Indexed OCR Text

Pages 41-58

المدح
يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
[التحريم: ٦].
فخلقهم کریم حسن شريف، وأخلاقهم
وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. وقد أوجب
الله تعالى الإيمان بهم، فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ
اَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ
وَالْكِتَبِ وَالنَّبْنَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وشنع على من جحد بهم وكفر فقال
تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ.
وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ اَلْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلا بَعِيدًا﴾
[النساء: ١٣٦].
ولولا ما فيهم من التفضيل والتكريم
والصفات الحميدة ما كانوا أهلًا للإيمان
والتصديق وهذا غاية المدح والثناء لهم.
ومدحهم بوصفهم بالمقربين، كما في
قوله تعالى: ﴿لَّن يُسْتَنكِفَ اُلْمَسِيحُ أَنْ
يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾
[النساء: ١٧٢].
وقوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْأَبْزَارِ لَفِى
عِلَّتِينَ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُونَ ١ كِنَبُ فَرْقُومٌ
ث يَشْهَدُهُ الْمُقْرَُّونَ﴾ [المطففين: ١٨ -٢١].
«يعني: الملائكة الذين هم في علیین،
یشهدون ویحضرون ذلك المكتوب أو ذلك
الكتاب إذا صعد به إلى عليين)) (١).
وهذا في غاية المدح لهم.
في (ثمانية
وقد ورد لفظ الملائكة
(١) معالم التنزيل، البغوي ٣٦٧/٨.
وستين) موضعًا في القرآن الكريم (٢).
وأخص الملائكة بالتشريف والتكريم:
جبريل وميكائيل عليهما السلام، فقد
خصهما الله تعالى بالذكر بعد ذكر الملائكة
إجمالًا في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا
لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكُمْلَ
فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٧].
وخصا بالذکر؛ لأن الله تعالی خصهما
بالحياة فجبريل بالوحي الذي هو حياة
القلوب، وميكائيل بالرزق الذي هو حياة
الأبدان ولأنهما كانا سبب النزول في تصريح
اليهود بعداوتهما، وقُدِّمَ جبريل عليه؛ لأن
حياة القلوب أعظم من حياة الأبدان (٣).
وجبريل عليه السلام هو أكثر الملائكة
ذكرًا في القرآن الكريم باسمه ولقبه، حیث
لقبه الله تعالى بالروح الأمين في قوله
تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ اُلُوعُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣].
وبالروح في قوله تعالى: ﴿يُنْزِّلُ الْمَلَبِكَةَ
بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِ=َ أَنْ أَنذِرُوّا
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢].
وبروح القدس في قوله تعالى: ﴿ قُلٌ
نَزَّلَهُ رُوِحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِاَلِْ
لِيُنَّبْتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَبُشْرَى
(٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن
الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٧٧١-
٧٧٢.
(٣) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي
٤٦٨/٢.
www. modoee.com
٢٥١

حرف الميم
لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢].
وبشديد القوى في قوله تعالى: ﴿عَلَّتُهُ,
شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥].
فعبر الله تعالى عنه بالروح؛ «لأنه يحيي
به الخلق في باب الدین، أو لأنه روح کله لا
کالناس الذين في أبدانھم روح، ووصف
عليه السلام بالأمين؛ لأنه أمین وحیه تعالی
وموصوله إلى من شاء من عباده جل شأنه
من غير تغيير وتحريف أصلا))(١).
ففي مدحه بقوله: ﴿الأمينُ ﴾ دلالة على
منزلته ومكانته، قال ابن كثير: «أي نزل به
ملك كريم أمين ذو مكانة عند الله مطاع في
الملأ الأعلى» (٢).
وسمي بروح القدس «لأنه سبب حياة
الدين كما أن الروح سبب حياة البدن، ولأنه
الغالب عليه الروحانية، ولأنه لم تضمه
أصلاب الفحول ولا أرحام الأمهات))(٣).
قال الألوسي: (( وأطلق عليه ذلك من
حيث إنه ينزل بالقدس من الله تعالى، أي:
مما يطهر النفوس من القرآن والحكمة
والفيض الإلهي)) (٤).
ومدحه بشدة القوة فى قوله تعالى:
﴿عَلََّهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥].
(١) روح المعاني، الألوسي ١١٩/١٠.
(٢) تفسير القران العظيم ٦/ ١٦٢.
(٣) غرائب القرآن ورغائب الفرقان، النيسابوري
٣٣٠/١.
(٤) روح المعاني ٧/ ٤٦٧.
جوسين
القرآن الكريمِ
أي: ((هو كثير القوى عظيم القدرة)) (٥).
وقد مدح الله تعالى الملائكة وأثنى
عليهم في مواضع متعددة وأفعال شتى،
منها:
١. العبادة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ
لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَيِّهِ، وَيُسَيِّحُونَهُ, وَلَهُ.
يَسْجُدُونَ ﴾﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
ففي الآية تنبيه للمخاطبين ((لئلا يكونوا
من الغافلين؛ ولهذا مدح الملائكة الذين
يسبحون الليل والنهار لايفترون)» (٦).
فـ«الملائكة في الملكوت الأعلى ﴿لا
يَسْتَكِْرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي: طاعته بما كلفهم به
ووظفهم فيه ﴿وَ يُسَبِّحُونَهُ, وَلَّهُ يَسْجُدُونَ ﴾
فتأس بهم ولا تكن من الغافلين)) (٧).
٢. الخوف من الله تعالى وفعل أوامره.
قال تعالى: ﴿وَلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَابَةٍ وَالْمَلَتِكَةُ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ
مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩- ٥٠].
ففي الآية تفصيل لصفاتهم بعدم التكبر
والخوف فهم خاضعون طائعون مستمرون
على ذلك، فكلما تجددت دواعي الخوف
والأمر فهم يخافون ويفعلون، وفي هذا
مدح لكمال طاعتهم وتمام انقيادهم الأمر
(٥) المفردات، الراغب ص٤١٩.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٤/٢.
(٧) أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٢٨١.
٢٥٢

