Indexed OCR Text
Pages 21-32
اللعب عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ (١٥) فَأَذْ تُهُوُ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوَكُمْ ذِكْرِى وَّكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ) إِّ جَزَيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآِرُونَ [المؤمنون: ١٠٨-١١١]. فالاستهزاء بالمؤمنين لأجل إيمانهم، وبالعلماء لكونهم علماء يخدمون الشريعة الإسلامية، ومن أجل العلم الشرعي، فهذا کفر؛ لأنه استهزاء بدین الله تعالی. وأخيرًا إن اللعب في الدين بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله، وورثة الرسول من العلماء والدعاة يوصل إلى الكفر، ولا يعذر فاعله. قال تعالى: ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَلِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِمَنِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. أسباب اللعب المحرم نجمل فيما يأتي أهم أسباب اللعب كما تفهم من الآيات القرآنية: ١. الكفر. من البدهي أن يكون الكفر سببًا من أسباب اللعب واللهو في الحياة الدنيا؛ لأن الكافر لا يؤمن بالآخرة، فلا يجهد نفسه في الطاعات والعبادات، ولا یمسك نفسه عن المحرمات، فما تشتهيه نفسه يفعله. قال تعالى: ﴿أَرَبَيْتَ مَنْ أَخَذَ إِلَهَهُ, هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونٌ® إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَجِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ( ٤٤ [الفرقان: ٤٣-٤٤]. وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ اَلْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُنٌّ لَّا يُصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ مَاذَاتٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَفِلُونَ (١٣)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. فالكافر يرى نفسه على الحق، وأن كفره بالله وباليوم الآخر هو عين الصواب، ومن يخالفه الرأي فهو جاهل أو مجنون أو مختل العقل، فيستهزيء بهم ويسخر منهم، وإذا قريء عليه القرآن أو دعي إلى الله اتخذها لعبًا وهزوًا، ويضحك منهم. ويشير سبحانه وتعالى في القرآن الكريم www. modoee.com ٧٥ حرف اللام إلى وجود علاقة ظاهرة بين الكفر وبين والباطل، وبين النفع والضر، وبين الجد والهزل. اتخاذ الدين لعبًا ولهوّا. قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْدِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاً وَذَكِّرْ بِهِ» أَن تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ هَا مِن دُونِ اللَّهِ وَإِىٌّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ [الأنعام: ٧٠]. ففي صدر الآية يتحدث عن من يتخذ الدين لعبًا ولهوّا، والحال غرتهم الحياة الدنيا، يذكر أن الذين أسلموا أنفسهم للهلاك بسبب كسبهم في الاستخفاف بالدين واتخاذه لعبًا ولهوّا، لهم شراب من حمیم وعذاب أليم بسبب كفرهم. وفي النتيجة: إن رسوخهم في الكفر أفسد فطرتهم حتى لم يبق فيهم استعداد للحق والخير (١). ٢. الجهل. الجهل نقيض العلم، وقد جهله فلانٌ جهلا وجهالة، وجهل علیه. وتجاهل: أظهر الجهل، والتجهيل: أن تنسبه إلى الجهل، والجهالة: أن تفعل فعلًا بغير العلم(٢). والجهل سبب من أسباب اللعب في الحياة الدنيا، فالجاهل لا يفرق بين الحق (١) انظر: تفسير المراغي ٧/ ١٦٣. (٢) لسان العرب، ابن منظور ١٢٩/١١. والجهل هو المصدر الرئيس لفساد العقيدة وفعل المعاصي. قال تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُوْ لَا يَعْلَمُونَ اَلْقٌ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤]. واللعب والهزء من أفعال الجاهلين، ألا ترى إلى جواب موسى عليه السلام لقومه في قصة ذبح البقرة؟ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ» إِنَّ الَهَ يَأْمُّكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةٌ قَالُواْ أَلَنَّخِذُ نَا هُوًّا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلَْهِلِينَ ٦٧ [البقرة: ٦٧]. حیث نفی الهزء، بنفي الجهل عن نفسه. فلو كان من الجاهلين - حاشاه - لصدق عليه اتخاذهم هزوا. ثم إن جهل الناس بحقيقة الحياة الدنيا، ونظرهم السطحي إليها، وإعجابهم بظاهرها، دون البحث عن ما فيه خير لهم، ومن غير التفكر في الآخرة، جعلهم يلعبون ویلهون ویعبثون. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ()﴾ [الروم: ٦ -٧]. وقال: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. ٧٦ جوببيو القرآن الكريمِ اللعب فالعالم يستغل الحياة الدنيا الفانية، للفوز بالنعيم المقيم في الحياة الباقية في الآخرة، فلا يريد أن تذهب لحظات عمره في الدنيا سدی، فالدنيا عنده مزرعة الآخرة. فلا يقبل أن يخسر الحياة الأبدية في الجنة، مقابل الحياة الفانية المنغصة في الدنيا. فهو يؤمن إيمانا جازمًا بما قاله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِّ فَمَا مَتَحُ اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِ اُلْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ﴾ [التوبة: ٣٨]. فلا یبیع آخرته بدنياه، بعكس الجاهل. إذًا فالذي يقضي حیاته في اللعب واللهو والاستهزاء، فيخسر آخرته، لم يقع في هذا الجرم والإثم إلا عن جهل. وجهله هذا إما أن يكون من جهة المستهزأ به، بحيث لا یعلم ما یجب عليه من حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، من التعظيم والتبجيل. وإما أن يكون الجهل من جهة حکم اللعب والاستهزاء، فلا يدري أن فعله هذا ولعبه يخرجه عن دائرة الإسلام(١). ٣. الاغترار بالحياة الدنيا. الاغترار: من غرر، انخدع بالشيء. وظن الشيء کما يتصوره لأمور فيه فإذا هو على غير ذلك(٢). (١) الاستهزاء بالدين أحكامه وآثاره، أحمد بن محمد القرشي ص٨٩- ٩١. (٢) معجم لغة الفقهاء، القلعجي والقنيبي ص ٧٨. والتغرير: إيهام النفع والصلاح فيما هو ضرٌّ وفساد(٣). قال الخليل الفراهيدي: (غرر بماله أي: حمله على الخطر. والغرور من غريغر فيغتر به المغرور. والغرور: الشيطان. والغار: الغافل) (٤). الاغترار بالحياة الدنيا سبب من أسباب اللعب، فينخدع الإنسان المغتر، ولا يجد في شيء ينتفع بها في الآخرة. فهمه الشاغل متع الدنيا وحطامها، وجمع المال بأية طريقة ووسيلة كانت. فيطمئن إلى الدنيا، وینسی حق الله علیه، فیلھو ويلعب کیفما شاء. وهذا الشأن يناقض الغاية التي خلق لها الإنسان. لذلك حذر الله عباده من أن ينخدعوا ويغتروا بالحياة الدنيا، وخوفهم من أن یکونوا من أصحاب النار، یوم لا یجدون من دون الله وليا ولا شفيعًا. قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْدِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاً وَذَكِرْ بِهِ* أَنْ تُبَّسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواً لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ [الأنعام: ٧٠]. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٨/٢٢. (٤) العين، الفراهيدي ٤ /٣٤٦. www. modoee.com ٧٧ حرف اللامر قال الشيخ الشعراوي: (وقوله أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنِهَاَ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِلْأَمْسِّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ٢٤ [يونس: ٢٣ -٢٤]. الحق: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنيا ﴾ هو تصوير لا يوجد أبرع منه؛ لأنهم أصحاب العقول التي تغتر بالحياة الدنيا فهي عقول تائهة، فالعقل الناضج يفهم الدنيا على أنها أقل شأنًا من أن تكون غاية، ولكنها وسيلة أو مجال وطريق ومزرعة إلى الآخرة)(١). كما أن الاغترار بالحياة الدنيا يجعل الإنسان يتعدى حدود الله، وينسى مراقبة الله لعباده، فلا يرتدع عن معصية، ویجحد نعم الله وفضله عليه، فيهلك. قال تعالى: ﴿وَنَادَىَ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ اَلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَّا وَلَيِبًا ٥٠ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا فَأَلْيَوْمَ نَنْسَهُمْ كَمَا نَسُواْلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِشَايَئِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [الأعراف: ٥٠-٥١]. وضرب تعالى المثل في قصر عمرها وزوالها، بل وخيبة آمال أهلها، كي لا ◌َيَأَيُّهَا النَّاسُ تغرهم الحياة الدنيا، بقوله: إِنَّمَا بَغْيُّكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ مَتَعَ الْحَيَوِ الدُّنْيَّاً ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِمُكُمْ فَنُنَبِئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ فَأَخْتَطَ بِهِ ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَنَّ (١) تفسير الشعراوي ٦/ ٣٧١٢. ٧٨ جوسين القرآن الكريم اللعب الموقف من اللاعبين بالدين نستنتج من الآيات القرآنية التي تحدثت عن اللعب، أن الموقف من اللاعبين ينبغي أن يكون في الخطوات الآتية: أولًا: إقامة الحجة وقطع المعذرة: إن الله تعالى يحيي الناس ويبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء، وإنه يسألهم عن الصغيرة والكبيرة ولا يعزب عنه شيء. قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِفُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اَللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُّ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ [يونس: ٤]. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ ظَلَمَتْ مَا فِى اُلْأَرْضِ لَاقْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْأ الْعَذَابِّ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [يونس: ٥٤]. فميزان يوم القيامة ميزان عدل وقسط. ولا يظلم أحد يوم القيامة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُّوْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَجْرًّا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ اُلْكِنَبُ فَتَرَىَ الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا أَلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِهُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٩]. ومن العدل إرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الوحي، وتبليغ الناس شرع الله، وإقامة الحجة عليهم. قال تعالى: ﴿رُسُلَا قُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. وبالتبليغ وإقامة الحجة يزال ويزاح كل علة، فلا يبقى أي عذر للمخالفة والتقصير والتكذيب والغفلة؛ لذا فمن خالف حكم الله تعالى وقصر فلا يلومن إلا نفسه، فيكون ما يلاقي من العذاب في الآخرة عدلًا، ولا يكون ظلمًا؛ لأنهم بلغوا وأخبروا، فكذبوا واستهزءوا وخاضوا ولعبوا، فاستحقوا جزاءهم. فالله سبحانه وتعالى حين يصف الحياة الدنيا باللعب واللهو، وأنها زينة وتفاخر بين الناس وتكاثر في الأموال والأولاد ﴿أَعْلَمُوا أَنََّا الْحَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الحديد: ٢٠]. وأنها متاع الغرور ﴿وَمَا الْحَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. وأن متاعها قليل، وأن الحياة الآخرة أفضل وأحسن من الحياة الدنيا ﴿قُلٌّ مَنَحُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمِنِ أَنَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]. وتشبيه الحياة الدنيا بالغيث ينبت به الزرع، وما يجري على الزرع من التحولات www. modoee.com ٧٩ حرف اللام ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّيَهِيجُ فَتَرَنُهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ خُطَمًا﴾ [الحديد: ٢٠]. وفي هذه الآيات إشارة إلى إقامة الحجة، وإذا كانت الدنيا بهذه الصفات فلا تستحق الاغترار بها، ولا يحق التساهل في حق الآخرة والعمل لها. ثانيًا: تر کھم في خوضھم یلعبون: إن الذي يلعب بالدین ويستهزئ به لا بد أن يؤدب، ولا يجوز معاونته ومساعدته على الاستمرار في عمله هذا، ويجب تحقيره حتى يعرف قدره. والله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه العزيز كيفية التعامل مع الذين يخوضون