآءَ ◌َ
مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الَّلِينَّ
١٤٥)
[البقرة: ١٤٣ -١٤٥].
وقد أشار المفسرون وأكدوا قديمًا إلى
(١) التفسير الوسيط، الواحدي ٢٦٥/٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٦٠٢.
١٩٢
جوية
القرآن الكريمِ

مكث
قبل أن تأتي الاكتشافات الحديثة المؤكدة
لذلك، قال الإمام القرطبي في تفسير قوله
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَمًّا﴾
((المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض
كذلك جعلناكم أمة وسطًا، أي: جعلناكم
دون الأنبياء وفوق الأمم، والوسط: العدل،
وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها))(١).
وقال الإمام أبو حيان:(( والمعنى كما
جعلنا الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم
أمة وسطًا، دون الأنبياء، وفوق الأمم)»(٢).
وقال السمين الحلبي: ((والمعنی كما
جعلنا قبلتكم متوسطة جعلناكم أمة وسطًا،
أو کما جعلنا القبلة وسط الأرض جعلناكم
أمة وسطًا))(٣).
وقال الإمام النيسابوري: ((وقيل: إن
مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع
من تحتها، فكأن الأرض كلها تمك من
ماء مکة، ثم إنه تعالى وصف البيت بکونه
مباركا وهدى للعالمين، أما انتصابه فعلى
الحال من الضمير المستكن في الظرف؛
لأن التقدير للذي ببکة هو والعامل فيه معنی
الاستقرار))(٤).
وقال الإمام البقاعي: ((أي: ومثل ما العظم: أخرجت مخه، وامتك الفصيل ما في
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٥٣/٢.
(٢) البحر المحيط ٢/ ١٢.
(٣) الدر المصون ١٥١/٢.
(٤) غرائب القرآن ورغائب الفرقان ٢/ ٢١٣.
أن مكة المكرمة تقع في وسط الأرض جعلنا قبلتكم وسطًا؛ لأنها إلى البيت العتيق
الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه
السلام، وهو أوسط الأنبياء وهو مع ذلك
خيار البيوت، فهو وسط بكل معنى))(٥).
وقال الإمام ابن عطية: ((أم القرى مكة
سميت بذلك لوجوه أربعة:
منها: أنها منشأ الدين والشرع.
ومنها: ما روي أن الأرض منها دحية.
ومنها: أنها وسط الأرض وكالنقطة
للقرى.
ومنها: ما لحق عن الشرع من أنها قبلة
کل قرية.
فھي لهذا كله أم وسائر القرى بنات،
وتقدير الآية: لتنذر أهل أم القرى، ومن
حولها يريد أهل سائر الأرض، وحولها
ظرف العامل فيه))(٦).
وقال الإمام الرازي: ( وقيل: إن مكة
وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من
تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء
مكة))(٧).
وكذلك كان لعلماء اللغة العربية دورًا في
إثبات وسطية مكة بين بلدان العالم.
قال الراغب: ((اشتقاق مكة من: تمککت
ضرع أمه، وعبر عن الاستقصاء بالتمكك،
(٥) نظم الدرر ٢٠٦/٢.
(٦) المحرر الوجيز ٣٢٢/٢.
(٧) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩٩/٨.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الميم
وتسميتها بذلك؛ لأنها كانت تمك من ظلم
بها، أي: تدقه وتهلكه، قال الخليل: سميت
بذلك؛ لأنها وسط الأرض كالمخ الذي هو
أصل ما في العظم)) (١).
قال الزبيدي: «وقيل: إن مکة مأخوذة من
المكاكة، وهي اللب والمخ الذي في وسط
العظم، سميت بها؛ لأنها وسط الدنيا ولبها
وخالصها))(٢).
وكذلك الجغرافيون المسلمون ذكروا
إن مكة تقع وسط الأرض، قال ياقوت
الحموي: «وقد جاء في الأخبار: أن أول ما
خلق الله في الأرض مکان الكعبة ثم دحا
الأرض من تحتها فهي سرة الأرض ووسط
الدنيا وأم القرى أولها الكعبة وبكة حول مكة
وحول مكة الحرم وحول الحرم الدنيا)»(٣).
وقال زكريا القزويني: «وأما الكعبة زادها
الله شرفًا فإنها بيت الله الحرام، إن أول ما
خلق الله تعالى في الأرض مكان الكعبة، ثم
دحا الأرض من تحتها، فهي سرة الأرض
ووسط الدنيا وأم القرى)) (٤).