المدح
الله تعالی.
٣. سرعة الاستجابة لأمر الله.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَاً
سُبْحَتَهُ بَلْ عِبَادُ مُكْرَمُونَ ﴾ لا
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾
[الأنبياء: ٢٦-٢٧].
فقد زعم المشركون أن الملائكة بنات
الله عز وجل زورًا وبهتانًا، (فنزہ تعالی
نفسه عن هذا النقص فقال: ﴿سُبْحَنَّهُ﴾
وأبطل دعواهم وأضرب عنها فقال: ﴿بَّ
عِبَادٌ مُكَّرَمُونَ﴾ أي: فمن نسبوهم لله
بنات له هم عباد له مكرمون عنده، ووصفهم
تعالى بقوله: ﴿لَا يَسْمِقُونَهُ بِالْقَوْلِبِ﴾
فهم لكمال عبوديتهم لا يقولون حتى يقول
هو سبحانه وتعالى، وهم يعملون بأمره فلا
یقولون ولا یعملون إلا بعد إذنه لهم)» (١).
٤. عظيم منزلتهم ومكانتهم.
وذلك باقترانهم بالشهادة الإلهية في
التوحيد في أشرف مقامات الثناء.
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآَيِّمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل
عمران: ١٨].
أي: والملائكة يشهدون، وهذا غاية
المدح. وكذلك مدحهم بشهادتهم على
إنزال القرآن.
﴿لَِّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآَ
قال تعالی:
(١) المصدر السابق ٢/ ٤٠٧.
أَنْزَلَ إِلَيْكٌ أَنزَلَهُ, بِعِلْمِةِ، وَالْمَلَبِكَةُ
يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦].
وقال تعالى في بيان مكانتهم عنده:
﴿ وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْنُ وَلَدَأْ سُبْحَنَةٌ بَلْ عِبَادٌ
مُكَّرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].
وقال: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ
يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾
[النساء: ١٧٢].
فدلت الآيتان على أنهم مكرمون
مفضلون على سائر العباد، فهم مكرمون
عنده، في منازل عالية ومقامات سامية، وهم
له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا.
ثانيًا: مدح الرسل عليهم السلام:
اصطفی الله عز وجل الرسل وزگًّاهم،
فكانوا أمناء لتبليغ الوحي، وقد صرَّح القرآن
الكريم باسم خمسة وعشرين نبيًّ، وذكر
غیرهم تضمینًا، وقد سمى الله تعالى ست
سور من القرآن بأسمائهم، وهي: سورة
يونس، وسورة هود، وسورة يوسف، وسورة
إبراهيم، وسورة محمد، وسورة نوح.
وقد اصطفى الله تعالى منهم خمسة هم
أولو العزم، وقد صرح القرآن بأسمائهم
جميعًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ
مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ تُوجِ وَإِبْهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم بِبِشَقًّا غَلِيِظًا }
[الأحزاب: ٧].
www. modoee.com
٢٥٣

حرف الميم
«فقد دخل هؤلاء المذكورون في جملة
النبيين ولكنه خصهم بالذكر تنويهًا بشأنهم
وتشريفًا لهم))(١).
وهذا يناسب دعوتهم وجهادهم مع
أقوامهم وما تحملوه من الشدة والقسوة
والإيذاء في سبيل دعوة الحق، إذ أمر النبي
صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم في خلق
الصبر.
وقد مدح الله تعالى الأنبياء والمرسلين
في کثیر من الصفات التي تحلوا بها، ومنها:
١. العبودية والشكر.
المتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أن الله
عز وجل مدح رسله وأنبيائه على عبوديتهم
وشكرهم له سبحانه وتعالى، فمدح نوحًا
عليه السلام بصفتي العبودية والشكر
فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾
[الإسراء: ٣].
فجاءت هذه الآية بأجل صفات
الخضوع، وهي: العبودية وشكر المنعم عز
جل على كل حال، التي كانت سببًا لنجاة
نوح ومن معه من الهلاك، وفي هذا تحریض
على التأسي بهم، وفي تخصيصه بالشكر
تنبیه علی أن توفیة شکر الله صعب، ولذلك
لم يثن الله بالشكر من أوليائه إلا على
القليل. وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:
﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١].
(١) صفوة التفاسير، الصابوني ٢/ ٤٧٥.
وقال تعالى في حق آل لوط: ﴿كَذَلِكَ
◌َجْزِى مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥].
((أي: مثل هذا الجزاء بالنجاة من الهلاك
نجزي من شكرنا بالإيمان والطاعة)» (٢).
ويصف الله تعالى نبينا محمدًا صلى
الله عليه وسلم بصفة العبودية في قوله
تعالى ﴿سُبْحَنَ الَّذِىَّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا
حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ ءَايَدِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الإسراء: ١].
قال ابن كثير: «هذه صفة مدح وثناء؛ لأنه
أضافه إلى عبودیته، کما وصفه بها في أشرف
أحواله، وهي ليلة الإسراء، فقال: ﴿سُبْحَنَ
الَّذِىّ أَسْرَىُّ بِعَبْدِهِ، لَيْلًا ﴾ [الإسراء: ١].
وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه:
﴿وَأَنَّهُ، لَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ
لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩].
وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه
ونزول الملك إليه، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ
الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾))(٣)،
وهاتان الصفتان هما كذلك في كل الأنبياء.
٢. الدعوة.
من يتتبع آيات القرآن يجد أن الله عز
وجل مدح رسله وأنبياءه على تبليغهم
الرسالات وما لاقوا في سبيل نشرها.
(٢) أيسر التفاسير، الجزائري ٢١٥/٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٩٢.
٢٥٤
القرآن الكريمِ

