Indexed OCR Text
Pages 21-38
المرض المشقة عليهم، ویهون الخطر الذي يتمثلونه غولا تفغر فاها لتلتهمهم ويكتب لهم إحدى الحسنين: النجاة والنصر، أو الاستشهاد والجنة، هذا هو الأولى، وهذا هو الزاد الذي يقدمه الإيمان فيقوي العزائم ويشد القوائم، ويذهب بالفزع، ويحل محله الثبات والاطمئنان))(١). ٨. التشكيك في الغيبيات. القرآن الكريم التشكيك في الغيبيات. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْصَبَ النَّارِ إِلََّ مَلَئِكَةٌ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَنَاْ وَلَا يَرَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمُنَّ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِم ◌َّرٌَ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهْذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَلَهُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءٌ وَمَا يَقْلَمُ جُودَ رَيِّكَ إِلَّهُوَّ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾ [المدثر: ٣١]. أخبر الله سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه خمس حكم: فتنة الكافرين، فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم، وقوة يقين أهل الكتاب، فيقوى يقينهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم من غير تلق من رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، فتقوم الحجة على معاندهم، وينقاد للإيمان من يريد الله أن وهذا كالجواب للخبيث أبي جهل؛ لقوله: (١) في ظلال القرآن ٣٢٩٦/٦. يهديه منهم، وزيادة الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به، وانتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال تصديقهم به، وحيرة الكافر ومن في قلبه مرض، وعمى قلبه عن المراد بذلك، فيقول: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [البقرة: ٢٦]. والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد من أعراض مرض الشبهات التي ذكرها العجيب، وأي معنى أراد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين، وغرضهم إنكاره أصلًا وأنه ليس من عند الله وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص، وهذه الآية من الإخبار بالغيب قبل الوقوع فهي من معجزاته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أعلم بإعلام الله إياه بأنه سيكون منافقون يرتابون في هذا القرآن ويشككون فيه، لأن هذه السورة مكية بالاتفاق ولا يوجد زمن نزولها منافقون، والنفاق ظهر بالمدينة. ولهذا جاء الفعل بلفظ المستقبل، ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلما أضل الله منكري عدد الخزنة ﴿يُضِلُّ ◌َلهُ مَن يَشَآءُ﴾ من غيرهم ممن اقتفى آثار الكفر وأعرض عن الإيمان ﴿وہہْدِی مَن يَشَآءُ﴾ ممن آمن به وصدق رسله ﴿وَمَا يَعَُّ جُدَ رَيِّكَ﴾ الذين من جملتهم خزنة جهنم ﴿لَّهُوَ﴾ وحده؛ لأن ملائكته لا يحصون، ((ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر)) أي: له www. modoee.com ٣٣٧ حرف الميم أعوان كثيرون لا يعلمهم إلا الله، فكما أن مرة أخرى. مقدراته غير متناهية فكذلك جنوده، وإن الواحد منهم کاف لخراب الدنیا بما فيها (١). ثانيًا: الوقاية منه: إن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هما السبيل الوحيد للوقاية من مرض الشبهات وغيرها من الأمراض، وذلك أنهما يوضحان جميع الشبهات وينبهان عليها ويفضحان أصحابها، ويحذران المؤمنين من خطر الوقوع فيها، ويعملان على الوقاية منها قبل وقوعها. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: ٨٢]. أي: وننزل عليك أيها الرسول من القرآن ما به يستشفى من الجهل والضلالة، وتزول أمراض الشدة والنفاق، والزيغ والإلحاد، وهو أيضا رحمة للمؤمنين الذين يعملون بما فيه من الفرائض، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه، فيدخلون الجنة، وينجون من العذاب، والشفاء: أن تعالج داءً موجودًا لتبرأ منه، والرحمة: أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم معاودة المرض (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٦٥٢/٤، مدارك التنزيل، النسفي ٥٦٦/٣، بيان المعاني، العاني ١/ ١١٠، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن القيم ١٤/١. فالرحمة وقاية، والشفاء علاج، إذن ففي القرآن شفاء ورحمة، أي: وقاية وعلاج، والذي يلتزم بمنهج القرآن لا تصيبه الداءات الاجتماعية والنفسية أبدًا، والذي تغفل نفسه وتشرد منه يصاب بالداء الاجتماعي والنفسي، فإن عاد إلى منهج القرآن فهو يشفى من أي داء. وما دام القرآن كذلك فمن عمل بمنهجه فإنه يقيه كل أمراض النفاق والشبهات والأهواء التي تصيب القلوب، وفيه الثواب العظيم من الله تعالى، الثواب الخالد في نعيم دائم ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا لأنهم كلما سمعوا آية منه ازدادوا بعدًا عن الإيمان وازدادوا كفرًا بالله؛ لأنه قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، كما قال ﴿قُلٌ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدِّى سبحانه: وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَّ أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانِمٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال جل في علاه: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِإِيمَنَا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَمَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمِ مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ ١٢٤ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥](٢). ١٢٥ (٢) انظر: تفسير المراغي ٨٦/١٥، تفسير ٣٣٨ جَوَسُوعَةُ النفسية القرآن الكريم المرض ثالثًا: عاقبته: إن مرض الشبهات من أخطر الأمراض التي تصيب القلوب ويعسر علاجها، إلا من يتغمده الله تعالى برحمته ولطفه، وقد نبه الله تعالى على عاقبة هذا المرض بقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم قَرَشُ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضَّاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُّهُ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ [البقرة: ١٠]. ومرض القلب: هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته، فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار، وصحته أن یکون عارفا بالحق محبًا له مؤثرًا له على غيره. فهو في ازدياد مستمر حتی یدمر صاحبه، إذ لولا تدنس فطرتهم لازدادوا بما من الله تعالى به على المؤمنين شفاء، وإنما عدى سبحانه الزيادة إليهم لا إلى القلوب فلم يقل فزادها إما ارتكابا لحذف المضاف- أي: فزاد الله قلوبهم مرضا- أو إشارة إلى أن مرض القلب مرض لسائر الجسد، أو رمزًا إلى أن القلب هو النفس الناطقة ولولاها ما كان الإنسان إنسانًا، وإعادة مرض منكرا لکونه مغايرا للأول ضرورة أن المزید یغاير الشعراوي ٦/ ٣٦٥٥. المزید علیه(١). ومعنى قوله سبحانه: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أي: إن تلك الأخلاق الذميمة الناشئة عن النفاق والملازمة له كانت تتزايد فيهم بتزايد الأيام؛ لأن من شأن الأخلاق إذا تمكنت أن تتزايد بتزايد الأيام حتى تصير ملكات، وإنما كان النفاق موجبًا لازدياد ما يقارنه من سيئ الأخلاق؛ لأن النفاق يستر الأخلاق الذميمة فتكون محجوبة عن الناصحين والمربين والمرشدين، وبذلك تتأصل وتتوالد إلى غير حد، فالنفاق في كتمه مساوئ الأخلاق بمنزلة كتم المريض داءه عن الطبيب (٢). والمراد بقوله جل جلاله: ﴿فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ الإخبار بأنهم كذلك بما يتجدد لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النعم، ويتكرر له من منن الله الدنيوية والدينية، وإنما أسندت زيادة مرض قلوبهم إلى الله تعالى مع أن زيادة هاته الأمراض القلبية من ذاتها؛ لأن الله تعالى لما خلق هذا التولد وأسبابه، وكان أمرًا خفيًا نبه الناس على خطر الاسترسال في النوايا الخبيثة والأعمال المنكرة، وأنه من شأنه أن يزيد تلك النوايا تمكنا من القلب فيعسر أو يتعذر الإقلاع عنها بعد تمكنها، وأسندت تلك الزيادة (١) انظر: روح المعاني، الألوسي ١/ ١٥١. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٩/١. www. modoee.com ٣٣٩ حرف الميم إلى اسمه تعالى؛ لأن الله تعالى غضب علیهم فأهملهم وشأنھم، ولم يتدارکھم بلطفه الذي يوقظهم من غفلاتهم؛ لينبه کما أخبر الله تعالی المنافقين والمرضى والمرجفين أنهم إذا لم ينتهوا عن أعمالهم الخبيثة والقبيحة بعد أن فضحهم وأنذرهم، فإن عاقبة ذلك عليهم سيكون طردهم من المدينة، وإهدار دمائهم، وقتلهم بلا هوادة ولا رحمة ولا تسامح. گین لَّمْ قال جل في علاه: يَهِ الْمُنَفِقُونَ وَلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْحِفُونَ فِىِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ ٦١ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٦٠-٦٢]. أمر بتطهير البيئة المسلمة من الأخلاق التي تلوث المجتمع المسلم، فمعنى (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٩٢/١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ١٩٧، فتح القدير، الشوكاني ٤٩/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٩/١. ﴿لَنُغْرِيَّكَ بِهِمْ﴾ أي: نسلطك عليهم، ونغريك بمواجهتهم والتصدي لهم، فكأن هذه المواجهة صارت أمرًا محبوبًا يغرى المسلمين إلى خطر أمرها وأنها مما يعسر به؛ لأنها ستكون جزاء ما فزعوك وأقلقوك، إقلاع أصحابها عنها؛ ليكون حذرهم من معاملتهم أشد ما یمکن، والأليم: المؤلم، أي: الموجع، و ((ما)) في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُهُ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ مصدرية أي: بتکذیبھم للرسل(١). ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيَهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: في المدينة، وكلمة: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يمكن أن یکون المعنی: قليل منهم، أو قليل من الزمن ريثما يجدوا لهم مكانًا آخر، يرحلون إليه مشيعين بلعنة الله. مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا﴾ والملعون: المطرود من رحمة الله، أو مطرودون من المدينة بعد أن كشف الله دخائل نفوسهم الخبيثة، وهو مستعمل هنا كناية عن الإهانة والتجنب في المدينة، أي: يعاملهم المسلمون بتجنبهم عن مخالطتهم، ويبتعدون هم من المؤمنين اتقاء ووجلا فتضمن أن يكونوا متوارين مختفين؛ خوفا من بطش المؤمنين بهم حيث أغراهم النبي صلى الله عليه وسلم. ففي قوله: ﴿مَّلْعُونِينَ﴾ إيجاز بديع؛ لذلك طردهم رسول الله من المسجد؛ لأنهم كانوا من خبثهم ولؤمهم يدخلون المسجد، بل ويصلون في الصف الأول، يظنون أن ذلك يستر نفاقهم، لكن رسول الله صلی الله عليه وسلم كان يطردهم بالاسم: یا فلان، یا فلان، فکان صلی الله عليه وسلم یعرفهم، ولم لا وقد قال الله تعالى له: ﴿وَلَوْ ٣٤٠ لِلْقُرآن الكَرِيمِ المرض نَشَآءُ لَأَرْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَّهُمْ بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِّ وَاللّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ ﴾ [محمد: ٣٠] (١). ومعنى ﴿أَیْنَمَا ثُقِفُواْ﴾ أي: وجدوا ﴿أَخِذُواْ﴾ أي: أسروا ﴿وَقُتِّلُواْ نَفْتِيلًا﴾ ولاحظ المبالغة في قوله: ﴿وَقُتِلُواْ والتوكيد في قوله: ﴿تَفْتِيلًا﴾ يعني: اقتلوهم بعنف، ولا تأخذكم فيهم رحمة جزاء ما ارتكبوه في حق الإسلام والمسلمين؛ ولأن المنافق الذي طبع على النفاق صارت طبيعته مسمومة ملوثة لا تصفو أبدًا، فالنفاق في دمه يلازمه أينما ذهب، ولا بد أن ينتهي أمره إلى الطرد من أي مكان يحل فيه. وبهذا الوعيد انكف المنافقون عن أذاة المسلمين وعن الإرجاف فلم يقع التقتيل فيهم، إذ لم يحفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل منهم أحدًا، ولا أنهم خرج منهم أحد، وهذه الآية ترشد إلى تقديم إصلاح الفاسد من الأمة على قطعه منها؛ لأن إصلاح الفاسد يكسب الأمة فردًا صالحًا، أو طائفة صالحة تنتفع الأمة منها. وفيها الأمر بتأديب هذه الفئات إذا لم تنته عن أذاها وإرجافها بعد الإنذار، وهو الطرد وإهدار الدم والقتل دون هوادة وتسامح، وحكمها عام شامل ومستمر، وموكول (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٠/٢٢، تفسير الشعراوي ١٩/ ١٢١٧٧. لأولي الأمر في المسلمين، حيث توجب عليهم سلوك سبيل الشدة في القمع والتنكيل مع من لم يرتدع عن موقف الأذى والدس (٢) والإرجاف؛ لسلامة المجتمع وطمأنينته (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٠/٢٢، تفسير الشعراوي ١٩/ ١٢١٧٧، التفسير الحديث، محمد عزت ٤٢١/٧. www. modoee.com ٣٤١ حرف الميم مرض الشهوات سنتناول في هذا العنوان أعراضه، والوقاية منه، وعاقبته، وذلك فيما يلي: أولًا: أعراضه: تظهر أعراض مرض الشهوات من خلال النقاط الآتية: ١. الاستجابة لأدنی مثير. من أعراض مرض الشهوات التي ذكرها القرآن الكريم الاستجابة لأدنى مثير. قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُونَا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. يخبر القرآن الكريم أن مريض الشهوة وإرادة الفجور، يؤثر فيه أقل شيء من أسباب الافتنان ويوقعه في الفتنة طمعًا أو فعلًا، فكل من أراد شيئًا من معاصي الله فقلبه مریض مرض شهوة، ولو كان صحيحًا لاتصف بصفات الأذكياء الأبرياء الأتقياء الموصوفين بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَبَّنَّهُهِ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهُ إِلَيْكُ اَلْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَاَلْمِصْيَانَ أُوْلَكَ هُمُ الرَّشِدُونَ فَضْلاً مِّنَ اَللَّهِ وَنِعْمَةٌ﴾ [الحجرات:٧- ٨](١). وقوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَِّى فِى قَلِهِ. (١) انظر: القواعد الحسان لتفسير القرآن، السعدي ص٩٥. مَرَضٌ﴾ أي: مرض شهوة الزنا والفجور، والمعنى: لا تقلن قولًا يجد به منافق أو فاجر سبيلا إلى الطمع في موافقتكن به، فإنه مستعد ينظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غیر صحیح، فإن القلب الصحیح، ليس فيه شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تميله ولا تحركه الأسباب؛ لصحة قلبه، وسلامته من المرض، بخلاف مريض القلب الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما یصبر علیه، فأدنی سبب یوجد يدعوه إلى الحرام يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، ﴿وَقُلْنَ قَوْلَا مَّعْرُوفًا﴾ ملؤه الأدب والوقار حسنا في معناه، خشنا في مبناه، مقتصرًا على الجواب الكافي؛ لأن الزيادة ممنوعة كما أن اللين ممنوع، وإنما أمرهن الله بهذا؛ لئلا ينسبن لقلة الأدب وهن منبعه وعنهن يؤخذ(٢). ٢. إشاعة الفاحشة. من أعراض مرض الشهوات التي ذكرها القرآن الكريم إشاعة الفاحشة. ◌َّيِنِ لَّمْ يَنْنَهِ الْمُنَفِقُونَ قال تعالى: وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ اٌلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيَهَا إِلَّا قَلِيلًا ن مَّلْعُونِينٌَ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١]. ٦١ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا (٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٦٩/٣، بيان المعاني، العاني ٥ /٤٧٤، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٣. ٣٤٢ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ المرض الذین فی يخبر تعالي المنافقين قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ وهم أصحاب الشهوة الزناة الذين يتبعون النساء ويتعرضون لهن، ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ﴾ الذين كانوا ينشرون أخبار السوء عن المؤمنين، وقال الكلبي: كانوا يحبون أن يفشوا الأخبار، وأن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أي: لنأمرنك بإخراجهم من المدينة أو بقتالهم ﴿ثُمَّ لا يُحاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ أي: لا يساكنون معك في المدينة وتخلو المدينة منهم بالإخراج أو بالموت ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلا زمانًا يسيرًا(١). ثانيًا: الوقاية منه: وللوقاية من مرض الشهوات أمر الله تعالی نبيه صلى الله عليه وسلم: بأن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين بفعل ما يدفع الإيذاء عنهن في الجملة، من التستر والتميز بالزي واللباس؛ حتى يبتعدن عن الأذى بقدر المستطاع. قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَيِكَ وَيَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيِنَّ مِن جَبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنٌّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. روي أنه لما كانت الحرائر والإماء في المدينة يخرجن ليلاً لقضاء الحاجة في (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٦٤/٨، النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٤٢٤. الغيطان وبين النخيل بلا فارق بين الحرائر والإماء، وكان فى المدينة فساق يتعرضون للإماء وربما تعرضوا للحرائر، فإذا كلموا في ذلك قالوا: حسبناهن إماء، فطلب من رسوله أن يأمر الحرائر أن يخالفن الإماء في الزي والتستر، لِيَتَمايَزْنَ ويُهَيْنَ، فلا يطمع فيهن طامع، كما نهاهن عن الخضوع بالقول عند مخاطبة الرجال الأجانب، وأمرهن بملازمة البيوت، ونهاهن عن التبرج عند الخروج من البيوت لحاجة تستدعي ذلك. وهي تعليمات تؤدي إلى الوقاية من وقوع الفتنة، وما خالفتها النساء في مجتمع إلا فشت فيه الفاحشة. وأرشدهن بعد ذلك إلى ملازمة القول المعروف عند مخاطبة الرجال الأجانب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله صلی الله علیه وسلم، وبین سبحانه أن ذلك الترك لما نهى عنه، والفعل لما أمر به سبب لذهاب الرجس عنهن. قال سبحانه: ﴿يَنِسَآءُ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ أَتَّقَيَتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ﴾ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّجْنَ تَبُّعَ الْجَِهِلِيَّةِ الْأُولِىّ وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِنَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ اَلْرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَبُطَهِرَكُمْ تَطْهِیرًا ٣٣ www. modoee.com ٣٤٣ حرف الميم [الأحزاب: ٣٢-٣٣] (١). إن على المسلمة إذا خرجت من بيتها بدون هوادة واستثناء وتساهل أينما وجدوا، لحاجة أن تسدل عليها ملابسها، بحيث تغطي الجسم والرأس، ولا تبدی شيئًا من مواضع الفتنة كالرأس والصدر والذراعين ونحوها. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْفَجْ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] أي: ذلك التستر أقرب لمعرفتهن بالعفة فلا یتعرض لهن، ولا يلقين مكروها من أهل الريبة؛ احترامًا لهن منهم، فإن المتبرجة مطموع فيها، منظور إليها نظرة سخرية واستهزاء، كما هو مشاهد في كل عصر ومصر، ولا سيما في هذا العصر الذي انتشرت فيه الخلاعة، و کثر الفسق والفجور (٢). ثالثًا: عاقبته: لقد حذر الله تعالى مرضى الشهوات بخطورة هذا المرض عليهم وعلى المجتمع الذي يعيشون فيه، وأنذر فئات المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين في المدينة بأنهم إذا لم ينتهوا عما يبثونه من وساوس ودسائس ويوقعونه من أذى وقلاقل، فإن الله يغري نبيه بهم ويسلطه عليهم ويقدره على طردهم من المدينة مدموغين بدمغة اللعنة مهدوري الدم؛ ليقتلوا قتلا ذريعا وهذه هي سنة الله فيمن مضى من أمثالهم من الأمم وهي السنة التي لا تتبدل في حال. قال تعالى: ﴿﴿ لَّيِنِ لَّمْ يَنْنَدِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِىِ اٌلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا مَّلْعُونِنٌ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ إِلَّا قَلِيلًا (٥) سُنَّةَ اللّهِ فِي الَّذِينَ وَقُتِلُواْ تَفْتِيلًا خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢]. ١٦٢ فهؤلاء المنكوسين مطرودين من باب الله ومن باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومطرودين من أبواب المسلمين، تلاحقهم المذلة في كل مكان جزاء على حرصهم القبيح وحقدهم الدفین ونواياهم الخبيثة في زعزعة المجتمع المسلم وبث روح الانهزام فيه، وهذه هي السنة الجارية على مثل هؤلاء بلا رحمة ولا هوادة ولا تغيير ولا تبديل؛ لابتنائها على الحكمة والمصلحة، ولا يقدر غيره على تغييرها(٣). وقوله تعالى: ﴿﴿ لَّيِن لَّمْ يَنْنَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِىِ اٌلْعَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٦٠]. (١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٦٣/١١، تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٦٦٧. (٢) انظر: تفسير المراغي ٣٧/٢٢. (٣) انظر: تفسير المراغي ٣٨/٢٢، التفسير الحدیث، محمد عزت ٧/ ٤٢٠. ٣٤٤ جَوْسُورَة النفسية القرآن الكريم المض فكل وصف من هذه الأوصاف خطر على المجتمع الإسلامي، سواء إبطان الكفر، أو الفسوق والعصيان، وتتبع النساء للاطلاع على عوراتهن والإساءة لهن بالقول القبيح والفعل الشنيع، أو إشاعة الأكاذيب المغرضة التي تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة، مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم(١). (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٢/ ١١٢. مرض الأبدان تحدث القرآن الكريم عن الأمراض البدنية في النقاط الآتية: أولًا: ابتلاء: أخبر الله تعالى عباده المؤمنين أنه مبتليهم ومختبرهم بشيء من الخوف والجوع ونقص في الأموال والأنفس؛ ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمْرَتِ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ [البقرة: ١٥٥]. بينت الآية أن الدنيا دار بلاء؛ ليعلم المسلمين أن تمام النعمة ومنزلة الكرامة عند الله لا يحول بينهم وبين لحاق المصائب الدنيوية المرتبطة بأسبابها، وأن تلك المصائب مظهر لثباتهم على الإيمان، ومحبة الله تعالى والتسليم لقضائه، فينالون بذلك بهجة نفوسهم