Indexed OCR Text

Pages 21-39

المحبة
اجتمعا علیه، وتفرقا عليه)(١).
والأخوة في الله لا تنقطع بنهاية هذه
الدنيا، بل هي مستمرة في الآخرة، يقول
تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَينِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
إِلَّا الْمُنَّفِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
ومنها ما يؤكد أن أجر المجاهد على
الله تعالى وحده في قوله تعالى: ﴿وَمَنِ
يُّهَاجِرٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِ اَلْأَرْضِ مُرَغَمَا كَبِرًّا وَسَمَةٌ
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّ
يُدْرِكِّهُ الْمَوْتُّ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠].
ويصف الله تعالى المهاجرين أنهم
المؤمنون حقا في قوله تعالى: ﴿ وَاَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ
ءَاوَواْ وَنَصَرُّوَا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُم
مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٧٤].
كما وصفهم الله تعالى بأنهم أعظم
درجة وأنهم هم الفائزون، في قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأَوْلَكَ هُ
الْفَآئِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٠].
كما أخبر الله تعالى أن المهاجرين ممن
رضي الله تعالى عنهم، وما أعظمه من
فضل! فقال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ
مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب الصدقة باليمين، ٢/ ١١١، رقم ١٤٣٢.
رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَلَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى تَحْتُهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدَا ذَلِكَ
اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
ولم يقتصر هذا على الحب والرضا،
ولكن تبوءهم في الدنيا مكانة إضافة إلى
أجرهم في الآخرة، فقال تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ
هَاجَرُوا فِى الَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلُواْلَنُبُّوِّنَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا
حَسَنَّةٌ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾
[النحل: ٤١].
كما وعدهم الله تعالى بالمغفرة في
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ
هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ
وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ
زَّحِيمٌ ﴾ [النحل: ١١٠].
كما وعدهم بالرزق الحسن في قوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُوْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا
حَسَنَاْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَبْرُ الَّزِقِينَ﴾
[الحج: ٥٨].
وفي ختام جملة الأوصاف للمهاجرين
بأنهم هم الصادقون إضافة إلى حبهم
للمهاجرين ولو كان لهم بهم حاجة، وذلك
في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِنَ الَّذِينَ
أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَزِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا
مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَكَ هُمُّ
الصَّدِقُونَ ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ
مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى
www. modoee.com
٧٩

حرف الميم
صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى عن هؤلاء فيقول: ﴿وَلَكِنَّ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ
الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾[الحشر: ٨ - ٩].
◌َخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢].
٦. محبة الجهاد.
أولى القرآن الكريم أهمية عظمى للجهاد
والمجاهدين، وجعل المجاهدين في أعلى
الدرجات، ورغب في الشهادة أيما ترغيب،
وحمل على الفرار والفارين؛ ذلك أن الجهاد
سياج للأمة من طمع الطامعين، ومن تكالب
المتكالبين، ووعد المجاهدين بالمغفرة
والتي لا تكون إلا بعد المحبة (١).
قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ
مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ
لَأَكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ
◌َّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ
عِنْدَهُ،حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
ومن هذا المنهج الرباني حرم الإسلام
التثبيط عن الجهاد، بل جعل من أكبر الكبائر
الفرار من ساحة القتال؛ لأن الإسلام ربى
أبناءه على حب الجهاد في سبيل الله تعالی.
وهؤلاء المنهزمون والمثبطون والقاعدون
عن الجهاد فضحهم القرآن الكريم في قوله:
﴿لَوْ كَانَ عَرَ ضَّا قَرِيبًا وَسَفَرًّا قَاصِدًا لََّتَبَعُوكَ ﴾
[التوبة: ٤٢].
أي: لو كانت هناك غنيمة سهلة ورحلة
ميسرة لساروا معك، ثم يتابع القرآن الحديث
(١) انظر: حب الجهاد في سبيل الله، عادل عامر
ص ١٨ - ٢٢.
أي: أنهم يهلكونها بهذا الحلف
الكاذب، يستأذنون النبي صلى الله عليه
وسلم في القعود عن الجهاد، فيقول الله
لنبيه صلى الله عليه وسلم مبينًا موقف
المؤمنین وغير المؤمنين من الجهاد، فيقول:
﴿لَا يَسْتَنْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
اْآَخِرِ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَِهِمْ وَأَنْفُسِهِمٌّ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ ﴿ إِنَّمَا يَسْتَنْذِنُكَ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ
فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
[التوبة: ٤٤ -
٤٥].
ولقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان
عن الذين لم يخرجوا للجهاد مستأذنين
في القعود، وأعلن أنهم لا يؤمنون بالله ولا
باليوم الآخر، وأن قلوبهم مرتابة، وأنهم في
ریبهم يترددون. أما الرسول صلى الله عليه
وسلم فإنه يقول فيما رواه مسلم: (من مات
ولم یغز ولم يحدث نفسه بغزو، مات على
شعبة من النفاق)(٢).
ومع توعد الله تعالى المثبطين والقاعدين
عن الجهاد مع القدرة خزيًا في الدنيا، وفي
الآخرة عذاب عظيم. وهو في نفس الوقت
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب ذم من مات ولم يغز، ١٥١٧/٣، رقم
١٩١٠.
٨٠
جوسين
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