المدح
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَُلِّفُونَ رِسَلَتِ
اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ
حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].
ففي هذه الآية ((يمدح تعالى ﴿الَّذِينَ
يُعَلِّغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ ﴾ أي: إلى خلقه ويؤدونها
بأمانتها ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه ولا
يخافون أحدًا سواه فلا تمنعهم سطوة أحد
عن إبلاغ رسالات الله ﴿وَكَفَ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾
أي: و کفی بالله ناصرًا ومعینًا، وسید الناس
في هذا المقام محمد رسول الله صلى الله
عليه وسلم؛ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها
إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع
أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه
وشرعه على جميع الأديان والشرائع،
فإنه قد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة،
وأما هو، صلوات الله عليه، فإنه بعث إلى
جميع الخلق عربهم وعجمهم ﴿ قُلْ يَأَيُّهَا
النَّاسُ إِى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾
[الأعراف: ١٥٨].
ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده،
فکان أعلى من قام بها بعده أصحابه رضي
الله عنهم، بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع
أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره،
وحضره وسفره، وسرِّه وعلانيته، فرضي
الله عنهم وأرضاهم.
ثم ورثه کل خلف عن سلفهم إلى زماننا
هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى
منهجهم يسلك الموفقون. فنسأل الله
الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم)) (١).
وهذا نوح عليه السلام مدحه الله تعالی
في صبره على تبليغ رسالته، وأنزل تكذيب
قومه له بمنزلة تکذیب جمیع الرسل.
قال تعالى: ﴿كَثَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ
[الشعراء: ١٠٥].
قال ابن كثير: ((هذا إخبار من الله عز
وجل عن عبده ورسوله نوح عليه السلام،
وهو أول رسول بعث إلى الأرض بعدما
عبدت الأصنام والأنداد، بعثه الله ناهیًا عن
ذلك، ومحذرًا من وبيل عقابه، فكذبه قومه
واستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة
في عبادتهم أصنامهم، ويتنزل تكذيبهم له
بمنزلة تکذیب جمیع الرسل» (٢).
وهذا ثناء ومدح عظيم من الله عز وجل،
کما أن فيه تسلیة للنبي صلی الله عليه وسلم
في دعوته، وهذه الصفة هي كذلك في كل
الأنبياء.
٣. الوفاء.
مدح الله تعالى خليله إبراهيم عليه
السلام بقوله: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَفَ﴾
[النجم : ٣٧].
مبالغة في الوفاء، قال ابن عباس رضي
الله عنه: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله
(١) المصدر السابق ٦/ ٤٢٧.
(٢) المصدر السابق ٦/ ١٥١.
www. modoee.com
٢٥٥

حرف الميم
غير إبراهيم، ابتلي بالإسلام فأتمه، فكتب على أبيه الكافر ويستغفر له مع شكاسته عليه
و قوله: لأرجمنك» (٢).
الله له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَقَ﴾﴾
[النجم: ٣٧](١).
بيانًا لأمر جليل نال به هذا الثناء والتكريم في
دعوته وتبليغ قومه، وهو إعلاء كلمة التوحيد
ونبذ الأوثان والأصنام التي يعبدها قومه،
والبراءة من الشرك والكفر مع أقرب الناس
إليه؛ ليكون في موطن الاقتداء ونموذجًا في
الوفاء الإيماني الذي ينبع منه كل خُلُقٍ نبيلٍ،
وهذه الصفة هي كذلك في كل الأنبياء.
٤. الحلم ورقة القلب.
مدح الله تعالى الخليل إبراهيم عليه
السلام بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَهُ حَلِيمٌ﴾
[التوبة: ١١٤].
وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِتَزَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ
شُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥].
فالآية الأولى جاءت بعد بيان الله عز
وجل لعلة استغفار إبراهيم عليه السلام
لأبيه، فلما ثبت في علم الله عز وجل أنه
كافر عدوٌّ لله في المعتقد أعلن إبراهيم
عليه السلام البراءة منه، فجاء المدح الإلهي
لهذا الموقف الحاسم في الجانب العاطفي
والتوجه إلى الحق جل وعلا بصفتي أواه
حليم ((وهو الذي يكثر التأوه، ومعناه: أنه
لفرط ترحمه ورقته وحلمه كان يتعطف
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/٢.
((والحليم: الصفوح عمن سبه أو ناله
فجاء المدح في الوفاء من الله عز وجل بالمكروه، كما قال لأبيه عند وعيده وقوله:
﴿لَيِنِ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا قَالَ
سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرْ لَكَ رَبِ﴾ [مريم: ٤٦-
٤٧](٣)، فهي صفة ثابتة فيه.
أما الآية الثانية فقد وردت في قصته
عليه السلام مع الملائكة ومحاورته معهم
في قصة هلاك قوم لوط عليه السلام بعد
البشرى بإسحاق ويعقوب عليهما السلام،
فجاءت الآية لتبين أن إبراهيم عليه السلام
حليم ((غير عجول على كل من أساء إليه أواه
کثیر التأوه من الذنوب، منیب تائب راجع
إلی الله بما يحب ويرضى.
وهذه الصفات دالة على رقة القلب
والرأفة والرحمة، فبين أن ذلك مما حمله
على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم
العذاب، ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة
والإنابة كما حمله على الاستغفار لأبيه)) (٤)،
فقدم المدح بالحلم لأنها ((صفة تقتضي
الصفح واحتمال الأذى)» (٥).
ثم أعقبها في المدح بـ﴿أَوَهُ﴾ ((وهو
(٢) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٣١٥.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ١٠٣/٤.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٤١٢.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٣/١٢.
٢٥٦
جَوْسُورَةُ النَّفَ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

