Indexed OCR Text

Pages 41-58

المال
وهي الزكاة المفروضة)»(١).
وقال عز وجل: ﴿وَفِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَآَيِلِ
﴾ [الذاريات: ١٩].
وَالَحْرُومِ
وقال سبحانه: ﴿فِ أَمْوَهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ !
٢٤
٢٥ [المعارج: ٢٤-٢٥].
لِلِسَّابِلِ وَاَلْمَحْرُومِ
ذکر اللهذلك ضمن أو صاف أهل الإيمان،
ووصفهم هنا بأداء الزكاة والبر والصلة،
بجعل جزءٍ مقسوم ونصيب مفروض من
أموالهم مقررًا لذوى الحاجات(٢).
وفي بيان مصارف الزكاة يقول سبحانه:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ
وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِي الْرِقَابِ
وَالْغَرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اَللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ
فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهُّ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[التوبة: ٦٠].
٦٠
قال ابن قدامة: «فلا يجوز صرف الزكاة
إلى غير من ذكر الله تعالى في الآية، من بناء
المساجد والقناطر وإصلاح الطرق وما شابه
ذلك من القرب التي لم يذكرها الله تعالى،
لقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ﴾ و﴿إِنَّمَا﴾ للحصر
والإثبات، تثبت المذكور وتنفي ما عداه))(٣)
٢. الإنفاق على النفس.
مما يتلفها أو يهلكها، وإنما يكون ذلك
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٠٨.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ٤٢٢/٤.
(٣) المغني ٤ /١٢٥.
بالطعام والشراب والملبس وكل ما دعت له
حاجة أو ضرورة تقتضيها حفظ النفس.
٣. الإنفاق على من تجب على الإنسان
نفقته وإعالته؛ كنفقة الرجل على زوجه
وولده.
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ
بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ
مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿لِيُّفِقْ ذُوسَعَةٍ مِّنِ سَعَنْدٍ.
وَمَنْ قُدِرَ عَلَّهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَ ائَنهُ اَللَّهُ لَايُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنِهَاَ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُشْرًا
﴾ [الطلاق: ٧].
٧
فنفقة الزوجة واجبة على زوجها، وهي
من أكد حقوقها عليه، فيلزمه توفير كل ما
تحتاج إليه، سواءً كان موسرًا أو معسرًا،
فيجب عليه نفقتها حتى ولو كانت غنية ذات
مال.
قال القرطبي في تفسير آية الطلاق: «أي:
لينفق الزوج على زوجته، وعلى ولده
الصغیر، على قدر وسعه، حتی یوسع عليهما
إذا کان موسعًا علیه، ومن كان فقيرًا فعلى
قدر ذلك»(٤).
ومما جاء في نفقة الزوجة والولد
لأن الإنسان مأمور بحفظ نفسه ووقايتها قوله تعالى: ﴿وَعَلَ اَلْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
٤. الإنفاق على الأقارب ممن تجب
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١١٢.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف الميم
نفقتهم على الإنسان.
إن کان الإنسان غنيًّا موسرًا قادرًا على
الإنفاق، وکان ذوي قرابته فقراء لا مال لهم
ولا كسب يستغنون به، فهنا تجب النفقة على
المحتاجين إليها من قرابته كأصوله وفروعه،
وإخوته وأخواته، ونحوهم .
قال تعالى: ﴿وَءَاتٍ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾
[الإسراء: ٢٦].
والمعنى: «أعط أيها الإنسان المكلف
القريبَ حقَّهُ، من صلة الرحم والود،
والزيارة، وحسن المعاشرة، والنفقة إذا كان
محتاجًا إليها))(١).
٢. رد الحقوق إلى أصحابها.
ومن ذلك:
١. رد مال اليتيم ودفعه إلیه إذا بلغے، وآنس
منه و لیه الرشد.
قال تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الْنَ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا
الْخَبِيثَ بِالَّيْبٍّ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ إِلَى أَمْوَلَّكُمْ إِنَّهُ
كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ [النساء: ٢].
﴿وَأَلُواْ الْيَنَ حَتَّى إِذَا
وقال سبحانه:
بَلَغُواْ النِّكَحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمُ مِّنْهُمْ رُشِّدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ
أَمْوَُّ وَلَا تَأْكُلُهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبرُواْ﴾
[النساء: ٦].
٢. أداء الديون لأصحابها.
وقد أمر سبحانه بکتابة الدین صغيرًا كان
أم كبيرًا إلى أجله، ودعا فيه للعدل، والتوثيق
(١) التفسير المنير، الزحيلي ١٥/ ٥٧.
والإشهاد، حفاظًا على الحقوق، واثباتًا لها،
لتيسير ردها لأصحابها متى حل الأجل
وطالب صاحب المال بالدين . كما في آية
المداينة .
[انظر: الدَين: كتابة الدين]
٣. الإنفاق في تلبية حاجات الإنسان
وضروراته.
كالإنفاق في تحصين النفس وإعفافها.
قال تعالى: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءُ ذَلِكُمْ
أَنْ تَبْتَغُواْبِأَمْوَلِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾
[النساء: ٢٤].
٤. الانفاق في المباحات.
كالعطايا والهدايا، وما يقتنيه الإنسان من
كماليات زائدة على ضرورياته.
قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُمِ مِن رِّبًّا لِيرَبُواْ
فِيَّ أَقْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَآءَانْتُم مِّن
زَّكَوْمٍ تُرِيدُونَ وَجْدَ اللَّهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
[الروم: ٣٩].
٣٩
قال ابن كثير: ((أي: من أعطى عطية يريد
أن یرد الناس علیه أکثر مما أهدی لهم، فهذا
لا ثواب له عند الله - بهذا فسره ابن عباس،
ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة،
ومحمد بن كعب، والشعبي - وهذا الصنيع
مباح وإن کان لا ثواب فیه، إلا أنه نھی عنه
رسول الله صلی الله علیه وسلم خاصة، قاله
الضحاك، واستدل بقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
٣٩٠
جَوَبُو حَرَ النَّفِيد
القرآن الكريمِ