بما أصابهم في مرضاة الله ويزدادون به رفعة وزكاء، ويزدادون يقينًا بأن اتباعهم لهذا الدين لم يكن لنوال حظوظ في الدنيا، ويَنْجَرُّ لهم من ذلك رَبَشْر الصَّبرين ثواب؛ ولذلك جاء بعده فمن صبر فله الثواب ومن جزع فله العقاب، ومن أنواع الابتلاء والاختبار ﴿اَلْخَوْفِ﴾ وهو الخوف الذي أصابهم يوم الخندق، حتى بلغت القلوب الحناجر ﴿وَالْجُوع www. modoee.com ٣٤٥ حرف الميم وهو القحط الذي أصابهم، فكان يمضي على أحدهم أيامًا لا يجد طعامًا ﴿وَنَّقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ ﴾ يعني: ذهاب أموالهم، ويقال: موت الماشية ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ يعني: الموت والقتل والأمراض في البدن، ﴿وَالثَّمَرَتِ﴾، يعني الجوائح، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج، ثم ختم الآية بتبشير الصابرين؛ ليدل على أن من صبر على هذه المصائب كان على وعد الثواب من الله تعالى(١). وقال سيد قطب: ((ولا بد من تربية النفوس بالبلاء؛ ومن امتحان التصميم على قال الخازن: ((فإن قلت: ما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء في قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُونَگُم﴾؟ قلت: فيه حكم: معركة الحق بالمخاوف والشدائد، وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف منها: أن العبد إذا علم أنه مبتلى بشيء وطن نفسه على الصبر، فإذا نزل به ذلك العقيدة؛ كي تعز على نفوسهم بمقدار البلاء لم يجزع. ومنها: أن الكفار إذا شاهدوا المؤمنين مقیمین علی دینهم، ثابتین عند نزول البلاء، صابرين له، علموا بذلك صحة الدين، فیدعوهم ذلك إلى متابعته والدخول فيه. ومنها: أن الله تعالى أخبر بهذا الابتلاء قبل وقوعه، فإذا وقع کان ذلك إخبارًا عن غيب فيكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. ومنها: أن المنافقين إنما أظهروا الإيمان (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٩/٣، تفسير السمرقندي ١٠٥/١، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١/ ٥١٧، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٤/٢. طمعًا فى المال وسعة الرزق من الغنائم، فلما أخبر الله أنه مبتلى عباده فعند ذلك تمیز المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب. ومنها: أن الإنسان في حال الابتلاء أشد إخلاصا لله منه في حال الرخاء، فإذا علم أنه مبتلى دام على التضرع والابتهال إلى الله تعالی؛ لینجیه مما عسی أن ینزل به من البلاء»(٢). ما أدوا في سبيلها من تكاليف، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى. فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين، وكلما تألموا في سبيلها، وكلما بذلوا من أجلها كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها، كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم علی بلائها، إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم: لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيرًا مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا (٢) لباب التأويل ٩٤/١. صَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة الْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٤٦ المرض هذا البلاء، ولا صبروا عليه، وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها، مقدرين لها، مندفعین إليها، وعندئذ يجيء نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجًا. ولا بد من البلاء كذلك؛ ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فالشدائد تستجيش مكنون القوى، ومذخور الطاقة، وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد، والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون، والران عن القلوب. وأهم من هذا كله، أو القاعدة لهذا كله، الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأَسْنَادُ کلها، وتتوارى الأوهام وهي شتى، ويخلو القلب إلى الله وحده، لا يجد سندا إلا سنده، وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات، وتتفتح البصيرة، وينجلي الأفق على مد البصر، لا شيء إلا الله، لا قوة إلا قوته، لا حول إلا حوله، لا إرادة إلا إرادته، لا ملجأ إلا إليه، وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصور صحيح))(١). (١) في ظلال القرآن ١/ ١٤٥. ثانيًا: التخفيف والتيسير في الأحكام الشرعية: ذكر القرآن الكريم أن الأمراض البدنية سبب من أسباب التخفيف والتيسير في الأحكام الشرعية. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَعْلِّقُواْ رُهُ وسَكُمْ حَّ بَتَلُغَ الْهَدّىُ عِلَّهُ، فَن كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ: أَذَّى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كُنُم تَرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِنَ الْغَايِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. بينت الآيات أن الفطر مباح للمريض؛ لعذر المرض، والمسافر؛ طلبا لحفظ صحته وقوته؛ لئلا يذهبه الصوم في السفر، لاجتماع شدة الحركة وما يوجبه من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة وتضعف، فأباح للمسافر الفطر حفظا لصحته وقوته عما يضعفها، وللمريض حالتان: إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة كان رخصة، وبهذا قال الجمهور، وأباح للمريض ومن به أذى من رأسه من قمل أو حكة أو غيرهما، أن يحلق رأسه في الإحرام(٢). (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٠٧/١، www. modoee.com ٣٤٧ حرف الميم هو مسافة قصر الصلاة الرباعية، وقدره ستة عشر فرسخًا أو ثمانية وأربعون ميلًا هاشمية، أو مسيرة يومين معتدلين أو مرحلتين بسير الأثقال ودبيب الأقدام، والبحر کالبر، وقدروها بحوالي (٨٩) كم، وعند الحنفية: هو قدر ثلاث مراحل أو أربع وعشرين فرسخًا، أو مسیرة ثلاثة أيام سیرًا وسطًا، وهو سير الإبل، والأقدام في البر، وسير السفن الشراعية في البحر، ويكتفون بسیر معظم الیوم، وقدروه ب (٩٦) کم. والحق أن ما صدق عليه مسمى السفر فهو الذي يباح عنده الفطر، وهكذا ما صدق عليه مسمى المرض فهو الذي يباح عنده الإفطار، وقد وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة واختلفوا في الأسفار المباحة- والحق أن الرخصة ثابتة فيها- وكذا اختلفوا في سفر المعصية وليس في الآية أعني قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ما يدل على وجوب التتابع في القضاء (١). وقوله سبحانه: ﴿فَنگانَمِنكُمْ فَييضًا أَوْ پِهِ» أَذَّى مِّن رَأْسِهِ﴾ المراد مرض يقتضي الحلق محاسن التأويل، القاسمي ٤٤/٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٢٢٤، أضواء البيان، الشنقيطي ٣٩/٥، الإعجاز البياني للقرآن، بنت الشاطئ ص ٥٧٨. (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١ / ٢٠٧، نيل المرام، محمد صديق ص ٣٣، التفسير المنير، الزحيلي ١٣٦/٢. والسفر المبيح للإفطار عند الجمهور: سواء كان المرض بالجسد أم بالرأس، وقوله جل وعلا: ﴿أَوْ بِدِ= أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ﴾ كناية عن الوسخ الشديد والقمل؛ لكراهية التصريح بالقمل، وكلمة (من) للابتداء، أي: أذی ناشئ عن رأسه، وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة والنسك. فعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: (كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل یتناثر على وجهي، فقال: (ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة) ؟ قلت: لا. فنزلت الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ قال: (هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعامًا لكل مسكين)(٢)(٣). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب الإطعام في الفدية نصف صاع، رقم ١٨١٦، ١٠/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية لحلقه، وبيان قدرها، رقم ٢،١٢٠١ / ٨٦١. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٨/١، فتح القدير، الشوكاني ٢٠٧/١، محاسن التأويل، القاسمي ٤٤/٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٢٢٤، أضواء البيان، الشنقيطي ٣٩/٥، الإعجاز البياني للقرآن، بنت الشاطئ ص ٥٧٨. ٣٤٨ جوسين القرآن الكريم المرض الشفاء من الأمراض سيشتمل هذا العنوان على حكمة إسناد الشفاء إلى الله تعالى، وأدوية قرآنية، وذلك خلال ما يلي: أولًا: حكمة إسناد الشفاء إلى الله تعالى: أسند الشفاء إلى الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ أَّ ٨٠ [الشعراء: ٨٠] لسببين هما: الأول: لو جاء والذي يطعمني ويسقين، وإذا مرضت يشفين؛ لكان معلومًا أن مراده اللهتعالی، وذکر (هو ) تو کیدا لمعنى الكلام، وتخصيص الفعل به دون غيره، واحتاج ذكر الإطعام والشفاء إلى هذا التوكيد؛ لأنهما مما يدعي الخلق فعله، فيقال: فلان يطعم فلانًا، والطبيب يداوي، ويسبب الشفاء، فكانت إضافة هذين الفعلين إلى الله تعالى محتاجة إلى لفظ التوكيد؛ لما يتوهم من إضافته إلى المخلوق إلى ما لا يحتاج إليه (١). الثاني: لأنه كان في معرض الثناء على الله تعالی وتعدید نعمه، فأضاف إليه الخير (١) انظر: درة التنزيل وغرة التأويل، الخطيب الإسكافي ١/ ٩٦٧، أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، الرازي ص ٣٧٣، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١/ ٣٤٧، بدائع الفوائد، ابن القيم ٢١٥/٢، الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن حجر ١٧٨/١. المحض حفظًا للأدب وإن كان الكل مضافٌ إليه، ونظيره قول الخضر عليه الصلاة والسلام: ﴿فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِيْبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا ﴾ [الكهف: ٨٢](٢). ثانيًا: أدوية قرآنية: ١. القرآن. إن القرآن الكريم شفاء ورحمة. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَّ وَلَا يَزِيدُ اُلفَّكَلِمِينَ إِلََّ خَسَارًا ﴾ [الإسراء: ٨٢]. أي: يستشفى به من الجهل والضلالة، ويذهب ما في القلوب من الأمراض من الشك والنفاق والشرك والزيغ والميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان، والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه یکون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدًا وكفرًا، والآفة من الكافر لا من القرآن، والشفاء: أن تعالج داءً موجودًا لتبرأ منه، والرحمة: أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم معاودة المرض مرة أخرى، فالرحمة وقاية، والشفاء علاج، وما دام القرآن كذلك فمن (٢) انظر: المصادر السابقة. www. modoee.com ٣٤٩ حرف الميم عمل بمنهجه فإنه يقيه كل أمراض النفاق بالتصديق أولًا، ثم باليقين ثانيًا، ثم بالعيان ثالثًا. والشبهات والأهواء التى تصيب القلوب، وفيه الثواب العظيم من الله تعالى، الثواب الخالد في نعيم دائم (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزِيدُ الفَّكْلِمِينَ إِلَّ خَسَارًا﴾ لأنهم كلما سمعوا آية منه ازدادوا بعدا عن الإیمان وازدادوا کفرا بالله؛ لأنه قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، كما