المدح
كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس»(١).
ثم ختم بذکر الإنابة مدحًا للخلیل علیه
السلام التي تعني الرجوع إلى الله تعالى
بالتوبة وإخلاص العمل، ((وهذا مدح عظيم
من الله تعالى لإبراهيم عليه السلام)) (٢).
وهذه الصفات هي كذلك في كل الأنبياء.
٥. الكرم والأمانة.
مدح الله تعالى يوسف عليه السلام
على لسان عزيز مصر: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ أَثْنُونِي
إِلاَ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِ فَلَمَا كُلَّمَهُ، قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا
مَكِينُ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
فمدحه بقوله: ﴿مَكِيْنُ أَمِينٌ﴾، وهي
(كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من
الفضائل والمناقب، وذلك لأنه لا بد في
كونه مكينًا من القدرة والعلم. أما القدرة،
فلأنه بها يحصل المكنة. وأما العلم، فلأن
کونه متمكنًا من أفعال الخير لا يحصل إلا
به، إذ لو لم يكن عالمًا بما ينبغي وبما لا
ينبغي لا يمكنه تخصیص ما ينبغي بالفعل،
وتخصيص ما لا ينبغي بالترك، فثبت أن كونه
مكينًا لا يحصل إلا بالقدرة والعلم. أما كونه
أمينًا، فهو عبارة عن كونه حكيمًا لا يفعل
الفعل لداعي الشهوة، بل إنما يفعله لداعي
الحكمة، فثبت أن کونه مکینًا أمینًا يدل على
كونه قادرًا، وعلى كونه عالمًا بمواقع الخير
(١) المصدر السابق ١٢٣/١٢.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٧٧/١٨.
والشر والصلاح والفساد، وعلى كونه بحيث
يفعل لداعي الحكمة لا لداعية الشهوة، و کل
من كان كذلك فإنه لا يصدر عنه فعل الشر
والسفه)»(٣).
مدح الله تعالى موسى عليه السلام
فجمع له بين الرسالة والكرم، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَهُمْ
رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧].
فالله تعالى أكرمه بالاصطفاء والرسالة
فھو «کریم علی الله وعلی عباده المؤمنين
أو كريم في نفسه؛ لأن الله لم يبعث نبيًّا إلا
من سراة قومه وكرامهم» (٤)، ومدح موسى
نفسه بالجمع بين الرسالة والأمانة.
قال تعالى: ﴿أَنْ أَدُّواْ إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِى لَكُمْـ
رَسُولُ أَمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨].
أي: إني رسول إليكم مؤتمن على
الوحي غیر متهم، أدعو کم وأنصح لکم لما
فیه خیر کم وسعادتكم، فاسمعوا مني. وبهذا
المدح يجمع له الكرم والأمانة في رسالته
ودعوته، وهي من مقومات المدح في
شخصية موسى عليه السلام، وهي كذلك
في كل الأنبياء.
٦. الرأفة والرحمة.
مدح الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله
عليه وسلم غاية المدح، فقال تعالى:
(٣) المصدر السابق ١٨ / ٤٧٢.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٢٧٤.
www. modoee.com
٢٥٧

حرف الميم
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
أي: ((﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ﴾
أي: كريم عظيم ﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ عدناني
قرشي هاشمي مطلبي، تعرفون نسبه
وصدقه وأمانته ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾
أي: يشق عليه ما يشق عليكم ويؤلمه
ما يؤلمكم؛ لأنه منكم ينصح لكم نصح
القومي لقومه ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾
أي: على هدايتكم وإكمالكم وإسعادكم
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ منكم ومن غيركم من
سائر الناس ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: شفوق
عطوف يحب رحمتهم وإيصال الخير
لهم»(١).
فالآية كلها في إثبات صفات المدح في
كونه رسولاً من أشرف وأفضل الناس، و((لم
يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير
رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:
﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾)) (٢).
وبهذا تكون الآية قد جمعت خمس
صفات في المدح والثناء عليه صلى الله
علیه وسلم.
مِنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
(١) أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٤٤٢.
(٢) الکشاف، الزمخشري ٣٢٥/٢.
وقال لموسى وهارون عليهما السلام
﴿أَذْهَبَآَ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فَقُولًا لَهُ قَوْلاً لَِّنًا
◌َّعَلَّهُ يَنَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
٧. الأسوة والخلق العظيم.
مدح الله تعالى الرسول بأنه صاحب
الخلق العظيم فقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِی
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ
اُلْأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:
٤].
ففي الآية الأولى: المدح والثناء على
الرسول صلی الله عليه وسلم في جعله منار
الأسوة والاقتداء، وفيها نكتتان بلاغيتان
أشار إليهما الزمخشري بقوله: «فیه و جهان:
أحدهما: أنه في نفسه أسوة حسنة، أي:
قدوة.
والثاني: أن فيه خصلة من حقها أن
يؤتسى بها وتتبع، وهي المواساة نفسها)) (٣).
قال ابن كثير: ((هذه الآية الكريمة أصل
كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه
وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله)» (٤).
وفي العدول عن الاسم الصريح (محمد)
إلى الكناية (رسول الله) تشريفٌ وتكريمٌ
ومدح أيضًا باللين، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ وتعظيمٌ للممدوح صلی الله عليه وسلم،
وفي حسن ختام الآية عبرة وموعظة في
(٣) المصدر السابق ٣/ ٥٣١.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٣٩١/٦.
٢٥٨
جَوَسُوع
القرآن الكريم

