Indexed OCR Text

Pages 41-48

ملين
القرآن»(١).
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن مالك بن
أنس أنه بلغه أن: شعیبًا هو الذي قص علیه
موسى القصص، قال: لا تخف نجوت من
القوم الظالمين(٢).
وروى الطبراني عن سلمة بن سعد
العنزي رضي الله عنه أنه وفد علی رسول
الله صلی الله علیه وسلم فقال له: (مرحبًا
بقوم شعيب وأختان موسى)(٣)(٤).
ورجح ابن عاشور بأنه شعيب النبي
عليه السلام بقوله: (( واسم المرأتين (ليا)
و(صفورة)، وفي سفر الخروج: أن أباهما
کاهن مدین، وسماه في ذلك السفر أول مرة
رعويل ثم أعاد الكلام عليه فسماه يثرون
ووصفه بحمي موسی، فالمسمی واحد.
وقال ابن العبري في ((تاريخه)): يثرون
بن رعویل له سبع بنات خرج للسقي منهما
اثنتان، فيكون شعيب هو المسمى عند
اليهود يثرون، والتعبير عن النبي بالكاهن
اصطلاح؛ لأن الكاهن يخبر عن الغيب،
ولأنه يطلق على القائم بأمور الدين عند
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٢٧٠.
(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٩ / ٢٩٦٦.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم
٥٥/٧،٦٣٦٤.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، رقم
١٣،٦٢٢٩/ ٤٩٧.
(٤) وانظر: الدر المنثور، السيوطي ٦/ ٤٠٧، فتح
القدير، الشوكاني ٤ / ١٩٧.
اليهود، وللجزم بأنه شعيب الرسول عليه
السلام جعل علماؤنا ما صدر منه فى هذه
القصة شرعا سابقا، ففرعوا عليه مسائل
مبنية على أصل: أن شرع من قبلنا من الرسل
الإلهيين شرع لنا ما لم يرد ناسخ)) (٥).
القول الثاني: إنه كان ابن أخي شعيب،
وقيل: رجل مؤمن من قوم شعیب، وعن
ابن عباس هو یثري صاحب مدین، رواه
ابن جرير وذكر أن رجاله ثقات إلا شيخه
سفیان بن و کیع، وعن الحسن: هو سید أهل
مدین، وعن ابن إسحاق: أنه حبر أهل مدین
وکاهنھم، وعن أبي عبيدة: أنه یترون ابن
أخي شعیب (٦).
القول الثالث: كان شعيب قبل زمان
موسى عليه السلام بمدة طويلة؛ لأنه قال
لقومه: ﴿وَمَا قَومُ ثُوٍ مِّنكُهِبَعِيدٍ﴾، وقد
كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه
السلام بنص القرآن، وهذا ما رجحه الإمام
ابن کثیر بقوله: وقد علم أنه کان بین الخلیل
وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على
أربعمائة سنة، کما ذكره غیر واحد، وما قیل
إن شعيباً عاش مدة طويلة، إنما هو - والله
(٥) انظر: التحرير والتنوير ١٠١/٢٠.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥٦١، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٥/٦، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١٠١/٢٠، التفسير
القرآني للقرآن، الخطيب ٣٣١/١٠، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٦١٤، في
ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٨٦/٥.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الميم
أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من ماشيتهما، وما كان شعيب ليرضى أن يرعى
موسی عنده، ويكون خادما له وهو أفضل
المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه
لأوشك أن ینص على اسمه في القرآن ههنا،
وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح
بذکره في قصة موسی لم یصح إسناده، كما
سنذكره قريبا إن شاء الله، ثم من الموجود
في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه
ثیرون، والله أعلم))(١).
منه وأعلى درجة، إلا أن يقال هذا قبل نبوة
موسى فلا منافاة، وعلى كل حال لا يعتمد
على أنه شعيب النبي بغير نقل صحيح عن
النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم)) (٢).
وكذلك سيد قطب في الظلال حيث
قال: ((كنت أعتقد أن هذا الرجل هو شعيب.