المحبة
يخبرنا أن المؤمنين الذين لا يستجيبون ١٦٥].
لهؤلاء المثبطين يزداد إيمانهم.
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل
عمران: ١٧٣].
إنهم المجاهدون المؤمنون، الصابرون
المتوكلون، الذين توعدهم الناس بالجموع
الکبیرة وخوفوهم بکثرة الأعداء، فما اکترثوا
لذلك وما جبنوا، بل زادهم ذلك إیمانًا وثباتًا
وعزيمة؛ لحسن توكلهم على الله، ويقينهم
بما وعدهم الله به، فاستعانوا به وقالوا:
حسبنا الله ونعم الو کیل، فهو حسبنا وكافينا،
ونرضی به وحده و کیلا وحافظًا. كما توعد
الفارين في قوله تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ
اٌلْأَدْبَارَ ﴿ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا
مُتَحَرِفًا لِّقِثَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ
بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ
الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].
ثالثًا: المحبة المذمومة:
وهذا نوع يقدح في أصل التوحيد، وهو
شرك، وهذا كمحبة المشركين لأوثانهم
وأندادهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن
دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اللَّهِ﴾ [البقرة:
فهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم
وأصنامهم مع الله كما يحبون الله، فهذه
محبة تأله وموالاة يتبعها الخوف والرجاء
والعبادة والدعاء، وهذه المحبة هي محض
الشرك الذي لا يغفره الله، ولا يتم الإيمان
إلا بمعاداة هذه الأنداد، وشدة بغضها
وبغض أهلها، ومعاداتهم ومحاربتهم،
وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع
کتبه، کما نعلم ذلك جميعًا.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُنَّةٍ
رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦].
فکل رسول إنما بعث بالإيمان بالله،
وبالكفر بالطواغيت وبغضها، ومعاداتها،
ومحاربتها ومحاربة أهلها.
ومن الحب المذموم حب المصالح
والذات: لقد أودع الله هذه الغريزة في
الإنسان حيث إنه عن طريقها يحمي نفسه
ويخاف على حياته. لكن حينما يطلق
العنان لهذه الغريزة لتوجه شخصيته وعلاقته
بالآخرين فإنه ينتقل بنفسه من هذا المفهوم
الفطري إلى مفهوم الأنانية، هذا المرض
العضال الذي يفوق خطر كل غريزة؛ لأنه
يستخدم بقية الغرائز لإشباع متطلباته، وجاء
الإسلام لاستئصال هذا المرض أو ترويضه
في إطار شرعي حيث قال عليه الصلاة
www. modoee.com
٨١

حرف الميم
والسلام عن أنس بن مالك: (لا يؤمن أحدكم
حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)(١).
«قال العلماء: معناه: لا يؤمن الإيمان
التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم
يكن بهذه الصفة»(٢).
ويدل على أن المراد من النفي في
هذا الحديث نفي كمال الإيمان، أنه قد
جاءالحديث عند ابن حبان بلفظ: (لا يبلغ
عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما
يحب لنفسه من الخير)(٣).
إن أكبر مشكلةٍ تعانيها البشرية تبدأ في
عالم الفرد، عندما يغلب الإنسان مصلحته
على مصلحة الآخرين ومهما كان الثمن،
وهذا هو تعريف الأنانية الذي ينطلق من
الأنا.
وعرفوا الأثرة: فقالوا: ((أن يختص
الإنسان نفسه أو أتباعه بالمنافع من أموال
ومصالح دنيوية ويستأثر بذلك، فيحجبه
عمن له فیه نصیب، أو هو أولی به))(٤).
والحب المذموم قسمان:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان
باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب
لنفسه، رقم ١٣.
(٢) شرح صحيح مسلم، النووي ٢/ ١٦.
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ١/ ٤٧١، رقم
٢٣٥.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب، رقم
١٧٨٠.
(٤) انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين
٣٧٧١/٩.
أحدهما: من يجب على العبد أن
یبغضهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَا تَجِدُ
قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ
حَادَّ اللَّهُ ﴾[المجادلة: ٢٢].
وهذا نفي عام يدل على أن المؤمن
الصادق لا يكون في قلبه مودة لهم أبدًا،
وهذا الأمر مما وقع الخلط فيه في أزمنتنا
المتأخرة، واختلت فيه بعض الموازين.
القسم الثاني: مما يبغض في الله: من
يبغضون بغضًا ليس كاملًا، وهؤلاء هم
المؤمنون الذين يقعون في فسق أو في بدعة
غير مكفرة، فهؤلاء لهم محبة عامة؛ لأنهم
مسلمون، ولكن يجب بغض ما عندهم من
فسق أو بدع، وهذا أيضًا مما وقع فيه الخلل
عند بعض الناس، فإنهم قد يحبون الفساق
أو أهل البدع؛ نظرًا لأنهم غير كفار، ومیزان
الحق في هذا أن تكون محبتهم محبة عامة؛
لأنهم مسلمون مؤمنون بالله، لكن لا تكون
محبة كاملة، بحيث تجعلهم سواسية مع
المؤمنين المتقين، فنبغض ما فيهم من فسق
أو بدعة أو فجور، نبغض هذا في الله تبارك
وتعالى. ويتحقيق هذا الأصل -البغض في
الله- يكتمل الأصل الأول الذي تحدثنا عنه
سابقًا، وهو الحب في الله.
٨٢
صَوَسُوبَة التَّقتيم
جوببيو
الْقُرآن الكَرِيمِ

المحبة
صفات تستوجب حب الله للعبد
حب الله لعباده جاء في القرآن الكريم
في (١٣) آية، كان نصيب المحسنين ﴿يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) منها، و﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾
(٤) منها، و﴿يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ ﴿وَيُحِبُّ
الْمُتَّطَهِّرِينَ﴾ (٢)، و﴿يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾ مرة
واحدة وكذلك ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ
فِي سَبِيلِهِ﴾ مرة واحدة، وحب الآخرين
إيثار لهم على الذات وتقديم ما يسعدهم في
حياتهم. فكانت الكلمة، وجاءت المضامين
التعبيرية لتحددها بدقة لفظية فكل ما في
حياتنا يحدده التعبير اللغوي، ويصفه ويعطيه
حقه ومكانته وموضوعيته، اللغة ترسم
وتغني معاني الطبيعة والعلوم والمشاعر،
وتقدس الإله وتمجده، والوجود بكامله
يتطبع بكلمات اللغة.
ووردت المحبة في القرآن الكريم في
مواضع كثيرة، تميزت فيها أنواع من الحب،
وقد جمعت آية كريمة بين حب العبد وحب
الله، وحددت صفات من يحبون الله
ويحبهم: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن
دِينِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى
اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَيِعٍ﴾ [المائدة: ٥٤].
حيث إن حب الله يأتي فعلًا لله عز
وجل مثبتًا تارة ومنفيًا تارة، متعلقًا بفئات
من العباد، أو بأنواع من الفعال والصفات.
ففي صيغة الإثبات، نجد أن الله عز وجل
﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ
يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَاَلْكَظِمِينَ
اٌلْفَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
و﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، فقال تعالى: ﴿بَلَ مَنْ
أَوْقَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل
عمران: ٧٦].
﴿يُحِبُّ التَّوَّبِينَ﴾ و﴿الْمُتَطَهِرِينَ﴾
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِّ
قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ وَلَا
نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنٌ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ
مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
و﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فقال تعالى:
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].
و﴿يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ فقال تعالى: ﴿ وَلَیْن
مِّن نَّبٍِ قَتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا
أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاَللَّهُ
يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
و﴿يُحِبُّ الْمُتَوَكِينَ﴾ فقال تعالى: ﴿فَمَا
رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَقًّا غَلِظَ
اٌلْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ
◌َهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
www. modoee.com
٨٣

