Indexed OCR Text

Pages 21-40

اللسان
وهو محمود، وهو شعبة من الإيمان باعتبار
أن خوفه من الغلط وخوفه أن يقول على الله
بلا علم جعله یکون کأنه ذو عي، ينقطع في
كلامه، ولا يتواصل كلامه؛ لأجل تحرزه
وتحرسه من أن ينطق بشيء يغلط فيه على
الشريعة، أو أن يقول على الله بلا علم.
ومما يظهر فضل اللسان والنطق أن
الله ذم قومًا بوصفهم بالبكم، فقال تعالى:
﴿صُمُّبُكْمُ عُنْىٌ﴾ [البقرة: ١٨].
والبكم: جمع أبکم، وهو الذي لا ينطق.
فالبكم: آفة في اللسان تمنع معها اعتماده
على مواضع الحروف، أو الأبكم الذي
يولد أخرس، أو المسلوب الفؤاد الذي لا
یعي شيئًا ولا يفهمه، أو الذي جمع الخرس
وذهاب الفؤاد (١)
والبكم - كما قال أهل العلم- نوعان:
بكم القلب، وبكم اللسان، كما أن النطق
نطقان، نطق القلب، ونطق اللسان، وأشدهما
بکم القلب، کما أن عماه وصممه أشد من
عمى العين وصمم الأذن، فوصفهم سبحانه
بأنهم لا يفقهون الحق، ولا تنطق به ألسنتهم،
والعلم - كما هو معلوم- يدخل إلى العبد
من ثلاثة أبواب، من سمعه وبصره وقلبه،
وقد سدت عليهم هذه الأبواب الثلاثة، فسد
السمع بالصمم، والبصر بالعمى، والقلب
(١) تفسير القرآن، العزبن عبد السلام ٢٣/١.
(٢)
بالبكم
وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في
اللسان والعي ختمًا عليه، فقال(٣):
ختم الإله على لسان عذافر
ختمًا فليس على الكلام بقادر
وإذا أراد النطق خلت لسانه
لحمًا یحر کە لصقر ناقر
(٢) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص ١٦٥.
(٣) انظر: البصائر والذخائر، التوحيدي ٤ / ١٩٠،
ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، الزمخشري
٢٠٩/٥.
www. modoee.com
٢٧

حرف اللام
آفات اللسان
للسان آفات بينها القرآن الكريم نوضحها
فيما يأتي:
أولًا: النطق بكلمات الكفر:
من أعظم آفات اللسان النطق بكلمات
الكفر من غير إكراهٍ.
قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ
وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ
وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَمُهُمُ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤].
وكلمة الكفر: الكلام الدال علیه، وأصل
الكلمة اللفظ الواحد الذي یترکب منه، ومن
مثله الكلام المفيد، وتطلق الكلمة على
الكلام إذا كان كلامًا جامعًا موجزًا، كما
في قوله تعالى: ﴿كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةُ هُوَ قَائِلُهَا ﴾
[المؤمنون: ١٠٠].
وفي الحديث: (أصدق كلمة قالها
شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله
باطل)(١).
فکلمة الکفر جنس لکل کلام فیه سب
أو استهزاء أو تكذیب للنبي صلی الله عليه
وسلم، كما أطلقت كلمة الإسلام على
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول
الله.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الشعر،
١٧٦٨/٤، رقم ٢٢٥٦.
فالكلمات الصادرة عنهم على اختلافها
ما هي إلا أفراد من هذا الجنس، كما دل عليه
إسناد القول إلى ضمير جماعة المنافقين.
ولم تبين هذه الآية ما هي هذه الكلمة
التي قالوها وكفروا بها؟ ولم تذكر إلا أنها
كلمة صدرت من بعض المنافقين تدل على
تکذیب النبي صلی الله عليه وسلم، وقد
قیل: إِن الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن
سلول لقوله الذي حكاه الله عنه بقوله:
﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ
الْأَعَزُّمِنْهَا الْأَذَلَ﴾ [المنافقون: ٨].
فسعى به رجل من المسلمين، فأرسل
إليه رسول الله فسأله، فجعل یحلف بالله ما
قال ذلك (٢).
وعلى هذه الرواية يكون إسناد القول إلى
ضمير جمع كناية عن إخفاء اسم القائل،
کما یقال: ما بال أقوام يفعلون كذا وقد فعله
واحد، أو باعتبار قول واحد وسماع البقية
فجعلوا مشارکین في التبعة، كما يقال: بنو
فلان قتلوا فلانًا، وإنما قتله واحد من القبيلة،
وعلى فرض صحة وقوع كلمة من واحد
معین فذلك لا يقتضي أنه لم يشاركه فيها
غيره؛ لأنهم كانوا يتآمرون على ما يختلقونه،
و کان ما يصدر من واحد منهم يتلقفه جلساؤه
(٢) ذكر سبب النزول هذا الجصاص في أحكام
القرآن ١٨٤/٣، والسمعاني في تفسيره
٣٢٩/٢، وابن جزي في التسهيل لعلوم
التنزيل ٣٤٣/١.
٢٨
الْقُرْآن الكَرِيْمِ

اللسان
وأصحابه ويشارکونه فيه(١).
ومعنى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ
قَالُواْ ﴾ [التوبة: ٧٤].
أي: إن المنافقين إذا قالوا قولًا فيه
الاستهزاء بالدين وبالرسول وبلغهم أن النبي
صلى الله عليه وسلم قد بلغه شيء من ذلك
جاءوا إلیه يحلفون بالله ما قالوا، وكلما ظهر
شيء منهم یوجب مؤاخذتهم حلفوا کاذبین،
عصمة لأموالهم ودمائهم.
وقد حكى القرآن كثيرًا من أيمانهم
الكاذبة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ
بِاَللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُمْ مِنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ
٤٠٠٠
يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦].
وقوله سبحانه: ﴿يَخْطِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ
لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُو أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن
كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢].
وأتى بصيغة الفعل المضارع (يحلفون)؛
لاستحضار الصورة، أو للدلالة على تكرير
الفعل.
فلما نطقت ألسنتهم بكلمة الكفر،
وحلفوا أنهم ما قالوا قال تعالى مكذبًا لهم:
﴿وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ أَلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ
إِسْلَمِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤].
فإسلامهم السابق - وإن كان ظاهره أنه
أخرجهم من دائرة الكفر- ينقضه كلامهم
الأخیر ويدخلهم بالكفر.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٥/٣.
وقال: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ﴾ ولم
يقل: بعد إيمانهم؛ لأنهم يقولون بألسنتهم:
آمنا، ولم يدخل الإيمان إلى قلوبهم.
ومما يدل أيضًا على أن من أعظم آفات
اللسان النطق بالكفر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ
لَغَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ
الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَقُولُونَ
هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى
اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: ٧٨].
ولي اللسان أي: تحريف الكلام
في النطق به أو في معانيه، أي: يقلبونها
ويحرفونها، كما قال في موطن آخر: ﴿
بِاَلْسِنَئِهِمْ﴾ [النساء: ٤٦].
فلي اللسان شبيه بالتشدق والتنطع
والتكلف وذلك مذموم، فعبر الله عن
قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلي اللسان
ذمًا لهم، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب
تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء
الواحد، فيقولون في المدح: خطيب مصقع،
وفي الذم: مكثارٌ، ثرثارٌ، فالمراد بقوله:
﴿يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ﴾ أي: بقراءة
ذلك الكتاب الباطل، فيعمدون إلى اللفظة
فيحرفونها عن حركات الإعراب تحريفًا
یتغیر به المعنی، وهذا كثيرٌ في لسان العرب،
فلا يبعد مثله في العبرانية، فكانوا يفعلون
ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد صلى
www. modoee.com
٢٩