وممن رجح أن أبا المرأتين صاحب وقلت مرة: إنه قد يكون النبي شعيبا أو لا
یکون وأنا الآن أمیل إلی ترجيح أنه ليس هو
وإنما هو شيخ آخر من مدین. والذي يحمل
على هذا الترجيح أن هذا الرجل شيخ كبير،
وشعیب شهد مهلك قومه، المكذبين له،
ولم يبق معه إلا المؤمنون به، فلو كان هو
شعيب - النبي - بين بقية قومه المؤمنين،
ما سقوا قبل بنتي نبيهم الشیخ الکبیر، فليس
هذا سلوك قوم مؤمنين، ولا معاملتهم
لنبيھم وبناته من أول جیل! یضاف إلى هذا
أن القرآن لم يذكر شيئا عن تعليمه لموسى
صهره، ولو كان شعيبا النبي لسمعنا صوت
النبوة في شيء من هذا مع موسی وقد عاش
معه عشر سنوات،(٣).
مدين المذكور في سورة القصص ليس
شعیبًا الشيخ عبد الرحمن السعدي حیث
قال: ((وهذا الرجل أبو المرأتين صاحب
مدين، ليس بشعيب النبي المعروف كما
اشتهر عند كثير من الناس، فإن هذا قول
لم يدل عليه دليل وغاية ما يكون أن شعيبا
عليه السلام قد كانت بلده مدين وهذا
قضية جرت في مدين، فأين الملازمة بين
الأمرين، وأيضا فإنه غير معلوم أن موسى
عليه السلام أدرك زمان شعيب عليه السلام
فكيف بشخصه ولو كان ذلك الرجل شعيبًا
لذكره الله تعالى، ولسمته المرأتان، وأيضًا
فإن شعيبًا عليه السلام قد أهلك الله قومه
بتکذیبهم إياه، ولم يبق إلا من آمن به، وقد
أعاذ الله المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيهم
بمنعهما عن الماء وصد ماشيتهما حتى
يأتيهما رجل غريب فيحسن إليهما ويسقي
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٦/٦.
القول الرابع: التوقف عن الجزم بأنه
شعيب أو غيره.
وهذا ما ذهب إليه ابن جرير الطبري
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٦١٥.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٨٧/٥.
٣١٠
جَوْسُورَةُ النَّقِين
القرآن الكريم

ملين
حين ذكر الاختلاف المذكور في الرجل في عقد واحد، ومشروعية الإجارة(٢).
الذي قص عليه موسى القصص، بعد أن
ذكر الخلاف في أسماء بنات شعيب عليه
السلام بقوله: (( وكان اسم إحداهما صفورا،
واسم الأخری لیا، وقيل: شرفا کذلك، قال:
اسم الجاريتين ليا، وصفورا، وامرأة موسى
صفورا ابنة یثرون کاهن مدین، والكاهن:
حبر عن ابن إسحاق، قال: إحداهما صفورا
ابنة یثرون وأختها شرفا، ويقال: ليا، وهما
اللتان كانتا تذودان.
وأما أبوهما ففي اسمه اختلاف، فقال
بعضهم: کان اسمه یثرون، وعن أبي عبيدة،
قال: الذي استأجر موسى يثرون ابن أخي
شعيب عليه السلام، وقال آخرون: بل
اسمه: یثری، قال ذلك ابن عباس قال: الذي
استأجر موسى: يثرى صاحب مدين، وقال
النبي صلی الله عليه وسلم.
إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا
قول في ذلك أولى بالصواب (١).
ويستدل بعض الفقهاء والمفسرين بهذه
القصة على جواز مباشرة المرأة الأعمال
والسعي في طرق المعيشة، ووجوب
استحيائها، وولایة الأب في النكاح، وجعل
العمل البدني مهرا، وجمع النكاح والإجارة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥٦١.
قال ابن عاشور: ((وفي أدلة الشريعة
الإسلامية غنية عن الاستنباط مما في هذه
الآية إلا أن بعض هذه الأحكام لا يوجد
دليله في القرآن ففي هذه الآية دليل لها من
الكتاب عند القائلين بأن شرع من قبلنا شرع
لنا.
وفي إذنه لابنتيه بالسقي دليل على
جواز معالجة المرأة أمور مالها، وظهورها
في مجامع الناس، إذا كانت تستر ما يجب
ستره، فإن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه
شرعنا ولم يأت من شرعنا ما ينسخه،
وأما تحاشي الناس من نحو ذلك فهو من
المروءة والناس مختلفون فيما تقتضيه
المروءة والعادات متباينة فيه وأحوال الأمم
فيه مختلفة وخاصة ما بين أخلاق البدو
آخرون: بل اسمه شعيب، وقالوا: هو شعيب والحضر من الاختلاف)»(٣).
رابعًا: قصة موسى عليه السلام في
قال أبو جعفر: وهذا مما لا يدرك علمه مدين من دلائل نبوة محمد صلى الله
علیه وسلم :
إن الآيات التي تبين أن قصة موسى
عليه السلام في مدين من دلائل نبوة محمد
صلى الله عليه وسلم هي قوله تعالى: ﴿وَمَا
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠١/٢٠،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦١٤،
في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٨٦/٥،
التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٣٣١/١٠.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ١٠١/٢٠.
www. modoee.com
٣١١

حرف الميم
كُنْتَ بِجَائِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا
كُنْتَ مِنَ الشَّهِدِينَ ﴿ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا
فَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ وَمَا ككُنْتَ ثَارِيًّا فِى
أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا وَلَكِنَّا كُنَّاً
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الُْورِ إِذْ
مُرْسِلِين ٥)
نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّيِّكَ لِتُّنْذِرَ قَوْمَامَّاً
أَتَهُمْ مِنْ تَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ
[القصص: ٤٤- ٤٦].
والثاوي هو: المقیم أي: ماكنت مقيما
في أهل مدين (١).
العظيمة التي اتفقت لموسى عليه السلام:
وأولها: إنزال التوراة عليه حتى تكامل
دینه واستقر شرعه.
والثاني: مکثه وإقامته في مدین.
ثالثها: ليلة المناجاة.
ولم یکن محمد صلى الله عليه وسلم في
هذه الأحوال حاضرًا لهذه الأحوال، وبين
الله تعالی أنه بعث محمدًا صلی الله علیه
وسلم وعرفه هذه الأحوال فكان الإخبار
بها وبتفاصيلها من الدلائل الدالة على نبوته
صلى الله عليه وسلم ومعجزة من معجزاته
الشاهدة بصدق رسالته من غير أن یکون
حاضرًا أو مشاهدًا أو مقيمًا في مدين مع
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٨٥/١٩، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ /١٤٧، التفسير
الوسيط، الواحدي ٤٠١/٣، مفاتيح الغيب،
الرازي ٢٤/ ٦٠٣.
موسی صلی الله عليه وسلم (٢).
قال الإمام ابن كثير في تفيسر هذه
الآيات: ((يقول تعالى منبها على برهان نبوة
محمد صلی الله عليه وسلم حيث أخبر
بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد
وراء لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا
من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من
ذلك، وقال ههنا بعد ما أخبر عن قصة موسی
من أولها إلى آخرها، و کیف کان ابتداء إيحاء
الله إليه وتکلیمه له وما كنت بجانب الغربي
وهذه الآيات تبين الأحوال الثلاثة إذ قضينا إلى موسى الأمر، يعني: ما كنت يا
محمد بجانب الجبل الغربي الذي کلم الله
موسى من الشجرة التي هي شرقية على
شاطئ الوادي، وما كنت من الشاهدين
لذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى أوحى
إليك ذلك، وأرسلك إلى الناس رسولا؛
ليكون حجة وبرهانا على قرون قد تطاول
عهدها، ونسوا حجج الله عليهم وما أوحاه
إلى الأنبياء المتقدمين)) (٣).
فالإخبار عن الغيب من دلائل نبوة محمد
صلى الله عليه وسلم ومن معجزاته الباهرة
الدالة على صدق نبوته، لأنه صلى الله عليه
وسلم ما طالع الكتب، ولم يتلمذ لأحد،
ولم يكن حاضرا معهم، فإخباره بهذه القصة
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤ / ٦٠٤، أنوار
التنزيل، البيضاوي ١٧٩/٤، لباب التأويل،
الخازن ٣٦٦/٣.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ٢١٥/٦.