حرف الميم
و﴿ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِ سَبِيلِهِ﴾
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ
فقال تعالى:
يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ
تَرْصُوصُ﴾ [الصف: ٤].
وأشار الله سبحانه وتعالی إلی محبته
لموسى عليه السلام.
قال تعالى: ﴿أَنِ آَقْذِفِيهِ فِ النَّابُوتِ فَاقْذِفِهِ
فِ آلْيَرِّ فَلْيُلْقِهِ اَلْيَمُ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّلِ وَعَدُوَّ
لَّ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِ وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْفِ﴾
[طه: ٣٩].
الحب في القرآن الكريم ضد الكره:
لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ
اَلْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ
وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَّ أُوْلَكَ هُمُ الَّشِدُونَ﴾
[الحجرات: ٧].
والحب هو متعة نفسية في القلب؛ لقوله
تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ
النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْغَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْقَمِ
وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [آل
عمران: ١٤].
حب الاتباع والمتبعين لرسول الله صلى
الله عليه وسلم؛ لأن حب العبد لله عز وجل
ليس مجرد شعور قلبي يلهج به اللسان،
ولا مجرد كلمات يتفنن فى نظمها، وقديمًا
ادعی اليهود والنصارى أنهم أحباء الله فرد
الله عليهم: ﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى
نَحْنُ أَبْنَوْ اَللَّهِ وَأَحِبَُّهُ، قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُّكُمْ
بِذَنُوبِكَم ﴾ [المائدة: ١٨]؛ ولذلك وقطعًا
بُـ
لكل ادعاء كاذب لحب الله جاءت القاعدة
الربانية: ﴿قُلِّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِ
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
وفي المقابل نجد في صيغة النفي أن الله
عز وجل ﴿لَا يُحِبُّالگفِرِينَ﴾، فقال تعالى:
(قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَلَا
يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
و﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فقال تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُخَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا
أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَمْتَدُوَّأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].
و﴿لَا يُحِبُّ الَّلِينَ﴾ فقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْصَلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ
أُجُورَهُمْ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ اَلنَّلِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧].
و﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ فقال تعالى
﴿كُلُواْ مِنْ ثَمَرِهٍِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ.
يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُشْرِفُوَاْ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١
و﴿لَا يُحِبُّ الْقَآَيِنِينَ﴾ فقال تعالى:
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَتْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى
سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الَْآَيْنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
و﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِنَ﴾ فقال تعالى:
﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِينَ﴾ [النحل:
٢٣.].
مَوالَةُ النَّفِيَةِ
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٨٤

المحبة
و﴿لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ فقال تعالى: ﴿إِنَّ
قَرُونَ كَانَ مِن قَوْيِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ
مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَائِحَهُ لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ
اَلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ
اٌلْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦].
و﴿لَا يُحِبُّ﴾ أيضًا ﴿مَن كَانَ خَوَّانًا
أَثِيمًا﴾ و﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فقال تعالى:
﴿وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمَّ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّنَا أَثِيمًا﴾ [النساء:
١٠٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
وَلَ تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ
فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
وفي كل هذه الموارد وغيرها، وسواء
في ذکر ما يحبه الله عز وجل أو مالا يحبه،
لا يستعمل الصيغة المصدرية الدالة على
الثبات، بل يستعمل صيغة اسم الفاعل
التي يتلبس فيها الفعل بالإنسان، وتلتصق
الصفة به محمودة كانت أم مذمومة، إلا في
موضعين ذكر فيهما الاسم: أحدهما يتعلق
بالفساد: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِىِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ
فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
اَلْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
ويتعلق الثاني بالجهر بالسوء ﴿لَّا يُحِبُّ
اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلََّ مَنْ ظُلِّ وَكَانَ اللَّهُ
سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: ١٤٨].
والمتأمل في هذه الفعال المحبوبة:
(الإحسان، التقوى، التوبة، التطهر، الصبر،
التوكل، القسط)، يجد أنها تجمع أهم ما
يحمد في الإنسان الاتصاف به، وما يجعله
محبوبًا مقبولًا عند الله وعند الناس، وفي
المقابل تمثل الصفات غير المحبوبة:
(الكفر، الظلم، العدوان، الخيانة، الإسراف،
الاستکبار) أنموذجا لکل ما تنفر منه النفس
وتأباه الفطر السليمة.
وقد وقف بعض العلماء عند معني حب
الله تعالى للعبد، وحاولوا تفسير هذا الحب
بما يليق بجلال ذاته عز وجل وما تقضيه
من تنزیه، ففسروه بالإنعام، وهو معنی تأباه
سياقات الآيات، كما أنه تأويل للمحبة
بالإنعام وهذا يخالف المنهج الصحيح
للتفسير.
أما حب العبد لله عز وجل، فهو من
مقتضيات الإيمان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ
مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللَّهِّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّالِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
بل إنه من موجبات أعلى درجات
الإيمان، جاء في الحديث الصحيح الذي
يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن
فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله
ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب
المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في
www. modoee.com
٨٥