المدح
جعل الاقتداء به صلى الله عليه وسلم غاية والمرسلين، فقد جمعوا كل المقومات
الشخصية وكل كمال بشري.
في حياة المؤمنين؛ لذا علقها بذكر الآخرة.
أما الآية الثانية ففيها التأکید والبيان على
أهم ما یمدح به صلى الله عليه وسلم، فقد
وصفه الله بأكرم ما يوصف به إنسان من
خلقه، ((وكلمة على للاستعلاء، فدل اللفظ
على أنه مستعل على هذه الأخلاق ومستولٍ
عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق
الجميلة كالمولى بالنسبة إلى العبد وكالأمير
بالنسبة إلى المأمور))(١).
فهو مدح عظيم وثناء جليل وشهادة
عظيمة من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه
وسلم ((أي: وإنك يا محمد لعلى أدب رفيع
جم وخلق فاضل كريم، فقد جمع الله فيك
الفضائل والكمالات يا له من شرف عظيم،
لم يدرك شأوه بشر، فرب العزة جل وعلا
يصف محمدًا صلى الله عليه وسلم بهذا
الوصف الجليل ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[القلم: ٤]وقد كان من خلقه صلى الله عليه
وسلم العلم والحلم وشدة الحياء وكثرة
العبادة والسخاء والصبر والشكر والتواضع
والزهد والرحمة والشفقة وحسن المعاشرة
والأدب إلى غير ذلك من الخلال العلية
والأخلاق المرضية)) (٢).
ومن هنا يتبين مدح الله تعالى للأنبياء
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٦٠١/٣٠.
(٢) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٤٠١/٣.
ثالثًا: مدح الكتب السماوية:
من رحمة الله أن أرسل الرسل وأنزل
عليهم الكتب السماوية المقدسة، ومما
صرح القرآن الكريم بذكره: صحف إبراهيم
عليه السلام، والزبور لداود عليه السلام،
والتوراة لموسى عليه السلام، والإنجيل
لعيسى عليه السلام، والقرآن الكريم لمحمد
صلى الله عليه وسلم، واقترن المدح للتوراة
والإنجيل في تسعة مواضع(٣)؛ وذلك لإقامة
الحجة على أهل الكتاب، وتقريرًا للإيمان
بنزول القرآن الكريم، ودعوة للإيمان
بالرسول صلی الله عليه وسلم.
١. مدح التوراة.
جاء مدح التوراة في القرآن الكريم،
وذلك تعظيمًا لما فيها.
قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَاهُدى
وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ أَلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ
هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ
مِن كِتَبٍ اَللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾
[المائدة: ٤٤].
فَمَدَحَها بـ(هدى ونور) تشريفًا وتكريمًا
لمن آمن وصَدَّقَ بها، وكذلك مدحها
بـ (الإمام والرحمة) في قوله تعالى:
(٣) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن
الكريم ص ١٩٤.
www. modoee.com
٢٥٩

حرف الميم
﴿وَمِن قَبْلِهِ، كِثَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾
[الأحقاف: ١٢].
لما فيها من تفصيل الشريعة، ومدح
ما فيها من الأحكام والآيات بكونها تامَّةً
في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْضِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ
وَهُدَى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِقَّهِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾
[الأنعام: ١٥٤].
٢. مدح الإنجيل.
ورد ذكر الإنجيل تصريحًا في القرآن
الكريم في اثني عشر موضعًا (١)، فورد
مقترنًا مع الكتب السماوية، إلا أن أكثر
اقترانه مع التوراة. وقد خص الله تعالى
الإنجيل بالمدح بكونه (هدى ونور) في
قوله تعالى: ﴿وَقَفَيْنَا عَلَ ءَاثَرِهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَيَّةِ وَءَاتَيْنَهُ الإِنجِيلَ
فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَكَةِ
وَهُدِّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: ٤٦].
ومدحه بالذكر مع التوراة كما في قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ ﴾ [المائدة: ١١٠].
ومدح بتضمنه ذكر النبي صلى الله
عليه وسلم كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
يَتَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِنَّ الْأُفِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ.
مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَنَةِ وَاَلْإِنجِيلِ﴾
(١) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم
ص ٧٨٣.
[الأعراف: ١٥٧].
ومدح الله فيه الأمة المحمدية في قوله
تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطَهُ.
فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ
الزَُّّعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾[الفتح: ٢٩].
واقترن ذكر المسيح عليه السلام مع
الإنجيل تعظيمًا لما أرسل به وإكرامًا
للمرسل بها، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا
بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَرَ وَءَاتَيْنَهُ اَلْإِنْجِلَ﴾
[الحديد: ٢٧].
٣. مدح القرآن الكريم.
ورد المدح بلفظ (القرآن) في ثمانٍ
وخمسين موضعًا (٢)، وأكثر ورود المدح له
في مطلع السور القرآنية، وأكثر وقوعه بعد
الحروف المقطعة، فالغالب أن ((كل سورة
في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها
ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن؛ كقوله
تعالى: ﴿الّـ ن ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ [البقرة: ١ - ٢].
﴿اَلَّ ى اللّهُ لَا إِلَهَ إِلََّّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ))
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ﴾﴾ [آل عمران: ١ - ٣].
والحكمة في افتتاح السور التي فيها
القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف هي
أن القرآن عظيم، والإنزال له ثقل والكتاب
له عبء كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَتُلْقِى عَلَتْكَ
قَوْلًا فَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥])) (٣).
(٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن
الكريم ص٦٤٩.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ٢٤.
٢٦٠
جوسين
القرآن الكريم

المدح
ووصفه الله تعالى بالبركة كما في قوله حَكِيمُ﴾ [الزخرف: ٤].
تعالى: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ﴾
[الأنعام: ١٥٥].
والليلة التي نزل فيها مباركة قال تعالى:
إِنَّا أَنزَ لْنَهُ فِى لَيْلَةِمُبَرَكَةٍ﴾[الدخان:٣].
ومدحه بأنه أحسن القصص فقال
تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ﴾
[يوسف: ٤].
وقد اختار الله عز وجل لكتابه العزيز
صفات تدل على شرفه وعلو قدره وفيها
البرهان على أنه أعظم كتاب سماوي،
أشملها صفة (المهيمن) في قوله تعالى:
﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا
بَيْنَ يَدَيْدِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾
[المائدة: ٤٨].
(فهو أمین وشاهد وحاكم علی کل کتاب
قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم، الذي
أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها
وأحكمها حیث جمع فيه محاسن ما قبله،
وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا
جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها
وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال
تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّ لَهُ لَتْفِظُونَ﴾
[الحجر: ٩]))(١).
وخَصَّهُ مدحًا في أم الكتاب كما في قوله
تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ
(١) تفسير القران العظيم، ابن كثير ١٢٨/٣.
فالله تعالى ((بين شرفه في الملأ الأعلى،
ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض» (٢).
وهذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى
لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه، فهو
کتاب قد نزل بالحق ولإحقاق الحق.
قال تعالى: ﴿وَبِاَلْبِّ أَنزَلْتَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾
[الإسراء: ١٠٥].
فالآية مدح للقرآن بأنه نزل متضمنًا
للحق، ففيه أمر بالعدل والإنصاف ومكارم
الأخلاق، ونهى عن الظلم والأفعال
الذميمة، وذكر براهين الوحدانية وحاجة
الناس إلى الرسل، لتبشيرهم وإنذارهم
وحثهم على صالح الأعمال، انتظارًا ليوم
الحساب والجزاء، وقد نزل هذا القرآن
محفوظًا محروسًا لم یشب بغيره، فلم یزد
فیه ولم ينقص.
قال تعالى:
وقد ورد التنويه بذكره في كتب السابقين
﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ اَلْأَوَّلِينَ﴾
[الشعراء: ١٩٦].
قال ابن كثير: ((وإن ذكر هذا القران
والتنويه به لموجود في كتب الأولين
المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في
قدیم الدهر وحديثه»(٣).
ومدح على لسان الجن بقولهم: ﴿إِنَّا
(٢) المصدر السابق ٢١٨/٧.
(٣) تفسير القران العظيم ٦/ ١٦٣.
www. modoee.com
٢٦١

حرف الميم
سَمِعْنَا قُرْءَنَا عَجَبَالِ يَهْدِىّ إِلَى الرَّشْدِ﴾
[الجن: ١- ٢].
فهو مدح يدل على استمرار الهداية لكل لا يكتمون بأيديهم من البشارات بمحمد
زمان ومكان ودعوة إلى الحق والإيمان.
رابعًا: مدح بعض أهل الكتاب:
أهل الكتاب هم اليهود والنصارى،
والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل، قال الله
تعالى في مدح من آمن منهم: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ
أَوْلَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى
عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].
«قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب
حين سمعوا ما أنزل الله على محمد
قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَيِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا﴾
[الإسراء: ١٠٨])(١)
٠
ونجد آيات المدح لخيرة أهل الكتاب
في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ
لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اَللّهِ
ثَمَنًا قَلِيلًاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل
عمران: ١٩٩].
ففي هذه الآية (يخبر تعالى عن طائفة من
أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان،
وبما أنزل على محمد، مع ما يؤمنون به من
الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٥٧٨.
مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه،
﴿لَا يَشْتَّرُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا ﴾ أي:
صلى الله عليه وسلم، وذكر صفته ونعته
ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل
الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو
نصاری»(٢)، فھو «مدح لهم وذم لسائر كفار
أهل الكتاب))(٣).
وقد ورد المدح في القرآن الكريم لبعض
الصفات الحميدة التي تحلی بها بعض أهل
الكتاب، ومن هذه الصفات:
١. الوسطية والاعتدال.
﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾
قال تعالى:
[المائدة: ٦٦].
((أي: عادلة. والاقتصاد: الاعتدال في
العمل من غير غلو ولا تقصير. أصله من
القصد؛ لأن من عرف مقصودًا طلبه من
غير اعوجاج عنه. والمراد بالأمة المقتصدة:
من آمن من أهل الكتاب مثل عبد الله بن
سلام وأصحابه والنجاشي وأصحابه الذين
أسلموا)) (٤) رضي الله عنهم وأرضاهم
أجمعين.
٢. تأدية الأمانة.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ مَنْ إِن
تَأْمَنْهُ بِقِتَطَارٍ يُؤَدِّهٍِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَهُ
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٣/٢.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٥٥٩.
(٤) لباب التأويل، الخازن ٢/ ٦٢.
٢٦٢
جَوَسُولَة التقنية
لِلْعَرَآن الْكْرِيْمِ