مَوْسُو ◌َرُ النفسية
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٣١٢

ملين
الطويلة من غير تحريف ولا غلط، إعجاز،
ومن أوضح الأدلة على أنه صلى الله عليه
وسلم رسول كريم، وإن كانت المعجزات
الباهرة الدالة على ذلك أكثر من الحصر؛
لیبین بذلك صدق نبوته، لأنه أمي لا یکتب،
ولا يقرأ الكتب، ولم يتعلم أخبار الأمم
وقصصهم، فلولا أن الله أوحی إلیه ذلك لما
علمه، کما قال تعالی عن إخباره بغیب آخر
يتعلق بمريم وما حصل لها في قوله: ﴿ ذَلِكَ
مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران: ٤٤].
أي: فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما
كان لك علم به، وقوله تعالى بعد ذكر الإخبار
بالغيب عن الأنبياء والمرسلين: ﴿تِلْكَمِنْ
أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا
قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَأَصْبِرٍّ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ
ا﴾ [هود: ٤٩].
(٤٩
وقوله أيضا: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ
الرُّسُلِ مَا تُشَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠].
وقوله تعالى بعد تمام قصة يوسف
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ
بطولها وأحداثها:
نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَقْرَهُمْ
وَهُمْ يَمَّكُرُونَ ﴾ [يوسف: ١٠٢].
وقوله سبحانه: ﴿فَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنِ
كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ ﴾
[يوسف: ٣].
إلى غير ذلك من الآيات (١).
وفي الإخبار بالغيب من قصص الأنبياء
السابقين عليهم السلام إيناس لصاحب
الرسالة المحمدية بأخبار إخوانه من
المصطفين الأخيار، فقد كانت تلك الأخبار
الصادقة غیبًا لم يشاهدها محمد ولا يعلمها
هو ولا قومه، ولم يكن محمد صلى الله
عليه وسلم مقيما بين أصحابها حتى يخبر
قومه بها ولم يتعلمها من غيره ولكن الله
تعالى هو الذي أوحى بها لمحمد صلى
الله علیه وسلم وأرسله إلى الناس رسولا،
وجعل هذه الإخبار دليلا على صدق نبوته،
فقد جاءت هذه الأحداث التي جاء القرآن
الكريم بقصصها، صادقة وثابتة في الصادق
من أخبار النبیین في کتبهم التي يتداولها أهل
الكتاب، ولم يتناولها التحريف (٢).
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ٩٤.
(٢) انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص
١٤٠.
www. modoee.com
٣١٣

حرف الميم
الدروس المستفادة من قصة مدين
يمكن بيان الدروس المستفادة من قصة
مدين في القرآن من خلال النقاط الآتية:
١. إن دعوة الرسل عليهم السلام واحدة
في العقيدة؛ إذ كلها تقوم على أساس
التوحيد لله تعالى والطاعة الخالصة
له سبحانه، وأن ذلك أول ما يبدؤون به
أولًا، ثم بعد ذلك الأهم فالأهم.
٢. إن وظيفة الرسل عليهم السلام،
وسنتهم في إرادة الإصلاح العام
والشامل بحسب القدرة والإمكان،
فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها،
أو بتحصيل ما يقدر عليه منها وبدفع
المفاسد وتقليلها ويراعون المصالح
العامة على المصالح الخاصة.
٣. إن من قام بما يقدر عليه من
الإصلاح، لم يكن ملوما ولا مذموما
في عدم فعله ما لا يقدر عليه، فعلى
العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه
وفي غيره ما يقدر عليه وبذلك يكون قد
أدی الواجب الذي عليه (١).
٤. حرمة نقص الكيل والوزن، وأن
نقص المكاييل والموازين من كبائر
الذنوب، وتخشى العقوبة العاجلة على
من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٨٩.
أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في
المكاييل والموازين، موجبة للوعيد،
فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة
بقطع الطريق وأخذ العشور- من باب
أولی وأحری.
٥. حرمة بخس الناس في جميع
حقوقهم المادية: كالكيل والوزن
وأجور العمال، وأسعار البضائع ونحو
ذلك، وحرمة بخس الناس في حقوقهم
المعنوية: كحق التأليف والمبتكرات
والشهادات العلمية ونحوها.
٦. حرمة السعي بالفساد في الأرض،
بأي نوع من الفساد، وأعظمه تعطيل
شرائع الله تعالى والصد عن سبيل
الله بمنع الناس من التدين والالتزام
بالشريعة ظاهراً وباطنا، والسعي في
الأرض بالمعاصي، لاسيما البلاد
التي طهرها الله بالإسلام وأصلحها
بشرائعه.