حرف الميم
الكفر كما يكره أن يقذف في النار)(١).
إن حب الله ليس بالأمر الهين الذي
یسهل ادعاؤه إذن؛ لأنه حب يقتضي أنيكون
الله ورسوله أحب إلى العبد من كل شيء:
قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ
وَأَزْوَجُكُمْ وَعَشِيرَتُّكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا
وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا
أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ
فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْيِ﴾
[التوبة: ٢٤].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حلاوة الإيمان، رقم ١٦.
آثار المحبة ونتائجها
أولًا: الاقتداء والمتابعة للمحبوب:
أثر محبة الله وأثر تحقيق المحبة أنها:
تثمر لصاحبها علوّا ورفعةً في الدرجة، لم
يكن ليصل إليها لولا هذه المحبة، إن قصر
بك عمل الجوارح من أن تجاهد کجهادهم،
أو أن تأمر بالمعروف كأمرهم، أو تتعبد
كعبادتهم، فيجب أن تحبهم بقلبك، وأن
تسأل الله تبارك وتعالى مرافقتهم، وأن
تبغض من أبغضهم، وتعادي من عاداهم،
وبذلك تصل بإذن الله تبارك وتعالى من
الخير الكبير، وأن تصل إلى قربهم أو أن
تدنو منهم، وهذا شرف عظيم، وفخر كبير،
وغاية لو شمر لها العابدون والساعون الدهر
كله لكانت مستحقة لذلك.
فحقيقة المحبة إذًا هي ما قدمنا من حيث
علاقتها بالإيمان والعبادة، حيث إن المحب
على الحقيقة لا يقدم أمرًا ولا نهيًا على أمر
ونهي من يحبه وهو الله تبارك وتعالى، مما
يثمر ذلك لديه الاستقامة في السر والعلانية،
وفي كل شأن من شئون الحياة، واتباع سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعل
اتباعه امتحانًا لحقيقة المحبة وامتثالها.
ومن علامات المحبة الصادقة لله
ولرسوله التزام طاعة الله، والجهاد في
سبيله، واتباع رسوله، قال الله تعالى:
٨٦
جَوَسُو ◌َرُ النَّشيد
القرآن الكريم

المحبة
يَكَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَّرْتَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ
يَأْتِ اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ
لَوْمَةَ لَآَ بِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ
عَلِيمُ﴾ [المائدة: ٥٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
فَأَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَحِيـ
﴾ [آل عمران: ٣١].
وصف سبحانه المحبين له بخمسة
أوصاف.
أحدها: الذلة على المؤمنين: والمراد
بها لين الجانب والرأفة والرحمة للمؤمنین
وخفض الجناح لهم، كما قال تعالى:
﴿ وَلَخْفِضْ جَنَلَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ اْلْمُؤْمِنِينَ﴾
[الشعراء: ٢١٥].
ووصف أصحابه بمثل ذلك في قوله:
﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُغَارِ
رُحَمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: ٢٩].
وهذا يرجع إلى أن المحبين لله
يحبون أحبابه ويعودون عليهم بالعطف
والرحمة (١).
الثاني: العزة على الكافرين، والمراد
بها الشدة والغلظة عليهم، کما قال تعالی:
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ
وَأَغْلُطْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩].
وهذا يرجع إلى أن المحبين له يبغضون
(١) انظر: الشفاء، القاضي عياض ص ٢٥.
أعداءه، وذلك من لوازم المحبة الصادقة.
الثالث: الجهاد في سبيل الله وهو
مجاهدة أعدائه بالنفس واليد والمال
واللسان، وذلك أيضًا من تمام معاداة أعداء
الله الذي تستلزمه المحبة.
الرابع: أنهم ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَّةَ لَآيٍ﴾﴾
والمراد: أنهم يجتهدون فیما یرضی به من
الأعمال، ولا يبالون في لومة من لامهم
في شيء إذا كان فيه رضى ربهم، وهذا من
علامات المحبة الصادقة أن المحب يشتغل
بما يرضى به حبيبه ومولاه، ويستوي عنده
من حمده في ذلك أو لامه.
الخامس: متابعة الرسول صلى الله عليه
وسلم، وطاعته، واتباعه في أمره ونهيه،
وقد قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في
قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[التوبة: ٢٤].
والمراد: أن الله لا يوصل إليه إلا عن
طريق رسوله صلى الله عليه وسلم باتباعه
وطاعته.
قال ابن رجب: ((ومحبة الرسول على
درجتين: إحداهما: فرض وهي المحبة
التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول صلى
الله عليه وسلم من عند الله وتلقيه بالمحبة
والرضا، والتعظيم، والتسليم، وعدم طلب
الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن
الاتباع له فيما بلغه عن ربه من تصديقه
www. modoee.com
٨٧

حرف الميم
في كل ما أخبر به من الواجبات، والانتهاء نهيه كما قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ
أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
عما نهى عنه من المحرمات، ونصرة دينه،
والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة، فهذا
القدر لابد منه، ولا يتم الإيمان بدونه)»(١).
والدرجة الثانية: ((فضل، وهي المحبة
التي تقتضي حسن التأسي به، وتحقيق
الاقتداء بسنته في أخلاقه وآدابه، ونوافله
وتطوعاته، وأكله وشربه، ولباسه، وحسن
معاشرته لأزواجه، وغير ذلك من آدابه
الكاملة، وأخلاقه الطاهرة والراقية،
والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه، واهتزاز
القلب عند ذكره، وكثرة الصلاة والسلام
عليه لما سكن في القلب من محبته،
وتعظيمه، وتوقيره، ومحبة استماع كلامه،
وإيثاره على كلام غيره من المخلوقين، ومن
أعظم ذلك الاقتداء به في زهده في الدنيا
الفانية، والاجتزاء باليسير منها، والرغبة في
الآخرة الباقية))(٢)، أهـ.
ومن علامات محبة الله ورسوله: أن
يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله،
ويؤثر مرضاته على ما سواه، وأن يسعى
في مرضاته ما استطاع، وأن يبعد عما حرمه
الله، ويكرهه أشد الكراهة، ويتابع رسوله
صلى الله عليه وسلم ويمتثل أمره، ويترك
(١) انظر: تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة
والمعاداة والحب والبغض والهجرات،
حمود التويجري. ص ٦٢.
(٢) استنشاق نسیم الأنس، ابن رجب ص ٧٣.
وكلما قويت محبة العبد لله في قلبه
قويت هذه الأعمال المترتبة عليها،
وبکمالها یکمل توحید العبد، هذا وقد نھی
الله سبحانه عن موالاة أعدائه في مواضع
كثيرة من القرآن، وأخبر أن موالاتهم تنافي
الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر،
وأنها سبب للفتنة والفساد في الأرض، وأن
من والاهم ووادهم فليس من الله في شيء،
وأنه من الظالمين الضالين عن سواء السبيل،
وأنه مستوجب لسخط الله وأليم عقابه في
الآخرة، والآيات في هذا كثيرة، منها قول
الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ
كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ
أَنْ تُؤْمِنُواْ بِالَّهِ رَبِّكُمْ إِنَ كُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِ سَبِيلِ
وَأَبْتِغَ مَنْ ضَائِىّ قُِّرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُبِمَآ
أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَئْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ
السَّيِلِ﴾ [الممتحنة: ١].
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
اَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَىِ أَوْلِيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَ مَن يَتَوَُّم
مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
فمن أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له
موالاة ومحبة من حاد الله ورسوله، ولو کان
أقرب قريب.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
٨٨
جويتين
لِلْطَرَآن الكَرِيمِ

