Indexed OCR Text

Pages 21-28

السيد
والمتعدية)(١).
٣. التزين.
أمر الله تعالى بني آدم على جهة العموم
بالتزين واللباس فقال جل شأنه ﴿يَبَفِىّ ءَادَمَ
خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ وَلَا
تُرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف:
٣١].
وجاء في سبب نزول الآية الكريمة أن
بعضا من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة
رجالا ونساء، لا يسترون عوراتهم، ولا
يقيمون للبيت حرمة، فنزلت هذه الآية(٢).
قال ابن عباس رضي الله عنهما في
الآية: «كان رجال يطوفون بالبيت عراة،
فأمرهم الله بالزينة و((الزينة)): اللباس، وهو
ما يواري السواة، وما سوى ذلك من جید
البز والمتاع فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند
كل مسجد)) (٣).
وروي نحو هذا القول عن عطاء والنخعي
وسعيد بن جبير، والحسن وقتادة (٤).
أما من حملوا الآية على غير الطواف،
(١) انظر: المبسوط، السرخسي ١٢٦/٣، حاشية
الدسوقي ٥٥٠/١، المجموع، النووي
٥٥٩/٥، الفقه على المذاهب الأربعة،
الجزيري ٤٣٥/١-٤٣٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩١/١٢، معالم
التنزيل، البغوي ١٨٨/٢، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٧ / ١٩٠.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٣٩١.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩١/١٢-٢٩٢،
النكت والعيون، الماوردي ٢١٨/٢.
فلهم أقوال أخرى في المقصود بالزينة فيها
موضعًا وصفة على أقوال هي:
القول الأول: أن المراد بها ستر العورة
في الصلاة. وهذ مروي عن مجاهد
والزجاج (٥).
القول الثاني: أن المراد بها مطلق التزين
في الجمع والأعياد (٦).
القول الثالث: أن الزينة المقصودة هنا
هي رفع الأيدي في مواقيت الصلاة، وهو
قول التنوخي القاضي(٧).
القول الرابع: أن الزينة هي الصلاة في
النعال، حيث يروي قتادة في هذا حديثا
مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم (٨).
القول الخامس: أن المراد بها المشط
لتسريح اللحية (٩).
قلت: وهذه الآية أبرز دليل على فرضية
ستر العورة في الصلاة.
قال القرطبي: (( دلت الآية على وجوب
ستر العورة كما تقدم، وذهب جمهور أهل
العلم إلى أنها فرض من فروض الصلاة،
ونقل عن الأبهري المالكي أنها فرض في
الجملة، وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين
(٥) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢١٨/٢.
(٦) المصدر السابق.
(٧) الكشف والبيان، الثعلبي ٢٢٩/٤.
(٨) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
٤/ ٢٣٤٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧/ ١٩٠.
(٩) النكت والعيون، الماوردي ٢١٨/٢.
www. modoee.com
٦٣

حرف الميم
الناس في الصلاة وغيرها))(١).
وما لا يجوز، وهذا مبسوط في مواضعه من
وقد اتفق العلماء على أن ستر العورة كتب الفقه في أبواب الصلاة والألبسة، وفي
كتب السنة وشروحها، ما لا يتسع المجال
لذكره هنا.
فرض بإطلاق، واختلفوا هل هي شرط من
شروط صحة الصلاة أم لا؟
وسبب الخلاف في ذلك تعارض الآثار
واختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ
ءَادَمَ خُذُواْ زِيَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:
٣١].
هل الأمر بذلك على الوجوب أو على
الندب؟ فمن حمله على الوجوب قال:
المراد به ستر العورة وله أدلته على ذلك.
ومن حمله على الندب قال: المراد
بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك
من الملابس التي هي زينة وله أدلته على
ذلك، ولذلك فمن لم يجد ما به يستر عورته
لم يختلف في أنه يصلي، واختلف فيمن
عدم الطهارة هل يصلي أم لا يصلي؟(٢).
وستر العورة واجب للصلاة وغيرها، فلا
يختص بالصلاة، وإذا كان الستر في الصلاة
فرضًا للابتداء والاستمرار، فهو مقارن
للصلاة من أولها إلى آخرها (٣).
وللعلماء أحكام تفصيلية في حد العورة
للرجال والنساء فى الصلاة وخارج الصلاة،
وفي أحكام الزينة وضوابطها، وما يجوز منها
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧ / ١٩٠
بتصرف یسیر.
(٢) بداية المجتهد، ابن رشد ١١٤/١. بتصرف.
(٣) الحاوي الكبير، الماوردي ١/ ٩٠ بتصرف.
جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسَبِيدِ
القرآن الكريمِ
٦٤