قال سبحانه: ﴿قُلّ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَّ أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال جل وعلا: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتَكُمْ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: ٥٧]. أي: دواء للقلوب من أمراضها التي هي أشد من أمراض الأبدان، كالشك والنفاق والحسد والحقد وأمثال ذلك، بتعليم الحقائق والحكم الموجبة لليقين، والتصفية والتهيء لتجليات الصفات الحقة ﴿وَهُدِّى﴾ لأرواحكم إلى الشهود الذاتي ﴿وَرَحْمَةٌ ﴾ بإفاضة الكمالات اللائقة بكل مقام من المقامات الثلاثة بعد حصول الاستعداد في مقام النفس بالموعظة، ومقام القلب بالتصفية، ومقام الروح بالهداية للمؤمنين (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٢/٥، تفسير المراغي ٨٦/١٥، تفسير الشعراوي ٠٨٧١٢/١٤ وذكر بعضهم الموعظة للمريدين، والشفاء للمحبين، والهدى للعارفين، والرحمة للمستأنسين، والكل مؤمنون إلا أن مراتب الإيمان متفاوتة، والخطاب في الآية لهم، وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر، ويقال: إنه سبحانه بدأ بالموعظة لمريض حبه؛ لأنها معجون الإسهال شهواته، فإذا تطهر عن ذلك يسقيه شراب ألطافه، فيكون ذلك شفاء له مما به، فإذا شفي يغذيه بهدايته إلى نفسه، فإذا كمل بصحبته يطهره بمياه رحمته من وسخ المرض ودرن الامتحان. ووصف الله تعالى القرآن بأنه شفاء ولم يصفه بأنه دواء؛ لأن الشفاء هو ثمرة الدواء والهدف منه، أما الدواء فقد یفید وقد يضر فكان وصف القرآن بأنه شفاء تأكید، وأي تأكيد لثمرة التداوي به(٢). وجاء من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتکی یقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ علیه وأمسح بيده (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٢/٥، تفسير المراغي ٨٦/١٥، تفسير الشعراوي ١٤/ ٨٧١٢، روح المعاني، الألوسي ١٦٥/٦، دراسات في علوم القرآن، فهد الرومي ص ٥٩. جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِنَّ القرآن الكريم ٣٥٠ المرض رجاء بركتها)(١). قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. ((وفي القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان، في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل القلب بالله، فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن ويرضى، فيستروح الرضا من الله الاجتماعي وعدالته الشاملة في سلامة وأمن والرضا عن الحياة، والقلق مرض، والحيرة وطمأنينة، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين(٢). ٢. العسل. نصب، والوسوسة داء، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين. وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان، وهي من آفات القلب تصيبه بالمرض والضعف والتعب، وتدفع به إلى التحطم والبلى والانهيار، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين. وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير، فهو يعصم العقل من الشطط، ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة، ويكفه عن إنفاق طاقته فيما لا (١) أخرجه البخاري رقم ٥٠١٦، ١٩٠/٦ كتاب فضائل القرآن، باب فضل المعوذات، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث، رقم ٢١٩٢، ٠١٧٢٣/٤ يجدي، ويأخذه بمنهج سليم مضبوط، يجعل نشاطه منتجًا ومأمونًا، ويعصمه من الشطط والزلل. وكذلك هو في عالم الجسد ينفق طاقاته في اعتدال بلا كبت ولا شطط، فيحفظه سليمًا معافى، ويدخر طاقاته للإنتاج المثمر، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين، وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء الجماعات، وتذهب بسلامتها وأمنها وطمأنينتها، فتعيش الجماعة في ظل نظامه ذكر القرآن الكريم الدواء في العسل، قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ أَخِذِى مِنَ الْبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِنَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ كُلِى مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَأَسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسُِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَّةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ [النحل: ٦٨ - ٦٩]. بينت الآية أن العسل فيه شفاء للناس؛ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، کما أن کل دواء كذلك، وتنکیره إما لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن (٢) في ظلال القرآن ٢٢٤٨/٤. www. modoee.com ٣٥١ حرف الميم فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل. وعن أبي سعيد رضي الله عنه: (أن رجلا أتی النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتى الثانية، فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتاه الثالثة فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: (صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا) فسقاه فبرأ(١) (٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب الدواء بالعسل، رقم ٥٦٨٤، ١٢٣/٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب التداوي بسقي العسل، رقم ٢٢١٧، ٠١٧٣٦/٤ (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٦١٩/٢، مدارك التنزيل، النسفي ٢٢٢/٢. أثر انتشار الأمراض في المجتمع لم يقتصر سوء خلق المنافقين على أنفسهم وتكوينهم القبيح، وإنما تعدى ضررهم وقبح أخلاقهم