المحبة
لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَبَاءَكُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِن الخاصة بهم، ومخالطتهم في الأعمال،
ومجالستهم، ومصاحبتهم، وزيارتهم،
أَسْتَحَبُواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَن يَنَّوَلَّهُم
مِّنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة:
٢٣].
وتولي أعمالهم، والتزبي بزيهم، والتأدب
بآدابهم، وتعظيمهم بالقول والفعل، وكثير
من المسلمين واقعون في ذلك»(٢).
وفي النص على الأقارب دليل على
أن مصارمة من سواهم من الكفار مطلوبة
بطريق الأولى والأحرى.
وقال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَآَذَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ
إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
قال البغوي رحمه الله تعالی: «أخبر الله
أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكفار وإن
من کان مؤمنا لا یوالي من کفر وإن کان من
عشيرته))(١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((أخبر
سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن یواد كافرًا
فمن واد الكفار فلیس بمؤمن»، اه.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اُللَّهِ مِنْ
أَوْلِيَآءَ ثُمَّلَا تُصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
والركون: هو المحبة والميل بالقلب، إذا
علم تحريم موالاة أعداء الله تعالى وموادتهم
فليعلم أيضًا أن الأسباب الجالبة لموالاتهم
وموادتهم كثيرة جدًا، ومن أقربها وسيلة
مساكنتهم في الديار، ولاسيما في ديارهم
(١) معالم التنزيل، البغوي ٦ / ١٥٢.
المحبة في الله سبب لنيل محبة الله: فعن
أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
عليه وسلم: ( أن رجلًا زار أخّا له في قرية
أخری، فأرصد الله له، على مدرجته، ملكًا
فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد
أخالي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من
نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله
عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك، بأن
الله قد أحبك كما أحببته فيه)(٣).
والحب في الله من علامات صدق
الإيمان: فقد قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله
والبغض في الله) (٤).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من
(٢) السيرة النبوية، مصطفى السباعي ص١٧ -١٩
بتصرف.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة،
باب في فضل الحب في الله، ٤ /١٩٨٨، رقم
٢٥٦٧.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٢٤/٣، رقم
١٨٤٦٨.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٤٠٣،
رقم ٢٠٠٩.
www. modoee.com
٨٩

حرف الميم
كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ثانيًا: الطاعة والانقياد للمحبوب:
ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب
المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في
الكفر كما يكره أن يقذف في النار)(١).
وممن يظلهم الله في ظله المتحابون
فيه: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن
الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون
بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا
ظلي)(٢).
ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم
لا ظل إلا ظله: (رجلان تحابا في الله)(٣).
والحب في الله سبيل الجنة: قال نبينا
صلی الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده،
لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا
حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا
فعلتموه تحابتم؟ أفشوا السلام بينكم)(٤).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حلاوة الإيمان، رقم ١٦.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة،
باب في فضل الحب في الله، ٤ /١٩٨٨، رقم
٢٥٦٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب الصدقة باليمين، ١١١/٢، رقم ١٤٣٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون،
٧٤/١، رقم ٥٤.
إن من أصول محبة الله أن تترجم طاعة
وانقيادًا له وتتبع لمرضاته ومحابه، فالمحبة
أصل كل حركة، وأساس كل عمل (٥).
ولقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم
ضوابط هذه المحبة وطرق الطاعة في أكثر
من (اثنتي عشرة) آية، منها: قوله تعالى:
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن تَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ
وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وقال أيضًا: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ رَّسُولٍ
إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ
ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ
اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ
تَوََّبًا رَّحِيمًا ﴿ فَلَ وَرَبْكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٤ - ٦٥].
وقال أيضًا: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ
أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ
اللَّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وقال أيضًا: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اللَّهُ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا :
(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١/ ١٩٢.
٩٠
الْقُرآن الكَرِيمِ