ويشير إلى وسطية مكة بين بلدان العالم
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا
◌ِنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعَ لَا
رَيَّبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيِقٌ فِ السَّعِيرِ ﴾
(١) المفردات ص ٧٧٢.
(٢) تاج العروس ٣٤٦/٢٧.
(٣) معجم البلدان ٤ / ٤٦٣.
(٤) آثار البلاد وأخبار العباد ص ١١٤.
[الشورى: ٧].
فقد جعل نزول الوحي بالقرآن على
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم معللًا
بإنذار مكة المكرمة، ومن حولها من القرى
إشارة إلى توسط هذه البلدة بين مستقبليها،
وخاصة أن النذارة عامة لكل القرى وليست
لقرى الحجاز وحدها ولا قرى الجزيرة
عامة بدليل قوله جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا
اَلنَّاسُ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى
لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَيُمی.
وَيُمِثٌّ فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأَبِيِّ الَّذِى
يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ (*)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقوله تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إَِ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُم
◌ِهِ وَمَنْ بَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
وما حولها: يراد به جميع القرى(٥).
وفي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَمَلْنَكُمْ
أُمَّةٌّ وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾
[البقرة: ١٤٣].
توافق لطيف وهو أن هذه الآية من سورة
البقرة برقم (١٤٣) فإذا علمنا أن عدد آي
السورة كاملة (٢٨٦) آية وأن هذه الآية
وسطها وفيها ذكر الأمة الوسط أدركنا أن
(٥) انظر بحث: مكة المكرمة في ضوء القرآن
الكريم، عبد الله القرني وإسماعيل القريشي،
منشور في موقع الهيئة العالمية للإعجاز
العلمي.
جَوَنُور
القرآن الكريمِ
١٩٤

مكت
الأمة وسط في منهجها ومكانها ومكانتها (١). المكرمة، أي: مكة المكرمة تعتبر مركزا
وسطا للأرض اليابسة على سطح الكرة
أما الإعجاز العلمي في موقع مكة
المكرمة: فقد قامت دراسات علمية حديثة
تثبت أن مكة هي مركز اليابسة على الأرض
(وسط الأرض):
الأرضية، وكذلك إذا أخذنا في الاعتبار
القارات الثلاث أوربا وآسيا وإفريقيا، التي
تمثل العالم القديم عند ظهور الرسالة
الإسلامية، نجدها كذلك تكاد تحيط بمدينة
مكة المكرمة))(٣).
الدراسة الأولى: أجريت في منتصف
القرن العشرين حيث لاحظ الدكتور حسين
كمال الدين (الذي شغل درجة الأستاذية
لمادة المساحة في عدد من الجامعات
والمعاهد العليا في مصر والریاض) تمرکز
مكة في قلب دائرة تمر بأطراف جميع
القارات، أي: أن اليابسة على سطح الأرض
موزعة حول مكة المكرمة توزيعا منتظما،
وأن هذه المدينة المقدسة تعتبر مركزا
اليابسة(٢).
قال الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين:
«ومن الواضح أنه یمکن بیان حدود القارات
الأرضية والممالك والدول، بعد رسم
خطوط الطول والعرض، حيث إنها ترتبط
بها ارتباطًا ثابتًا على سطح الكرة الأرضية،
وعندما تم توقيع حدود القارات الأرضية
السبعة على خريطة الإسقاط، وجدنا أن
الحدود الخارجية لهذه القارات يجمعها
محيط دائرة واحدة مركزها عند مدينة مكة
(١) المصدر السابق.
(٢) إثبات توسط مكة المكرمة، دراسة
باستخدام القياسات وصور القمار الصناعية
للدكتور المهندس یحي وزيري ص ١٠٢.
ويروي العالم المصري حسين كمال
الدين قصة الاكتشاف الغريب فيذكر أنه بدأ
بحثه وکان هدفه مختلف تماما حیث کان
يجري بحثا ليعد وسيلة تساعد كل شخص
في أي مكان في العالم على معرفة وتحديد
مكان القبلة لذلك فكرفي عمل خريطة
للكرة الأرضية لتحديد اتجاه القبلة وبعد أن
وضع الخطوط الأولى في البحث التمهيدي
لإعداد هذه الخريطة ورسم عليها القارات
الخمس ظهر فجأة له هذا الاكتشاف الذي
أثار دهشته فقد وجد أن موقع مكة المكرمة
وسط العالم، وأن اليابسة على سطح الكرة
الأرضية موزعة حول مكة المكرمة توزيعا
منتظما(٤).