المال
[المدثر: ٦].
أي: لا تُعْطِ العطاء ترید أکثر منه.
وقال ابن عباس: الربا رباءان، فربا لا
یصح -یعنی: رہا البيع- وربا لا بأس به،
وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها.
ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَآ ءَ اتَيْتُممِّن رِبَالِّيْبُواْ فِىّ
أَمْوَّلِ النَّاسِ فَلَ يَرْيُواْ عِندَاللَّهِ﴾))(١).
فالإنفاق إذا كان في غير معصية فهو
مباحٌ، ما تجنب الإسراف فيه، كالإنفاق
على ملاذ النفس، فإنه إذا كان على وجه
یلیق بحال المنفق وقدرہ فھو مباح ولیس
بإسرف(٢).
وكذا إنفاق الإنسان على أصناف ما
يحتاجه من غير الضرورات في الملبس
والسكن والمركب، فإنه مباح مالم يصل حد
الإسراف.
٤. الإنفاق في الجهاد في سبيل الله.
من أعظم وجوه الإنفاق المحمودة
والممدوح فاعلها، الإنفاق على الجهاد في
سبيل الله تعالى، نشرًا للدين، ودفاعًا عنه،
وحمايةً وعونًا للمسلمين، ودحرًا للأعداء
والمحتلين.
فالجهاد بالمال نوع من أنواع الجهاد
المأمور بها شرعًا، وقد قرنه الله تعالى مع
الجهاد بالنفس في القرآن الكريم، بل قدم
(١) تفسير القرآن العظيم ٤١٩/٣.
(٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر ١٠/ ٤٢٢.
ذكر المال على النفس في معظم الآيات.
ولعل من أسباب تقديم الجهاد بالأموال
على الأنفس أن نفع الأموال متعدٍّ ومتنوع،
بخلاف الجهاد بالنفس، فإن نفعه مقتصر
على ذاته في الأعم والأغلب.
وكذا فإن كل إنسان باستطاعته الجهاد
بماله بقدر طاقته، وليس كل إنسان قادرًا
على الجهاد بالنفس، كما أن المجاهد لا
يتمكن من الجهاد بالنفس مالم يتوفر له
المال الذي يعد به نفسه ویشتري به سلاحه،
ولعل ذلك من أسباب تقديم المال على
النفس في آيات الجهاد.
والجهاد بالمال هو التجارة الرابحة مع
الله تعالى في ميدان الأعمال الصالحة التي
تقرب إلى رضوان الله، وتكون سببًا للنجاة
من العذاب.
﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ
قال تعالى:
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
اُلْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
وقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَوْلَّكُوْ
عَلَى تِجَزَوْنُجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، تُوْمُنَ بَِهِ وَرَسُولِه
وَتَُّهِدُونَ فِي سَبِ اللَّه ◌ِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْ لَّكُ
إِنْ كُ نَعْلُونَ ﴾ [الصف: ١٠ - ١١].
قال الشوكاني: ((جعل العمل المذكور
بمنزلة التجارة؛ لأنهم يربحون فيه كما
يربحون فيها، وذلك بدخولهم الجنة
www. modoee.com
٣٩١