المحبة
[النساء: ٨٠].
﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا
وقال أيضًا:
تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهَ
مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وقال أيضًا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا
دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا
وَأَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَن يُطِيع
اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اَللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ
اَلْفَآيِزُونَ﴾ [النور: ٥١ - ٥٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَ إِذَا كَانُواْ مَعَهُ, عَلَى أَمْيٍ جَايِع
لَمْ يَذْهَبُواْ حَقَّى يَسْتَعْدِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَعْدِنُونَكَ
أُوْلَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بَِّهِ وَرَسُولِ، فَإِذَا
أُسْتَنْذَنُوَكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لَّمَنْ شِئْتَ
مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ
أُسْرَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَالْيَوْمَ اْأَخِرَ وَذَكَرَ
اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال أيضًا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةِ
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا
مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
يُبَابِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا
يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْقَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهُ
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠].
قال العز بن عبد السلام: ((محبة الله
وسيلة إلى أن يعامله العبد معاملة المحب
لحبيبه من المبادرة لطاعته، والمسارعة
لما يرضيه، والتحرز من أسباب سخطه،
والاحتياط لأسباب رضاه))(١) ولا تنبعث
همة العبد للقيام بأنواع العبادة المختلفة
كما تنبعث عندما تحركها محبة الله؛ إذ أن
هذه المحبة هي أقوى محركات القلوب إلى
الله(٢)، كما أنها تبعث في العبد قوة ونشاطا
لخدمة المحبوب وطاعته. فإذا ما صحت
المحبة وصدقت، أثمرت عبودية تامة لله
تعالى يشترك في تحقيقها القلب واللسان
والجوارح جميعها.
المحبة هي أصل عبودية القلب، ولها
عظيم الأثر في تحققه بالعبودية، ومن ذلك:
المحبة في تحقيق الخوف والرجاء: فإذا
تمكن حب الله تعالى من قلب عبده المؤمن
أثمر له خوفًا ورجاءً، فإن كل من أحب
محبوبًا فلابد أن يخاف فواته كما يرجو
لقاءه.
كذلك فالمحب يكون في حبه خائفًا
متضائلًا تحت الهيبة والتعظيم، كذا يكون
رجاء المحب لجنته التي هي دليل رضاه،
(١) شجرة المعارف والأحوال، العز بن
عبدالسلام ص٥٣.
(٢) محركات القلوب إلى الله تعالى ثلاثة هي
المحبة والخوف والرجاء.
انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١ / ٩٥.
www. modoee.com
٩١

حرف الميم
وأشد منه رجاؤه القرب منه، والنظر إلى قصص العارفين المحبين في رضاهم بأقدار
وجهه الكريم.
«فالخوف والرجاء متلازمان، ویستحیل
انفكاك المحب عنهما، وإن كان قد یغلب
أحدهما على الآخر، وهما مجتمعان، وذلك
عندما يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى
الآخر في الحال لغفلته عنه)) (١).
وتتحقق أثر المحبة في تحقيق الرضا
بأقدار الله تعالى إذ أن من أثار محبة الله
تعالى الرضا بأقداره حلوها ومرها، ((فإن
المحب يتسلى بمحبوبه عن كل مصيبة
يصاب بها دونه، فإِذا سلم له محبوبه لم یبال
بما فاته، فلا يجزع على ما ناله؛ لأنه يرى
محبوبه عوضًا عن كل شيء، ولا يرى في
شيء غيره عوضًا منه، فكل مصيبة عنده هيئة
إذا أبقت عليه محبوبه))(٢).
كذلك فعندما يغلب الحب على قلب
العبد وتنصرف همته للفوز بمحبوبه، فإنه
ينسى ما يصيبه من ألم، ولا يلتفت له،
منشغلًا عنه بترقب ما يحب، والتجربة
والمشاهدة دالة على ذلك. کما أن المحب
يقبل کل ما يأتيه من حبيبه ویرضی عنه،
لاسیما إن کان یعرف ربه، ویحسن الظن
به، یعرف رحمته، وعدله، وعظمته، وغناه،
وفضله وكرمه، وعلمه ولطفه؛ ولهذا كانت
(١) إحياء علوم الدين، الغزالي ٤ /١٤١.
(٢) طريق الهجرتين، ابن القيم ص ٤١٧.
جوية
القُرآن الكَرِيمِ
ربهم أقرب ما تكون إلى الخيال عند من
ضعفت بالله معرفتهم ومحبتهم. قال ابن
القيم: ((من صحت له معرفة ربه والفقه في
أسمائه وصفاته، علم يقينا أن المكروهات
التي تصيبه والمحن التي تنزل به، فيها من
ضروب المصالح التي لا يحصيها علمه ولا
فكرته))(٣)، ولهذا فإنه دائمًا شاكرًا حامدًا
راضيًا مهما تقلبت به الأيام، ومهما اختلفت
به الأحوال، إذ لا يأتي من الحبيب إلا الخير
وإن لم يدركه العبد، ورحمة الله تتمثل في
الممنوع كما تتمثل في الممنوح (٤).
أثر المحبة في تحقيق الصبر على طاعة
الله: فذاك أمر آخر للعبد المحب منه أعظم
الحظ وأوفر النصيب، فكلما زادت معرفته
وصدق حبه ارتقى عن مجرد الصبر عليها
إلى حبها والاستلذاذ بها، ومن ذلك قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من
كن فيه وجد حلاوة الإيمان)(٥).
ومن هنا «یکون مؤثرًا ما أحبه الله تعالى
على ما يحبه في ظاهره وباطنه، فيلزم مشاق
العمل، ويجتنب اتباع الهوى، ويعرض عن
دعة الكسل، ولا يزال مواظبًا على طاعة
(٣) الفوائد، ابن القيم ص ٨٥.
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٢٢/٥.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حلاوة الإيمان، رقم ١٦.
٩٢