حرف اللام
الله عليه وسلم في التوراة (١).
والمراد تحريفهم كآية الرجم، ونعت
محمد صلی الله عليه وسلم، ونحو ذلك،
والضمير في (لتحسبوه) يرجع إلى ما
دل عليه ﴿يَلْوُّونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ﴾
وهو المحرف، ويجوز أن يراد يعطفون
ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه
من الكتاب، أي: التوراة، ﴿وَمَا هُوَ مِنَ
اَلْكِتَبِ﴾ وليس هو من التوراة(٢).
والباء في قوله: ﴿بِلْكِنَبِ﴾ صلة
أو للآلة أو للظرفية أو للملابسة، والجار
والمجرور حال من الألسنة، أي: ملتبسة
بالكتاب(٣).
ومن نطق اللسان بالكفر ما حكاه
الله عن اليهود والنصارى حيث قال:
وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ
النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِّ ذَلِكَ
قَوْلُهُم بِأَقْوَهِهِمَّ يُضَنِهِقُونَ قَوْلَ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِن قَبْلُّ قَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى
يُؤْنَكُونَ ﴾[ التوبة: ٣٠].
فنسبة الولد إلى الله تعالى كفر بجلاله
وكماله، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم
پِأَفْوهھِمْ﴾ أي: ليس له من الواقع شيء؛
إذ لیس لله تعالی ولد، و کیف يكون له ولد
ولم تكن له زوجة؟! وإنما ذلك قولهم
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤ /١٧٥.
(٢) مدارك التنزيل، النسفي ١/ ١٦٢.
(٣) روح المعاني، الألوسي ١٠١/٣.
بأفواههم فقط.
و﴿بِأَفْوَهِهِمْ﴾ حال من القول،
والمراد أنه قول لا يعدو الوجود في اللسان،
ولیس له ما يحققه في الواقع، وهذا كناية عن
كونه كذبًا، كقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ
تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾
[الكهف: ٥].
وفي هذا أيضًا إلزام لهم بهذا القول، وسد
باب تنصلهم منه؛ إذ هو إقرارهم بأفواههم
وصريح كلامهم.
فإن قيل: من المعلوم أن كل قول إنما
يقال بالفم فلم قال: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم
بِأَفْوَهِهِمْ﴾؟ وما معنى تخصيصهم بهذه
الصفة؟ فالجواب: لما كان قولهم لا يعضده
برهان وإنما هو لفظ يفوهون به، وهو فارغ
من معنى معتبر؛ لأن إثبات الولد للإله
قول باطل، لأنه منزه عن الحاجة والشهوة
والمضاجعة والمباضعة، اعتبر قولهم هذا
مجرد قول بالأفواه فقط، ونظيره قوله تعالى:
﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل
عمران: ١٦٧].
وقد يكون المراد: أنهم يصرحون بهذا
المذهب ولا يخفونه ألبتة، أو يكون المعنى:
أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى
وقعت هذه المقالة في الأفواه والألسنة،
والمراد مبالغتهم في دعوة الخلق إلى هذا
المذهب.
٣٠
جَوَنُوالَهُ النَّفْسِيَّة
القرآن الكريم

اللسان
قال أهل المعاني: إن الله سبحانه لم يذكر وجوه، أنهاها في الكشاف إلى سبعة (٣)،
قولًا مقرونًا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان وفي بعضها بعد، وأولاها بالاستخلاص
قولًا زورًا؛ كقوله: ﴿يَقُولُونَ يَأَفْوَهِهِم مَّا
لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي
قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١](١).
وفي هذه الآية دليلٌ على أن من أخبر عن
کفر غيره الذي لا يجوز لأحد أن يبتدئ به
لا حرج عليه؛ لأنه إنما ينطق به على سبيل
الاستعظام له والرد عليه، ولو شاء ربنا ما
تكلم به أحد، فإذا أمكن من إطلاق الألسنة
بالقلب واللسان، والرد عليه بالحجة))(٢).
ومن نطق اللسان بالكفر ما حكاه الله
تعالى في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ قَوْمٍ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودٌ وَالَّذِينَ
مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم
بِالْبَِّنَتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيِّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ
إِنَّا كَغَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَا
تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾[ إبراهيم: ٩ ]وضمائر
(ردوا) و(أیدیهم) و(أفواههم) عائد جميعها
إلى قوم نوح والمعطوفات عليه، ومعنى:
﴿فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ يحتمل عدة
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١١٨/٨.
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٨/ ٢٦٢.
أن یکون المعنی: أنهم وضعوا أیدیھم علی
أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام
الرسل؛ كراهية أن تظهر دواخل أفواههم،
وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل.
والرد مستعمل في معنى تكرير جعل
الأيدي في الأفواه، كما أشار إليه الراغب (٤).
أي: وضعوا أيديهم على الأفواه ثم أزالوها،
ثم أعادوا وضعها، فتلك الإعادة رد.
به فقد أذن بالإخبار عنه، على معنى إنكاره بها التمكين، فهي بمعنى (على) كقوله:
وحرف (في) للظرفية المجازية، والمراد
[الزمر: ٢٢]،
﴿أُوْلَكَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴾
فيكون معنى: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَ هِهِمْ﴾
أي: جعلوا أيديهم على أفواههم، وعطفه
بفاء التعقيب مشيرًا إلى أنهم بادروا برد
أيديهم في أفواههم بفور تلقيهم دعوة
رسلهم، فيقتضي أن یکون رد الأيدي في
الأفواه تمثيلًا لحال المتعجب المستهزئ،
فالكلام تمثيل للحالة المعتادة، وليس
المراد حقيقته؛ لأن وقوعه خبرًا عن الأمم
مع اختلاف عوائدهم وإشاراتهم واختلاف
الأفراد في حركاتهم عند التعجب قرينة على
أنه ما أريد به إلا بیان عربي(٥).
أو يكون معنى: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيَ
(٣) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٥٤٢.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٤٩.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٧/٢٥.
www. modoee.com
٣١

