Indexed OCR Text
Pages 21-40
المدح وقد مدح الله تعالى هذا الخلق العظيم في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى في مدح الخصال التي يتصف بها المؤمن: ﴿وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّهِ وَحِيْنَ اَلْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. والنصب على المدح أو التخصيص: أي: وأخص الصابرين، وقوله سبحانه: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٥ الَّذِينَ يَقُولُونَ وَيَّنَآَ إِنَّنَاَ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَِّينَ وَالصَّدِّقِينَ وَالْقَلِنِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٥ - ١٧]. ومدح الله الصابرين ووعدهم بأحسن الجزاء الذي يهون عليهم ما يلقونه في ذلك السبيل؛ قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوَاْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٦]. ﴿وَجَزَنُهُم بِمَا صَبِرُواْ جَنَّةٌ وقال سبحانه: وَحَرِيرً﴾ [الإنسان: ١٢]. لذا كان جزاء الصبر عظيمًا غير مقدر، ويعطي الصابر أجرًا بغير حساب. قال تعالى: ﴿إنَّا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ولأن الصبر وسيلة النجاح في الحياة والوصول إلى المقاصد؛ لأنه قوة يحقق بها الإنسان أعمالًا فوق طاقته الطبيعية، ـدح الله من يتحمل صعوبات الحياة ببسالة وشجاعة. قال تعالى: ﴿إِن يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. وقال: ﴿كَمْ مِّنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَيْتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ ◌ِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَّرُواْ وَكَانُواْ بِشَّايَئِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: ٢٤]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصبر ضياء)(١). أما الجزع فلا يؤدي إلا إلى الفشل في الحياة وعدم إنجاح المقاصد، بل إلى انعدام الحياة وزوالها؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر) (٢). ٤. الحلم. الحلم ((من أشرف الأخلاق، وأحقها بذوي الألباب، لما فيه من سلامة العرض، وراحة الجسد، واجتلاب الحمد، وحد الحلم: ضبط النفس عند هيجان الغضب، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، رقم ٢٠٣/١،٢٢٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله، رقم ٦٤٧٠، ٩٩/٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، ٧٢٩/٢،١٠٥٣ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ص٣٤. www. modoee.com ٢٣١ حرف الميم وليس من شرط الحلم ألا يغضب الحلیم، وإنما إذا ثار به الغضب عند هجوم دواعيه کف سورته بحزمه، وأطفأ ثائرته بحلمه، فإذا اتصف المرء بالحلم كثر محبوه، وقل شانٹوه، وعلت منزلته، ووفرت کرامته. قال عز وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]))(١). وآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلی الله عليه وسلم تدعو المسلمين إلى التحلي بهذا الخلق النبيل، وعدم مقابلة الإساءة بالإساءة، والحث على الدفع بالتي هي أحسن، والترغيب في الصفح عن الأذى والعفو عن الإساءة. قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، أَلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِ السََّّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٤]. فالكاظمين الغيظ لا يعملون غضبهم في الناس، بل یکفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل، وهم مع کف الشر یعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا یبقی في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال (٢). (١) الأسباب المفيدة في اكتساب الأخلاق الحمیدة، محمد الحمد ص١٧ . (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ١٢٢/٢. قال ابن بطال: ((مدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم، وأخبر أن ما عنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك» (٣). وقد مدح الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام بهذه الصفة فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمٌ ﴾ [التوبة: ١١٤]. ﴿إِنَّ إِّرَّهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّهُ سُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]. ووصف بها ابنه إسماعيل فقال تعالى: فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]. ((وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه یکون حلیمًا، وأي حلم أعظم من حلمه حین عرض عليه أبوه الذبح، فقال: ﴿سَتَجِدُنِ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ثم استسلم لذلك، وقيل: ما نعت الله الأنبياء عليهم السلام بأقل مما نعتهم بالحلم، وذلك لعزة وجوده» (٤). و کذلك مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد صحابته بها، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم لأشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة) (٥). (٣) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٢٩٦/٩. (٤) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٥٣. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، جَوَسُولَةُ النَّقِين لِلْقُرْآن الكَرِيمِ ٢٣٢ المدح وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (١). قال ابن عبد البر: ((في هذا الحديث من الفقه: فضل الحلم، وفیه دلیل علی أن الحلم کتمان الغيظ، وأن العاقل من ملك نفسه عند الغضب؛ لأن العقل في اللغة ضبط الشيء وحبسه منه» (٢). ٥. الكرم. مدح الله تعالى هذا الخلق العظيم في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى في مدح الخصال التي يتصف بها المؤمن: ﴿لَّيْسَ أَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِيْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَعَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِ الْرِقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقوله تعالى في صفات المهتدين المفلحين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبٌ فِهِ هُدَى لِلْنَّقِينَ ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَّا رَنَقْهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢. باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله، رقم ١٧، ٤٨/١. