Indexed OCR Text
Pages 41-51
ـع وقد دعا القرآن الكريم إلى السعي في كسب العيش والأخذ بالأسباب المعينة على ذلك. قال تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَكِهَا وَكُواْ مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. وهيأ الله عز وجل الحياة لطلب العيش ويسر لذلك السبل. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّتَكُمْ فِى الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَرُّ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]. وما على العبد إلا أن يسير ويسلك السبل، ويطرق أبواب الرزق. وسعى الإسلام إلى تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فإن الغنى الفاحش يقابله فقر مدقع، كما هو الحال الآن في ظل النظام الرأسمالي المجحف المبني على الجشع والاستغلال، والقهر والإذلال، والتحرر من كل القيم الإنسانية والأخلاق والآداب الكريمة. قال تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَفَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اَلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَآ ءَاتَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. وصححه الألباني في الإرواء ٣٥٦/٣. حتى لا يكون المال حكرًا على الأغنياء يتداولونه وحدهم فيما بينهم، ويستأثرون بالمغانم دون الفقراء والمساکین، كما كان في الجاهلية وكما هو الحال في ظل النظم الجاهلية الوضعیة، فکم ینتج عنه من مفاسد وشرور وأحقاد وضغائن! بل يجب أن يدور المال دورته الطبيعية كما تدور الدماء في الجسم، حیث یضخه القلب فیصل إلی کل شريان وعرقٍ وخلية وعضوٍ بقدر حاجته. ثانيًا: الجهل: الجهل داء عضال وخطر داهم وآفةٌ مهلكةٌ؛ فالجاهل لا يميز بين الغث والسمين، ولا يفرق بين المنكر والمعروف، وشفاء الجهل طلب العلم والعمل به، علم الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ [الروم: ٦-٧]. فمن مظاهر الجهل الغفلة عن السنن الربانية التي تضيء معرفتها للمسلم طريقه، وتزيده وعيًا وحكمةً وبصيرة، والجهل يورث الفقر، ويفضي إلى التأخر والتخلف عن ركب الحضارة، كما يؤدي إلى الوقوع في المنكرات، والخلط بين المفاهيم، واختلال موازين القيم، حتى يرى الجاهل www. modoee.com ٤٧ حرف الميم الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا. يصدهم غرورهم ويمنعهم كبرهم وتجبرهم تدبر في حال قوم نوح عليه السلام وحرصهم على المال والجاه. ومقالتهم وجوابه على مزاعمهم بما يفند جهلهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿ أَنْ لَّا نَقَبُدُوّا إِلَّا اللَّهُ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِمٍ ) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَا نَرَتِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَافِلْنَا بَادِىَ الرَِّ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلّ نَظْتُكُمْ كَذِيِينَ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ أَرَبَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّنِ زَِّ وَءَانَنِى رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْلِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ ◌َّا كَلِهُونَ * وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ وَمَآ أَنَا بِطَارِهِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُلَقُواْ رَبِهِمْ وَلَكِنِّى أَرَئِكُتْ قَوْمًا ◌َجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٥-٢٩]. فالجهل يؤدي إلى اختلاط المفاهيم وانقلاب الموازين وانحراف المعايير حتى يقيس الأمور بغير مقياسها، فقد اعترضوا علی بشرية الرسول مع عبادتهم لأحجارٍ من دون الواحد القهار، واعترضوا على اتباع نوح وطعنوا في دعوته بحجة أنه لم يستجب له إلا الضعفاء، وتلك سنة الدعوات أن أول من يلبي نداءها الفقراء والعبيد والضعفاء لما يعقدونه من آمال في التحرر، بينما ينصرف عنها كثير من الأغنياء والأقوياء، والجهل يفضي إلى الوقوع في المنكرات والضلالات كما وقع لقوم لوط. قال تعالى: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ» أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) أَيِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٤-٥٥]. وصفهم بالجهل وهو الطيش والسفه الذي يدفع صاحبه إلى ارتكاب المنكر، دون إدراكٍ لأخطاره أو تحسبٍ لأضراره، كذلك الجهل المنافي للعلم؛ إذ لا يفعل هذه الموبقات إلا الجهال بخطرها وعاقبتها، أو نفى العلم عنهم وإن علموا بقبحها وسوء عاقبتها؛ لأن علمهم لم ينفعهم ولم يدفعهم عن هذا الجرم، فاضحی لا قيمة له، فهو بمثابة الجهل، والتعبير بالفعل المضارع مع مناسبته للفاصلة فيه دلالة على مضيهم في جهلهم وإصرارهم عليه، حتى إن الأيام لا تزيدهم إلا جهالة وضحالة، فهم في انحطاطٍ وتردًّ. وكما حدث لبني إسرائيل عندما نجاهم الله تعالى من فرعون وجنوده فقال: ﴿وَجَزْنَا بِبَنِىَ إِسْرَّهِيلَ اَلْبَحْرَ فَأَتَوَأْ عَلَى قَوْمٍ يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨]. ٤٨ جوبيهـ القرآن الكريمِ أي «تجهلون عظمة الله وجلاله وما ثالثًا: الأمراض: یجب أن ینزه عنه من الشریك والمثیل»(١)؛ ((إذ لا يقول هذا القول في الله إلا من جهل قدر الله، ولم يعرف ما لله من كمال وجلال))(٢). ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبَّرُ مَّا هُمْ فِيهِ وَيَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. ومع كثرة وسائل المعرفة وتقدمها بما يسهل سبل تحصيل العلم والمعرفة إلا أن هذه التقنيات لا تزيد كثيرًا من الناس إلا جهالة وسفهًا؛ نظرا لغواية وكيد القائمين عليها المهيمنين على وسائل الاتصال والمعرفة، مما ينعكس سوءًا على أفكار الناس وسلوكهم، فضلًا عن انتشار الجهل المركب بين حملة الشهادات العالية وبين من يدعي الثقافة، فترى جهلاً جهولاً في كلامهم وأحکامهم، ناهيك عن سلو کھم. عن أنس رضي الله عنه قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكم أحدٌ بعدي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا) الحديث (٣). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٦/٢. (٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٤٧٢/٥. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، رقم ٨١. مما يترتب على الجهل والفقر كثرة الأمراض وانتشار الأوبئة، وفي عصرنا هذا مع التقدم في مجال الطب وكثرة كليات الطب والمستشفيات إلا أن ثمة أمراضاً منتشرة في المجتمعات الإسلامية بسبب سوء التغذية والتلوث البيئي والقصور في الجانب الوقائي، وغياب الوعي، والتقصير في جانب التربية مما يؤدي إلى الإهمال والفوضى والغش ويساهم في انتشار الأوبئة، وغير ذلك مما يرجع إلى تعطيل شرائع الإسلام التي جاءت بالخير والإحسان والعافية. ولقد جاء القرآن بما فيه شفاء الأرواح والأبدان، وكذلك السنة النبوية استخلص منهما العلماء والحكماء معاجم للطب والدواء، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّكَلِمِينَ إِلََّّ خَسَارًا [الإسراء: ٨٢]. وقد أشار القرآن إلى ضرورة التوقي بالنظافة والتغذية المفيدة، وتحري الأدوية الناجعة، ونوه بكثير من الأطعمة النافعة، وأشار إلى جملة منها كعسل النحل. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى الَّْلِ أَنْ أَّخِذِى مِنَ الْبَالِ بُونًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ كُلِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ فَأَسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلْلًا يَخْرُجُ www. modoee.com ٤٩ حرف الميم مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. لِّلنَّاسِنَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: ٦٨-٦٩]. وكل شرائع الإسلام من وضوء وغسلٍ وصلاة وصيام وحج وزكاة وذکر ودعاء فيها الشفاء والعافية للأبدان والأرواح، وللأفراد والمجتمعات، کذلك حرم الشرع کل ما فيه ضرر أو خطر على صحة الإنسان كالخمر ولحم الخنزير والدم المسفوح وغيرها. قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفِّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَعْضَآءَ فِى الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنُم مُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْدَمًا مَّسْغُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهَّ فَمَنِ اضْطَُ غَيْرَ بَاعٍ وَلَاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. غفور رحيم ﴾ وأغلب ورود كلمة مرض في القرآن في مرض القلوب وسقم النفوس وتلبسها بالشبهات وتعلقها بالشهوات، ولقد شخص القرآن أمراض القلوب، وبين أعراضها ومخاطرها، وشرع الوقاية من تلك الآفات. ـهِم قال تعالى عن المنافقين: قََّمٌ فَزَادَهُمُ اَللّهُ مَرَضٌّاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُّهُ بِمَا وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ [التوبة: لَيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اُلَّْلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣]. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُ: إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]. ﴿يَنِسَآءُ النَّيِّ لَسْئُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِسَاءِ إِنِ أَتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَِّى فِ قَلْبِهِ. مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوَّلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَأَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٠]. والمتأمل في هذه الآيات يقف على جملة من أعراض أمراض القلوب وأخطارها: فمريض القلب لا يسلم بحقيقة مرضه غالبًا ولا يسعى للنجعة منه. ومرضى القلوب لا يزيدهم الدواء الناجع إلا مرضًا على مرض؛ لفساد ذوقهم وعمى بصير تهم. ومريض القلب جبانٌ رعديدٌ عند الأهوال والمصاعب، يثير الهلع فيمن صَوَسَو ◌َبُ النَّفْسَيْهِ القرآن الكريم ـجمع ويبغضون الحق وإن لاحت لهم أعلامه حوله، فیزید البلية. ومرض القلب بالشبهات، أي: وظهرت حججه، فالتعصب مزلة الأقدام، ومظنة الجمود والأوهام، ومدعاة إلى بالشكوك والأوهام، وبالشهوات التي تتأجج في صدره. الظنون وتتبع العثرات، وقائدٌ إلى سوء الظن والريبة في غير موضعها، والنفور من أهل العلم والجهالة والتسرع في الأحكام، وتمزق المجتمع. ولاشك أن خراب الذمم وفساد الضمائر من أسباب الفساد الاجتماعي والبيئي والصحي، ويحضرنا في هذا السياق قوله تعالى في ذم النفاق وأصحابه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ قَلْوَهُوَ أَلَُّّ الْخِصَامِ ﴿ وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْدِّ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٦]. عن مجاهدٍ قیل له: ((يا أبا الحجاج، وكيف هلاك الحرث والنسل؟ قال: يلي في الأرض فيعمل فيها بالعدوان والظلم، فيحبس بذلك القطر من السماء، فيهلك بحبس القطر الحرث والنسل»(١). رابعًا: التعصب: التعصب داء مقيت ينتشر بين الجهال وأصحاب البدع والأهواء، الذين يتعصبون لأهوائهم ویتشبثون بجهلهم، فيجعلون من التعصب غشاوة على أبصارهم تحجب عنهم نور الهدى، وتراهم يعشقون الباطل (١) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٠. وشفاء التعصب التجرد للحق، وتحري الصواب، والتثبت في الخبر. قال تعالى: ﴿قُلُّ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٌ أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَىْ ثُمَّ نَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُ مِّنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىّ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٦]. ونبذ الأهواء. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قال تعالى: قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَلَهُ أَوْلَى بِهِمَاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَىَ أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُدْأُ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. فواجب المؤمن أن يذود عن حمى العدل، ولا یجنح إلی هوی، ولا يتعصب لقرابةٍ أو لغيرها من روابط على حساب العدالة. www. modoee.com حرف الميم وقال تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةٌ فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا فَسُواْ يَوْمَ اْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. فلا ينبغي للحكم أن يتسرع في إصدار الأحكام، بل يتروى ويتريث حتى يضع الأمور في نصابها. يقول الإمام الغزالي: ((إن التعصب من آفات علماء السوء، فإنهم يبالغون في التعصب للحق، وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع، ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والتهم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآكتهم)»(١). خامسًا: التطرف: هو الوقوع في حافة الإفراط أو التفريط، ويقابله التوسط وهو الاعتدال، وفي مجتمعاتنا تجد من يتحرر من أحكام الشرع ويتحلل منها، في مقابل من يغالي أو يتشدد، ولقد دعا الإسلام إلى التوسط والتوازن في أمور الدين والدنيا. قال تعالى: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنْكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَاً وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِىِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَلَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. كما دعا إلى الاعتدال في النفقة، فلا إسراف ولا تقتير ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْلَمْ يُسْرِقُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وقد ابتليت المجتمعات المسلمة ببعض المتشددین في أمور الدين المتنطعين، كما ابتليت بالمارقين عن دينهم المتساهلين في أحكامه المقصرين في شرائعه. عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: (جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها؛ فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر -أو غفر الله- له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا! وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر! وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا! فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا (١) إحياء علوم الدين ١/ ٤٠. جوسين لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ ٥٢ و كذا! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء! فمن رغب عن سنتي فليس مني)(١). في مقابل ذلك فلابد من الجد والسبق إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، دون توانٍ أو تقاعسٍ، فقد قال تعالی لیحیی علیه السلام وهو في ريعان الصبا: ﴿بَيَحْىَ خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّقْ وَءَاتَيْنَهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ [مريم : ١٢]. أي: بجدٍ وحرص ومواظبة واجتهاد، وتمسكٍ بما فيه من أحكامٍ وإرشاد، فلا يضعف ولا يتراجع ولا يتقاعس عن رسالته ودعوته التي وكل بها، وامتدح الله أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِنَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِينَ [الأعراف: ١٧٠]. والتشديد في الفعل يدل على بلوغ الغاية في حسن التمسك وشدة الحرص وقوة العزيمة في الأخذ بالکتاب، فلا تهاون ولا تفريط. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَنْ ١٧ يَعْبُدُوهَا وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَّ فَبَشِرْ عِبَادٍ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ: (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، رقم ٤٧٧٦، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، رقم ١٤٠١. [الزمر:١٧- ١٨]. فكما تتوق النفوس إلى معالي الرتب الدنيوية وإلى تحقيق الأفضل وإحراز الأحسن في أمور الدنيا، فالمؤمن همته للآخرة همةٌ عاليةٌ ونفسه لنعيمها تواقة وروحه لها وثابة. سادسًا: كيد الأعداء: الصراع بين الحق والباطل سنة من سنن الله تعالى، والعداء للحق حقيقة لاشك فيها، فمنذ أن صدع النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة ربه وأعداء الإسلام يسعون إلى إضعاف المسلمين وبث بذور الفرقة بينهم، کما یسعون إلی صرفهم عن دينهم وشغلهم عن كتاب ربهم وتعطيل شريعة الإسلام، ولقد كشف القرآن عن أعداء الإسلام وبين مكائدهم وحذر من حيلهم وأساليبهم. من ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَّمَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى ◌ِاَللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٤ -٤٥]. وعن عداوة اليهود لنا قال سبحانه: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ اً لنَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىّ ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ ﴾ [المائدة: ٨٢]. www. modoee.com ٥٣ حرف الميم فقد رأينا ولا زلنا نرى صورًا ومشاهد من بإثارة غبار الشبهات. عداوتهم للمسلمین و کیدهم بالمؤمنين. وعن مخاطر المنافقين وعداوتهم ومكرهم أسهب القرآن في ذلك، حتى لا تكاد تخلو سورة مدنية من ذم النفاق والمنافقين، من ذلك سورة المنافقين التي يقول الله فيها: ﴿وَإِذَا رَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُّكَ أَجْسَامُهُمَّ وَإِن يَقُولُواْ نَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَهُمْ خُشُبُ ◌ُسنَّدَا يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُ فَأَحْذَرْهُمْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]. كما بين القرآن سبل الوقاية من مکائد الأعداء کما جاء في قوله تعالی: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبِّكُمْ سَيْتَّةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُُّ كُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. قال ابن كثير: ((يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن))(١). سابعًا: فتن الشبهات: يسعى أعداء الإسلام جاهدين إلى تشكيك المسلمين وصرفهم عن دينهم، قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌّ بِهِ، وَاَلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ اللَّهُ وَاُلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَلُِونَكُمْ حَتَّى يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أُسْتَطَعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِيِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةٌ وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فمنذ أن بزغ فجر الإسلام والمعركة بين الحق والباطل لم تتوقف، وجنود الباطل لم يكفوا عن زخرفتهم للأباطيل وإثارة غبار الشبه على صفحة الحق. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوَّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَقْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١]. ولهذه الشبه أخطار داهمة على المجتمعات المسلمة، ولاسيما مع انتشار الجهل وانحسار العلم وتمكن أعداء الدين وأدعیائه من وسائل الإعلام والتأثير وصناعة القرار، فكان لهذا أثرٌ سيئ على المجتمعات المسلمة، يحتاج إلى جهد جهيدٍ لمجابهته والتخلص من تبعاته. (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٩٠. جَوَسُو ◌َرَ النَّفسيد الْقُرْآن الكَرِيمِ ٥٤ عن حذيفة رضي الله عنه قال: (كنا عند ثامنًا: فتن الشهوات: عمر رضي الله عنه فقال: أیکم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟ فقال قومٌ: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولکن أیکم سمع النبي صلی الله عليه وسلم يذكر الفتن التى تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك. قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلبٍ أُشربها نکت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلبٍ أنكرها نكت فیه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه). قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابًا مغلقًا يوشك أن یکسر. قال عمر: أکسرًا لا أبا لك؟! فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا بل يكسر. وحدثته أن ذلك الباب رجلٌ يقتل أو يموت. حديثًا ليس بالأغاليط). قال أبو خالدٍ: ((فقلت لسعدٍ: يا أبا مالكِ، ما أسود مربادا؟ قال: شدة البياض فى سوادٍ. قال: قلت: فما الکوز مجخیًا؟ قال: منكوسًا)»(١). الاستغراق في الشهوات سبيل من سبل الغواية والضلال، وسلاح الشهوات سلاح شيطاني يتصيد به من وقع في حبائله. والشهوات خلقها الله تعالى لابتلاء العباد ولتستقيم الحياة. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَوِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللهُ عِندَهُوحُسْنُ الْمَشَابِ﴾ [آل عمران: ١٤]. فبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد والبلاء أعظم، وحذر من الافتتان بهن بما يصد المؤمن عن واجباته الشرعية، أو يحمله على الوقوع في المحظورات من أجل إرواء شهوة، والاعتدال في هذا هو المحمود، قال ابن كثير رحمه الله: ((فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه))(٢). والناس من جهة الشهوات قسمان: ((قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، رقم ١٤٤. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٢/١. www. modoee.com حرف الميم أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة في قضية الإفك مشيرة إلى أن ما تضمنته تلك الآيات من المناهي وظنون السوء ومحبة شيوع الفاحشة كله من وساوس الشيطان)) (٢). والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء کانت زادًا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب، والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها، وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانًا لعباده؛ ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقًا يتزودون منها لآخرتهم، ويتمتعون بما يتمتعون بها على وجه الاستعانة بها على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها: ﴿ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ فجعلوها معبرًا إلى الدار الآخرة، ومتجرًا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادًا إلى ربهم))(١). ولقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من خطوات الشيطان التي يسعى من خلالها إلى الإفساد والإغواء. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَنْ يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ. يَأْمُرُ بَلْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ, مَا زَّكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَّكِّي مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]. ((ووقوع هذه الآية بعد الآيات العشر التي (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٢٣. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ، مَا زَّكَ مِنكُ مِنْ أَحَدٍ أَبْدًا﴾ أي: ((ما تطهر من اتباع خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان يسعى هو وجنده في الدعوة إليها وتحسینها، والنفس ميالة إلى السوء، أمارة به، والنقص مستولٍ على العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، فلو خلي وهذه الدواعي ما زكى أحد بالتطهر من الذنوب والسيئات والنماء بفعل الحسنات))(٣). عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿مَا زَّكَ مِنْكُرُ﴾ قال: ((ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير)) (٤). كما نهى الإسلام عن كل ما يثير الغرائز ويضرم نار الشهوات، فتستعر في غير محلها وتتوقد في غیر حلها. قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ وَنَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَّتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظُنَ فُرُوجَهُنَّ (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٩/١٨. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٦٣. (٤) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦٨٨/١٠، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. ٥٦ صَوَبُوالَهُ النَّفِيَ القرآن الكريمِ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيْنَ مِخُمُرِمِنَّ عَلَى جُوبِنٌّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآيِهِنَ أَوْ ءَابَهِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبْنَابِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَِيَّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآءِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِيِنَ غَيْرِ أَوْلِىِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَو اُلْطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣٠-٣١]. وقال تعالى: ﴿يَنِسَآَةُ الشَّيِّلَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيَتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّعْنَ تَبُّعَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَىّ وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّمِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢-٣٤ ]. وشرع الإسلام الحدود زواجر وكفارات لمن وقع في الخنا. قال تعالى: ﴿سُورَةُ أَنْزَلْتَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَآ ءَايَتٍِ بَيْنَتِ لَعَلَّكُمْ نَذَّكْرُونَ الزَِّيَّةُ وَالَِّ فَلَّجْلِدُ واْ كُلّ ◌َحِدٍ مِنْهُمَا مِنْتَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي ◌ِنِ اللَّهِ إِنْ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[النور: ١-٢]. ولقد استغل أعداء الإسلام هذا السلاح الإبليسي في إضعاف أمة الإسلام والسيطرة عليها، فجهدوا في إغراق المسلمين في بحار الشهوات المتلاطمة. فتحت شعار الحرية دفعوا المرأة إلى التحرر من القيم والأخلاق وخلع الحجاب، وتحت شعار المساواة زجوا بها في شتى ميادين العمل؛ لتزاحم الرجال، وتختلط وتخلو وتسافر بدون محرم. وباسم الفن صارت المرأة المسلمة من صانعات الإغراء، تلهب المشاعر، وتؤجج العواطف، وتثير الغرائز. فمن أسباب الوهن والهزيمة لزوم الشهوات، قال الإمام الشافعي: ((من لزم الشهوات لزمته عبودية أبناء الدنيا)»(١). ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتنة النساء، فعن أسامة بن زيدٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركت بعدي فتنةٌ أضر على الرجال من النساء)(٢). موضوعات ذات صلة: الاجتماع، الإحصان، الأمة، السماحة، العلاقات الاجتماعية، الوحدة، اليتيم (١) انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي ١٠ / ٩٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة، رقم ٥٠٩٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، بآب أكثر أهل الجنة الفقراء، رقم ٢٧٤٠. www. modoee.com ٥٧