حرف اللام
أَفْوَهِهِمْ﴾ عضوها غيظًا وضجرًا مما جاءت عن الاتساع لهم، كالمغلولة يده الذي لا
يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف (٢).
به الرسل، كقوله: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ
اٌلْغَيْظِ ﴾ [آل عمران: ١١٩].
وهذه من أقبح الكلمات التي نطقتها ألسنتهم
بالكفر.
أو ضحگًا واستهزاء کمن غلبه الضحك
فوضع يده على فيه، أو أشاروا بأيديهم إلى
ألسنتهم وما نطقت به، من قولهم: ﴿إِنَّ كُفَرْنَا
بِمَا أُرْ سِلْتُمِ يدِ﴾ أي: هذا جوابنا لكم ليس
عندنا غيره، تیئیسا لهم من التصديق، ألا ترى
إلى قوله: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيَ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ
إِنَّا كُغرنا پما أُرسِلْتُم پهِ﴾ وهذا قول قوي، أو
يكون المراد أنهم وضعوها على أفواههم
يقولون للأنبياء: أطبقوا أفواهکم واسكتوا،
أو يكون المراد: ردوها في أفواه الأنبياء
يشيرون لهم إلى السكوت، أو وضعوها
على أفواههم يسكتونهم ولا يذرونهم
يتكلمون(١).
ومن نطق اللسان بالكفر أيضًا قول الله
تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيُهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
وَلُعِنُواِْمَا قَالُواْ ﴾ [المائدة: ٦٤].
ففي هذه الآية إخبار من الله عن جراءة
اليهود عليه سبحانه، وسوء أدبهم معه،
وتوبيخ لهم على جحودهم نعمه التي لا
تحصی.
وأرادوا بقولهم: ﴿يَدُ اَللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أنه
سبحانه بخيل عليهم، ممسك خيره عنهم،
مانع فضله عن أن يصل إليهم، حابس عطاءه
(١) الكشاف، الزمخشري ٢٦٩/٣.
جَوْسُورُ
القرآن الكريمِ
والمقصود أن من آفات اللسان النطق
بالكفر، ويجري مجرى النطق بألفاظ الكفر
كتابتها مدركًا معناها ومرماها من غير إكراه،
وقد جاءت الرخصة بإجراء كلمة الكفر على
اللسان على سبيل الإكراه، ويتفاوت الأمر
بين صاحب العزيمة والرخصة.
قال تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ
بَعْدٍ إِبِمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ
بِاَلْإِيمَنِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ
غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[النحل: ١٠٦].
فمن نطق بالكفر عالمًا به غير مكره وقاله
لا على سبيل الحكاية علم كفره؛ لأن اللسان
ترجمان صاحبه، ومدبر أمره، والمؤدي
لمافي قلبه وجوارحه من صلاح أو فساد،
يجري ذلك على ترجمته بما ينطق.
ثانيًا: النطق بالكذب والنفاق:
ومن آفات اللسان النطق بالكذب
والنفاق.
قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ
مِنَ الْأَعْرَبِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالْنَا وَأَهْلُونَا فَأَسْتَغْفِرْ
(٢) الوسيط، سيد طنطاوي ٣١٣/١١.
٣٢

اللسان
لَنَاْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمِ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾
[الفتح: ١١].
أنهم
فوصف الله هؤلاء المنافقين
﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي:
إن کلامهم من طرف اللسان غير مطابق لما
في الجنان، وهو كناية عن كذبهم، فالجملة
استئناف لتكذيبهم، والكذب راجع لما
تضمنه الكلام من الخبر عن تخلفهم بأنه
لضرورة داعية له، وهو القيام بمصالحهم
التي لا بد منها، وعدم من يقوم بها لو ذهبوا
معه عليه الصلاة والسلام(١).
وهذا يدل على أن مخالفة اللسان لما في
القلب من علامة النفاق، وهذه هي طبيعة
المنافقين ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾
[النساء: ١٤٢].
وكان خداعهم بالقول وبالفعل،
وخداعهم بالقول في قوله عنهم: ﴿يَقُولُونَ
بِأَلَسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١].
وخداعهم في الفعل في قوله عنهم:
﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾
[النساء: ١٤٢].
ومع أن القول لا يكون إلا باللسان إلا
أنه قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم﴾ وکأن المراد
أن هذا القول لم يواطئ القلب وإنما هو من
طرف اللسان فقط.
ولهذا قيل: إن القول المطلق والعمل
(١) روح المعاني، الألوسي ١٩/ ١٩٤.
المطلق في كلام السلف يتناول قول
القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح،
فقول اللسان بدون اعتقاد القلب هو قول
المنافقين، وهذا لا يسمى قولًا إلا بالتقييد،
كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي
قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١].
وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال
القلوب هي من أعمال المنافقين التي لا
يتقبلها الله(٢).
وذكر الألسنة لأن الناس يقولون: قال في
نفسه، وقلت في نفسي، وفي كتاب الله عز
وجل: ﴿وَيَقُولُونَ فِّ أَنْفُسِهِمْ لَوْلًا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا
نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨].
فعلم أن ذلك القول باللسان دون كلام
النفس.
فلما كان المنافق يختلف ما فى قلبه عما
في لسانه صار ما ینطق به لسانہ کذبًا ونفاقًا،
أما المؤمن فقلبه ولسانه سواء؛ ولذلك جاء
الأمر بحفظ اللسان والتحذير من إطلاق
العنان له.
وسلامة اللسان من سلامة القلب، فإذا
كان القلب سليمًا كانت الجوارح سليمة؛
ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلََّ مَنْ أَتَى اللَّهَیِقَلْبٍ
[الشعراء: ٨٩].
أي: أن يكون خاليًا عن العقائد الفاسدة،
والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها.
(٢) انظر: الإيمان الأوسط، ابن تيمية ص ١٢٣.
www. modoee.com
٣٣

حرف اللامر
فإن قيل: فظاهر هذه الآية يقتضي أن من مستكره(٥). ففسر السلق بأذى اللسان، ومنه
قول الأعشى(٦):
سلم قلبه کان ناجیًا، وأنه لا حاجة فيه إلى
سلامة اللسان واليد، وجوابه: أن القلب
مؤثر، واللسان والجوارح تبع، فلو كان
القلب سلیمًا لکانا سلیمین لا محالة، وحيث
لم يسلما ثبت عدم سلامة القلب(١).
ووصف الله ألسنة المنافقين بأنها
سلقة ذربة، فقال: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ لَلْنَوْقُ
سَلَقُوكُمْ بِأَلَِّةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ﴾
[الأحزاب: ١٩].
والسلق والصلق: رفع الصوت والصياح،
ومنه: إن رسول الله صلی الله عليه وسلم
بريء من الصالقة (٢). يعني بالصالقة أو
السالقة التي ترفع صوتها بالنياحة. ومنه
قولهم: خطيب مسلق ومسلاق وسلاق
وصلاق، بالسین والصاد جميعًا، أي: ذو
بلاغة ولسن (٣). وأصل السلق: بسط العضو
ومده للأذى، سواء أكان هذا العضو يدًا أو
لسانًا (٤).
والسلق بالألسنة عبارة عن الكلام بكلام
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٨٩/١١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة، رقم
١٢٣٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب
والدعاء بدعوى الجاهلية، رقم ٢٩٨.
(٣) التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم
ص٣٤٠.
(٤) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ١٥/ ٤٠٦.
فيهم الخصب والسماحة والنجـ
ـدة فيهم والخاطب المسلاق (٧)
والمراد به الإيذاء بالكلام السيئ القبيح،
أي: رفعوا أصواتهم عليكم بألسنة حداد،
والحداد: جمع حديد، وحديد: كل شيء
﴿فبصرك اليوم حَدِيد
نافذ، ومثله قوله تعالى:
[ق: ٢٢](٨). يقال: لسان حديد نحو لسان
صارم وماضٍ، وذلك إذا کان يؤثر تأثیر
الحديد. والمعنى: فصحاء قادرين على
الكلام، وأصحاب ألسنة شديدة ذربة.
فألسنة المنافقين كانت عند الخوف في
غاية اللجلجة، لا تقدر على الحركة من قلة
الريق ويبس الشفاه، وهذا لطلب العرض
الفاني من الغنيمة وغيرها، فإذا ذهب
الخوف صارت ذربة قاطعة (٩).
وهكذا حال المنافقين لما ذكر القتال
أمامهم صار حالهم کحال المغشي علیه من
الموت، وعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم
لسانًا، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم.
(٥) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٦١/٢.
(٦) البيت في ديوانه ص ٢٦٣.
وانظر: الحيوان، الجاحظ ٢٣٤/٣، تهذيب
اللغة، الأزهري ٣٠٨/٨.
(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٥٤/١٤.
(٨) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٦/٢٧.
(٩) السراج المنير ٣٤٥/٨.
جَوَسُورًا
القرآن الكريم
٣٤