المدح
يِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ إِلََّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمًا﴾ [آل
عمران: ٧٥].
((أخبر الله تعالى أن فيهم أمانة وخيانة،
والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار
عبارة عن المال القليل، يقول: منهم من
يؤدي الأمانة وإن كثرت، ومنهم من لا
يؤديها وإن قلت))(١).
٣. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأمره)) (٣).
والمسارعة إلى الخيرات.
قال تعالى: ﴿لَيَسُواْ سَوَاءُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ
أُمَّةٌ قَآَيِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اَللَّهِ ءَانَّةَ الَلِ وَهُمْ
يَسْجُدُونَ ( يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ
اُلْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ -١١٤].
ففي هذه الآية «أخبر جل ثناؤه أن هؤلاء
الذین هذه صفتهم من أهل الكتاب، هم من
عداد الصالحين؛ لأن من كان منهم فاسقًا،
قد باء بغضب من الله لكفره بالله وآياته،
وقتلهم الأنبياء بغير حق، وعصيانه ربه
واعتدائه في حدوده))(٢).
وممن خُصَّ بالمدح من أهل الكتاب
٤. طائفة من قوم موسى عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْرِ مُوسَىَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ
بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩].
(١) معالم التنزيل، البغوي ٢ / ٥٦.
(٢) جامع البيان، الطبري ٧/ ١٣٠.
(أي: يهدون به الناس في تعليمهم إياهم
وفتواهم لهم، ويعدلون به بينهم في الحكم
بينهم بقضاياهم، كما قال تعالى: ﴿ وَحَعَلْنَا
مِنْهُمْ أَِّمَّةُ يَهْدُونَ بِأَمِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ
بِشَايَتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
وفي هذا فضيلة لأمة موسى عليه السلام،
وأن الله تعالى جعل منهم هداة يهدون
٥. طائفة من النصارى.
قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ قَوَدَّةً
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ
ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا
وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢].
هذه الآية نزلت في أناس من أهل
الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحق مما جاء
به عیسی، يؤمنون به وينتهون إليه. فلما بعث
الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم صدقوا
به وآمنوا به، وعرفوا الذي جاء به أنه الحق،
(٤)
فأثنى عليهم (٤).
قال القاضي أبو يعلى: «وربما ظنَّ جاهل
أنَّ في هذه الآية مدح النصارى، وليس
كذلك، لأنه إنما مدح من آمن منهم)) (٥).
((ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم
أهل ود، وإنما وصفهم بأنهم أقرب من
اليهود والمشركين فهو قرب مودة بالنسبة
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٠٥.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٠١/١٠.
(٥) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٥٧٥.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف الميم
إلى متباعدين))(١).
ثم بين سبب المدح مفصلاً بقوله:
﴿ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيِّيسِينَ وَرُهْبَانًا
وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فالآية ((تضمن
وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع،
ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه
والإنصاف، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى
الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا
عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: مما عندهم من البشارة
ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ
رَبيَّنَاَ ءَامَنَا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ﴾ أي: مع من
یشهد بصحة هذا ويؤمن به))(٢).
٦. الحواريون.
ورد ذكر الحواريين في القرآن الكريم في
خمسة مواضع (٣).
قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْأَنْصَارَ
اللَّهِ كُمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِنَ مَنْ أَنْصَارِىّ
إِلَى اللّهِ قَالَ الْمَوَارِتُّونَ فَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ فَمَنَت ◌َطَايِفَةٌ
مِّنْ بَفِى إِسْرَةِيلَ وَكَفَرَت ◌َِّفَةٌ فَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى
عَدُوِّهِمْ فَصْبَحُواْظَِينَ﴾ [الصف: ١٤].
والحواريون أتباع عيسى عليه السلام
وأصفياؤه، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني
عشر رجلًا(٤)، وفي خطابهم وتخصيصهم
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٢٦/٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ١٦٨/٣.
(٣) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن
الکریم ص٢٧١ -٢٧٢.
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢١٠/٥.
مدح لهم وثناء عظیم عليهم.
خامسًا: مدح المؤمنين:
مدح الله تعالى المؤمنين من أمة النبي
محمد صلی الله عليه وسلم في آيات كثيرة،
منها؛ قوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهِ﴾﴾
[البقرة: ١٦٥].
((أي: من أهل الأنداد لأندادهم، لأنهم
أخلصوا محبتهم له، وهؤلاء أشرکوا بها،
ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على
الحقيقة، الذي محبته هي عين صلاح العبد
وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا
يستحق من الحب شيئًا، ومحبته عين شقاء
العبد وفساده، وتشتت أمره»(٥).
وقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ﴾ [آل عمران: ١١٠].
((وما أخرج الله تعالى للناس أمة خيرًا من
أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم مدحهم
بما فيهم من الخصال فقال: ﴿تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية)) (٦)، وكذلك مدحهم في
الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل.
قال تعالى: ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ:
أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمَّ تَرَّهُمْ رَكَّمَا
سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنَا سِيمَاهُمْ
فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُورَّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩.
(٦) الوجيز الواحدي ص ٢٢٧.
٢٦٤
الْقُرآن الكَرِيمِ

المدح
التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِلِ كَزَرِعْ أَخْرَجَ سَطَهُ.
فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ
الزَُّّعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
[الفتح: ٢٩].
وأولى المؤمنين بالمدح الصحابة رضي
الله عنهم، فقد مدحهم القرآن الكريم
بسبقهم إلى الإيمان.
قال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
اَلْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم يِإِحْسَنِ
رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّلَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًّا ذَلِكَ
اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال في مدحهم أيضًا: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
اَلْمُهَجِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُّ الصَّدِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو
الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ
أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَكَ هُمُ
اُلْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٨- ٩].
وكما ورد المدح لمؤمني الإنس ورد
كذلك لمؤمني الجن؛ فقد مدحهم الله تعالی
بحسن استماعهم للقرآن الكريم حتى الفراغ
من قراءته وقيامهم بالدعوة إلى الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ
الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ
أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ﴾
[الأحقاف: ٣٠].
فالإنصات من علامات التدبر والفهم،
وهي من أخلاق حملة القرآن، ومدح قولهم
في القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ
أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُوَانًا
عَالَ يَهْدِىّ إِلَى الرّشْدِ فَشَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِّناً
أَحَدًا﴾ [الجن: ١- ٢].
فقد ((حصل لهؤلاء النفر من الجن
شرف المعرفة بالله وصفاته وصدق رسوله
صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن وما
احتوى عليه ما سمعوه منه فصاروا من خيرة
المخلوقات))(١).
لقد مدح الله تعالى المؤمنين بما يمتازون
به من خصائص تمیزهم، فهم أهل لمدح الله
لهم والثناء عليهم، وقد سرد القرآن الكريم
الصفات القويمة التي ينبغي أن يتحلى بها
المسلم، وهي في ذاتها تجلب المدح والثناء
لمن امتثل بها.
وقد جاءت الآيات القرآنية تبين حب الله
لعباده المؤمنين المتصفين بهذه الصفات
الحسنة؛ والتي منها:
● الصبر، قال الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ
الصَّبِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
والتقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢١/٢٩.
www. modoee.com
٢٦٥