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم ٢٨/٨،٦١١٤. (٢) التمهيد ٣٢٢/٦. ولما كان الکرم هو: «الإنفاق بطيب نفس فیما یعظم خطره ونفعه» (٣)، مدح الله تعالی عباده المنفقین في سبيله، وابتغاء مرضاته. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُّ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. قال ابن كثير: «هذا مدحٌ منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهارٍ، والأحوال من سر وجهارٍ، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا))(٤). وقال الإمام فخر الدين الرازي: ((الآية عامةٌ في الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة تحرضهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقتٍ ولا حالٍ»(٥). ٦. الأمانة. مدح الله تعالى هذا الخلق العظيم في آیات كثيرة، منها: قوله تعالى في ذکر صفات المفلحين: ﴿وَالَّذِينَ هُوْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. ((أي: مراعون لها، حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها، وهذا شامل (٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض ١/ ٢٣٠. (٤) تفسير القرآن العظيم ١/ ٧٠٧. (٥) مفاتيح الغيب ٧/ ٧٠. www. modoee.com ٢٣٣ حرف الميم لجمیع الأمانات التي بين العبد وبين ربه، كالتكاليف السرية، التي لا يطلع عليها إلا الله، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق، في الأموال والأسرار)) (١). وقد مدح الله تعالی بعض أنبيائه بصفة الأمانة التي هي صفة لازمة في كل نبي من الأنبياء، وقد ذكرت خمس مرات متواليات في حق الأنبياء: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب في سورة الشعراء، كلهم يقول لقومه: ﴿إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ﴾، وقد حكى لنا القرآن قصة موسى عليه السلام حين سقى لابنتي الرجل الصالح ورفق بهما وكان أمينًا معهما، فـ ﴿قَالَتْ إِحْدَمُهُمَا يَتَأَبَتِ اسْتَشْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ أَسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ اُلْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. وهي صفة تزيد صاحبها بهاءً ووقارًا، ویشهد بذلك کل منصف، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: (أخبرني أبو سفيان رضي الله عنه أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي) (٢). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٨٧. (٢) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد، رقم ٢٦٨١، ٣ /١٨٠. کاهل الوجود فلا ينبغي للإنسان أن یستھین إِنَّا بها أو يفرط فى حقها، قال الله تعالى: عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلْجِبَالِ فَأَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢].(٣). ٧. الرأفة والرحمة. الرأفة والرحمة خلقان عظيمان لا بد أن يتخلق بهما المؤمن ويتصف بهما، فهما من مبادئ الإسلام الأساسية، وأخلاقه الكريمة، وهما أشرف صفات المؤمنین بعد الإيمان، وتتجلى أهمية الرحمة في أن الله عز وجل تسمى واتصف بها، فمرة باسم الرحمن ومرة باسم الرحيم فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وعلى الرغم من سعة رحمة الله تعالى إلا أنه لا يستحقها إلا الذين اتقوه واستجابوا لأمره. قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٌ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِثَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وقد مدح الله بهاتين الصفتين صفوة خلقه وخيرة عباده وهم الأنبياء والمرسلين، ومن سار على نهجهم من المصلحين، فقال ولما كانت الأمانة فضيلة ضخمة، لا الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ يستطيع حملها الرجال المهازيل، ضرب أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ الله تعالى المثل لضخامتها، فأبان أنها تثقل [التوبة: ١٢٨]. (٣) انظر: خلق المسلم، محمد الغزالي ص ٤٧. مَوَسُولَة التي لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٢٣٤ المدح وقال تعالى ممتنًا على رسوله صلى الله والآخرة))(٢). عليه وسلم على ما ألقاه في قلبه من فیوض الرحمة جعلته يلين للمؤمنين ويرحمهم ويعفو عنهم، ويتجاوز عن أخطائهم: ﴿فَيِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبٍ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرِ ◌َهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِ آلْأَّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِِّينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. «أي: بسبب رحمة عظيمة فياضة أفاضها الله تعالى عليك كنت لينًا معهم في کل أحوالك، ولقد شكر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك اللين في قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ حيث أثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فظًا ولا غليظًا ولا قاسيًا؛ لأن (لو) تدل على نفي الجواب لنفي الشرط، والمعنى: إنك لست فظًّا ولا غليظ القلب، وهذا هو الذي يتفق مع صفات النبوة والقيادة الحكيمة الرشيدة الهادية الموجهة إلى أمثل الطرق الجامعة للقلوب (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ((يخبر تعالى أن الله جعل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قَبِلَ هذه الرحمة وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/ ١٤٧٤. ومدح الله تعالى بهذه الصفة أيضًا غيره صلى الله عليه وسلم من المتخلقين بها، فقد قال تعالى واصفًا رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩]. فهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، بحسب ما يقتضيه منهم إيمانهم. ثالثًا: الصفات الخَلْقية: كما أن الإسلام حث على الاتصاف بالصفات الخلقية الحميدة، وبين جزاء المتصفين بها، فقد مدح أيضًا الصفات الخَلْقِيَّةَ، وحثَّ على الاهتمام بها ورغب فيها، ومن هذه الصفات: ١. القوة. القوة من أَجَلُّ النعم التي امتن الله تعالى