اللسان
فهم -أي: المنافقون- عند الشدائد
جبناء بخلاء، فإذا ما ذهب الخوف وحل
الأمان سلطوا عليكم ألسنتهم البذيئة بالأذى
والسوء، ورموكم بألسنة ماضية حادة، تؤثر
تأثير الحديد في الشيء، وارتفعت أصواتهم
بعد أن كانوا إذا ما ذكر القتال أمامهم
صار حالهم كحال الذي يغشى عليه من
الموت (١).
بقوله: ﴿بِأَلِّنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقال
في موطن آخر: ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ﴾
[المنافقون: ٤]، أي: لفصاحتهم وحلاوة
ألسنتهم، ووصفهم في موضع آخر بأنهم:
﴿صُّبُكْمُّ عُمْىٌ﴾ [البقرة: ١٨].
إلی غیر ذلك من الآيات، فکیف الجمع؟
والجواب: أن وجه الجمع ظاهر، وهو
أنهم بكم عن النطق بالحق وإن رأوا غيره،
وقد بين تعالى هذا الجمع بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا
لَهُمْ سَمّعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف: ٢٦].
الآية؛ لأن ما لا يغني شيئًا فهو كالمعدوم،
فالكلام ونحوه الذي لا فائدة فيه کلا شيء؛
فيصدق على صاحبه أنه أعمى وأصم
وأبكم، والعرب ربما أطلقت الصمم على
السماع الذي لا أثر له، ومن ذلك قول قعنٌّ
إذا سمعوا خيرًا ذكرت به
وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
(١) الوسيط، سيد طنطاوي ١٥ / ٤٠٦.
وقول الآخر (٢):
قل ما بدا لك من زور ومن كذب
حلمي أصم وأذني غير صماء
ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من
إطلاق الصمم على السماع الذي لا فائدة
فيه، وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه،
والرؤية التي لا فائدة فيها (٣).
فهذا الذي ذكره جل وعلا من فصاحتهم
فإن قيل: وصف الله ألسنة المنافقين هنا وحدة ألسنتهم مع تصريحه بأنهم بكم يدل
علی أن الكلام الذي لا فائدة فيه کلا شيء،
كما هو واضح، وكما قيل (٤):
وإن کلام المرء في غیر کنھه
لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
ثالثًا: لي اللسان بقصد السب والإيذاء:
(اللي) عبارة عن عطف الشيء ورده
عن الاستقامة إلى الاعوجاج، يقال: لويت
يده والتوی الشيء إذا انحرف، والتوی فلان
علي إذا غير أخلاقه عن الاستواء إلى ضده،
ولوى لسانه عن كذا إذا غيره، ولوى فلانًا
عن رأيه إذا أماله عنه(٥).
فيكون أصل اللي: الانعطاف والانثناء،
ومنه: ﴿وَلَا تَلْوُنَ عَلَىَ أَحَدٍ﴾ [آل
عمران : ١٥٣].
(٢) البيت لبشار بن برد في ديوانه ص ١٢٥.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٥٥/١.
(٤) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٧/٦، لسان
العرب، ابن منظور ١٣/ ٥٣٧.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦٨/٤.
www. modoee.com
٣٥

حرف اللام
ولي اللسان: تحريف الكلام في النطق به فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على
نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام- من
التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى:
﴿يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾(٢).
أو في معانيه. أي: إنھم یثنون ألسنتهم ليكون
الکلام مشبها لغتین، بأن یشبعوا حرکات،
أو يقصروا مشبعات، أو يفخموا مرققًا، أو
يوقفوا مفخمًا؛ ليعطي اللفظ في السمع
صورة تشبه صورة كلمة أخرى، فإنه قد
تخرج كلمة من زنة إلى زنة ومن لغة إلى لغة
بمثل هذا، فاللي كيفية من کیفیات القول(١).
والعلة من هذا اللي بالكلمة أو بالكلام
لیکون اللفظ في السمع مشبها لفظًا آخر هم
يريدونه لأنه يدل على معنى ذميم.
وهذا اللي باللسان إلى خلاف ما في
القلب موجود في بني إسرائيل، وقد أخبر
الله أن من اليهود فريقًا دأبوا على تبديل
كلام الله وتغييره عما هو عليه افتراء على
الله واستهزاءً بالرسول.
قال تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ
اَلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَنِهِمْ وَطَعْنَا فِىِ
الدِّينِّ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْنَا
لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَكُفْرِهِمْ فَلَا
يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: ٤٦].
فقوله: ﴿يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ معناه: أنهم
يعمدون إلى اللفظة فيحرفونها في حركات
الإعراب تحریفًا یتغیر به المعنى، وهذا کثیر
في لسان العرب، فلا يبعد مثله في العبرانية،
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٦١.
جوببيو
القرآن الكريمِ
وفي الآية نهي من الله لعباده المؤمنين من
أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم؛
وذلك أن اليهود كانوا يعلنون من الكلام
ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص،
وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم
بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: السام
عليكم (٣)، والسام هو الموت؛ ولهذا أمرنا
أن نرد علیھم بـ«وعلیکم» وإنما یستجاب لنا
فيهم ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله
تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين
قولًا وفعلًا(٤).
وذكر الله بعض الأمثلة من لي الألسنة
من قبل یهود، منها: أنهم كانوا يقولون للنبي
صلى الله عليه وسلم على سبيل التهكم
والاستهزاء: ﴿وَرَعِنَا﴾ ويقصدون بهذا
القول الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم،
يقصدون به رميه بالرعونة، ويوهمون
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦٨/٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
بابٍ لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم
فاحشًا ولا متفحشًا، رقم ٥٦٨٣، ومسلم في
صحيحه، كتاب السلام، باب النهى عن ابتداء
أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، رقم
٥٧٨٤.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٣/١.
٣٦