في آيات الله ويلعبون بالدين وبشعائر الإسلام، فقال: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيْءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَقَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الفَّلِينَ [الأنعام: ٦٨]. ١٨ فالله سبحانه يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض عن المشركين إذا رآهم يخوضون في آيات الله بالباطل والتكذيب واللعب والاستهزاء، ويترك مجلسهم؛ احتقارا لهم واستنكارا لأفعالهم، وهذا الإعراض لأجل أن يتركوا الخوض في آيات الله، ويتحولوا إلى الخوض في مسائل أخرى. ثم يأمره بأنه إذا أنساه الشيطان ما أمر به من الإعراض عن المشركين وترك مجالستهم، فليبادر بالصرف عنهم حين تذکر الأمر. وقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنَّأَ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ ◌َا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدٍْ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ [الأنعام: ٧٠]. وهذا خطاب آخر للنبي صلى الله عليه وسلم بترك الغافلين الذين اتخذوا دينهم الذي كلفوا به لهوًا ولعبًا، حيث كانوا يستهزئون بتعاليمه وأحكامه ويكفرون به. وكانوا منشغلين بزخارف الدنيا واغتروا بالحياة القليلة، ثم أمر نبيه أن يذكر هؤلاء وغيرهم بالقرآن الكريم. والأمر بتركهم ليس المراد به ترك إنذارهم، وترك دعوتهم للإيمان، وإنما المراد به ترك مجالستهم ومعاشرتهم وملاطفتهم (١). وأعاد سبحانه وتعالى نهيه عن مجالسة المستهزئين في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِيِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُّ ◌ِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِةَ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ اَلْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِينَ فِی جَهَنَّمَ ◌َمِيعًا ١٤٠ (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣/١٣. ٨٠ جوبي لِلْقُرآن الكَرِيْمِ للعب [النساء: ١٤٠]. وفي هذه الآية إشارة إلى ما جاء في سورة الأنعام، الآيات (٦٨ - ٧٠). قال أبو السعود: (﴿إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لتعليل النهي أي: لا تقعدوا معهم في ذلك الوقت، إنكم إن فعلتموه كنتم مثلهم في الكفر واستتباع العذاب وإفراد المثل)(١). قال الشيخ محمد رشيد رضا: (وسبب هذا النهي أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم وإغراء لهم بالتمادي فیه، وأکبره أنه رضاء به ومشاركة فيه، والمشاركة في الكفر والاستهزاء کفر ظاهر لا يقترفه باختياره إلا منافق مراء أو كافر مجاهر)(٢). ثالثًا: عدم اتخاذهم أولیاء: الولي: ضد العدو. يقال منه: تولاه. والمولى: المُعْتِقُ، والمُعْتَقُ، وابن العم، والناصر، والجار، والموالاة: ضد المعاداة. والولاية بالكسر: السلطان. والولاية: النصرة. يقال: هم على ولاية، أي: مجتمعون في النصرة (٣). فكلمة الولي تأتى بمعنى المتولي للأمور المتصرف فيها، وتأتي بمعنى (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٤٥/٢. (٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤٢١/٧. (٣) الصحاح، الجوهري ٢٥٢٩/٦. الناصر والخليل والمحب، فهي لفظ مشترك ولا يمكن تحديد المراد من معنى اللفظ المشترك إلا بقرينة تدل علیه، ویمکن ذلك بالرجوع إلى سياق الجملة، كما في معنى (أولياء) في قوله تعالى: ﴿يَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ أَخَذُواْ دِيَتَّكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءُ وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِن كُ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَنَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبََّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ٥٨ [المائدة: ٥٧ -٥٨]. وكذا كل ما ورد في القرآن الكريم من النهي عن موالاة الكافرين وأهل الكتاب، جاءت كلها في الموالاة التي ضد الكره، أي أنها جاءت بمعنى النصرة والمحاباة