عمارة المساجد وهدمها
حث القرآن الكريم على عمارة المساجد
حسیًا ومعنويًا، وحذر من تخريبها وهدمها
حسيًا ومعنويًا، وهو ما أتناوله على النحو
الآتي:
أولًا: عمارة المساجد:
نص القرآن الكريم على عمارة المساجد،
وبين صفة عمارها بأنهم أهل الإيمان وإقامة
الصلاة وإيتاء الزكاة فقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا
يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بَِللَّهِ وَاَلْيَوْمِ
اْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ
يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ
الْمُهْتَدِينَ {(١٨)
﴾ [التوبة: ١٨].
وفي هذه المساجد الواردة في الآية
قولان:
أحدهما: أنها مواضع السجود من
المصلی.
والثاني: أنها بيوت الله تعالى المتخذة
للعبادة، وفي كل احتمالات ووجوه.
فعلى القول بأن المقصود بها مواضع
السجود من المصلي تكون عمارتها إما
بالمحافظة على إقامة الصلاة، أو بترك
الرياء، أو بالخشوع والإعراض عما ینھی.
وعلى القول بأنها بيوت الله تعالى فتكون
عمارتها محتملة لثلاثة أوجه:
أحدها: إنما يعمرها بالإيمان من آمن
بالله تعالى.
والثاني: إنما يعمرها بالزيارة لها والصلاة
فيها من آمن بالله تعالی.
والثالث: إنما يرغب في عمارة بنائها من
آمن بالله تعالى(١).
وبعمارة المسجد الحرام احتج بعض
مشرکی قریش یوم بدر حین وقعوا أساری،
فقد روي أن العباس بن عبد المطلب حین
أسر يوم بدر، أقبل عليه نفر من المهاجرين
وعيروه بقتال النبي صلى الله عليه وسلم
وبقطيعة الرحم، فقال العباس: ((ما لكم
تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟))
فقال له علي رضي الله عنه: «فهل لكم من
المحاسن شيء؟)) فقال: ((نعم، إنا نعمر
المسجد الحرام، ونحج الكعبة، ونسقي
الحاج، ونفك العاني، ونفادي الأسير،
ونؤمن الخائف، وتقري الضيف» فنزلت
الآية (٢).
ويقول الإمام الرازي في الآية الكريمة:
«عمارة المساجد قسمان:
إما بلزومها وكثرة إتيانها يقال: فلان يعمر
مجلس فلان إذا کثر غشیانه إياه.
وإما بالعمارة المعروفة في البناء.
فإن كان المراد هو الثاني، كان المعنى أنه
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٤٧/٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ١٧٠، تفسير
ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٦٨.
www. modoee.com
٦٥

حرف الميم
ليس للكافر أن يقدم على مرمة المساجد))(١). وثوابه عظيم عند الله تعالى، ويستحق
و((الشهادة لعمار المساجد بالإيمان صاحبه التكريم، كما في الصحيحين عن أبي
صحیحة؛ لأن الله سبحانه ربطه بها وأخبر
عنه بملازمتها وقد أثبت الإيمان في الآية
لمن عمر المساجد بالصلاة فيها، وتنظيفها
وإصلاح ما وهى منها(٢).
وسبب عدم عمارة المشركين للمسجد
مستفاد من عدة أمور أشار إليها الرازي
بقوله: ((والكافر إنما لم يجز له ذلك- أي
عمارة المسجد- لأن المسجد موضع
العبادة فيجب أن يكون معظمًا والكافر يهينه
ولا يعظمه، وأيضًا الكافر نجس في الحكم،
لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَّجَسُ﴾
[التوبة: ٢٨].
وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى:
﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتَِ لِلَّيِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
وأيضًا الكافر لا يحترز من النجاسات،
فدخوله في المسجد تلويث للمسجد،
وذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين
وأيضا إقدامه على مرمة إصلاح المسجد
يجري مجرى الإنعام على المسلمین، ولا
يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على
المسلمين»(٣).
وفضل تطهير المساجد وتنظيفها كبير
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/١٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ٩٠.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/١٦ بتصرف.
رافعٍ، عن أبي هريرة: (أن امرأةً سوداء كانت
تقم المسجد - أو شابًا - ففقدها رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها - أو عنه
- فقالوا: مات، قال: (أفلا كنتم آذنتموني)
قال: فكأنهم صغروا أمرها - أو أمره - فقال:
(دلوني على قبره) فدلوه، فصلی علیها،
ثم قال: (إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على
أهلها، وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي
عليهم) (٤).
فضل بناء المساجد:
السعي في بناء المساجد وتشييدها في
البقاع المختلفة هو نوع من عمارة المساجد،
وذلك نشرًا لمواضع العبادة وتيسيرًا لأمرها
على المسلمين، وقد تسابق المسلمون
الأوائل في بناء المساجد، فكان مسجد
قباء أول مسجد أسس في الإسلام، ثم تبعه
المسجد النبوي، والذي تسابق الصحابة
الأجلاء في بنائه، والنبي صلى الله عليه
وسلم یعمل معهم بیدیه الشریفتین، ویحمل
الأحجار على كتفه الشريف.
ولما فتحت الأمصار كمصر والشام
والعراق وغيرها تسابق الصحابة رضوان الله
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب الخدم للمسجد، رقم ٤٦٠، ومسلم في
صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على
القبر، رقم ٩٥٦.
٦٦
جَوَنُور
القرآن الكريمِ

السيد
عليهم في بناء المساجد في كل مصر فتحوه، اليهود والنصارى وهي قوله تعالى ﴿وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ,
وَسَعَى فِىِ خَبِهَاْ أُوْلَكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ
يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَآَيِفِينَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ
وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (*)﴾ [البقرة:
١١٤].
لیکون مشعل هداية ونور للمسلمين في تلك
الأمصار، كما حدث في مصر حيث اشترك
في بناء مسجد عمرو بن العاص عشرات
الصحابة الكرام، حتى ورد أنه وقف على
تحديد قبلته ثمانون صحابيًا (١).
وقد حثت السنة النبوية على ذلك وبینت
فضل بناء المساجد، فقد أخرج البخاري
عن عبيد الله الخولاني، أنه سمع عثمان بن
عفان، يقول عند قول الناس فیه حین بنی
مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم: إنكم
أكثرتم، وإني سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول: (من بنى مسجدًا) - قال بكيرٌ:
حسبت أنه قال: (یبتغي به وجه الله - بنی الله
له مثله في الجنة)(٢).
ثانيًا: تخريب المساجد:
نهى القرآن الكريم عن تخريب المساجد
والسعي في هدمها سواء كان التخريب أو
الهدم معنويًا أو ماديًا، وبيان ذلك على النحو
الآتي:
ونص القرآن الكريم في معرض الذم
على حرمة وقبح التعرض لبيوت الله تعالى
بمنع العبادة فيها أو السعي في تخريبها،
وقد جاء هذا الذم في آية ضمن آيات تتناول
(١) آثار البلاد وأخبار العباد، القزويني ص٢٣٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة
باب من بنى مسجدًا، رقم ٤٥٠.
وفي المقصودين بهذه الآية ثلاثة أقوال
مشهورة للمفسرين:
القول الأول: أنها واردة في شأن النصارى
الذین منعوا مساجد الله أن یذکر فیها اسمه،
وأنهم كانوا يطرحون في بيت المقدس
الأذى، ویمنعون الناس أن يصلوا فيه وأن
المسجد هو بيت المقدس. حیث روي هذا
عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل (٣).
القول الثاني: أن المقصود بها بختنصر
وجنده ومن أعانهم من النصارى، والمسجد
هو بيت المقدس. ويروى هذا عن قتادة
والسدي (٤).
القول الثالث: أن المقصود بها مشركي
قريش، إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم من المسجد الحرام. ويروى هذا عن
عبد الرحمن بن زيد (٥).
(٣) انظر: تفسير مجاهد ١/ ٢١٢، تفسير مقاتل
١/ ١٣٢، جامع البيان، الطبري ٣/ ٥٢٠.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ٥٢٠، تفسير
ابن أبي حاتم ١/ ٢١٠، النكت والعيون،
الماوردي ١/ ١٧٤.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٠/٣-٥٢١،
النكت والعيون، الماوردي ١/ ١٧٤.
www. modoee.com
٦٧