اللسان
أنهم يقولون: راعنا، أي: احفظنا، أو راعنا وتحريفًا عن الحق إلى الباطل، حيث
سمعك، وإنما يريدون الرعونة(١).
وينطقون بهذه الكلمة وما يشابهها نطقًا مكان لا أسمعت مكروهًا، أو يفتلون
ملتويًا منحرفًا ليصرفوها عن جانب احتمالها بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما
يظهرونه من التوقير نفاقًا (٤).
للخير إلى جانب للشر؛ ولذا فقد نهى الله
تعالى المؤمنين عن مخاطبة الرسول صلى
الله عليه وسلم بمثل هذه الألفاظ (٢).
وأتوا بلفظ ظاهره طلب المراعاة، أي:
الرفق، والمراعاة: مفاعلة مستعملة في
المبالغة في الرعي على وجه الكناية الشائعة
التي ساوت الأصل؛ لأن الرعي من لوازمه
الرفق بالمرعي وطلب الخصب له ودفع
العادية عنه، وهم يريدون بـ(راعنا) كلمة في
العبرانية تدل على ما تدل عليه كلمة الرعونة
في العربية.
وقد روي أنها كلمة (راعونا) وأن معناها
الرعونة، فلعلهم كانوا يأتون بها يوهمون
أنهم يعظمون النبي صلى الله عليه وسلم
بضمير الجماعة، ويدل لذلك أن الله نهى
المسلمين عن متابعتهم إياهم في ذلك،
فقال في سورة البقرة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا
وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[البقرة: ١٠٤](٣).
وقوله: ﴿لَيَّا بِأَلْسِنَنِهِمْ﴾ أي: فتلا بها
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٤/٢.
(٢) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ١ / ٩٦١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٦١.
يضعون راعنا مكان انظرنا، وغير مسمع
ومعنى: ﴿وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أنهم
يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم
عند مراجعته في أمر الإسلام: اسمع منا،
ويعقبون ذلك بقولهم: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾
يوهمون أنهم قصدوا الظاهر المتبادر من
قولهم: غير مسمع أي: غير مأمور بأن
تسمع، في معنى قول العرب، «افعل غير
مأمور» أو يكون معناه: غير مسمع مكروهًا،
فلعل العرب كانوا يقولون: أسمعه بمعنى
سبه.
والحاصل أن هذه الكلمة كانت معروفة
الإطلاق بين العرب في معنى الكرامة
والتلطف إطلاقًا متعارفًا، ولكنهم لما قالوها
للرسول أرادوا بها معنى آخر انتحلوه لها من
شيء يسمح به تركيبها الوضعي، أي: أن
لا یسمع صوتًا من متکلم، بأن یصیر أصم،
أو أن لا يستجاب دعاؤه، وقصدهم من
إيراد كلام ذي وجهين أن يرضوا الرسول
والمؤمنين، ويرضوا أنفسهم بسوء نيتهم
مع الرسول صلی الله عليه وسلم، ويرضوا
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ١٥٣/٤.
www. modoee.com
٣٧

حرف اللام
قومهم، فلا يجدوا عليهم حجة(١).
ثم بين سبحانه ما كان يجب عليهم أن
يقولوه لو كانوا يعقلون، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ
أَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْنا لَكَانَ خَيْرًا
لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ أي: لو تبدلوا بالعصيان الطاعة،
ومن الطاعة الإيمان بك، واقتصروا على
لفظ: اسمع، وتبدلوا براعنا قولهم: وانظرنا،
فعدلوا عن الألفاظ الدالة على عدم الانقياد
والموهمة إلى ما أمروا به؛ لکان أي: ذلك
القول خیرًا لهم عند الله، وأعدل، أي: أقوم
وأصوب(٢).
رابعًا: اللسان ومقالة السوء:
جعل الله تعالى اللسان وسيلة للتعبير
عن النفس وخواطرها وأفكارها، كما
جعله وسيلة للتعارف والتآلف بين الناس،
وقد خصص الله اللسان للكلام، وحدد له
ما ينبغي له التحدث فيه، ألا وهو الحسن
من الكلام، الذي يؤلف القلوب، ويصلح
بين الناس، ويحق الحق، ويبطل الباطل،
وحذرنا من الكلام المذموم، ومن الإسراف
بالقول، ومن قالة السوء.
وقد أخبر الله تعالى أن الكفار يبسطون
أيديهم وألسنتهم بالسوء للمؤمنين، فقال:
﴿إِن يَثْقَفُوَكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءَ وَيَبْسُطُواْ
إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِتَنَهُم ◌ِالسُّوْءِ وَوَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٦١.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ١٥٣/٤.
[الممتحنة: ٢].
فبسط الأيدي حقيقة في مدها للضرب
والسلب، وبسط الألسنة مجاز في عدم
إمساكها عن القول البذيء(٣).
فالبسط مستعار للإكثار لما شاع من
تشبيه الکثیر بالواسع والطويل، وتشبيه ضده
وهو القبض بضد ذلك، فبسط اليد الإكثار
من عملها، والمراد به هنا عمل اليد الذي
يضر، مثل الضرب والتقييد والطعن، وعمل
اللسان الذي يؤذي، مثل الشتم والتهكم،
ودل على ذلك قوله: ﴿بِالسُّوءِ﴾ فهو متعلق
بـ ﴿وَيَبْسُطُواْ﴾ الذي مفعوله: ﴿أَيْدِيَهُمْ
وَأَلْسِنَهُم﴾(٤).
وأخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء
من القول، فقال: ﴿لََّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوْءِ
مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾
[النساء: ١٤٨].
والمعنى أنه تعالى لا يحب لأحد من
عباده أن يجهر بالأقوال السيئة إلا من وقع
عليه الظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من
القول في الحدود التي تمكنه من رفع الظلم
عنه دون أن يتجاوز ذلك، کان یجھر الخصم
بما ارتکبه خصمه في حقه من مآثم، و کان
يذكر المظلوم الظالم بالقول السيئ متحريا
البعد عن الكذب والبهتان.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٦/١.
(٤) المصدر السابق ٣٨٣/٢٨.
٣٨
جَوَُّور
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

اللسان
ومع ذلك فعفوه وعدم مقابلته أولى، كما الناس للكثير من الألفاظ النابية والأقوال
السيئة.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ، عَلَى اللَّهِ﴾
[الشورى: ٤٠].
والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾
استثناء منقطع، فتكون إلا بمعنى (لكن) أي:
لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن
من ظلم له أن يجهر بالسوء لکی یدفع ما
وقع عليه من ظلم.
المعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من
القول من أحد إلا ممن ظلم، فإنه يجوز له
أن یجھر بالسوء من القول لرفع الظلم عنه،
فيكون الاستثناء من الفاعل المحذوف،
وهو من أحد، أو: لا يحب الله الجهر السوء
من القول إلا جهر من ظلم، فإنه ليس بخارج
عن محبة الله؛ لأن دفع الظلم واجب، فيكون
الكلام على تقدير مضاف محذوف(١).
فمقالة السوء بدون مقتضي يبغضها الله
سواء أكان هذا القول سرًا أو جهرًا، إلا
أنه سبحانه خص الجهر بالذكر؛ لأنه أشد
فحشًا، ولأنه أكثر جلبًا للعداوة بين الناس،
وأشد تأثيرًا في إشاعة الجرائم في المجتمع،
فإن كثرة سماع الناس للكلام السيئ وللقول
الماجن یغري الكثير منهم بترديد ما سمعوه،
وبحكايته في أول الأمر بشيء من الحياء،
ثم لا يلبث هذا الحياء أن يزول بسبب إلف
(١) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ١١٦/١١.
وفي القرآن عشرات الآيات تأمر
المسلمين بالمداومة على النطق بالكلام
الطيب حتى تنتشر بينهم المحبة والمودة،
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ
حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
والمقصود أن الله تعالى لا يحب الجهر
ويحتمل أن يكون متصلًا، فيكون بالسوء من القول، أي: يبغض ذلك ويمقته،
ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال
السيئة التي تسوء وتحزن كالشتم والقذف
والسب ونحو ذلك، فإن ذلك كله من
المنهي عنه الذي يبغضه الله، ويدل مفهومها
أنه يحب الحسن من القول كالذكر والكلام
الطيب اللین.
والإسلام يحب لأتباعه أن يلتزموا النطق
بالكلمة الطيبة، ويكره لهم أن يجهروا بالسوء
من القول إلا في حالة وقوع ظلم عليهم، ففي
هذه الحالة يجوز لهم أن يجهروا بالسوء من
القول حتى يرتدع الظالم عن ظلمه.
وأمر الله عباده المؤمنين أن يقولوا التي
هي أحسن، فقال تعالى: ﴿وَقُل لِعِبَادِى
يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنِزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ
الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء:
٥٣].
فهذا الأمر ﴿ وَقُل ◌ِّمِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِ هِىَ
آحسُ﴾ على وجه الإطلاق وفي كل مجال،
www. modoee.com
٣٩

حرف اللامر
يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة،
فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة
تفلت، وبالرد السيئ يتلوها، فإذا جو الود
والمحبة والوفاق مشوب بالخلاف، ثم
بالجفوة، ثم بالعداء، والكلمة الطيبة تأسو
جراح القلوب، وتندي جفافها، وتجمعها
على الود الكريم.
وهذه الآية تكشف لنا عن أدب عظيم
حريٌّ بکل مسلم أن يتأدب به ویتخلق به،
وهو خلق تعويد اللسان على القول الحسن،
والمجادلة بالتي هي أحسن.
و﴿أَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ أي: الكلمة التي هي
أحسن من غيرها؛ للطفها وحسنها؛ لتجد
طريقًا إلى القلوب.
و ﴿أَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ صفة لمحذوف
يدل عليه فعل (يقولوا) تقديره: بالتي هي
أحسن، وليس المراد مقالة واحدة، واسم
التفضيل مستعمل في قوة الحسن، ونظيره
قوله: ﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:
١٢٥]، أي: بالمجادلات التي هي بالغة الغاية
في الحسن، فإن المجادلة لا تكون بكلمة
واحدة.
وهذا تأديب عظيم في مراقبة اللسان
وما يصدر منه، وفي الحديث الصحيح عن
معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى
الله عليه وسلم أمره بأعمال تدخله الجنة،
فيختاروا أحسن ما يقال ليقولوه؛ بذلك ثم قال له: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟)
قلت: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه وقال:
(كف عليك هذا) قال: قلت: يا رسول
الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال:
(ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار
على وجوههم) أو قال: (على مناخرهم إلا
حصائد ألسنتهم)(١).
والمقصد الأهم من هذا التأديب تأديب
الأمة في معاملة بعضهم بعضًا بحسن
المعاملة، وإلانة القول؛ لأن القول ينم عن
المقاصد (٢).
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْتَهُمْ﴾
تعليل للأمر السابق، أي: إن الشيطان
يتربص بكم، ويتلمس السقطات التي تقع
من أفواهكم، والعثرات التي تنطق بها
ألسنتكم؛ لكي يشيع الشر بينكم، ويبذر
بذور الشر والبغضاء في صفوفكم، ويھیج
أعداءکم علیکم، فهو یتلمس سقطات فمه،
وعثرات لسانه، فيغري بها العداوة والبغضاء
بين المرء وأخيه، والكلمة الطيبة تسد عليه
الثغرات، وتقطع عليه الطريق، وتحفظ حرم
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الإيمان،
باب ما جاء في حرمة الصلاة، رقم ٢٦١٦،
والنسائي في الكبرى، كتاب التفسير، سورة
السجدة، رقم ١١٣٩٤.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
٦٤/٩، رقم ٣٢٨٤.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ٤٦٩.
٤٠
جوي
القرآن الكريم

اللسان
الأخوة آمنًا من نزغاته ونفئاته(١).
وينزغ بمعنى يفسد، يقال: نزغه كنفعه
ینزغه إذا طعن فيه واغتابه، أي: أن الشيطان
حریص علی الإفساد بین الناس وإشعال نار
الفتنة بالكلمة الخشنة یفلت بها اللسان؛ لأنه
ظاهر العداوة لهم منذ القدم؛ ولقد حذرنا
الله سبحانه من الشيطان و کیده في کثیر من
آيات القرآن الكريم(٢).
قال ابن القيم رحمه الله مبينًا حرص
الشيطان على إفساد هذه الجارحة في
الإنسان: ثم يقول - أي الشيطان -: قوموا
على ثغر اللسان؛ فإنه الثغر الأعظم، وهو
قبالة الملك؛ فأجروا عليه من الكلام ما يضره
ولا ينفعه، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما
ينفعه من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة
کتابه، ونصيحة عباده، والتكلم بالعلم النافع،
ویکون لكم في هذا الثغر أمران عظيمان، لا
تبالون بأيهما ظفرتم:
أحدهما: التكلم بالباطل؛ فإن المتكلم
بالباطل أخ من إخوانکم، ومن أکبر جندکم
وأعوانكم.
والثاني: السكوت عن الحق؛ فإن
الساكت عن الحق أخ لك أخرس، كما أن
الأول أخ ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع
أخويكم لكم، أما سمعتم قول الناصح:
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨/٥.
(٢) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ١٥/ ٦٤٢.
((المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والساكت
عن الحق شيطان أخرس» فالرباط الرباط
على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن
باطل، وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق،
و خوفوه من التکلم بالحق بکل طريق.
واعلموا يا بني أن ثغر اللسان هو الذي
أهلك منه بني آدم وأکبهم منه على مناخرهم
في النار، فكم لي من قتيل وأسير وجريح
أخذته من هذا الثغر! وأوصيكم بوصية
فاحفظوها: لينطق أحدكم على لسان أخيه
من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على
لسان السامع؛ فینطق باستحسانها وتعظيمها
والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها،
وكونوا أعوانًا على الإنس بكل طريق (٣).
والمقصود أن هذا من لطف الله بعباده
حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال
والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا
والآخرة، ففي قوله: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى
هِىَأَحْسَنُ ﴾ أمر بکل کلام یقرب إلى الله من
قراءة، وذکر، وعلم، وأمر بمعروف، ونھي
عن منكر، وكلام حسن لطيف مع الخلق
على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا
دار الأمر بین أمرین حسنین فإنه یأمر بإيثار
أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما، والقول
الحسن داع لكل خلق جميل وعمل صالح،
(٣) الجواب الكافي ص٦٩.
www. modoee.com
٤١

