Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ V w عناصر الموضوع التعريف بمكة ١٦٠ مواضع مكة التي ذكرت في القرآن ١٦٦ حكمة اختيار مكة مهبطا للوحي ١٦٩ ١٧٢ فضائل مكة ١٨٠ إبراهيم عليه السلام ومكة ١٨٩ واجبات ساكنيها وقاصديها ١٩٢ الإعجاز العلمي في موقع مكة المكرمة المُجَلَّدَ الخَاذِنى وَالثَّلاثُونْ حرف الميم التعريف بمكة أولًا: موقع مكة: إن مكة المكرمة هي: قبلة المسلمين، والحرم الآمن، وأم القرى، ومهبط الوحي، ومبعث خير البشر صلى الله عليه وسلم، وهي أشهر من أن تعرف، أو يكتب عنها باحث، فهي معروفة لكل المسلمين، ولكن يقتضي البحث العلمي عن مكة المكرمة التعريف بها وبمعالمها، وقد ذكر المؤرخون والجغرافيون المسلمون تعريفًا ووصفًا لمكة قديمًا بقولهم: ومكة المكرمة هي: مدينة مقدسة لدى المسلمين، بها المسجد الحرام، والكعبة التي تعد قبلة المسلمين في صلاتهم، تقع غرب المملكة العربية السعودية، تبعد عن المدينة المنورة حوالي (٤٠٠) كيلو مترًا في الاتجاه الجنوبي الغربي، وعن مدينة الطائف حوالي (١٢٠) كيلو مترًا في الاتجاه الغربي، وعلى بعد (٧٢) كيلو مترًا من مدينة جدة وساحل البحر الأحمر، وأقرب الموانئ لها هو ميناء جدة، وأقرب المطارات الدولية لها هو مطار الملك عبد العزيز الدولي، وتقع مكة المكرمة عند تقاطع درجتي العرض (٢٥/ ٢١) شمالًا، والطول (٣٩/٤٩) شرقًا، ويعتبر هذا الموقع من أصعب التكوينات الجيولوجية، فأغلب صخورها جرانيتية شديدة الصلابة، وتبلغ مساحة مدينة مكة المكرمة حوالي (٨٥٠ كم٢)، منها (٨٨ كم٢) مأهولة بالسكان، وتبلغ مساحة المنطقة المركزية المحيطة بالمسجد الحرام حوالي (٦ كم٢)، ويبلغ ارتفاع مكة عن مستوى سطح البحر حوالي (٢٧٧) مترًا. وكانت مكة في بدايتها عبارة عن قرية صغيرة تقع في وادٍ جافٍ تحيط بها الجبال من كل جانب، ثم بدأ الناس في التوافد عليها والاستقرار بها في عصر النبي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وذلك بعدما ترك النبي إبراهيم عليه السلام زوجته هاجر وابنه إسماعيل عليه السلام في هذا الوادي الصحراوي الجاف، وذلك امتثالا لأمر الله، فبقيا في الوادي حتى تفجر بئر زمزم، وقد بدأ خلال تلك الفترة رفع قواعد الكعبة على يد النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام. ويبلغ عدد سكان مكة بحسب إحصائيات عام (٢٠١٠ م) حوالي (١٦٧٥٠٠٠) نسمة، موزعين على أحياء مكة القديمة والجديدة، وتضم مكة العديد من المعالم الإسلامية المقدسة، لعل أبرزها المسجد الحرام، وهو أقدس الأماكن في الأرض؛ ذلك لأنه يضم الكعبة المشرفة قبلة المسلمين في الصلاة، كما أنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها ١٦٠ جَوَنُور القرآن الكريمِ مكث الرحال، وذلك حسب قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى)(١)، بالإضافة إلى ذلك، تعد مكة مقصد المسلمين في موسم الحج والعمرة إذ إنها تضم المناطق التي يقصدها المسلمون خلاله وهي مزدلفة، منى وعرفة (٢). ثانيًا: أسماء مكة في القرآن: كثرت أسماء مكة المكرمة في كتاب الله، وكثرة الأسماء دليل على شرف المسمى، والمتدبر في آيات القرآن الكريم يجد أن مكة المكرمة ورد ذكرها بأسمائها وصفاتها في مواضع عديدة، وتضمنت كتب التفسير والتاريخ عددًا كبيرًا من أسمائها، وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة منها: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رحم، وأم القرى؛ والبلدة والبنية والكعبة(٣)، وسيكون الحديث موجزًا عن أسمائها في کتاب الله تعالی فمن ذلك: ١. مكة. وهو أشهر أسمائها. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كُفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اُللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ [الفتح : ٢٤]. وفي سبب تسميتها أقوال: الأول: سميت مكة؛ لأنها تجذب إليها خيرات الدينا أو لأنها عبدت الناس فيها فيأتونها من جميع الأطراف، من قولهم: امتك الفصيل أخلاف الناقة إذا جذب جميع ما فيها جذبًا شديدًا فلم يبق فيها شيئًا (٤). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، رقم ١١٨٩، ٦٠/٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، رقم ١٣٩٧، ٢/ ١٠١٤، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) تاريخ مكة يملأ عشرات المجلدات، مثل: أخبار مكة للأزرقي، وتاريخ مكة للفاكهي، وشفاء الغرام للفاسي، والعقد الثمين له أيضًا، وبلوغ المرام، وتاريخ مكة للسباعي، وعشرات الكتب ما زالت محفوظة في مكتبة الحرم وغيرها. انظر: معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، غيث البلادي ص ٣٠١. (٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٨٥/٨. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩٩/٨. وانظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي ١٨٢/٥، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، www. modoee.com ١٦١ حرف الميم الثاني: لازدحام الناس فيها (١). الثالث: سميت مكة لقلة الماء بها، كأن ماءها قد امتك، وذلك أنهم كانوا يمتكون الماء فيها أي: يستخرجونه (٢). الرابع: سميت مكة؛ لأنها كانت تمك من ظلم فيها وألحد، أي: تهلكه))(٣). الخامس: قيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمیاه تنبع من تحت مکة، فالأرض كلها تمك من ماء مكة)» (٤). السادس: إنما سميت مكة بذلك؛ لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم وأعظم القرى شأنًا، وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها، أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس))(٥). ٢ . بكة. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِيِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٦]. وسميت بذلك؛ لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة، إذا ألحدوا فيها بظلم (٦)، بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها، وقيل: لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون، وبكة بمعنى مكة والعرب تبدل المیم باء، كما في لازم ولازب (٧). ٣. أم القرى. قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِنُنْذِرَأُمَّ الْقُرَى وَ مَنْ حَوْلَأْ وَالَّذِينَ [الأنعام: ٩٢]. ٩٢ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّهُ وَهُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِتْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعَ لَا رَيْبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيِقٌ فِ السَّعِيرِ ﴾ [الشورى: ٧]. البكري ٢٦٩/١. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٩١/١٠، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩٩/٨. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٧٥/٥. (٣) انظر: معاني القرآن، النحاس ٤٩/١، جامع البيان، الطبري ١٠٨/١، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١/ ٤٤٤، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩٩/٨. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩٩/٨. (٥) انظر: معاني القرآن، النحاس ٤٩/١، جامع البيان، الطبري ١٠٨/١، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٤٤/١. (٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٣٩. وانظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢٦٦/٢. (٧) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/٦. ١٦٢ القرآن الكريم مكت وأم القرى هي مكة باتفاق المفسرين، أي: أصل القرى؛ وسميت بذلك؛ لأنها أول بيت وضع بها ومنها دحيت(١)؛ ولأنها كانت أعظم القرى شأنًا وأقدمها وأشهرها (٢). قال الإمام السمعاني: ((وأم القرى مكة: وسميت أم القرى؛ لأن سائر القرى يقصدونها ويأتونها، وقيل: لأن الأرض دحيت من تحتها، وقيل: لأنها معظمة تقصد بالتعظيم، ومنه سميت الأم أمَّا؛ لأنها تعظم))(٣). ٤. البلد الأمين. وهذا الاسم ثبت لمكة بقوله تعالى: ﴿وَآَلِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورٍ سِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين: ١- ٣]. والمعنى: وهذا البلد الآمن من أعدائه أن يحاربوا أهله، أو يغزوهم، وقيل: الأمين، ومعناه: الآمن، أي: هما بمعنى واحد، والعرب تقول للآمن: أمين، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوّا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَبِاَ لْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ )﴾ [العنكبوت: ٦٧] وإنما عني بقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ اَلْأَمِينِ )﴾ [التين: ٣ ] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام(٤). ٥. البلدة. وهذا الاسم ورد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِالْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ. كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: ٩١] والبلدة، مكة التي حرمها أن يسفكوا فيها دمًا حرامًا، أو يظلموا فيها أحدًا، أو يصيدوا صيدها، أو يقطعوا شجرها(٥). قال الإمام الماوردي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِالْبَلْدَةِ الَّذِى حَزَّمَهَا وَلَهُ، كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: ٩١] ((فيها قولان: أحدهما: مكة، قاله ابن عباس. الثاني: منى، قاله أبو العالية، وتحريمها هو تعظيم حرمتها والكف عن صيدها وشجرها))(٦). (١) انظر: المصدر السابق ١١ /٥٣١. (٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢/ ٢٧١، التفسير الوسيط، الواحدي ٢٩٩/٢. (٣) تفسير القرآن، السمعاني ١٢٥/٢ (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٠٥/٢٤، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٤٣/٥، النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٣٠١. (٥) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣٨٨/٣. (٦) النكت والعيون ٢٣١/٤. www. modoee.com ١٦٣ حرف الميم وقال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِالْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١] (( يعني: مكة التي عظم الله حرمتها، أي: جعلها حرمًا آمنًا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر))(١). ٦. الكعبة. هي من أسماء مكة؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ اُلْكُمْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. أي: واصلًا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكين الحرم، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَنِيِقِ﴾ [الحج: ٣٣](٢). والكعبة جزء من مكة، وإطلاقها على مكة من إطلاق الجزء على الكل. قال الإمام ابن الجوزي: «﴿هَدّيًا بَلِغَ الْكُمْبَةِ﴾ المراد: الحرم كله؛ لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام))(٣). والكعبة هي: بيت الله الحرام الذي في وسط المسجد الحرام، مربع الشكل، بابها مرتفع عن الأرض، قيل: سميت بذلك لتربيعها (٤). ٧. الحرم الآمن. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِنْتَِّعِ الْهُدَى مَعَكَ نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَّاً أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنَّا يُجْوَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْ ءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ هُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: ٥٧]. وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَبِاَ لْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَيِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. فالثمرات تجبى لمكة شرفها الله من كل مكان في حاضر الزمان وغابره، وإنما سماه الله حرمًا آمنًا؛ لأنه كان في الجاهلية معاذًا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخیه، لم یھجه ولم یعرض له حتى يخرج منه (٥). ٨. المسجد الحرام. اسم من أسماء مكة، وله عدة إطلاقات، فهو اسم لمكة، واسم لمسجد الكعبة وقد يمتد (١) الجامع لأحكام القرآن ٢٤٦/١٣. (٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢٢٩/٢، معالم التنزيل، البغوي ٨٤/٢. (٣) زاد المسير، ابن الجوزي ١٠٩/١. (٤) انظر: البلد الحرام فضائل وأحكام، إعداد كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى ص٤٩. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩/٢، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١ /٤٤٦، التفسير الوسيط، الواحدي ٤٠٤/٣. ١٦٤ القرآن الكريمِ مكت إلى حدود الحرم. وقد تكرر ورود لفظ المسجد الحرام في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعًا، منها: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنُهَا فَوَّلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ١٤٤) زَّبِّهِمْ وَمَا ◌َللّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ سَنَثَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوأُ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِّ وَاَلنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا اَلَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ، لِيُرِيَهُ مِنْ ءَايَئِنَاْ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: ١]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَادِّ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: ٢٥]. والمسجد الحرام في هذه الآيات يراد به مكة وجميع الحرم فيه (١). (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١١٥/٣، معالم التنزيل، البغوي ٤٧٢/١، الكشاف، الزمخشري ١٥١/٣. www. modoee.com ١٦٥ حرف الميم مواضع مكة التي ذكرت في القرآن ضمت مكة المكرمة مع الكعبة المشرفة آيات بينات ومشاعر معظمة وأهم مواضع مكة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هي: ١. المسجد الحرام. هو أول مسجد وضع في الأرض، وأعظم المساجد وأفضلها، وأهم موضع في مکة، وهو اسم لمسجد الكعبة، وقد يمتد إلى حدود الحرم. قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنْهَاً فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِنَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: ١٤٤]. والمسجد الحرام في هذه الآية يراد به مکة، وجمیع الحرم فيه(١). ٢. مقام إبراهيم. وهو الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم أثناء بناء الكعبة، حين كان يرفع القواعد من البيت هو وابنه إسماعيل عليهما السلام، والمقام آية من آيات الله في الحرم المكي، وذلك أن أثر قدم إبراهيم ظاهر في الحجر. (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١١٥/٣، معالم التنزيل، البغوي ٤٧٢/١، الكشاف، الزمخشري ١٥١/٣. قال تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكٌ مَّقَامُ إبرَاهِيمٌ وَمَنْ دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنَاْ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَبِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقد أمر الله تعالى بالصلاة عنده قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا أَلْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنَا وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهَِ مُصَلٌ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَِّفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ١٢٥ [البقرة: ١٢٥]. أي: واتخذوا من مقام إبراهيم مكانًا للصلاة فيه، أي: تصلى فيه ركعتي الطواف(٢). ٣. الصفا والمروة. هما في الأصل جبلان صغيران قرب الكعبة من جهة الشرق، وهما إحدى مشاعر الحج والعمرة، ويكون السعي بينهما سبعة أشواط يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة. إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ قال تعالى: شَعَبِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَلَّوَّفَ بِهِمَاْ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ ٢١٥٨﴾ [البقرة: ١٥٨]. فالصفا رأس المسعى الجنوبي، والمروة رأس المسعى الشمالي، وهما من معالم (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤ / ٤٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٢/٢، البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٦١٠. ١٦٦ جوسين القرآن الكريم مكث دين الله الظاهرة التي تعبد الله عباده بالسعي به، فمن فاته الوقوف في وقته وموضعه فقد فاته الحج، ووقت الوقوف يدخل بزوال بينهما، فمن قصد الكعبة حاجًا أو معتمرًا، فعليه أن يسعى بينهما(١). الشمس من يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وذلك نصف يوم وليلة كاملة(٤). والصفا: الحجارة البيض، والمروة: الحجارة السود، واشتقاق الصفا من قولهم: صفا يصفو إذا خلص، وهو جمع واحده صفاة، أو أن الصفا: الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئا، والمروة: الحجارة الرخوة، وهذا أظهر القولين في اللغة (٢)، والصفا والمروة: منسكان من مناسك الحج، والسعي فيهما واجب في الحج والعمرة(٣). ٤. عرفات. ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ بُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ وَإِن كُنتُومِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (٣٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]. أي: إذا دفعتم بعد غروب الشمس راجعين من عرفات، وهي المكان الذي يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة، والوقوف في عرفة: ركن لا يدرك الحج إلا (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٦/٣، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٣٣/١، التفسير الوسيط، الواحدي ٢٤١/١. (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢١١/١، تفسير القرآن، السمعاني ١٥٨/١. (٣) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١/ ١٧٧. وعرفة هو: جبل يقع علي بعد (٢٠) كيلو متر شرقي مكة، تقام عنده أهم مناسك الحج، والتي تسمى بوقفة عرفة وذلك في يوم التاسع. واختلف المفسرون في سبب تسمية المكان بعرفة على أقوال: أحدها: أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أهبطا من الجنة، والثاني: أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية، لما تقدم له في الصفة، والثالث: أن جبريل عرف فيه الأنبياء مناسكهم، والرابع: أنه سمي بذلك لعلو الناس فيه، والعرب تسمي ما علا عرفة وعرفات، ومنه سمي عرف الديك لعلوه(٥). ٥. المزدلفة. وهي المشعر الحرام، والمشعر المعلم لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرام لحرمته، وسميت المزدلفة: جمعًا؛ لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي: دنا منها، أو لأنه يجمع فيها بين (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥/ ٣٢٧، أنوار التنزيل، البيضاوي ١٣١/١. (٥) النكت والعيون، الماوردي ٢٦١/١. www. modoee.com ١٦٧ حرف الميم الصلاتين هنالك بين المغرب والعشاء أو عن شرق مكة بحوالي خمس كيلومترات لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى أي: في الطريق بين مكة وجبل عرفة، تعرف يتقربون بالوقوف فیھا (١). وسميت مشعرًا؛ لأنه معلم للحج والصلاة والمقام، والمبيت به والدعاء عنده(٢)، وسمى: مزدلفة، من الازدلاف، وهو: الاجتماع، والمزدلفة: موضع بين جبلين، يسمى أحدهما: قزح يقف عليه الإمام، وهو من جملة الحرم، ولذلك سمى المشعر الحرام(٣). ومزدلفة هي: ثالث المشاعر المقدسة التي يمر بها الحجيج في رحلة إيمانية يؤدون فيها مناسك الحج حيث تقع بين مشعري منى وعرفات، ويبيت الحجاج بها بعد نفرتهم من عرفات ثم يقيمون فيها صلاتي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، ويجمعوا فيها الحصی لرمي الجمرات بمنی ویمکث فيها الحجاج حتى صباح اليوم التالي يوم عید الأضحی لیفیضوا بعد ذلك إلى منى، والمبيت بمزدلفة واجب، ومن تركه فعليه دم(٤). ٥. منى. هي مشعر من المشاعر المقدسة، تبعد (١) مدارك التنزيل، النسفي ١ / ١٧١. (٢) التفسير الوسيط، الواحدي ٣٠٤/١. (٣) تفسير القرآن، السمعاني ١/ ٢٠٢. (٤) معالم مكة التاريخية والأثرية، عاتق البلادي ص٢٢٦. المنطقة كموضع أداء إحدى شعائر الحج إذ يبيت فيها العديد من الحجاج كما أنها موقع رمي الجمرات الذي یؤدی بین شروق وغروب الشمس في آخر أيام الحج. وَأَذْكُرُواْ اللّهَ فِيَ قال تعالى: أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّ فَلاّ إِثْمَ عَلَيَّةٍ لِمَنِ أَتَّقَىُّ وَأَتَّقُواْ اَللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ مُخْشَّرُونَ ٢٠٣ [البقرة: ٢٠٣]. واذكروا الله تسبيحًا وتكبيرًا في أيام قلائل، وهي أيام منى، أي: أيام التشريق وهي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة، فمن أراد التعجل وخرج من منى قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر، فلا حرج عليه، ومن تأخر بأن بات بمنى حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر واتقى الله في حجه، فهو أفضل؛ لأنه تزود في العبادة واقتداء بفعل النبي صلی الله عليه وسلم (٥). ٦. غار ثور. وهو الغار الذي اختبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر (٥) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١ / ٢٦٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢ / ٢٦١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٣. مَبِالَرُ النَّهِ جوسين القرآن الكريمِ ١٦٨ مكت الصدیق قبل خروجهما من مكة المكرمة مهاجرين إلى المدينة المنورة، وهو الوارد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِىِ الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ. عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُوٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّغْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِ الْعُلْيَأُ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٤٠]. وغار ثور هو المراد في الآية قال المفسرون: الغار: ثقب في الجبل، وهذا الجبل هو جبل ثور، وهو جبل قريب من مكة (١)، ويقع على بعد نحو أربعة كيلو مترات في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام. (١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣١٠/٢، التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٩٧. حكمة اختيار مكة مهبطا للوحي تظهر حكمة اختيار مكة مهبطًا للوحي من خلال النقاط الآتية: ١. مکة وسط الأرض ومر کزها. إن حكمة اختيار مكة مهبطًا للوحي هي الوسطية في المكان والموقع بين بلدان العالم، فقد خص الله مكة المكرمة وشرفها بكونها وسط الأرض ومركزها، وكذلك لوسطية الأمة، فقد امتن تبارك وتعالى على هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطًا، كما جعل قبلتها وسطًا(٢). قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًاً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَّعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَ عَقِبَيْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمَّ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَ ءُوفٌّ رَّحِيمٌ (٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي: جعلناكم خيارًا عدولًا(٣). ويؤيد الفهم المتقدم ماتضمنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيِّبَ (٢) انظر: مكة المكرمة في ضوء القرآن الكريم، عبد الله القرني وإسماعيل القريشي، من موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي. (٣) المصدر السابق. وانظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ١٤١، تفسير القرآن، السمعاني ٦/ ٢٥. www. modoee.com ١٦٩ حرف الميم فِيَةٍ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِقٌ فِ السَّعِيرِ [الشورى: ٧]. فقد جعل نزول الوحي بالقرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم معللًا بإنذار مكة المكرمة ومن حولها من القرى، وخاصة أن النذارة عامة لكل القرى وليست لقرى الحجاز وحدها، ولا قرى الجزيرة فقط بل للعالم أجمع بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ، وَيُمِتٌ فَقَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقوله تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إلَ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ ◌ِ، وَمَنْ بَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. ومعنى هذا الكلام: لأنذركم بالقرآن، أيها المشركون، وأنذر من بلغه القرآن من الناس كلهم من العرب والعجم إلى قيام الساعة(١). قال الإمام الشوكاني: ((أي: أوحى الله إلي هذا القرآن الذي تلوته عليكم لأجل أن أنذرکم به وأنذر به من بلغ إلیه، أي: کل من بلغ إليه من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة»(٢). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٢/١١، تفسير القرآن، السمعاني ٩٣/٢. (٢) فتح القدير ٢/ ١٢٠ صَوْبُو ◌َ النَّتِيَّة القرآن الكريمِ وهذا يرجح أن يكون ما حولها: يراد به جميع القرى. ٢. فیھا أول مسجد وضع للناس. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ (١٦ ) فِيهِ لَلَّذِى بِبَّكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ ءَايَتُ بَيْنَكٌ مَّقَامُ إَِّهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنًا " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ أَلْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ٩٧ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]. ٣. أحب البلاد إلی الله تعالی. فقد روى عبد الله بن عدي بن حمراء رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا على الحزورة(٣) فقال: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)(٤). (٣) الحزورة بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي هي سوق مكة، ودخلت فى المسجد لما زيد، وباب الحزورة معروف من أبواب المسجد الحرام، وهي ما يعرف اليوم باسم القشاشية، مرتفع يقابل المسعى من مطلع الشمس كان ولا يزال سوقًا من أسواق مكة، وهي كذلك اليوم غير أن ظهرها معمور بشوارع تجارية كشارع الصوغ ومبيعات الحقائب والحرم ونحوها. انظر: معجم البلدان، الحموي ٢٥٥/٢، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق البلادي ص ٩٨، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد حسن شراب ص ١٠٠. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب في فضل مكة، رقم ٣٩٢٥، ٧٢٢/٥، ١٧٠ مكت ٤. الله يريد أن يحمل العرب رسالة على الاستعجام، والعراق والجزيرة لم الإسلام. قال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِيِِّنَ رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ، وَيُزَكْبِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُؤْ مِن قَبْلُ لَغِی ضَلَالٍ مُّبِينٍ [الجمعة: ٢]. فقد اختار الله العرب لوظيفة عالمية عامة؛ لما فيهم من شرف متأصل، واستعداد كامل، وصفات مهيأة، ولهذا كان منبع الرسالة بمكة، وشأنها عند العرب هو شأنها !! فهم مجمعون على تقديسها. ولأنها في وسط الجزيرة وصميمها، ووسط الجزيرة بعيد كل البعد عن المؤثرات الخارجية في الطباع والألسنة، تلك المؤثرات التي يجلبها الاحتكاك بالأجانب والاختلاط بهم. وكل أطراف الجزيرة لم تخل من لوثة في الطباع، وعجمة في الألسنة جاءت من الاختلاط بالأجنبي، ولا أضر على مقومات الأمم من العروق الدساسة. فاليمن دخلتها الدخائل الأجنبية من الحبشة والفرس على طباع أهلها وألسنتهم، والشام ومشارفه كانت مشرفة وابن ماجه في سننه، كتاب المناسك، باب في فضل مكة، رقم ١٠٣٧/٢،٣١٠٨. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٠١١٩٢/٢،٧٠٨٩ يسلما من التأثر بالطباع الفارسية، فكانت هذه الأطراف تنطوي على عروبة مزعزعة للمقومات، ولم يحافظ على الطبع العربي الصميم إلا صميم الجزيرة ومنه مكة التي ظهر فيها الإسلام. وهذا الوسط وإن كان عريقًا في الصفات التي تسمى العصر لأجلها جاهليًا؛ ولكنه كان بعيدًا عن الذل الذي يقتل العزة والشرف من النفوس؛ والجاهل يمكن أن تعلمه، والجافي یمکن أن تهذبه .. ولكن الذليل الذي نشأ على الذل يعسر أو يتعذر أن تغرس فى نفسه الذليلة المهينة عزة وإباء وشهامة تلحقه بالرجال، هذا توجيه موجز مقرب لاختيار الله تعالى العرب للنهوض بالرسالة العامة. وشيء آخر يرتبط بهذا: وهو أن الله كما اختار العرب للنهوض بالعالم كذلك اختار لسانهم لیکون لسان هذه الرسالة، وترجمان هذه النهضة، ولا عجب في هذا؛ فاللسان الذي اتسع للوحي الإلهي لا يضيق أبدًا بهذه النهضة العالمية مهما اتسعت آفاقها وزخرت علومها(١). وسيأتي بيان وسطية مكة المكرمة و کونها وسط الأرض ومركزها بالتفصيل. (١) انظر: تفسير ابن باديس ص ٣٩٢. www. modoee.com ١٧١ حرف الميم فضائل مكة إن لمكة المكرمة فضائل كثيرة ومتعددة يمكن ذكر أهمها في النقاط الآتية: أولًا: قبلة المسلمين: جعل الله تعالى مكة المكرمة قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويعتبر استقبال الكعبة من أهم عوامل وحدة المسلمين، يستقبلها المسلمون في كل صلاة فرضًا أو نفلًا، فلا تصح صلاة بدون استقبالها وقد ادخره الله للمسلمين آية على أن الإسلام هو القائم على أساس الحنيفية، وفيه تذکیر بشعائر الله بمكة. سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ قال تعالى: النَّاسِ مَا وَلَّنْهُمْ عَن قِبْلَئِمُ الَِّى كَانُواْ عَلَيْهَاً قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطِ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ١٤٢ مُسْتقِيمِ لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًاً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَتِ كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِتَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيَرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمَّ إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمُ وَمَا اَللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ () وَلَيْنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِثَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَّ وَمَآ أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَنَهُمْ، وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعِ قِبْلَةَ بَعْضِّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءُ هُم مِّنْ بَعْدٍ مَا جَآءََ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ: ١٤٥ [البقرة: ١٤٢-١٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَكُلِّ رِجْهَةُ هُوَ مُوَلِّيَّا فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اَللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (١٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ اَلْحَرَاءِ وَإِنَّهُ، لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكُ وَمَا اَللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ () وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٌّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَّارِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِتَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حَُّةُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة: ١٤٨-١٥٠]. ١٠٠) وروى الإمام ابن جرير: عن قتادة قال: « كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص، صلت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم نبي الله صلى الله عليه وسلم، وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة مهاجرًا نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرًا، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام، فقال في ذلك قائلون من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ لقد اشتاق الرجل إلى مولده! قال ١٧٢ جونيور القرآن الكريمِ مكت الله عز وجل: ﴿قُل لِلَِّ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ وأوجب على العباد الحج إليها. بَهْدِی مَن يَشَآءُ إِلَى صِرطِمُسْتَقِيمٍ﴾، فقال أناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ وقد يبتلي الله العباد بما شاء من أمره، الأمر بعد الأمر، ليعلم من يطيعه ممن یعصیه، و کل ذلك مقبول، إذ كان في ذلك إيمان بالله، وإخلاص له، وتسليم لقضائه)»(١). والكعبة قبلة المسلمين أحياءً وأمواتًا لما رواه عبيد بن عمیر، عن أبيه أنه حدثه، وكانت له صحبة أن رجلا سأله، فقال: (يا رسول الله ما الكبائر؟ فقال: (هن تسع)، فذكر معناه زاد: (وعقوق الوالدين المسلمین، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا)(٢). ثانيًا: یحج المسلمون إليها: إن من فضائل مكة المكرمة أن جعلها الله تعالى مكانًا لإقامة شعائر الحج ومناسكه، (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ١٥٧. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، کتاب الوصايا، باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم، رقم ٢٨٧٥، ١١٥/٣، والحاكم المستدرك على الصحيحين، رقم ٢٨٨/٤،٧٦٦٦. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٠٨٤٤/٢،٤٦٠٢ قال تعالى: ﴿وَإِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اُلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، أي: فرض واجب لله على من استطاع من أهل التكليف السبيل إلى حج بيته الحرام (٣). والحج الذي هو: قصد لمكة من أجل النسك حق واجب لله تعالى في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته بإجماع المسلمين، وهذا الواجب مقيد بالاستطاعة. قال تعالى: ﴿مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾(٤). وقد اختلف المفسرون والفقهاء في معنى الاستطاعة اختلافًا كثيرًا، ((فقال بعضهم: إنها القدرة على الزاد والراحلة مع أمن الطريق، وقال بعضهم: إنها صحة البدن والقدرة على المشي، وقال آخرون هي: صحة البدن وزوال الخوف من عدو أو سبع مع القدرة على المال الذي يشترى منه الزاد والراحلة، وقضاء جميع الديون والودائع، (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧/٦، التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٤٦٧. (٤) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٧١/٢، الكشاف، الزمخشري ٣٩٠/١، المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٤٧٧، مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٢٧٧. www. modoee.com ١٧٣ حرف الميم ودفع النفقة التي تکفی لمن تجب عليه نفقته حتى العودة من الحج، وخلاصة ذلك: إن هذا الإيجاب مشروط بالاستطاعة وهي تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان)»(١). والراجح من أقوال المفسرين والفقهاء أن الاستطاعة على الحج تتحقق بما يأتي: وجودالزاد والراحلة، وهو وجود المال الذي يكفي النفقة ذهابًا وإيابًا. سلامة البدن من الأمراض والعاهات التي تعوق عن الحج، ويعتبر العاجز بنفسه قادرًا بقدرة غيره، کالأعمى الذي يجد من يقوده، والمقعد الذي يجد من یحج عنه. أمن الطريق وذلك بأن يكون الإنسان آمنًا على نفسه وماله. وجود محرم بالنسبة للمرأة أو رفقة مأمونة كما يقول بعض الفقهاء (٢). وحث الله تعالى على تعظيم مكة المكرمة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ ) لَكُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ إِلَ أَجَلِ مُسَمَّى ثُمَّ ◌َحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ (١) تفسير المراغي ٤/ ٩. وانظر: جامع البيان الطبري ٣٧/٦ التفسير الوسيط، الواحدي ٤٦٨/١ تفسير القرآن، السمعاني ٣٤٣/١، مفاتيح الغيب الرازي ٣٠٣/٨. (٢) الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٤٨/٣٢. وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَسَكًاً الْعَتِيقِ ٣٢ لِيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ اَلْأَنْحَمِّ فَإِلَّهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَلَهُ: أَسْلِمُواْ وَبَثِيرِ الْمُخْبِتِينَ ﴾ [الحج: ٣٢-٣٤]. وشعائر الله هي: معالم ومناسك الحج التي فرضها الله تعالی أو ندب إليها وأمر بالقيام بها، فالصفا والمروة والركن، والبيت، والبدن وتعظيمها استسمانها واستحسانها من شعائر الله تعالى (٣). ثالثًا: يحرم القتال فيها: لا يجوز القتال في مکة بعد أن حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم تعالى إلى یوم القيامة، فقد وردت أحاديث تدل على أن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله یوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا (٣) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٢٦/٣. وانظر: جامع البيان، الطبري ٦٢١/١٨، تفسير القرآن، السمعاني ٤٣٧/٣، النكت والعيون، الماوردي ٤/ ٢٣. ١٧٤ جَوَسُوع القرآن الكريمِ مكت من عرفها ولا يختلى خلاها) فقال العباس: بمكة قال الإمام أبو الحسن الماوردي يا رسول الله: إلا الإذخر، فإنه لقينهم صاحب الحاوي من أصحابنا في كتابه ولبيوتهم، فقال: (إلا الإذخر) (١). ومنع القتال في مكة المكرمة مما خص به البلد الحرام، قال الإمام النووي: ((قوله صلى الله عليه وسلم: (فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة). وفي رواية (القتل) بدل (القتال)، وفي الرواية الأخرى: (لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب)(٢). هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم القتال (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب لا يحل القتال بمكة، رقم ١٨٣٤، ١٤/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد على الدوام، رقم ١٣٥٣، ٠٩٨٦/٢ (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، رقم ١٠٤، ٣٢/١، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، رقم ١٣٥٤، ٢/ ٩٨٧، من حديث أبي شريح العدوي رضي الله عنه. الأحكام السلطانية من خصائص الحرم: أن لا يحارب أهله، فإن بغوا على أهل العدل، فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم بل يضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ويدخلوا في أحكام أهل العدل، قال: وقال جمهور الفقهاء: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله التي لا يجوز إضاعتها فحفظها أولى في الحرم من إضاعتها هذا کلام الماوردي وهذا الذي نقله عن جمهور الفقهاء هو الصواب)) (٣). رابعًا: من دخلها أمن: استجاب الله دعوة خليله إبراهيم عليه السلام فجعل مكة المكرمة بلدًا آمنًا. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًّا ءَامِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ، قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِّ وَبِئْسَ الْمَصِيُ [البقرة: ١٢٦]. فجعل الله مكة المكرمة بلدًا آمنًا من الظلم والإغارات الواقعة على غيره، فكان الرجل يلقى قاتل أبيه فیه فلا یھیجه، ویکرر (٣) شرح النووي على مسلم ٩/ ١٢٤. وانظر: شرح صحيح البخارى، ابن بطال ٥٠٤/٤، عمدة القاري، العيني ١٩٠/١٠. www. modoee.com ١٧٥ حرف الميم إبراهیم طلب الأمن بعد أن استقر إسماعيل وأمه فيه ﴿ وَ إِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ رَبِّ أَجْمَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ اَلْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. ٣٥ وقال تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكٌ مَّقَامُ معناه: اجعله من البلدان الكاملة في ◌ِتْزَهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. الأمن(١). فجعل الله عز وجل أمن مكة آية لإبراهيم عليه السلام وکان الناس يتخطفون حول مکة. قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اَللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. فكان الجبار إدا أراد مكة قصمه الله(٢). وفي الآية تقرير من الله تعالى أهل مكة بنعمة الأمن: بمعنى أولم يشاهد كفار مكة أن الله جعل مكة لهم حرمًا آمنًا يأمن فيه أهله على أنفسهم وأموالهم، والناس من حولهم خارج الحرم يتخطفون غير آمنين؟ أفبالشرك يؤمنون، وبنعمة الله التي خصهم بها یکفرون، فلا يعبدونه وحده دون سواه؟