إلى المجتمع، بقصد هدم بنيته وتقويض وجوده من طريق ترويج الرذيلة والمنكر، ومحاربة الفضيلة والمعروف. قال الله تعالى مبينًا تحركات المنافقين في هدم القيم الإنسانية: ﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ ٦٧ اَلْفَسِقُونَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَاْ هِيَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ ٦٨ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَقْوَالًا وَأَوْلَدًا فَأُسْتَمْتَعُواْ بِتََّقِهِمْ فَأُسْتَمْتَعْتُم بِخَلَفِكُمُ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ مِخَلَقِهِمْ وَخُضٌْ كَلَّذِى خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٩]. ٦٩ ومطلع الآيات إخبار وحكم من الله تعالى بأن المنافقين والمنافقات بعضهم يشبه بعضًا في الحكم والمنزلة من الكفر، وفي صفة النفاق والبعد عن الإيمان، وفي ٣٥٢ القرآن الكريم المرض الأخلاق والأعمال، فهم سلالة خبيثة أن يتحمل مسؤوليته بالعمل على إصلاح المجتمع، وإزالة الفساد منه على قدر طاقته یأمرون بهدم قیم المجتمع، یأمرون الناس بالمنکر: وهو ما أنکرہ الشرع ونھی عنه، واستقبحه العقل السليم والعرف الصحيح، كالكذب والخيانة ونقض العهد وخلف الوعد. ووسعه مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿ وَاَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَّرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ أمر به الشرع وأقره العقل والطبع السليمان کالجهاد وبذل المال في سبيل الله، وأهل النفاق أيضا قوم بخلاء، یقبضون أيديهم عن الإنفاق لمصلحة عامة أو عن الجهاد، وعن کل ما يرضي الله، ونسوا ذكر الله، وأغفلوا تکالیف الشرع، مما أمر الله به ونھی عنه، فنسیهم الله، أي: جازاهم بمثل فعلهم، وعاملهم معاملة المنسيين، بحرمانهم من لطفه ورحمته، والنفاق أقتل داء يصيب المجتمع الإنساني، فإذا تفشى هذا الداء الخبيث في جماعة من الجماعات فسد وجودها، وضل سعيها، وغشيتها أمواج الفتن، واشتملت عليها عواصف العداوة والبغضاء! وماذا يرجى من جماعة تتعامل فيما بينها بالرياء والنفاق، فيضيع في محيطها المفهوم الحقيقي للغة، وتصبح الكلمات لديها عملة زائفة، يتداولها الناس كما يتداولون الأشياء المسروقة؟ وينهون الناس عن المعروف: وهو كل ما اُللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَنٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١-٧٢]. المؤمنون نقيض المنافقين يأمرون بالمعروف الذي أقره الشرع، وهو عبادة الله وتوحيده وتوابع ذلك، لا بالمنکر الذي نھی عنه الشرع، وینهون عن المنکر الذي يفسد ويضر، ويمزق ويفرق بين الأخ وأخيه، وهو عبادة الأوثان وتوابعها، ويقيمون الصلوات الخمس المفروضة على الوجه الأكمل بقلوب خاشعة، وعقول واعية، وأفئدة ذاكرة، ويؤتون الزكاة الواجبة مع التطوع بالصدقات والنوافل لتحسين أوضاع المجتمع وترقية أحواله، ويطيعون الله ورسوله في جميع المأمورات والمندوبات. أولئك الموصوفون بهذه الصفات الجليلة، ستغمرهم رحمة الله وفضله في وواجب الفرد المسلم تجاه كل هذا الدنيا والآخرة، والتعبير بالسين في قوله www. modoee.com ٣٥٣ حرف الميم تعالى: ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾، إعداد النفوس للتهيؤ والتنعم برجاء الله والثقة بوعده وفضله، ووعد الله ناجز، والله متكفل پإنجازه، والله قوي لا یغلب، ولا يمتنع علیه شيء من وعد ولا وعید، حکیم یضع الأمور في موضعها المناسب على وفق العدل والحكمة والصواب(١). إن المنافقين قوم برزوا في إظهار مرض القلب الذي ينشأ عنه كل إثم وفسوق وعصيان، وخاصة تتبع النساء والتعرض لهن بالسوء، وإغرائهن على الفاحشة، وفيهم قوم برزوا في الإرجاف وإذاعة السوء، وإذاعة الأكاذيب التي تفت في عضد الجماعة، وتقتل فيهم روح الإقدام، وکانوا ينتهزون فرص الحرب والقتال، فیذیعون کل ضار ومفسد (٢). * لَيْنِ لَّمْ يَنْتَهِ الْمُنَفِقُونَ وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضْ وَالْمُرْجِفُونَ فِىِ اٌلْعَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٦٠]. فكل وصف من هذه الأوصاف خطر على المجتمع الإسلامي، سواء إبطان الكفر، أو الفسوق والعصيان وتتبع النساء للاطلاع (١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٩٣٢/٣، التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٨٨٤، ٨٨٧. (٢) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي ١١٨/٣. على عوراتهن، والإساءة لهن بالقول القبيح والفعل الشنيع، أو إشاعة الأكاذيب المغرضة التي تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة، مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم(٣). ويلاحظ أيضًا أن الأوصاف الثلاثة: وهي النفاق، ومرض القلب، والإرجاف موجودة كلها في المنافقين، وهم خطر على الأمة في عقيدتها، وفي سلمها وحربها، فهم كالسوس ينخر في جسم الأمة، وهم في السلم جرثومة فتك وأداة تخريب وتفريق، وفي الحرب أداة إضعاف وإشاعة السوء، وزعزعة المقاتلين، وهم في الواقع عون للأعداء على المسلمين، مما يجب التخلص منهم، وعقابهم أشد العقاب. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْنَفِقِينَ فِى الدَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ١٤٥ [النساء ١٤٥](٤). موضوعات ذات صلة: الضعف، النفاق، الوهن (٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١١٢/٢٢. (٤) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ٢٠٨٨/٣. ٣٥٤ جوسين القُرآن الكَرِيْمِ