حرف اللام
فإن من ملك لسانه ملك جميع أمره (١).
ولهذا كان السلف يحذرون من فضول
النظر، كما يحذرون من فضول الكلام،
وكانوا يقولون: ما شيء أحوج إلى طول
السجن من اللسان (٢).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٦٠.
(٢) التفسير القيم، ابن القيم ص٣٣٥.
دلالة اللسان على قدرة الله وعظمته
من آيات الله المعجزة خلق الألسن التي
تعبر باللغات المختلفة، وبها تعرف الحالة
الصحية للإنسان، وفيها لمسات إعجازية
أشار إليها العلماء، وسوف نتناول ذلك
بالبيان فيما يأتي:
أولًا: اختلاف الألسن من آيات الله:
أخبر الله جل جلاله أن من آياته الدالة
على باهر قدرته اختلاف ألسنة البشر،
فقال: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ خَلَقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيِّكُزَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَتٍ لِلْعَلِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢].
فقوله: ﴿وَأَخْئِلَفُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ يعني:
اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تترٌ
لهم لغة أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء
روم، وهؤلاء إفرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء
تكرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود،
وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء
خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير
ذلك مما لا يعلمه إلا الله من اختلاف لغات
بني آدم(٣).
بل إن الأمة الواحدة تجد فيها عشرات
اللغات التي يتكلم بها أفرادها، ومئات
اللهجات، فمن اطلع على لغات رأى
من اختلاف تراكيبها أو قوانينها مع اتحاد
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٩/٦.
٤٢
جومبو
القرآن الكريمِ

اللسان
المدلول عجائب وغرائب في المفردات فنعرف صاحب الصوت وإن كان غير
والمركبات.
فاختلاف لغات البشر آية عظيمة، فهم
مع اتحادهم في النوع كان اختلاف لغاتهم
آية دالة على ما كونه الله في غريزة البشر
من اختلاف التفكير، وتنويع التصرف في
وضع اللغات، وتبدل کیفیاتها باللهجات
والتخفيف والحذف والزيادة بحيث تتغير
الأصول المتحدة إلى لغات كثيرة، فلا شك
أن اللغة كانت واحدة للبشر حين كانوا في
مکان واحد، وما اختلفت اللغات إلا بانتشار
قبائل البشر في المواطن المتباعدة، وتطرق
التغير إلى لغاتهم تطرقًا تدريجيًا على أن
توسع اللغات بتوسع الحاجة إلى التعبير
عن أشياء لم يكن للتعبير عنها حاجة، قد
أوجب اختلافًا في وضع الأسماء لها،
فاختلفت اللغات بذلك في جوهرها، كما
اختلفت فیما کان متفقًا علیه بينها باختلاف
لهجات النطق، واختلاف التصرف، فكان
لاختلاف الألسنة موجبان، فمحل العبرة
هو اختلاف مع اتحاد أصل النوع، كقوله
تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَآوٍ وَحِدٍ وَتُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى
بَعْضِ فِ آلْأُكُلِ ﴾ [الرعد:٤]، ولما في ذلك
الاختلاف من الأسرار المقتضية إياه.
أو يكون المراد: باختلاف الألسنة
اختلاف الأصوات لا اللغات، بحيث تتمايز
أصوات الناس المتكلمين بلغة واحدة،
مرئي (١).
وسواء قلنا: إن اختلاف الألسنة معناه:
اختلاف اللغات أو المراد به اختلاف
الأصوات (النغمة) حتى لا يشتبه صوتان
من أخوين لأم وأب، فعلى كلا المعنيين هي
آیة عظيمة من آيات الله تعالی .
فاختلاف لغات البشر علی کثرتهم منذ
خلق الله آدم إلى آخر الدنيا مع اتحادهم في
النوع ومخارج الحروف واحدة، ومع ذلك لا
تجد صوتین متفقین من کل وجه، ولا لونین
متشابهين من كل وجه، إلا وتجد من الفرق
بین ذلك ما به يحصل التمييز، وهذا دال على
كمال قدرته ونفوذ مشیئته، ومن عنایته بعباده
ورحمته بهم أن قدر ذلك الاختلاف؛ لئلا
يقع التشابه، فيحصل الاضطراب، ويفوت
كثير من المقاصد والمطالب.
وباختلاف الألسنة يقع التعارف
والتمايز، فلو توافقت وتشاكلت لوقع
التجاهل والالتباس، ولتعطلت المصالح،
وفي ذلك آیة بینة، حیث ولدوا من أب واحد
وهم على كثرتهم متفاوتون (٢).
فإنك لا تكاد تسمع منطقين متساويين
في الكيفية من كل وجه، بل هناك تمايز
بين الأشخاص، حتى إن التوأمين مع توافق
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٤/٢٩.
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة ٢/٥.
www. modoee.com
٤٣

حرف اللام
موادهما وأسبابهما والأمور المتلاقية لهما وقد أوضح تعالى في غير هذا الموضع أن
في التخليق يختلفان في شيء من ذلك
اختلاف ألوان الآدميين واختلاف ألوان
لا محالة، وإن كانا في غاية التشابه، وإنما الجبال والثمار والدواب والأنعام كل ذلك
من آياته الدالة على كمال قدرته واستحقاقه
للعبادة وحده.
نظم هذا في سلك الآيات الآفاقية من خلق
السموات والأرض مع كونه من الآيات
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآنِ
وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُّ أَلْوَنُهُ كَذَلِكَ ﴾ [فاطر: ٢٨].
الأنفسية الحقيقة بالانتظام في سلك ما
سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم للإيذان
باستقلاله والاحتراز عن توهم كونه من
تتمات خلقهم(١).
فمن حكمة الله ورحمته أن علم كل على أنه هو المؤثر جل وعلا، وأن إسناد
صنف لغته، وألهمه وضعها، وأقدره عليها،
وخالف بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع
منطقين متفقين في همس واحد، ولا جهارة،
ولا حدة، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا
لكنة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك
من صفات النطق وأحواله، وهم من نفس
واحدة(٢).
ولا شك أن اختلاف الألوان والمناظر
والمقادير والهيئات وغير ذلك فيه الدلالة
القاطعة علی أن الله جل وعلا واحد، لا
شبيه له، ولا نظير، ولا شريك، وأنه المعبود
وحده.
وفيه الدلالة القاطعة علی أن کل تأثير فهو
بقدرة وإرادة الفاعل المختار، وأن الطبيعة
لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا .
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧ /٥٦.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٧٧.
جوية
القرآن الكريمِ
واختلاف الألوان المذكورة من غرائب
صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة
التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال(٣).
كما أوضح ذلك في قوله: ﴿وَفِ الْأَرْضِ
قِطَعٌ مُتَجَوِرَتْ وَجَنَّتُ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ وَخِيِلٌ
صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآٍ وَجِدٍ وَتُفَضِّلُ
بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤].
فالأرض التي تنبت فيها الثمار واحدة؟
لأن قطعها متجاورة، والماء الذي تسقى به
ماء واحد، والثمار تخرج متفاضلة، مختلفة
في الألوان والأشكال والطعوم والمقادير
والمنافع. فهذا أعظم برهان قاطع على
وجود فاعل مختار، يفعل ما يشاء كيف يشاء،
سبحانه جل وعلا عن الشركاء والأنداد (٤).
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ١٨/٣.
(٤) انظر: المصدر السابق.
٤٤