والمعونة. فنجد أن الله تعالى ينهى المؤمنين عن اتخاذ أهل الكتاب والكفار أولياء وحلفاء وأنصارًا، يحبونهم ويتولونهم، مع أن هؤلاء يتخذون دين الإسلام هزوًا ولعبًا، ويسخرون من القرآن والرسول والمؤمنين، كما يسخرون من الأذان والصلاة ويتمنون زوال الإسلام. فكيف يصلح للعاقل أن يقابل كل هذه العداوة والكره والسخرية والاستهزاء واللعب بالموالاة لهم وحبهم ونصرتهم؟! قال ابن عاشور: (فالذي يتخذ دين امريء هزوًا، فقد اتخذ ذلك المتدين هزوًا، ورمقه www. modoee.com ٨١ حرف اللامر بعين الاحتقار؛ إذ عد أعظم شيء عنده وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من سخرية، فما دون ذلك أولى. والذي يرمق بهذا الاعتبار ليس جديرًا بالموالاة؛ لأن شرط الموالاة التماثل في التفكير؛ ولأن الاستهزاء والاستخفاف احتقار، والمودة تستدعي تعظيم الودود)(١). يفعل ذلك ﴿فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِي شَىْءٍ ﴾،يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، إلّآ بارتداده عن دينه ودخوله فى الكفر أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَةٌ﴾ إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل (٢). واتخاذ أهل الكتاب والكفار أولياء مسألة في غاية الخطورة، فمن الجانب العقائدي أن موالاتهم یؤدي إلى الكفر، ویحسب الإنسان منهم، وحسابه كحسابهم، كما جاء في قوله يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ تعالى: وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَمَن يَتَوَُّم ◌ِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. ومن الجانب الدنيوي، فإن الإنسان إذا اتخذ الكفار أولياء وأحباء، حينئذ يكون مطيعًا لأوامرهم، غير معترض لأفعالهم وأقوالهم، بل يكون مؤيدًا لهم ومدافعًا عنهم، وناصرهم ومعينهم على الإسلام وأهله، من حیث یدري أو لا يدري. وقال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨]. ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون، الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤١/٦. (٢) جامع البيان، الطبري ٣١٣/٦. جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير القرآن الكريمِ ٨٢ اللعب علاج اللعب بما أن الانشغال بالدنيا فوق الحد اللازم مذموم، وخاصة إذا كان على حساب الآخرة. وأنه ربما ینسیه حق الله تعالى، فيترك الواجبات الدينية أو يقصر فيها، ويقع في المحرمات طلبا لزيادة المال والجاه والشهوات، فلابد من علاج لهذه الآفة، وهذا الغرور. ويمكن لنا أن نستنتج من الآيات التي فيها ذكر اللعب بعضًا من تلك العلاجات، منها: أولًا: الإيمان والتقوى: إن لإيمان المرء وتقواه الأثر الكبير الفعال في تنبيه الناس من غفلة اللعب واللهو في الحياة الدنيا، فالمرء كلما كان إيمانه متينا وتقواه كثيرا ازداد من الله تقربًا، ولا یتقرب العبد من ربه إلا بما يرضى به الله تعالى من الأعمال والأقوال وصالح النیات، فينشغل بها، ويبتعد عن كل ما يلهيه ويشغله عن ذكر الله وعن الطاعات. فهو يجد لذته في العبادات، وتضيق صدره بالمعاصي والذنوب. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوَّ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِّكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْئَلَّكُمْ ﴾ [محمد: ٣٦]. أَقَوَلَكُمْ لَ فبعد أن أمر الله المؤمنين بالاستمرار في الجهاد ومقاتلة الأعداء نصرة للإسلام، وحثهم علیه بأن الله معهم بنصره فینتصرون، وأن المؤمنين هم الأعلون، فليس من الحق أن يطلبوا الصلح والهدنة مع العدو؛ خوفًا على الحياة الدنيا ولذاتها. فبين لهم حقيقة الدنیا بأنها کاللهو واللعب في سرعة زوالها، وانقضاء آجالها، وانتهاء لذاتها، فهي مشغلة عن صالح الأعمال، فلا ينبغي الحرص عليها، وترك الجهاد من أجلها، وترك الصدقات والإنفاق في سبيل الله حرصًا على جمع المال. فإن الجهاد والإنفاق في سبيل الله زاد يبقى للمؤمن المتقي، المؤمن بالله الذي لا يخفى عليه شيء، وهو خير ثوابا ﴿وَالْبَقِيتُ الصَِّحَتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِكَ نَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦]. والمتقي الذي يقف عند حدود الله، ويرجو رحمة ربه ويخاف عذابه، فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يغير حال الحياة الدنيا من اللعب واللهو إلى الجد. فالمؤمن المتقي لا يرى في جهاده وإنفاقه خسارة وإضاعة نفس ومال، وإنما ذلك عنده التحویل إلی دار مستقره، فيجده عند الله. والله تعالى يؤتيه أجره بأحسن ما كان يعمل. إن الذي يقضي حياته الدنيا باللهو واللعب لا ينبغي أن يوصف بالتقوى، فالمتقي یعمل بجد وإخلاص، والعمل بهذه الصفة يكون مقبولا عند الله ويجزي عامله www. modoee.com ٨٣ حرف اللام خير الجزاء، فتكون الدار الآخرة خيرًا له من الحياة الدنيا. قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَلَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: ٣٢]. ثانيًا: تذكر نعيم وعذاب الآخرة: ومن الأسباب المانعة لاتخاذ الحياة الدنيا لعبًا ولهوًا تذكر نعيم وعذاب الآخرة، حیث إن الإنسان إذا تفكر في نعيم وثواب من صبر عن الحرام، ولم يقض أوقاته في اللهو واللعب، فإنه ينال رضا الله ورضوانه والفوز بالجنة، حينئذ يستقيم أمره وحاله، كما لو تفكر في مصيره يوم القيامة لو قضى أوقاته في اللعب واللهو، وأنه سيحاسب على تفريطه وإفراطه، وأنه يسأل عن عمره في الحياة الدنيا كيف قضاه وفيم أفناه، يرتدع ويرجع إلى الصواب ولا يضيع أوقاته في ما لا فائدة فيه، وفيما لا يرضي الله تعالى. عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه)(١). (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، باب في القيامة، ٦١٢/٤، رقم ٢٤١٧. قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي القرآن الكريم تخويف لمن أضاع حياته الدنیا باللهو واللعب. قال تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيُوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُ وَلَوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ بَبَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَاً وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: ٢٠]. فبعد أن وصف الله تعالى الحياة الدنيا بما وصف بها في الآية الكريمة، وشبهها بالغيث المطر الذي أعجب الزراع والفلاحين نباته، ثم یھیج ذلك الزرع فیکون مصفرًا، ثم يكون يبسًا متحطمًا، كذلك حال الإنسان في الدنيا اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَاءٌ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( ٥٤ [الروم: ٥٤]. ولما ذكر هذا المثل الدال على زوال الدنيا، وعلى أن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال: ﴿وَفِ اْلَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٌ﴾. ففي الآخرة عذاب شديد لمن لم يعمل لها، ومغفرة من الله ورضوان لمن استعد لها، وأطاع الله تعالى(٢). وفي أخرى يأمر الله نبيه صلى الله عليه وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٢٢١/٢، رقم ٧٣٠٠. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤/٨. ٨٤ جوبيه القرآن الكريمِ اللعب وسلم أن يترك الذين اتخذوا دينهم لعبًا ثالثًا: فقه الأولويات: ولهوًا على وجه التهديد لهم، فإنهم سيلقون مصيرهم السيء. قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْدِينَهُمْ لَعِبَّا وَلَهْوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَذَكْرْ بِهِ: أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ نَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ [الأنعام: ٧٠]. وقال: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَقَّ يُلَقُواْ يَوْمَهُالَّذِى يُوعَدُونَ ﴾ [الزخرف: ٨٣]. وفي سورة الأعراف يذكر الله سبحانه حال الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبًا وغرتهم الحياة الدنيا ونسوا اليوم الآخر، فلم يعملوا لها، أنه سبحانه يتركهم في جهنم يعذبون فيها. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَأَ فَأَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِشَايَئِنَا يَجْحَدُونَ ))﴾ [الأعراف: ٥١]. قال الرازي: والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز؛ لأن المنسي يكون متروگًا، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم(١). (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٦٣٧. قال الكفوي: (الأولى: بالفتح واحد الأولیان، والجمع الأولون، والأنثى الولیا، والجمع الوليات والأولى: يستعمل في مقابلة الجواز، كما أن الصواب في مقابلة الخطأ ومعنى قوله تعالى: ﴿فَوْلَ لَهُمْ ﴾ فویل لهم، دعاء عليهم بأن يليهم المكروه، أو یؤول إليه أمرهم)(٢). قال محمد الوكيلي في تعريف فقه الأولويات: (فقه بأحكام الشرع ومراتبها، وبالأهم منها من المهم، وبالقطعي منها من الظني، وبالأصل منها من الجزء، وبالكبير منها من الصغير) (٣). ويمكن القول بأنه: العلم بالأحكام التي لها حق التقديم على غيرها، فيقدم الأهم على المهم والأحسن على الحسن، بناءً على العلم بمراتبها. ومن هذا المنطلق نجد أن الله تعالی ذکر الحياة الدنيا مع الآخرة في آيات كثيرة في القرآن الكريم، ويفضل الآخرة على الدنيا بلفظ صريح أو ضمني. فتقديم الآخرة على الدنيا يندرج تحت مصطلح فقه الأولويات. والمثال على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلَّ مَنَهُ اُلُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمِنِ أَنَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]. (٢) الكليات، أبو البقاء الكفوي ص ٢٠٨. (٣) فقه الأولويات دراسة في الضوابط، محمد الوكيلي ص ١٦ www. modoee.com ٨٥ حرف اللامر فلو نظرنا إلى الآية الكريمة بتدبر وتفكر، على الندم والحسرة والخسران. ولا يدرك هذه الخيرية إلا أصحاب العقول وأولو الألباب. فخيرية الآخرة من وجوه كثيرة، منها: إن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة، ومتاع الدنيا زائل، لكن متاع الآخرة دائم، الدنيا فيها ما ينغصها من الآلام والأوجاع والغم والهم، لكن الآخرة لا تنغیص فيها، إن نعم الدنيا مشکوکة، فلا يعلم أحد ماذا یکون حاله بعد ساعات، دار جزاء، وغير ذلك من الفوارق(١). يقول عبدالرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاً إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. (٦٤ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (يخبر تعالى عن حالة الدنيا والآخرة، وفي ضمن ذلك، التزهيد في الدنيا والتشويق للأخرى، فقال: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ في الحقيقة ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ تلهو بها القلوب، وتلعب بها الأبدان، بسبب ما جعل الله فيها من الزينة واللذات، ثم تزول سريعا، وتنقضي جميعًا، ولم يحصل منها محبها إلا (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ١٤٤. وأما الدار الآخرة، فإنها دار ﴿ الْحَيَوَانُ﴾ نرى أن الله تعالى فضل الآخرة على متاع الدنيا فقط لمن اتقى. وقال: ﴿ مَا أُوتِيتُم مِّن ثَقٍْ فَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنياً وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ [الشورى: ٣٦]. ءَامَنُوا وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَُّونَ ﴾ أي: الحياة الكاملة، التي من لوازمها، أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقواهم في غاية الشدة؛ لأنها أبدان وقوى خلقت للحياة، وأن يكون موجودًا فيها كل ما تكمل به الحیاة، وتتم به اللذات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ لما آثروا الدنيا على الآخرة، ولو كانوا يعقلون لما رغبوا عن دار الحيوان، ورغبوا في دار اللهو واللعب، فدل ذلك على أن الذین یعلمون، لا بد أن يؤثروا الآخرة على الدنيا؛ لما يعلمونه من ونعم الآخرة يقينية، الدنيا دار بلاء والآخرة حالة الدارين)(٢). موضوعات ذات صلة: الأسرة، الحدود، النساء، النكاح (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٣٥. ٨٦ الْقُرآن الكَرِيْمِ