حرف الميم
الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
والعدل، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
وبذل النفس لله، قال جل جلاله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ
أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،
قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].
وغيرها من الصفات الحسنة والأخلاق
الكريمة.
مقاصد المدح في القرآن الكريم
المقصد من مدح الله تعالى نفسه
في القرآن الكريم هو تعليم عباده كيف
يمدحوه؛ لأن الخلق حينما يمدحون الخالق
سبحانه وتعالى يثيبهم، فينتفعون، لا لينتفع
هو بالمدح، والهدف من مدح الصفات
الحسنة هو شحذ الهمم في امتثال ما أمر به
واجتناب ما نهى عنه، والازدياد والاستمرار
في الفعل الحسن والخلق الكريم.
النفس الإنسانية مفطورة على حب
المدح الصادق؛ لما له من تأثير قوي فيها،
وحثها على فعل الخير وعمل الصالحات،
ولأن الإسلام جعل من أولى اهتماماته:
الاهتمام بترسيخ قواعد المجتمع المسلم
وبنائه من خلال منهج شامل يهدف إلى
إصلاح الفرد والمجتمع، ولما كان للمدح
أهميته في ترسيخ هذه القواعد، اهتم
الإسلام به اهتمامًا كبيرًا، فكان لمدح القرآن
الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم
للمؤمنين أثر كبير في توجيههم وتحسين
سلوكهم وإشاعة روح المودة بينهم.
والناظر في آيات القرآن الكريم يجد
أنه في كثير من آياته يحث على التحلي
بالأخلاق الحميدة والصفات النبيلة التي
تجلب المدح والثناء لصاحبها.
قال تعالى في مطلع سورة المؤمنون:
٢٦٦
النفسية
قَضوري
جوبيـ
القرآن الكريم

المدح
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( الَِّيْنَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ
خَشِعُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
وَأَّذِينَ هُمْ لِلْزَّكَوْةِ فَعِلُونَ ﴾ وَالَّذِينَ
١٠
هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ))
فَمَنٍ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٢)
وَذِينَ هُمْ لِأَمْنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ﴾
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) أُوْلَكَ
هُمُ الْوَرِقُونَ الَّذِينَ يَرِقُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ
فِيَهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١-١١].
ففي هذه الآيات «تنويه من الله، بذکر
عباده المؤمنين، وذکر فلاحهم وسعادتهم،
وبأي شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن
ذلك الحث على الاتصاف بصفاتهم،
والترغيب فيها. فليزن العبد نفسه وغيره
علی هذه الآيات، یعرف بذلك ما معه وما
مع غيره من الإيمان، زيادة ونقصًا، كثرة
وقلة))(١).
ففلاح المؤمن موقوف على اتصافه بتلك
الصفات السامية العالية القدر، العظيمة الأثر
فى حياته الروحية، وكمالاته النفسية.
وقال تعالى في صفات عباد الرحمن:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ
هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا
٦٣
وَالَّذِينَ يَبِيسِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٤٧.
جَهَتَمَّ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٥ إِنَّهَا
سَآءَتْ مُسْتَقَرَّا وَمُقَامًا ﴾ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ
لَمْ يُسْرِقُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَامًا ( ٣) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ
وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ أَلَِّى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا
يَزْتُونَ﴾ [الفرقان: ٦٣-٦٨].
إلى آخر الآيات. قال ابن کثیر: «لما ذكر
تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من
هذه الصفات الجميلة، والأفعال والأقوال
أَوْلَك
الجليلة قال بعد ذلك كله:
أي: المتصفون بهذه ﴿يُجْزَوْنَ﴾ أي: يوم
القيامة ﴿الْغُرْفَةَ﴾ وهي الجنة. قال أبو
جعفر الباقر، وسعيد بن جبير، والضحاك،
والسدي: سميت بذلك لارتفاعها.
صَبَرُواْ﴾ أي: على القيام بذلك ﴿وَيُلَقَّوْنَ
فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿َِّيَّةُ وَسَلَمًا﴾
أي: يبتدرون فيها بالتحية والإكرام، ويلقون
فيها التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم
السلام، فإن الملائكة يدخلون علیھم من کل
باب، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى
الدار))(٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ مَلُوعًا )
إِذَا مَسَّةُ الشَّرُّ جَزُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
﴿﴿ إِلَّا الْمُصَلّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَايِعُونَ
وَّذِينَ فِيَّ أَقْوَهِمْ حَقٌ مَعْلُومٌ لِلِسَّآيِلِ
وَالْمَحْرُوِ ﴿ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الّذِينِ ) وَالَّذِينَ
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/ ١٢٣.
www. modoee.com
٢٦٧

حرف الميم
هُمْ مِنْ عَذَابٍ رَبِّهِم مُشْفِقُونَ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيُّ
مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَّى
أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
٣٠
فَنِ أَبَغَى وَهَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) وَالَّذِيْنَ هُمْ
لِأَمْتَئِهِمْ وَعَهْدِ زَعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُم بِشَهَدَاتِهِمْ قَايِعُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِمْ يُحَافِظُونَ ( أُوْلَكَ فِ
٣٣
جَنَّتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٣٥].
٤- قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ) إِنَّ
اَلْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ﴾
[العصر: ١- ٣].
وغير ذلك.
وهكذا يذكر الله تعالى صفات المؤمنين
لينبهنا إلى أن نرجع إلى أنفسنا ونمتحنها
بهذه الأعمال والصفات، فإن رأيناها تحتمل
فلنبشرها بالرضوان من الله تعالى، وإلا
فعلينا أن نسعى لتحصيل هذه المرتبة التي لا
ینجي عنده غيرها.
ونستطيع أن نخلص من ذلك: أن مدح
القرآن هو المدح الحق الصادق، وأن الهدف
منه شحذ الهمم في امتثال ما أمر الله به
واجتناب ما نھی عنه، والازدياد والاستمرار
في الفعل الحسن والخلق الكريم.
موضوعات ذات صلة:
الحمد، الذم، الشكر، المحبة
٢٦٨
جوبيهـ
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