اللسان
ثانيًا: عضلة اللسان والعلم الحديث:
اللسان هو عضو عضلي موجود داخل
الفم، يرتبط بالفك عبر سبع عشرة عضلة،
تؤمن له حركته وعمله، ويغلف سطح اللسان
غشاء مخاطي، تغطيه آلاف الحليمات
الصغيرة، التي تحتوي في أطرافها على
نهايات عصبية بمثابة حاسة التذوق، ويكون
سطحه مبللا باللعاب مما یبقیه رطبًا.
ويغطي سطح اللسان العديد من
الحليمات التي تنقسم إلى أربعة أنواع:
الخيطية، والكمئية، والورقية، والكأسية.
ومن حكمة الله وقدرته أن جعل اللسان
عضوًا لحميًا لا عظم فيه ولا عصب؛ لتسهل
حركته، ومن حكمته أنه لم يجعله يعظم
كثيرًا حتى يخرج من الفم، ولا يسعه الفم،
بل ينمو بقدر الفم.
يقول ابن القيم: ((وجعل سبحانه اللسان
عضوًا لحميًا لا عظم فيه ولا عصب؛ لتسهل
حركته؛ ولهذا لا تجد في الأعضاء من لا
يكترث بكثرة الحركة سواه، فإن أي عضو
من الأعضاء إذا حركته كما تحرك اللسان
لم یطق ذلك، ولم يلبث أن یکل ويخلد إلى
السكون إلا اللسان، وأيضًا فإنه من أعدل
الأعضاء وألطفها، وهو في الأعضاء بمنزلة
رسول الملك ونائبه، فمزاجه من أعدل
أمزجة البدن، ويحتاج إلى قبض وبسط
وحر کة في أقاصي الفم وجوانبه، فلو كان
فيه عظام لم يتهيأ منه ذلك، ولم يتهيأ منه
الكلام التام، ولا الذوق التام، فكونه الله
كما اقتضاه السبب الفاعلي والغائي(١).
واللسان يتركب من مجموعة من
العضلات: خارجية: تربط بينه وبين أجزاء
الفم الأخرى، وداخلية: وهي مختلفة
الأشكال، فتعطي اللسان القوة والمرونة،
ويحتوي لسان الإنسان على (١٢٠٠٠)
حليمة ذوقية.
وجعل سبحانه وتعالى على اللسان
غلقين: أحدهما: الأسنان، والثاني: الفم،
وجعل حركته اختيارية، وجعل على العين
غطاء واحدًا، ولم يجعل على الأذن غطاء،
وذلك لخطر اللسان وشرفه، وخطر حركاته،
وكونه في الفم بمنزلة القلب في الصدر،
وذلك من اللطائف، فإن آفة الكلام أكثر من
آفة النظر، وآفة النظر أكثر من آفة السمع،
فجعل للأكثر آفات طبقين، وللمتوسط
طبقًا، وجعل الأقل آفة بلا طبق (٢).
وهو العضلة الوحيدة المشدودة من
طرف واحد، ويتحرك بطريقة لا تتحرك بها
أية عضلة أخرى، وسطح اللسان معظمه
من نتوءات صغيرة تسمى الحليمات، وفي
جدران هذه الحليمات تقع براعم الذوق
والطعم، ولدى الإنسان حوالي ثلاثة آلاف
(١) التبيان في أقسام القرآن، ابن القيم ص ١٩٣.
(٢) المصدر السابق.
www. modoee.com
٤٥

حرف اللام
برعم ذوقي، وقيل: أكثر من ذلك.
ثالثًا: وظائف اللسان:
وظائفه كثيرة: كالكلام، والتذوق،
وتقليب الطعام أثناء مضغه في الفم،
والمساعدة في البلع، حيث يعطي البلعوم
إشارة عاجلة بالانفتاح، ويبقي الأسنان
نظيفة بحمايتها من تجميع الحموض
عليها، أو تسوسها، وهو وسيلة للوقاية من
الأطعمة الضارة، التي لا يستسيغها الذوق؛
لتلوثها أو تسممها، فيدرك اللسان ذلك أول
وهلة، فیسمح للنافع بالمرور، ویمنع الضار،
ويرسل ما يمكن معالجته للأسنان، ويمنع
غير ذلك؛ فهو حارس أمین بما قدره الله له.
وهو عامل مهم في مضغ الطعام وبلعه،
يدفع باللقمة إلى الأسنان، ويلتقطها دون
أُن یتعرض هو للقطع، وقد يحدث نادرًا أن
يقع اللسان في مصيدة الأسنان أثناء الأكل،
فنشعر بالألم، ونفهم عندئذٍ مدی مهارة
اللسان في تجنب الانزلاق تحت الأسنان
مع أنه ملاصق لها! واللسان بعد ذلك ينظف
جوف الفم والأسنان من بقايا الطعام.
ولو تعرض هذا اللسان لقطع أو جرح أو
عضته الأسنان عفويًا فإنه لأهميته من أسرع
عضلات الجسم التحامًا.
رابعًا: اللسان والكلام:
جعل الله للإنسان لسانًا یترجم به عن
ضمائره، وبه تنعقد المعاملات، وتحصل
الشهادات، ولو لم يكن اللسان لاحتاج
الإنسان إلى الإشارة أو الكتابة فتعسر
أمره، وقد سبق الكلام على دور اللسان،
وأنه وسيلة في البيان والإفصاح عما يريده
الإنسان.
فأهم وظائف اللسان الكلام بتحركه
السريع المتواصل المنظم في الجهات
الست، وهو دور عجيب، والإمعان فيه
يثير الدهشة والحيرة، فقد يسر الله تعالى
للإنسان وسيلة سهلة للتكلم، وفي متناول
الجميع، فلا يصيبها تعب ولا نصب ولا
ملل، ولا تكلف الإنسان خرجًا!
وقد قيل: إن كل حرف ينطقه اللسان
یسهم في تكوينه سبعة عشر عضلة، فکم یا
ترى حركة يتحركها اللسان إذا نطقت بحرفٍ
واحد؟!
وأعجب من ذلك موضوع استعداد
الإنسان للكلام، وهذا الاستعداد أودعه
الله في الإنسان؛ ليستطيع من خلاله تكوين
الجمل بأشكال لا تعد ولا تحصى، وأن يبين
ما لا نهاية له من الغايات، وتنوع اللغات
أيضًا وقابلية الإنسان على وضع لغات
مختلفة هذه الأهمية تتضح من خلال مطالعة
مفردات آلاف اللغات المنتشرة في العالم.
٤٦
قَضوري
جوبي
القرآن الكريمِ