حرف الميم
وقد رجح شيخ المفسرين الطبري القول بعض المفسرين على التخريب المعنوي
بأن المقصود بها النصارى، واستدل على بالمنع من إقامة الشعائر في المساجد،
صحة ذلك بوجهین:
الوجه الأول: أن المسجد المعني في
الآية إما مسجد بيت المقدس وإما المسجد
الحرام. ومشركو قريش لم يسعوا قط في
تخريب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا
في بعض الأوقات رسول الله صلی الله علیه
وسلم وأصحابه من الصلاة فيه، فقد صح
وثبت إذن أن الموصوفین بالسعي في خراب
مساجده، غير الموصفوفين بعمارتها، إذ
كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في
الجاهلية، وبعمارته کان افتخارهم، وإن کان
بعض أفعالهم فیه، کان منهم على غير الوجه
الذي يرضاه الله منهم.
الوجه الثاني: أن الآية التي قبل قوله:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ
فِيهَا أَسْمُهُ﴾، مضت بالخبر عن اليهود
والنصارى وذم أفعالهم، والتي بعدها نبهت
بذم النصارى والخبر عن افترائهم على
ربهم، ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب
ذكر، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجه
الخبر - بقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اَللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ﴾ -
إليهم وإلى المسجد الحرام (١).
أما التخريب المقصود في الآية، فحمله
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢١/٢-٥٢٢.
جَوْسُورُ
القرآن الكريم
وحمله آخرون على التخريب المادي بالهدم
ونحوه من وجوه التعدي(٢).
ولا مانع من حمل الآية على كلا المعنيين
لما فيهما من الإضرار بالمساجد التي هي
بيوت الذكر والعبادة، وهذا ما يفيده كلام
القرطبي حيث قال: (( خراب المساجد قد
يكون حقيقيا كتخريب بختنصر والنصارى
بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني
إسرائيل مع بعض ملوكهم فقتلوا وسبوا،
وحرقوا التوراة، وقذفوا في بيت المقدس
العذرة وخربوه، ويكون مجازا كمنع
المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام،
وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة
وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها»(٣).
وما أجمل ما ذكره أحد العلماء
المعاصرين من أن نشر البدع والخرافات في
بيوت الله تعالى هو أيضًا نوع من التخريب
المعنوي، لأن المساجد ينبغي أن تصان عن
نشر مثل هذه الأمور التي تخالف شرع الله
تعالی.
قال الشيخ ابن العثيمين: ((ومن فوائد
الآية: تحريم تخريب المساجد؛ لقوله
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ١٧٤،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٧٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٧٧ بتصرف.
٦٨

المسجد
ـالى: ﴿وَسَعَى فِ خَرَابِهَا﴾؛ ويشمل
الخراب الحسي، والمعنوي؛ لأنه قد
يتسلط بعض الناس - والعياذ بالله - على
هدم المساجد حسًا بالمعاول، والقنابل؛
وقد يخربها معنًى، بحيث ينشر فيها البدع
والخرافات المنافية لوظيفة المساجد» (١).
وسبق القول بأن تخريب المساجد منھي
عنه سواء كان معنويًا أو حسیًا، وأن بعض
العلماء قد فسر التخريب الوارد في آية البقرة
على التخريب الحسي بالهدم ونحوه مثل
إلقاء القاذورات، ولكن جاءت آية أخرى من
كتاب الله تعالى صريحة في بیان هدم بيوت
العبادة في الملل الثلاثة اليهودية والنصراينة
والإسلام، وذلك قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ
أُخْرِجُواْ مِنْ دِيَدِهِم بِغَيْرِ حٍَّ إِلَّا أَن يَقُولُواْ
رَبُّنَا اَللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
◌َّدِّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا أَسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَتَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللّهَ لَقَوِىُّ عَزِزُ )﴾
[الحج: ٤٠].
وقد فسرت الصوامع في اللغة بأنها متعبد
الناسك ومنار الراهب، أو معبد الرهبان في
الأماكن النائية، وهذا ما ذهب إليه رفيع
ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد (٢)، وفسرت
(١) تفسير القرآن الكريم، سورتي الفاتحة والبقرة
١١/٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ /٦٤٧، النكت
والعيون، الماوردي ٢٩/٤.
كذلك بأنها متعبد الصابئة، وهو مروي عن
الضحاك وقتادة (٣).
وفسرت البيع بأنها معابد النصارى
أو كنائسهم، وهو مروي عن رفيع وقتادة
والضحاك (٤).
والصلوات اختلف في نسبتها فنسبها
بعضهم لليهود (٥)، وأما المساجد فهي
معروفة أنها بيوت العبادة للمسلمين على
نحو ما تقدم ذكره في التعريف.
وهذه الآية الكريمة تفيد معان سامية
وحكم عالية من أبرزها:
أن الله تعالی یدفع الشر بما هو أقوى منه
مما شرعه الله تعالى من أحكام، كدفع
شر الكفر والطغيان بالجهاد، ويؤيد هذا
ما ذهب إليه بعض المفسرين من تأويل
قوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِبَعْضٍ﴾ بأنه الدفع بالقتال والجهاد، أو
دفع الله تعالى الناس بعضهم ببعض في
الشهادة في الحق (٦).
● أن الدفع لنصرة الدين وحماية
(٣) انظر: تفسير عبد الرزاق ٤٠٨/٢، جامع
البيان، الطبري ٦٤٨/١٨، النكت والعيون،
الماوردي ٢٩/٤.
(٤) انظر: تفسير يحيى بن سلام ١/ ٣٨١، جامع
البيان، الطبري ٦٤٨/١٨ ..
(٥) انظر: معاني القرآن، الزجاج ٤٣٠/٣، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٢ / ٧١.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ / ٦٤٦، تفسير
ابن أبي حاتم ٨/ ٢٤٩٧، تفسير السمر قندي
٤٦٢/٢.
www. modoee.com
٦٩