بها على خلقه، والمؤمن مطالب أن يكون قويًّا، فهي من أهم الأشياء التي ينبغي أن يحرص عليها، وذلك لما يأتي: أولًا: أن الله تعالى أمر بإعداد القوة فقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. قال ابن كثير: ((أمر تعالى بإعداد آلات (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٥/٥. www. modoee.com ٢٣٥ حرف الميم الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِذُواْ لَهُم مَّا وهو الموكل بأمانة تبليغ الوحي إلى الأنبياء بأنه ذو قوة. أُسْتَطعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ أي: مهما أمكنکم)) (١). والقوة المطلوبة قوة شاملة، قوة في الإيمان والأبدان والعلوم والاقتصاد، و کل مناحي الحياة. وإعداد المستطاع من القوة يختلف باختلاف درجات الاستطاعة في كل زمان ومكان. ثانيًا: أن القوة سبب أصيل للنصر والتأييد خاصة إذا اجتمع معها الأمانة، وقد مدح الله تعالى نبيه موسى عليه السلام بهاتين الصفتين: القوة والأمانة، فقال تعالى على لسان إحدى المرأتين: ﴿قَالَتْ إِحْدَمُهُمَا يَكَأَبَتِ اسْتَشْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ اسْتَفْجَرْتَ الْقَوِىُّ اُلْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. ((ولا يخفى أن مقالها من جوامع الكلم والحكمة البالغة؛ لأنه متى اجتمعت هاتان الصفتان: الأمانة والكفاية في القائم بأداء أمر من الأمور تكلل عمله بالظفر وكفل له أسباب النجاح)﴾(٢). ((وهذان الوصفان، ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملًا بإجارة أو غیرها. فإن الخلل لا یکون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما، وأما باجتماعهما، فإن العمل يتم ويكمل))(٣). (١) المصدر السابق ٤ / ٨٠. (٢) تفسير المراغي ٥١/٢٠. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦١٤. وقد مدح الله تعالى جبريل عليه السلام قال ابن كثير: ((يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه علمه الذي جاء به إلى الناس ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥]، وهو جبريل عليه ١٩ لَقُولَ رَسُولٍ كريم السلام؛ كما قال: ذِى قُوَّقٍ عِنْدَ ذِى الْعَّشِ مَكِينٍ م ◌ُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩-٢١]. وقال هاهنا: ﴿ذُومِرَّةِ﴾ [النجم: ٦]. أي: ذو قوة. قاله مجاهد والحسن وابن زید. وقال ابن عباس: ذو منظر حسن. وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. ولا منافاة بين القولین؛ فإنه عليه السلام ذو منظر حسن، وقوة شديدة)) (٤). لذا كانت القوة من أهم الأشياء التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم؛ لأنها سبب من الأسباب التي تجلب له المدح والثناء الحسن. ٢. الجمال. خلق الله تعالى الإنسان في أحسن صورة وشكل. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِسَنَ فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. فكل إنسان مخلوق خلقة حسنة، وهذا (٤) تفسير القرآن العظيم ٧ / ٤٤٤. ٢٣٦ القرآن الكريم المدح لا يمنع تفاوت البشر في الحسن، فمنهم من عنهن: ﴿فِنَّ خَيْرَتُّ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]. أوتي من الجمال والحسن أكثر مما أوتي غيره، وقد حكى الله تعالى لنا قصة يوسف أكَبْنَهُ عليه السلام وأن النسوة لما رأينه وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكُ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. أي: قلن لها: ما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا، لأنهن لم يرين في البشر شبهه ولا قريبًا منه، فإنه عليه السلام كان قد أعطي شطر الحسن، کما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء (١). فقد کان یتحلى بالجمال الظاهر والباطن، («فإن جماله الظاهر، أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لمنها على ذلك أن قطعن أيديهن وقلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وأما جماله الباطن، فهو العفة العظيمة عن المعصية، مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته»(٢). وممن ورد مدح جماله: الحور العين. وصف الله تعالى الحور العين فقال (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، وفرض الصلوات، رقم ١٦٢، ١/ ١٤٥، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٠٧. أي في الجنتين نساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه. وممن مدح جماله: غلمان أهل الجنة: قال الله تعالى عنهم: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَنَّهُمْ لُوْلٌ مَكْتُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]. وقال أيضًا: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَيْنَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُوْلٌ مَّنْتُورًا﴾ [الإنسان: ١٩]. ويقول جل وعلا: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ ◌ُغَلَّدُونَ ) بِأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسِ مِّنِ مَّعِينِ ١٨ لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيُّونَ ﴿ وَلَّمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ١٧-٢١]. فهذا ((إخبار عن خدمهم وحشمهم في الجنة كأنهم اللؤلؤ الرطب، المكنون في حسنهم وبهائهم ونظافتهم وحسن ملابسهم» (٣). رابعًا: المكانة الكريمة: يمدح المرء لمكانته الكريمة، وأعلى الناس مكانة ومنزلة الرسل الكرام، فهم الموكلون بتبليغ الوحي إلى الناس، وأخصهم منزلة أولوا العزم، ولذلك أوصى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم فقال: ﴿فَأَصْبِرْ كُمَا صَبِّرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. (٣) المصدر السابق ٤٣٥٧/٧. www. modoee.com ٢٣٧ حرف الميم وهم المذكورون في قول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيِّنَا بِ إِبْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣]. فقد ((أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له، وأن لا يزال داعيا لهم إلى الله وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين، سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم، وتم یقینهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم والقفو لآثارهم والاهتداء بمنارهم، فامتثل صلی الله علیه وسلم لأمر ربه فصبر صبرًا لم يصبره نبي قبله)) (١). وممن خص بمدح مكانته، نبي الله إدريس عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَاذَُّرْفِ الْكِتَبِ إِذْرِسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيَّا وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٦ - ٥٧]. فإدريس عليه السلام نبي من أنبياء الله جل وعلا، وصفه الله بالصديقية، ورفعه مکانًا عليًّا، وحدد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المكانة العالية بأنه في السماء الرابعة. وممن خص بمدح مکانته، نبي الله یحیی عليه السلام، فحينما دعا زكريا عليه السلام ربه قائلًا: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَلِّ﴾ [آل عمران: ٣٨]. جاءته البشرى ﴿فَنَادَتْهُ اٌلْمَلَتِكَةُ وَهُوَ قَآَِّمٌ يُصَلّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى مُصَدَِّا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]. فقد وصف الله تعالى يحيى عليه السلام بأربع صفات كريمة: الأولى: أنه كان مصدقًا بكلمةٍ من الله، وكلمة الله هو عيسى عليه السلام؛ لأنه کان یسمی بذلك، فیحیی عليه السلام كان مصدقًا بعیسی ومؤمنًا بأنه رسول الله، و کلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. والثانية: أنه سيكون سيدًا، والسيد هو الذي يسود قومه وینتهى إلى قوله، أي: يفوق غيره في الشرف والتقوى وعفة النفس، بأن یکون مالكًا لزمامها، ومسيطرًا على أهوائها. والثالثة: أنه سیکون حصورًا، أي: حابسًا نفسه عن الشهوات، حتى لقد قيل عنه إنه امتنع عن الزواج وهو قادر على ذلك زهدًا منه واستعفافًا، وليس صحيحًا ما قيل من أنه كان لا يأتي النساء لعدم قدرته على ذلك. والرابعة: أنه سيكون نبيًّا من الصالحين، وفي هذا الوصف بشارة ثانية لزكريا عليه السلام بأن ابنه سيكون من الأنبياء الذين اصطفاهم الله لتبليغ دعوته إلى الناس، وهذه البشارة أسمى وأعلى من الأولى التي أخبره الله فيها بولادة يحيى؛ لأن النبوة منزلة (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٨٣. جَوَسُولَةُ التَّقِينَ القرآن الكريم ٢٣٨ المدح لا تعدلها منزلة في الشرف والفضل (١). وممن مدح لمكانته ومنزلته، عيسى عليه السلام. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]. (أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا، بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزل عليه من الكتاب، وغير ذلك مما منحه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه، أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله عليهم)) (٢). وممن مدح لمكانته ومنزلته، العلماء. قال تعالى في بيان منزلتهم: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. فرفع الله تعالى شأن حملة العلم وأعلى مقامهم، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته على وحدانيته جل جلاله وعز ثناؤه؛ ذلك أن العلماء هم الذين يبينون للناس أحكام شريعة الله عز وجل، وهم الداعون إليه سبحانه وتعالى، وهم وراث هدي النبوة، فبذلك استحقوا تلك المكانة العالية. (١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٩٥/٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣/٢. خامسًا: العاقبة الحسنة: العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة هي ما يريد أن يصل إليه المؤمن؛ لذا أرشد الله تعالى عباده إلى طريقها وحثهم على التحلي بما يتصف به أصحابها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا يَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ الَّذِينَ يُؤْفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِثَقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهَ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَخَافُونَ سُوْءَ اَلْحِسَابٍ ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَآءَ وَجْدِ رَبِهِمْ وَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْتَهُمْ بِرًّا وَعَلَئِيَّةٌ وَيَدْرَهُونَ بِالْخَسَنَّةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَكَ لَمْ عُقْبَىَ الدَّارِ ن جَثَتُ عَدْنٍ يَدْ خُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَامَآِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِمَّ وَالْمَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِن كُلِّ بَابٍ ) سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبىَ الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩- ٢٤]. (يقول تعالى مخبرًا عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة، بأن لهم عقبى الدار؛ وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة))(٣). فأولئك الذين وصفوا بتلك المحاسن والكمالات التي بلغت الغاية في الشرف والكمال، هم الذين لهم العقبى الحسنة في الدار الآخرة، وهي جنات إقامة، يخلدون فيها لا يخرجون منها أبدًا، وفيها الأنس باجتماع الأهل والمحبين الصالحين، لتقر بهم أعينهم، ويزدادوا سرورًا برؤيتهم. وقد وصف الله تعالى الجنة وهي العاقبة (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٠/٤. www. modoee.com ٢٣٩ حرف الميم الحسنة التي أعدها لعباده المؤمنين في سمعت، ولا خطر على قلب بشر) (١) (٢)، وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى. قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةُ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [يونس: ٣٠]. الآخرة بعدة أوصاف حثًّا على المجاهدة للوصول إليها، فقال تعالى: ﴿مَن ذَاالَّذِی يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ، وَلَّهُ، أَجْرٌّ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]. وإنما وصف الأجر بكونه كريمًا؛ لأنه هو الذي جلب ذلك الضعف، وبسببه حصلت تلك الزيادة، فكان کریمًا من هذا الوجه. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لََّ تَيْنَهُمْ مِن ◌َّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ((دلت هذه الآية على عظم هذا الأجر من وجوه: أحدها: أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة، وهو قوله: ﴿لَآتَيْنَهُم مِّنْ لَّدُنَّا﴾ والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية، دل على عظم تلك العطية. وثانيها: قوله: ﴿مِّنْ لَّدُنَّا﴾ هذا التخصيص يدل على المبالغة، كما في قوله: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]. وثالثها: أنه وصف الأجر بكونه عظيمًا، والذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة، لا بد وأن يكون في نهاية العظم، قال صلى الله عليه وسلم: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن فالله تعالى يبين جزائهم الكريم بقوله: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ﴾ ((أي: لهؤلاء المحسنين مكافأة في الدنيا بإحسانهم ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾ أي: وما ينالونه في الآخرة من ثواب الجنة خيرٌ وأعظم من دار الدنيا؛ لفنائها وبقاء الآخرة ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: ولنعم دار المتقين دار الآخرة))(٣). فعلى المسلم أن يحرص على عمل الخيرات حتى تكون عاقبته حسنة ويختم له بالخير، فينال المغفرة وأعلى الدرجات. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ١١٨/٤، رقم ٣٢٤٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة، ٤ /٢١٧٤، رقم ٢٨٢٤. (٢) اللباب، ابن عادل ٦/ ٤٧٥. (٣) صفوة التفاسير، الصابوني ١١٦/٢. ٢٤٠ جوي النفسية القرآن الكريمِ قَضوري المدح مدح النفس يهدف المدح إلى شحذ الهمم للازدياد والاستمرار في الفعل الحسن والخلق الکریم، و کان رسول الله صلی الله علیه وسلم يمدح أصحابه ليحفزهم على الاستمرار في الخير والتزود منه، وقد مُدِحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة، والمدح منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وقد جعل القرآن الكريم المدح والذم تبعًا لمحبة الله تعالى للعبد أو ذمه، فمن أحبه الله تعالى وأثنى عليه فهو الممدوح، ومن ذمه الله تعالی فهو المذموم، وقد مدح الله أهل الإيمان والصلاة والعبادة، وذم أهل الكفر والفسوق والعصيان، وهل يجوز للإنسان أن يمتدح نفسه ؟ متى يحمد هذا المدح ومتى يذم ؟ سأبين هذا في النقاط الآتية: أولًا: المدح المحمود: المدح المحمود هو المدح بالحق، ومن ذلك ما یمدح به الشخص من كريم الخصال، وجنس المدح لا حرج فیه إذا كان بِحَقِّهِ؛ كما قال الصديق يوسف عليه السلام: ﴿أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَابِنِ الْأَرْضِّ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. فلم يكن مدح يوسف عليه السلام لنفسه من باب العجب، وإنما أراد بذلك إقامة العدل وإبطال الجور وإيصال الحق لأهله، والآية ((أصل في جواز مدح الإنسان نفسه لمصلحته)) (١). ((قال القاضي أبو يعلى: في قصة يوسف دلالة على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه، وأنه ليس من المحظور في قوله: ﴿فَلاَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢])(٢) وعلى هذا يحمل ما نقل من ثناء بعض الصحابة على أنفسهم، وبيان قدرهم في العلم؛ ليحرص الناس على الأخذ منهم والانتفاع بعلمهم قبل وفاتهم، وهذا ليس فخرًا منهم وتباهيًا بالعلم، إنما كان مراد أحدهم الوصول إلى حق يقيمه وعدل يحييه وجور يبطله، لذا كان ذلك منهم جميلًا جائزًا، فعن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم: أين أنزلت؟ ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم: فيم أنزلت؟ ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه)(٣). فهذه الأشياء، خرجت مخرج الشكر لله، (١) محاسن التأويل، القاسمي ١٩٢/٦. (٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٤٥١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ١٨٧/٦،٥٠٠٢. www. modoee.com ٢٤١ حرف الميم وتعريف المستفيد ما عند المفيد، ولذا كان الحسن والخلق الكريم. هذا منهم جميلًا جائزًا. وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وقد أذن الرسول صلى الله عليه وسلم وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يكره ذلك، ولم يَحْثُ التراب في وجه أحد من مادحیه، فهذا حسان بن ثابت رضي الله عنه يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢): في المدح كما جاء في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: (أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ویلك، قطعت عنق صاحبك، أغرُّ عليه للنبوة خاتم من الله مشهود یلوح ویشهدُ قطعت عنق صاحبك) مرارًا، ثم قال: (من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة، فليقل: الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه)(١). أحسب فلانًا، والله حسيبه، ولا أزكي على وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في خمس المؤذن أشهدُ وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد فلم ينه الرسول عن المدح ولكن جعل لهذا المدح ضوابطًا. وسمع رسول الله صلی الله عليه وسلم ذلك المدح ولم ينكره، ولم يَحْثُ التراب في وجهه؛ لأنه لم يقل إلا حقًّا. وأهم الضوابط التي يجب مراعاتها في المدح: عدم المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، وأن يؤمن على الممدوح الإعجاب والفتنة؛ لما يعلم من قوة إيمانه، وأن يكون المدح صادقًا فيمدح الشخص بما فيه من غير مبالغة ولا رياء يؤديان إلى النفاق، وأن يكون الهدف من المدح شحذ الهمم للازدياد والاستمرار في الفعل وکذلك مدح عبد الله بن عباس رضي الله عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دخل عليه وهو مطعون، فعن المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر رضي الله عنه جعل یألم، فقال له ابن عباس رضي الله عنه وكأنه يجزعه: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر رضي الله عنه فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب إذا زكى رجل رجلًا كفاه، رقم ٢٦٦٢، ١٧٦/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح، إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح، رقم ٣٠٠٠، ٤/ ٢٢٩٦. (٢) ديوان حسان بن ثابت الأنصاري ص٢٦١. ٢٤٢ الْقُرآن الكَرِيمِ المدح عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْرَ ) إِلَّا أَبْشِفَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَ ﴿ وَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧-٢١]. صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون، قال: ((أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلی الله عليه وسلم ورضاء، فإنما ذاك مَنٌّ من الله تعالى مَنَّ به عَلَيَّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بکر ورضاه، فإنما ذاك منٌّ من الله جل ذكره مَنَّ به عليَّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتدیت به من عذاب الله عز وجل، قبل أن أراه))(١). الله عنه في وجه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما علم من قوة إيمانه، وأن هذا الكلام لن يغره، وهذا هو المدح الحسن المحمود الذي يندب إليه، ولو كان فيه إثم لکان ابن عباس رضي الله عنهما أبعد الناس عنه. ومن المدح المحمود: ١. ما كان ثناءً من الله تعالى أو رسوله صلی الله عليه وسلم. ومن ذلك: قولالله تعالى في حق أبيبكر رضي الله عنه في سورة الليل: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى ) الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ, يَتَزََّى ) وَمَا لِأَحَدٍ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رقم ٣٦٩٢، ٠١٢/٥ فقد كان أبو بكر رضي الله عنه يعتق ضعفة العبيد الذين أسلموا، وكان ينفق في رضا رسول الله صلی الله علیه وسلم ماله، وكان مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، ولذا لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دخول أحد الناس من أبواب الجنة جميعها بقوله: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل فهذا المدح بالحق قاله ابن عباس رضي يدعى أحد من تلك الأبواب كلها، قال: (نعم وأرجو أن تكون منهم)(٢). قال ابن بطال: (( أنه يجوز الثناء على الناس بما فيهم على وجه الإعلام بصفاتهم، لتعرف لهم سابقتهم وتقدمهم في الفضل، فينزلوا منازلهم، ويقدموا على من لا يساويهم، ويقتدى بهم في الخير، ولو لم يجز وصفهم بالخير والثناء عليهم بأحوالهم لم يُعْلَمْ أهلُ الفضل من غيرهم، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم خَصَّ أصحابه بخواصَّ من الفضائل بانوا بها عن سائر الناس وعرفوا بها إلى يوم القيامة))(٣). و کذلك مدح النبي صلى الله عليه وسلم (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم باب الريان للصائمين، رقم ١٨٩٧، ١١/٥، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٩/ ٢٥٥. www. modoee.com ٢٤٣ حرف الميم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حضوره أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقرن ذكره فقال: (والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته، سالكًا فجَّاقطً، إلا سلك فجًّا غیر فجِّكَ)(١). والفج: هو الطريق الواسع. قال ابن حجر: «وهذا من جملة المدح، لكنه لما كان صدقًا محضًا، وكان الممدوح يؤمن معه الإعجاب والکبر مدح به، ولا يدخل ذلك في المنع)»(٢). ٢. ما يجده أهل الفضل من محبة الناس وثنائهم عليهم من غير تطلعهم لذلك الثناء. وهذا ثناء حسن يعود نفعه على المادح والممدوح، وهي شهادة حقّ. لذا توجه الخليل إبراهيم عليه السلام بالدعاء إلى ربه قائلًا: ﴿وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْآَخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. ((أي: ثناء حسنًا وذكرًا جميلًا وقبولًا عامًّا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ذلك، فجعل کل أهل الأدیان یتولونه ویثنون عليه))(٣). وأبقى له الذكر الجميل والثناء الحسن في (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب مناقب عمر بن الخطاب، رقم ٣٦٨٣، ٢٥/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر رضي الله عنه، رقم ٢٣٩٦، ١٨٦٣/٤، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. (٢) فتح الباري ٥٣٩/١٠. (٣) معالم التنزيل، البغوي ١١٨/٦. وزيادة في الكرم جعل هذا الذكر لذريته، فقال تعالى: ﴿وَهَبْنَا لَهُ، إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٍّ وَكُلَّا جَعَلْنَا فِبِيًّا ( ٢) وَوَهَبْنَا لَمُمُ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم ٤٩-٥٠]. فإبراهيم الخليل وبنوه معظمون في جميع الأمم والملل صلی الله عليهم أجمعين. عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أريت الرجل الذي يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال:(تلك عاجل بشرى المؤمن)(٤). فالله تعالى يقذف في قلوب الناس محبة المخلصين في الأعمال الصادقين في الأقوال، ويجعل لهم القبول في الأرض، فتلهج الألسن بالثناء عليهم، فهذه بشارة في الدنيا على قدرهم يوم القيامة. ٣. مدح الشخص بما فيه قبل توجيهه ونصحه. فيقدم الناصح بين يدي نصيحته الثناء على المنصوح، وذكر بعض الخير الذي فيه، ثم يحفزه للكمال بفعل بعض المأمورات أو ترك بعض المنهيات، فهذا مظنة الاستجابة للنصيحة، فقبل أن يوجه الله تعالى عباده إلى التحلي بخلق الصبر، وحسن التوكل (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره، رقم ٢٦٤٢، ٤ /٢٠٣٤. جَوَسُولَةُ النَّفِي القرآن الكريمِ ٢٤٤ المدح عليه في سائر الأمور بين ما أعده لهم من الثواب تحفيزًا لهم، فقال تعالى: ﴿وَلَذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَنُبُوِنَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِىٍ مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَأَ نِعْمَ أَجْرُ اَلْعَمِلِينَ ) الَّذِينَ صَبَّرُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَنَوَّكَّلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٥٨ - ٥٩]. وقبل أن يوجه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر رضي الله عنه إلى قيام الليل قال: (نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من اللیل، فکان بعد لا ینام من الليل إلا قليلًا)(١). ثانيًا: المدح المذموم: المدح المذموم، هو المدح بالباطل، ويأتي على صور، منها: ١. مدح العبد لنفسه. وهو قبيح؛ لما فيه من التفاخر والکبر، وهو يورث الهلاك. وقد نهى الله تعالى عن تزكية العبد لنفسه ووبخ من يفعل ذلك فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمَّ بَلِ اَللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلً ا انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ وَكَفَى بِهِ إِثْمَّا مُّبِينًا﴾ [النساء: ٤٩ - ٥٠]. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب فضل قيام الليل، رقم ١١٢١، ٤٩/٢، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمر، رقم ٢٤٧٩، ١٩٢٧/٤، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه. ((قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية في ﴿فَحْنُ أَبْنَواً اليهود والنصارى، حين قالوا: اللَّهِ وَأَحِبَُّهُ﴾ [المائدة: ١٨]. وقال ابن زيد: فيها، وفي قولهم: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]. وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم، ويزعمون أنهم لا ذنب لهم، وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب كما ليس لأبنائنا ذنوب. فأنزل الله ذلك فيهم، وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية))(٢). فهذه الأقوال جميعها تدل على ذم مدح الإنسان لنفسه سواء فعلته اليهود أو النصارى أو غيرهم. وقال الله تعالى: ﴿فَلاَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَتَّقْىٌ﴾ [النجم: ٣٢]. أي: لا تمدحوها وتشكروها وتَمُنُّوا بأعمالكم. وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم) (٣). ومعنى يذهب بنفسه: ((أي: يعلي نفسه ويرفعها ويبعدها عن الناس في المرتبة (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٢/٢. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البر والصلة باب ما جاء في الكبر، رقم ٢٠٠٠، ٤ / ٣٦٢. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. www. modoee.com ٢٤٥ حرف الميم ويعتقدها عظيمة القدر))(١). قال ابن القيم: ((ومن كيده - أي: الشيطان- أنه يغرى الناس بتقبيل يده، والتمسح به، والثناء عليه، وسؤاله الدعاء، ونحو ذلك، حتی یری نفسه، ویعجبه شأنها، فلو قيل له: إنك من أوتاد الأرض، وبك يدفع البلاء عن الخلق، ظن ذلك حقًا. وربما قيل له: إنه يتوسل به إلى الله تعالى ويسأل الله تعالى به وبحرمته، فيقضى حاجتهم، فيقع ذلك فى قلبه، ويفرح به، ویظنه حقًّا، وذلك کل الهلاك، فإذا رأى من أحد من الناس تجافيًا عنه، أو قلة خضوع له، تذمر لذلك ووجد فى باطنه. وهذا شر من أرباب الكبائر المصرين عليها، وهم أقرب إلى السلامة منه»(٢). ٢. المدح في الوجه، والقطع بذلك دون استثناء. وهو يورث الهلاك للمادح والممدوح، وأكثر ما يكون ذلك في الشعراء والمداحين. قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغَاؤُونَ ( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ وَأَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ( ٢٢٥) ٢٢٦ يَهِيمُونَ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]. فأغلب الشعراء والمداحين إن أعطوا (١) تحفة الأحوذي، المباركفوري ٦/ ١١٧. (٢) إغاثة اللهفان ١/ ١٢٢. رفعوا الممدوح إلى السماء فيقع في العجب بنفسه، ولذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يثني على رجلٍ ويطريه في مدحه فقال: (أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل)(٣). فهذا الحديث يفهم منه تحريم المدح في الوجه؛ لأنه مظنة الاغترار والوقوع في العجب، وهذه صفات مهلكة لدين العبد. خاصة إذا كان يخشى عليه الفتنة، فيعتقد فضله؛ فربما تطرق لقلبه الکبر والرياء، وربما رأی أن له حقًّا على الناس وقدرًا، وربما ظن أنه فاق غيره من السابقين واللاحقين في الفضل، فاتكل على ذلك وترك العمل أو قصر فيه. قال ابن بطال: ((حاصل النهي هنا أنه إذا أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك المنزلة، فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالًا علی ما وصف به»(٤). ٣. مدح الشخص والثناء عليه بأشياء لا يطلع عليها إلا الله. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح، إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح، رقم ٣٠٠٢، ٢٢٩٧/٤. (٤) فتح الباري، ابن حجر ٥٣٩/١٠. ٢٤٦ صَوَسُولَة التقنية القرآن الكريمِ المدح من صدق الإيمان والتقوى والخشية، ونحو ذلك مما يتعلق بالقلوب؛ لأنه مما لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، وإن كان لا بد مادحًا فلا يجزم بذلك، بل يقول: أحسبه أو أظنه، ونحو ذلك من الألفاظ التي ليس فيها جزم. وقد ضرب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في عدم اكتراثهم بالمدح، بل وعدم الاهتمام بمادحيهم، فعن همام بن الحارث أن رجلًا جعل يمدح عثمان رضي الله عنه فعمد المقداد رضي الله عنه فجثا على ركبتيه، وكان رجلًا ضخمًا فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان رضي الله عنه: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأیتم المداحین، فاحثوا في وجوههم التراب)(١). فالمقداد بن الأسود رضي الله عنه استعمل ((الحديث على ظاهره في تناول عین التراب، وحثيه في وجه المادح، وقد یتأول أيضًا على وجه آخر، وهو أن یکون معناه: الخيبة والحرمان، أي: من تعرض لكم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب ما يكره من الإطناب في المدح وليقل ما يعلم، رقم ٢٦٦٣، ١٧٧/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح، إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح، رقم ٣٠٠١، ٢٢٩٧/٤. بالثناء والمدح، فلا تعطوه واحرموه»(٢). ٤. المغالاة في المدح التي تؤدي إلى التعدي ومجاوزة الحقيقة. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا عبد الله ورسوله)(٣). فـ«قوله: (لا تطروني)، بضم التاء، من الإطراء، وهو المديح بالباطل، تقول: أطريت فلانا: مدحته فأفرطت في مدحه. وقيل: الإطراء مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. قوله: (كما أطرت النصارى)، أي: في دعواهم في عيسى بالإلهية وغير ذلك)» (٤). قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلَّا اَلْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوِعٌ مِّنَّهُ فَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَثَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ إِنََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَنَهُ: أَنْ يَكُونَ لَّهُ، وَلَّدٌّ لَّهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: ١٧١]. (٢) شرح السنة، البغوي ١٥١/١٣. (٣) عمدة القاري ٣٧/١٦. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا)، رقم ٣٤٤٥، ١٦٧/٤. www. modoee.com ٢٤٧ حرف الميم وعن خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ، قالت: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم غداة بُنِيَ عَلَيَّ، فجلس على فراشي کمجلسك مني، وجویریات یضربن بالدف، یندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولي هكذا بالباطل وقالواله غرورًا وباطلًا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَّ وقولي ما كنت تقولين) (١). [الأعراف:١٢٧]. ففي هذا الحديث أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر من الإطراء بادعاء أنه صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، أو أنه يقدر على دفع الضر أو جلب النفع، فهو صفة تختص بالله تعالى. ٥. مدح من لا يستحق المدح من الفساق الظالمين. فمن مدح ظالمًا وهو يعلم فقد شاركه في ظلمه؛ لأن الله حرم الركون إلى الظالمين وتوعد من يفعله بعذاب النار، وأنه لن يجد له ناصرًا في تلك الحالة. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود:١١٣]. وعن بريدة أن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (لا تقولوا للمنافق: سیدنا؛ فإنه إن يك سیدکم فقد أسخطتم ربکم عز وجل)(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، رقم ٨٢/٥،٤٠٠١. (٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم فنهوا عن تعظيم المنافق، ولو كان هذا التعظيم لقدره الدنيوي، فبمدحهم له يعظمون من أهانه الله، ومن یهن الله فما له من مكرم، وإن كان ليس كما قالوا فقد أضافوا إلى ذلك الكذب المحرم، ففرعون لما أعانه قومه على ظلمه بكثرة مدحهم له دفعه ذلك لأن قال: ﴿سَنُقَيِّلُ أَبْلَهُمْ وَنَسْتَعِ نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَِهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]. وما زالوا يمدحونه حتى قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. فما كان له إلا الهلاك ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى﴾﴾ [النازعات: ٢٥]. فلا ينبغي أن يمدح الظالمون مهما كانت مکانتهم. ٦. المدح بالباطل طمعًا فيما عند الممدوح من متاع الحياة الدنيا. وهو مدخل من مداخل الشيطان إلى القلوب والعياذ بالله، فمن علم أن المتفرد بالعطاء أو المنع هو الله وحده وأنه الذي یرزق العبد بسبب وبلا سبب ومن حيث لا یحتسب لم یمدح مخلوقًا على رزق، ٧٦٠، ص٢٦٧، والنسائي في سننه، كتاب عمل اليوم والليلة، باب النهي عن أن يقال للمنافق: سيدنا، رقم ٩،١٠٠٠٢ / ١٠١. ٢٤٨ جوبيبو القرآن الكريمِ المدح ولم یذمه علی منع، بل یفوض أمره إلى الله ویعتمد عليه في أمر دينه ودنياه. قال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنَّ بَعْدِيِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]. وقد وردت أحاديث عن النبي صلى الله علیه وسلم يفهم منها إباحة المدح، وأخرى يفهم منها النهي عن ذلك، ولا تتعارض بین هذه الأحاديث؛ فلكل منهما أسبابه التي ترجع إلى شخص الممدوح وفعله، وإلى شخص المادح. وقد جمع بينهما النووي، فقال: ((قال العلماء: وطريق الجمع بينها: أن النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح. وأما من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم یکن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به، کان مستحبًّا، والله أعلم)) (١). نخلص من هذا المبحث: أن هناك ضوابط متعلقة بالمدح، وأيضًا ضوابط متعلقة بالمادح، وأخرى متعلقة بالممدوح. (١) شرح صحيح مسلم، النووي ١٨/ ١٢٦. أولًا: الضوابط المتعلقة بالمدح: ١. أن يكون المدح صادقًا فيمدح الشخص بما فيه من غير مبالغة ولا رياء يؤديان إلى النفاق. ٢. أن يكون الهدف من المدح شحذ الهمم للازدياد والاستمرار في الفعل الحسن والخلق الكريم. ٣. ألا يكون المدح في كل وقت ولغير حاجة. ٤. ألا يكون في المدح تفضيل يؤدي إلى انتقاص الآخرين. ثانيًا: الضوابط المتعلقة بالمادح: ١. أن يأمن المادح على الممدوح العجب والغرور. ٢. أن يكون المادح صادقًا ولا يبالغ في المدح فينتهي إلى الكذب، ولا يرائي مظهرًا الحب للممدوح. ٣. أن يقول المادح إذا أراد أن يمدح: أحسبه كذلك والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا. ثالثًا: الضوابط المتعلقة بالممدوح: ١. أن يكون عند الممدوح إيمان قوي يأمن به من الإعجاب والفتنة. ٢. أن يكون الممدوح ممن ظهر صلاحه وحسن عمله. ٣. ألا يكترث الممدوح بمدح المادحين ولا يتعرض للمدح؛ لأن www. modoee.com ٢٤٩ حرف الميم التعرض للمدح مذموم. ٤. أن يقول الممدوح عند مدحه: اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون. نماذج من المدح مدح النماذج الطيبة له أثر طيب في نفوس المخاطبين حيث يجعل منهم قدوة صالحة يحتذى بها في الصلاح والخير لما يمتازون به من صفات، وأبرز الخصال والصفات الحميدة تكون فيمن لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم الملائكة المقربون، وكذلك تكون فيمن اصطفاهم الله واختارهم لتبليغ وحيه إلى خلقه، وهم الأنبياء والمرسلون، ثم تكون فيمن تحمل الرسالة عنهم، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان. أولًا: مدح الملائكة عليهم السلام: الملائكة جمع ملك، وهو ((جسم لطيف نوراني يتشكل باشكال مختلفة)»(١). ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بوجودهم، وبما ورد في حقهم من صفات وأعمال. وقد مدح الله تعالى الملائكة فوصفهم بأنهم کرام. قال تعالى: ﴿كِرَامِ بَقَ﴾ [عبس: ١٦]. فهم کرام على الله، كما قال تعالى: ﴿بَلّ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. وهم أبرار أطهار لا يقارفون ذنبًا، ولا يجترحون إثمًا، كما قال سبحانه: (١) المفردات، الراغب ص٤٧٣. ٢٥٠ جوبيـ النفسية القرآن الكريم قَضوري