المحبة
الله، ومتقربًا إليه بالنوافل))(١).
للمحبة أثر بالغ في الولاء والبراء: إذ
المحب من حبه لحبيبه يحب كل من يحبه
ويواليهم وينصرهم، كما يبغض أعداءه
ويتبرأ منهم، فحب الشيء وإرادته يستلزم
بغض ضده وكراهته، والمحبة الكاملة تجب
معها الموافقة للمحبوب في محابه؛ ولهذا
قال الله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
بِاَللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَآَدَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ
إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
فالإيمان بالله يستلزم مودته تعالى،
ومحبته، ومحبة رسوله صلى الله عليه
وسلم، وذلك يتنافى مع موادة من عاداه
وحاده(٢).
فالمؤمنون الصادقون يحبون جملة من
آمن بالله ورسوله وقام بوظائف الإسلام
عملا واعتقادًا، ویحبون من وجه من معهم
من الخير على قدر ما معهم منه، ويبغضونهم
على قدر ما معهم من الشر، وكذا يبغضون
جملة من کفر أو ألحد أو صرف شيئًا من
أنواع العبادة لغير الله (٣)، لا اعتبار في حبهم
وبغضهم لصلات قربی أو هوی نفس، وإنما
(١) المحبة والشوق والأنس والرضاء الغزالي
ص٧٤.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٧٥٢.
(٣) انظر: إرشاد الطالب، ابن سحمان ص١٣،
والولاء والبراء، القحطاني ص ١٣٤ .
الاعتبار هو الحب في الله والبغض فيه.
وقد ضرب أنبياء الله صلوات الله
وسلامه عليهم أجمعين وكذا سلف الأمة
من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
أمثلة عليا في الولاء لله ورسوله والمؤمنين،
والبراءة من أعداءه، مهما كانت صلات
قرابتهم أو مبلغ مودتهم قبل اعتناق الدين
الحق، وفي قصة إبراهيم - عليه السلام- مع
أبيه وقومه، وفي قصة أبي عبيدة بن الجراح
ومصعب بن عمير وغيرهم رضي الله عنهم
أصدق الشواهد على ذلك.
وتتحقق أثر المحبة في تحقيق عبودية
الجوارح، ومن ذلك دوام الذكر، فالمحبة
كلما قويت في القلب جعلت العبد دائم
اللهج بذکر ربه تعالى، حامدًا شاكرًا، مهللا
مكبرًا، كما تتحقق أثر المحبة على قراءة
القرآن للمحبين مع كلام الله، فصلتهم
بالقرآن قوية، يأتمرون بأمره، ويقفون عند
نهیه، ویتعظون بوعظه.
ولا شك أن العبادات الظاهرة على سائر
الجوارح دليل على وجود محبة الله تعالى
في قلب العبد؛ إذ أن محبته تعالی هي أصل
أعمال الإيمان كلها، وهي الباعثة على
الطاعات كلها، والطاعة والاتباع هما دليل
صدقها (٤) ولهذا قال تعالى: ﴿قُلٌ إِنْ كُنْتُمْ
تُحِبُّونَ اللّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِّرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُنْ
(٤) انظر: موعظة المؤمنين، القاسمي ص٤١٨.
www. modoee.com
٩٣

حرف الميم
وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
ومن ذلك المحبة في تحقيق الصلاة،
فالمحب يحب تكرار اللقاء، فيقبل على
النوافل فرحًا بوقوفه بين يدي ربه جل وعلا.
ومن أثر المحبة تحقيق الجهاد والدعوة،
فالمحب لا يألو جهدًا في الدعوة إلى سبيل
مرضاته، وتعریف العباد به، وبذل کل غالٍ
في سبيله؛ ولهذا وصف الله الذين يحبهم
ويحبونه فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
اَلْكَفِرِينَ يَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً
لَآَ بِرٍّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ
عَلِيمُ﴾ [المائدة: ٥٤].
فمن امتلأت قلوبهم بمحبته باعوا
نفوسهم لله تعالى يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَم
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
وكذلك فللمحبة أعظم الأثر في تحقيق
الصيام، والحج له، والزكاة اتباعا لأمره جل
وعلا، وغيرها من العبادات التي إن قام بها
العبد بدافع من محبته لربه تعالی کانت أكمل
وأفضل.
فالمحبة دافع على منتهى الاجتهاد في
الطاعة، ((من عرف الله أحبه، ومن أحبه
أطاعه))(١).
فالمحبة والمعرفة والإخلاص ومتابعة
(١) القول لعتبة بن غلام.
انظر: روضة العقلاء، ابن حبان ص ٥٦٤.
الحبيب أثمرت أنواع العبادات وآتت
ثمارها، فإن انضم لدافع المحبة دافع
الخوف والرجاء كانت العبودية أكمل
والاستقامة آكد.
ثالثًا: الحشر مع المحبوب:
إن المتأمل في الآيات التي جاء فيها
لفظ الحشر ليدرك أنها جاءت لتؤكد الحشر
والجمع مع من كان يحبون أو يعبدون،
يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَّرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى
النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾[فصلت: ١٩].
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ
أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِّ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُمْمِنَ الإِنسِ
رَبَّنَا أَسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَنَا الَّذِىّ
أَجَّلْتَ لَنَأَ قَالَ النَّارُ مَثَوَنَّكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا
شَآءَ اللَّهُ إِنَّرَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَن ◌َّوْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ
النََّارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِقَِّ اَللَّهِ
وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥].
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ
ضَلُّواْ السَّبِيلَ﴾
• [الفرقان: ١٧].
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ
أَهَؤُلَاءٍ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠].
﴿وَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَتِكَةِ
أَهَؤُلَاءٍ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠].
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتِ
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ
٩٤
القرآن الكريمِ

المحبة
طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ
أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [التوبة:
٧٢].
وفي هذه الآيات دلالة واضحة على أن
الذین أجرموا حشروا مع أقرانهم، وأن الذین
آمنوا حشروا مع أقرانهم، فعن علي رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ثلاثٌ هن حقٌّ: لا یجعل الله من له
سهمٌّ في الإسلام کمن لا سهم له، ولا یتولی
الله عبدٌ فيوليه غيره، ولا يحب رجلٌ قومًا إلا
حشر معهم)(١).
ومن الأحاديث المشهورة في هذا
المعنى حديث أنسٍ رضي الله عنه، (أن
رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن
الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: (وماذا
أعددت لها)؟ قال: لا شيء، إلا أني أحب
الله ورسوله صلی الله عليه وسلم، فقال:
(أنت مع من أحببت). قال أنس: (فما فرحنا
بشيءٍ فرحنا بقول النبي -صلى الله عليه
وسلم: أنت مع من أحببت، قال أنس: فأنا
احب النبي صلی الله علیه وسلم وأبا بكرٍ
وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم
وإن لم أعمل بمثل أعمالهم) (٢).
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط،
٦/ ٢٩٣، وفي المعجم الصغير ٢/ ١١٤.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب ٣/ ٩٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب ما جاء في قول الرجل ويلك، ٣٩/٨،
والحب المقصود هنا نوعان:
الأول: المحبة الدينية، أي المحبة لأجل
الدين والمعتقد، فمن أحب الصالحين
لصلاحهم وأحب ما هم عليه من التقوى
والدین، رجي أن یجمعه الله بهم في جنته،
ومن أحب الكفار لكفرهم ومعتقدهم،
ووالاهم على ما هم فيه، كان ذلك أيضًا سببا
لدخول النار معهم.
قال ابن بطال رحمه الله: ((بيان هذا
المعنى أنه لما كان المحب للصالحين إنما
أحبهم من أجل طاعتهم لله، وكانت المحبة
عملا من أعمال القلوب، واعتقادًا لها، أثاب
الله معتقد ذلك ثواب الصالحين؛ إذ النية
هي الأصل، والعمل تابع لها، والله يؤتي
فضله من یشاء»(٣).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في
تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِی
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً إِلَىَ مَرْجِعُكُمْ
فَأَنْشُكُمْ بِمَا كُتُّمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨].
أي: وإن حرصا عليك أن تتابعهما على
دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا
تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إلي يوم
القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك
علی دینك، وأحشرك مع الصالحين، لا في
زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما
رقم ٦١٦٧.
(٣) باختصار من شرح صحيح البخاري، ابن
بطال ٩/ ٠٣٣٣
www. modoee.com
٩٥