(٣). أذى، ومن قتل صيد مكة فعليه جزاؤه، ولا يجوز قطع أشجار الحرم على جهة الإضرار بها»(٤) أي: وأمن من دخله، والعرب جميعًا قد اتفقوا على احترامه وتعظيمه، فمن دخله أمن على نفسه من الاعتداء والإيذاء، ومن أن یسفك دمه أو تستباح حرماته مادام فيه، وقد مضوا على ذلك الأجيال الطوال في الجاهلية على كثرة ما بينهم من الأحقاد والضغائن، واختلاف المنازع والأهواء، وقد أقر الإسلام هذا، وكل ذلك بفضل دعوة إبراهيم عليه السلام ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]))(٥). والمعنى: ومن دخله كان آمنًا يعني: حرم مکة إذا دخله الخائف یآمن من كل سوء، وکذلك کان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج، وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله قال ابن عباس رضي الله عنه: «یرید: حراما محرما لا يصاد طيره، ولا يقطع شجره، ولا يختلی خلاه، والحكم في هذا تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَةُ، كَانَ ءَامِنًا﴾ قال: من عاذ بالبيت أعاذه البیت، ولكن لا يؤوى ولا أن صيد مكة لا ينفر، ولا يتعرض له بنوع يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه، وقال (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤ /٤٩. (٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١/ ٤٤٦. (٣) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص ٤٠٤. جوبيع القرآن الكريمِ (٤) التفسير الوسيط، الواحدي ٢٠٩/١. (٥) تفسير المراغي ٨/٤. ١٧٦ مكث الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش:٣ وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها (١). خامسًا: يحرم على الكافر دخولها: حرم الله تعالى دخول المشركين والكفار مكة المكرمة. قال تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌّ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَكَةُ إِنَّ اَللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٢٨]. فإنه تعالى أمر المؤمنين بأن يمنعوا من دخول المسجد الحرام كل مشرك ومشركة؛ لأن المشرك نجس الظاهر والباطن، فلا يحل دخولهم إلى المسجد الحرام، وهو مکة والحرم حولها، ومن يومئذ لم يدخل مكة مشرك(٢). والمسجد الحرام: لفظ يطلق على جميع الحرم، فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع، ولو دخل مشرك الحرم (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٨/٢. (٢) أيسر التفاسير، الجزائري ٣٥٦/٢. مستورا ومات نبش قبره وأخرجت عظامه، فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز(٣). ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ نص على منع المشركين، وهم عبدة الأوثان من المسجد الحرام، فأجمع العلماء على ذلك، وذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم دخول أهل الكتاب إلى المسجد الحرام خلافا لأبي حنيفة (٤). ومذهب الجمهور القائلين بتحريم دخول المشركين الذميين أو المستأمنين المسجد الحرام، هو الراجح من أقوال الفقهاء وذلك للأسباب الآتية: ١. اتباعًا للنص الصريح الذي لا يحتمل التأويل، وهو قوله تعالى: ﴿ يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ: إِن شَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيهُ [التوبة: ٢٨]. ٢٨ حَكِيدٌ ٢. ولأن المسجد الحرام أفضل الأماكن المقدسة على الإطلاق وحرمته أعظم، فيجب تطهيره من المشركين بمنعهم من دخوله. ٣. ولأن الحرم موضع تشريف وإكرام من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٤/٨. (٤) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٣٥/١. www. modoee.com ١٧٧ حرف الميم وهو عاصمة المسلمين المقدسة، فلا يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه ينبغي أن يشغلهم شاغل في أقدس وسلم: يا محمد قل: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِالْبَلْدَةِ﴾ وهي مكة الذي حرمها على خلقه أن يسفكوا فيها دمًا حرامًا، أو يظلموا فيها أحدًا، أو يصاد صيدها، أو يختلى خلاها دون الأوثان التي تعبدونها أيها المشركون(٢). مكان لعبادتهم، بوجود مظنة المفسدة من غيرهم فيه. وقد انتقم الله سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين الذي أخرجوهم من هذه البقعة الطاهرة بغير وجه الحق، بأن منعهم من دخولها على وجه التأبید. ٤. ولأن تطهير المسجد الحرام منهم، ومن أقدارهم واجب، وهذا لا یکون إلا بنهي المسلمين عن تمكينهم من قربانه أو دخوله. ٥. ولأن الواقع التاريخي يشهد لقولهم، حيث إن المسلمين من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا لم يسمحوا لهم بدخوله، ولم يثبت أن النبي صلی الله عليه وسلم أدخلهم المسجد الحرام (١). سادسًا: يحرم قتل صيدها: حرمة مكة وتحريم صيدها وشجرها وخلاها، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ، كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: ٩١] (١) اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية، عبد العزيز الأحمدي ١/ ٣٨٠. وبعبارة أخرى ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ يعني يقول الله تعالى لرسوله: قل: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يعني: أمرت أن أخص بعبادتي وتوحيدي الله الذي هو رب هذه البلدة یعني مکة، وإنما خصها من بين سائر البلاد بالذكر؛ لأنها مضافة إليه وأحب البلاد وأكرمها عليه، وأشار إليها إشارة تعظيم؛ لأنها موطن نبيه ومهبط وحيه ﴿الَّذِى حَرَّمَهَا﴾ أي: جعلها الله حرما آمنا لا يسفك فیها دم ولا یظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلاها ولا يدخلها إلا محرم، وإنما ذكر أنه هو الذي حرمها لأن العرب كانوا معترفین بفضيلة مكة، وأن تحريمها من الله لا من الأصنام وله كل شيء أي خلقا وملكا وأمرت أن أكون من المسلمين لله المطيعين له(٣). وإنما صارت حرامًا شرعًا وقدرا بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس (٢) جامع البيان، الطبري ٥١٠/١٩. (٣) لباب التأويل، الخازن ٣٥٥/٣. مَوَسُولَةُ النَّقة القرآن الكريم ١٧٨