ويؤيد ما توصل إليه الباحث الأستاذ
الدكتور حسين كمال الدين أحمد إبراهيم،
الهندسية، ما توصل إليه كذلك الباحث د.
(٣) انظر: الإسقاط المكي للعالم، حسين كمال
الدين أحمد، منشور في مجلة البحوث
الإسلامية، العدد ٦ ص ٢٤٣.
(٤) المصدر السابق.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الميم
سعد المرصفي إلى أن مكة المكرمة هي
مركز لدائرة تمر بأطراف جميع القارات،
بمعنى أن سطح الكرة الأرضية موزع
حول مكة المكرمة توزيعًا منتظمًا، وأن
هذه المدينة المقدسة تعتبر مركزًا للأرض
اليابسة (١).
الدراسة الثانية: قام بها العالم الأستاذ
الدكتور مسلم شلتوت في التسعينيات
من القرن العشرين، وقد كان يعمل أستاذًا
لبحوث الشمس والفضاء بمعهد البحوث
الفلكية والجيوفزيائية بمصر، وقد اقتصرت
دراسته على استخدام برنامج أعد خصيصًا
لذلك باستخدام الحاسب الآلي لحساب
المسافة بين مكة ونقاط قياس محددة على
اليابسة بالنسبة للعالم القديم والجديد.
فقد تم إجراء حسابات على الحاسب
الآلي بقسم بحوث الشمس والفضاء بالمعهد
القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية
بمصر تحت إشراف، د. مسلم أحمد مسلم
شلتوت في عام (١٩٩٤م) وخلص من
هذه الحسابات إلي: أن مكة المكرمة تكاد
تكون مركز لدائرة نصف قدرها حوالي
ثمانية آلاف كيلو مترًا تمر بأطراف القارات
القديمة (آسيا، أفريقيا، أوروبا) وهي أيضًا
مركز لدائرة نصف قطرها حوالي ثلاثة عشر
(١) انظر: الكعبة مركز العالم، سعد المرصفي ص
١٤٨.
ألف كيلو مترًا بأطراف القارات الجديدة
(أمريكا الشمالية، أمريكا الجنوبية، استراليا،
المتجمدة الجنوبية)(٢).
الدراسة الثالثة: إثبات توسط مكة لليابسة
من خلال القياسات وصور الأقمار الصناعية
وهذه الدراسة أكثر دقة من الدراستين
السابقتين.
وقد أثبتت هذه الدراسة العلمية التي
تمت بواسطة القياسات الدقيقة وصور
الأقمار الصناعية باستخدام برامج معروفة
يتم الاعتماد على نتائجها في الأبحاث
العلمية أن مكة المكرمة تتوسط اليابسة،
وقد تأكد للباحثين أن مكة المكرمة الموقع
الوحيد على الكرة الأرضية الذي يحقق تلك
النتائج والقياسات.
مما يؤكد أن لمكة المكرمة موقعًا فريدًا
ومتميزًا لا ينافسها في ذلك مدينة أخرى
ومن هنا وصفت بأنها أم القرى (٣).
وحديثًا استطاع العلماء أن يتحققوا
من وسطية مكة المكرمة بواسطة الصور
الحقيقية التي يصورها القمر الصناعي
عندما يلتقط صورا للكرة الأرضية مبتعدًا
عن سطحها بما لا يقل عن مائة كيلومترًا
في الفضاء، وهو البعد الذي تستطيع أجهزة
(٢) إثبات توسط مكة المكرمة، دراسة باستخدام
القياسات وصور الأقمار الصناعية، يحي
وزيري ص ١٠٢.
(٣) المصدر السابق.
١٩٦
جوبيبو
القرآن الكريمِ

مكت
التصوير بالقمر الصناعي أن تلتقط صورًا
للكرة الأرضية مشتملة على القطبين،
وباستعمال أجهزة التكبير في فحص هذه
الصور الحقيقية تتضح وسطية مكة بين
أقصى يابسة في القطب الشمالي، وأقصى
يابسة في القطب الجنوبي.
وبهذا يكون القرآن الكريم والأبحاث
العلمية يؤكدان أن مكة المكرمة هي مركز
الكرة الأرضية، ونقطة تجمع الطاقة الكونية
الإيجابية في الأرض.
موضوعات ذات صلة:
إبراهيم عليه السلام، البيوت، الحج،
المسجد
www. modoee.com
١٩٧