٧. حرمة التلصص وقطع الطرق
وتخويف المارة.
٨. أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله،
ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب
المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن
ذلك خير له لقوله: ﴿بَقِيَّتُ اَللَّهِ خَيْرٌ
◌َكُمْ ﴾ ففي ذلك، من البرکة، وزيادة
الرزق ما
٣١٤
صَوْسُوء
القرآن الكريمِ

ملين
٩. ليس في التكالب على الأسباب
المحرمة من المحق، وضد البركة (١).
١٠. لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض
الرسل ويكفر ببعض، كما لا يصح
إيمان عبد يؤمن ببعض ما أنزل الله
تعالى على رسله ويكفر ببعض.
١١. مشروعية الدعاء وسؤال الله تعالى
الحكم بين أهل الحق وأهل الباطل؛
لأن الله تعالى يحكم بالحق وهو خير
الحاکمین.
١٢. التحذير من الطغيان، وهو الإسراف
في الشر والفساد، فإنه موجب للهلاك
والدمار في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
١٣. تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم
والتخفيف عنه إذ كذبت قبل قريش
ثمود وغيرها من الأمم كأصحاب
مدين وقم لوط وفرعون.
١٤ بيان سنة بشرية وهي: أن الظلمة
والمتکبرین یجادلون بالباطل حتى إذا
أعیاهم الجدال وأفحموا بالحجج بدل
أن يسلموا بالحق ويعترفوا به ويقبلوه،
فيستريحوا ويريحوا، يفزعون إلى القوة
بطرد أهل الحق ونفيهم أو إكراههم
على قبول الباطل بالعذاب والنكال.
١٥. الجزاء من جنس العمل، فمن بخس
أموال الناس، يريد زيادة ماله، عوقب
بنقيض ذلك، وكان سببا لزوال الخير
الذي عنده من الرزق لقوله:
﴿انِيٌّ
أَرَنكُم بِخَيْرِ﴾ أي: فلا تسببوا إلى
زواله بفعلکم.
١٦. المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن
كان الله قد خوله إياه - فليس له أن
يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده،
عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه
من الحقوق، والامتناع من المكاسب
التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه
الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم
أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون،
سواء وافق حكم الله، أو خالفه.
١٧. الترهيب بأخذات الأمم، وما جرى
عليهم، وأنه ينبغي أن تذكر القصص
التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين
في سياق الوعظ والزجر كما أنه ينبغي
ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند
الترغيب والحث على التقوى.
١٨. الحياء من الرجال الأجانب، وأن ذلك
سنة المؤمنات من عهد قدیم، ولیس
كما يقول المبطلون هو عادة جاهلية،
فبنتا شعيب عليه السلام نشأتا في
دار النبوة والطهر والعفاف وغطت
إحداهما وجهها عن موسى حياء
و تقوی.
١٩. تجلى كرم شعيب عليه السلام ومروءته
(١) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
٣١٥

حرف الميم
وشهامته في تطمين موسى وإكرامه
وإيوائه.
٢٠. بيان أن الكفاءة شرط في العمل، ولا
أفضل من القوة وهي القدرة البدنية
والعلمية والأمانة.
٢١. مشروعية عرض الرجل ابنته على من
یری صدقه وأمانته لیزوجه بها.
٢٢. مشروعية إشهاد الله تعالى على العقود
بمثل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا تَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
٢٣ . فضيلة موسى عليه السلام بإيجار نفسه
على شبع بطنه وإحصان فرجه (١).
٢٤. قصة موسى عليه السلام في مدين من
دلائل نبوة محمد لأن الإخبار بالغيب
من أوجه الإعجاز في القرآن الكريم،
لأن الله نفى أن يكون النبي محمد في
مدين حتى يخبر بهذه القصة بتفاصيلها
مما يدل على أن القرآن كلام الله تعالى.
موضوعات ذات صلة:
شعيب عليه السلام، موسى عليه السلام،
عاد، ثمود
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٨٩، أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٦٨.
مُؤْتُبُواأَر التفسيرالقصر
جوسين
القرآن الكريم
٣١٦