حرف الميم
المقدسات قد يكون بالأشخاص،
ويؤيد هذا ما ذهب إليه بعض المفسرين
بأن المقصود هو دفع الله بالأنبياء
عن المؤمنين والمؤمنين من غيرهم،
والدفع بأصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم عمن بعدهم من التابعين،
ودفع الله المشرکین بالمسلمین(١).
أنه لولا فضل الله تعالی ورحمته بأهل
الملل الثلاث، ووجود من یذود عن
الحرمات والمقدسات لهدمت أماكن
العبادة في كل ملة.
ویشیر إليه قول الزجاج: ((وتأويل هذا:
لولا أن الله عز وجل دفع بعض الناس
ببعض لهدم في شريعة كل نبي المكان الذي
کان یصلي فیه، فکان لولا الدفع لهدم في
زمن موسی علیه السلام الكنائس التي کان
يصلي فيها في شريعته، وفي زمن عیسی
الصوامع والبيع، وفي زمن محمد صلى الله
عليه وسلم المساجد))(٢).
وإذا تساءلنا ما الحكمة من الحفاظ
على بقاع العبادة لاسيما عبادة أهل الإيمان
المسجد؟ لأمكن استخلاص الإجابة من
قول بعض المفسرين المعاصرين حيث
قال:(( هذه الأماكن هي التي تبقى أصول
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ / ٦٤٦، تفسير
ابن أبي حاتم ٢٤٩٧/٨، تفسير السمر قندي
٤٦٢/٢.
(٢) انظر: معاني القرآن، الزجاج ٤٣١/٣.
القيم في التدين، ((وأصول القيم في التدين))
غير ((كل القيم في التدين))، ولذلك نحن
قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى جعل للإسلام
خمسة أركان، وهي التي بني عليها الإسلام،
ولابد أن نقيم بنيان الإسلام على هذه
الأركان الخمسة، فلا تقل: إن الإسلام هو
هذه الأركان الخمسة، لا؛ لأن الإسلام مبني
عليها فقط فهي الأعمدة أو الأسس التي
بني عليها الإسلام. فأنت حین تضع أساسا
لمنزل وتقيم الأعمدة فهذا المنزل لا يصلح
بذلك للسكن، بل لابد أن تقيم بقية البنيان،
إذن فالإسلام مبني على هذه الأسس.
والحق سبحانه وتعالى يوضح ذلك
فيأمر بالمحافظة على أماكن هذه القيم؛ لأن
المساجد ونحن نتكلم بالعرف الإسلامي
هي ملتقى فيوضات الحق النورانية على
خلقه، فالذي يريد فیض الحق بنوره يذهب
إلى المسجد، إذن لكيلا تفسد الأرض لابد
أن توجد أماكن العبادة هذه، فمرة جاء الحق
بالنتيجة ومرة جاء بالسبب»(٣).
موضوعات ذات صلة:
البيوت، السعي، مكة
(٣) تفسير الشعراوي ١٠٦٢/٢.
٧٠
جوسيس
القرآن الكريم