حرف الميم
في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة (المرء مع من أحب) فإنك لن تلحق الأبرار
إلا بأعمالهم، فإن اليهود والنصارى يحبون
مع من أحب، أي: حبًا دينيًا؛ ولهذا قال:
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي
الصَّلِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩](١).
أنبياءهم وليسوا معهم، وهذه إشارة إلى
أن مجرد ذلك، من غير موافقة في بعض
الأعمال، أو كلها: لا ينفع))(٣).
ويقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله في
حديثه عن كبيرة محبة الظلمة أو الفسقة
وبغض الصالحين -: ((عد هذين كبيرة هو
ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة: (المرء
مع من أحب) وله وجه؛ إذ الفرض أنه أحب
الفاسقين لفسقهم، وأبغض الصالحين
لصلاحهم، وظاهر أن محبة الفسق كبيرة
كفعله، وكذا بغض الصالحين؛ لأن حب
أولئك الفاسقين وبغض الصالحين يدل
على انفكاك ربقة الإسلام وعلى بغضه،
وبغض الإسلام كفر، فما يؤدي إليه ينبغي
أن يكون كبيرة»(٢).
الثاني: المحبة الموجبة لتشابه الأعمال
والأخلاق، فمن أحب أحد العلماء
الصالحین وتشبه بما هو عليه من الصلاح
والتقوى دخل الجنة بذلك، ومن أحب
الفاسقین أو الکافرین، وأدت به محبته إلى
التشبه بأحوالهم ومعاصيهم كان معهم في
العقاب أيضًا.
يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: «قال
الحسن: یا ابن آدم! لا يغرنك قول من يقول:
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٥/٦.
(٢) انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر ١٨٤/١.
أما الحب الدنیوي الذي یکون باعثه قرابة
أو صداقة أو مصلحة مادية أو زواج أو غير
ذلك من أسباب الدنيا الفانية، فلا یکون سببًا
للجمع في المحشر أو المصير، فالمسلم
الذي یحب والدته غير المسلمة حبًا فطریًا،
ولا يحشر معها، وغير المسلم الذي يحب
صدیقه المسلم مثلًا من غیر إسلام واتباع لا
يحشر معه، وهكذا كل أنواع المحبة الدنيوية
لا مدخل لها في معنى هذا الحديث.
ويقول الزرقاني رحمه الله: (((المرء مع
من أحب) في الجنة بحسن نيته من غير زيادة
عمل؛ لأن محبته لهم لطاعتهم، والمحبة من
أفعال القلوب، فأثيب على ما اعتقده؛ لأن
الأصل النية، والعمل تابع لها، ولا يلزم من
المعية استواء الدرجات، بل ترفع الحجب
حتى تحصل الرؤية والمشاهدة، وكلّ في
درجته».
وقال السخاوي: ((قال بعض العلماء:
ومعنى الحديث أنه إذا أحبهم عمل بمثل
أعمالهم، قال الحسن البصري: من أحب
قومًا اتبع آثارهم، واعلم أنك لن تلحق
(٣) انظر: إحياء علوم الدين ١٦٠/٢.
٩٦
القرآن الكريمِ

المحبة
بالأخيار حتى تتبع آثارهم، فتأخذ بهديهم، يكون قد نقص من المحبة بقدر ذلك وإن
وتقتدي بسنتهم، وتصبح وتمسي على كانت موجودة، وحب الشيء وإرادته
مناهجهم؛ حرصًا أن تكون منهم))(١).
ومع ذلك ننبه الشباب إلى أن التعلق
باللاعبين والممثلين -بأخبارهم وأحوالهم
وأيامهم - إنما هو من الأوهام والخيالات
التي لا تجر إليهم إلا كل فساد وشر، وهي
الباب للتخلق بأخلاقهم، والعمل بمثل
أعمالهم؛ فإن بين الظاهر والباطن ارتباطا
لا يجهله أحد، والمشاكلة في الظاهر توجب
المحبة فى الباطن، وهكذا العكس بالعكس.
أما الحب النافع فهو حب الصالحين
والناجحين والمبدعين فيما يعود بالنفع على
الأمة والبشرية جميعًا، حبًا يدفع نحو التقدم
والنجاح في الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
((وهذا الحديث حق؛ فإن كون المحب مع
المحبوب أمر فطري لا يكون غير ذلك،
وكونه معه هو على محبته إياه، فإن كانت
المحبة متوسطة أو قريبًا من ذلك كان معه
بحسب ذلك، وإن كانت المحبة كاملة كان
معه كذلك.
والمحبة الكاملة تجب معها الموافقة
للمحبوب في محابه إذا كان المحب قادرًا
عليها، فحيث تخلفت الموافقة مع القدرة،
(١) انظر: شرح الزرقاني على المواهب اللدنية
بالمنح المحمدية ٣٠٤/٥.
يستلزم بغض ضده وكراهته مع العلم
بالتضاد .. ))(٢).
موضوعات ذات صلة:
الرضا، الغضب، الكره
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٧٥٢.
www. modoee.com
٩٧