حرف الميم
ونجاتهم من النار )»(١).
وصفة أهل الإيمان المبادرة إلى بذل
أموالهم في الجهاد لا التردد أو الشك أو
الحيرة الذي هو سلوك أهل النفاق.
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَعْذِنُكَ الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ أَن يُجَهِدُواْ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ ( إِنَّمَا
يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ
اَلْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ
[التوبة: ٤٤ - ٤٥].
يَتَرَدَّدُونَ
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِلّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَذُواْ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُولَكَ هُمُ
الصََّدِقُونَ ﴾ [الحجرات: ١٥].
وقد فاضل الله تعالى بين القاعد
والمجاهد بماله ونفسه، وفارق بينهما في
الدرجات، وقرر عدم المساواة بينهما.
قال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
◌ِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىّ
وَفَضَّلَ اُلَّهُالْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَبْرًا عَظِيمًا (
[النساء: ٩٥].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ
وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأَوْلَئِكَ هُ الْفَايِرُونَ ﴾
(١) فتح القدير ٢٧٥/٥.
جَوَبُوالَةُ النفسي
القرآن الكريم
[التوبة: ٢٠].
فصاحب الضرر والعذر لما عجز عن
الجهاد بالنفس فتح الله تعالی له باب الجهاد
بالمال، وفي هذا فرصة لكل مسلم وسع الله
عليه في الرزق، ولا يمكنه الجهاد بالنفس
- لأي سبب من الأسباب - أن ینال ثواب
الجهاد وشرفه، بماله وإنفاقه على الجهاد،
سواءً في تجهيز الغزاه والمجاهدين، أو
توفير العدد والآلات وما يحتاج إليه من
سلاح، أو بقيامه على مصالح أهل المجاهد
فيخلفه في أهله . وفي ذلك يقول صلى
الله عليه وسلم: (من جهز غازيًا في سبيل
الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد
غزا)(٢).
ويتأكد شرف وفضل الجهاد بالمال حال
الشدة والضيق والحاجة، كما هو حاصل
اليوم للمسلمين في فلسطين وبلاد الشام،
فالإنفاق هذا الوقت أعظم درجةً من الإنفاق
في أوقات أخرى، لأنه وقت حاجة، كما
كان الإنفاق قبل فتح مكة وقت حاجة الأمة
وضرورتها أعظم من الإنفاق بعد الفتح
والتمكين، وفي کلٍ خير.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه
بخير، رقم ٢٨٤٣. ومسلم في صحيحه،
كتاب الأمارة، باب فضل إعانة الغازي في
سبيل الله بمركب، وخلافته في أهله بخير،
رقم ١٨٩٥ . واللفظ له.
٣٩٢

المال
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ أَنَفَقَ مِن
قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ
أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اَللَّهُ الْمُسْنَى﴾
[الحديد: ١٠].
والجهاد بالمال في هذه الأيام من أعظم
الأعمال، لا سيما مع تسلط أعداء المسلمين
عليهم، وجهودهم في التضييق على أهل
الإسلام بالحصار، والمصادرة، وإتلاف
المزارع، وهدم البيوت، والاعتقال، والقتل.
کما هو واقع في کثیر من بلاد الإسلام اليوم.
فالواجب على المسلمين تجاه إخوانهم
المجاهدين في كل مكان، البذل والعطاء
والإنفاق قدر المستطاع، وقد تيسر اليوم
بفضل الله تعالى الجهاد بالمال لكل من
يريد، عن طريق الجمعيات والهيئات
والمؤسسات الحكومية والخيرية، إضافةً
إلى الحملات التي تقوم بها تلك الجهات
المعتمدة، وعلینا الثقة بمؤسساتنا وجمعياتنا
وهیئاتنا، وعدم الانسياق أو تصديق ما يثار
من شبهات أو تشکیكٍ أو شائعات حول
عدم وصول هذه الأموال لمستحقيها؛ لأن
هذا من إرجاف أهل النفاق.
فالواجب الإنفاق وابتغاء الأجر والثواب
من الله، وتأمل حصول الفلاح الذي جعل
الله تعالى أحد أسبابه الجهاد بالمال.
قال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَدُ جَهَدُواْ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ
وَأُوْلَئِكَ لَمُ الْخَيْرَثِّ وَأُوْلَتِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التوبة: ٨٨].
ويتحقق بجهاد المال معنى التكافل
والتعاون والولاء لأهل الإيمان، والتضامن
بين المسلمين ضد أعدائهم، فتتقارب
قلوبهم وإن تباعدت بينهم المسافات.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
قال تعالى:
وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ
سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَكَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢].
ولأهمية الجهاد بالمال - إضافةً على
تقديمه على جهاد النفس في أكثر المواضع
- فإن كل آية ورد فيها الحث على الإنفاق في
سبيل الله عامة، يكون الإنفاق على الجهاد
من أوائل ما تشمله الآيات وتدل عليه، كما
في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلٍ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فِي مُلِّ سُتَبْلَةٍ مِّأْتَةُ حَبَّةٌ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ
وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٦١].
قال مكحول: ((يعنى به الإنفاق في
الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير
ذلك))(١).
وقال الطبري: ((مثل الذين ينفقون
أموالهم على أنفسهم في جهاد أعداء الله
بأنفسهم وأموالهم»(٢).
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٩/١.
(٢) جامع البيان ٣/ ٦١.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الميم
بل جعل الإنفاق على الجهاد، أحد والقربات وأبواب البر المتعددة.
مصارف الزكاة الثمانية، لأهميته وعظيم
أثره.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِيْنِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ
وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِّنَ اَللَّهُّ وَاللهُ عَلِيمٌ
﴾ [التوبة: ٦٠].
حَكِيمُ
قال السعدي: ((﴿وَفِي سَبِيلِ
اللَّهِ﴾ الغازي في سبيل الله، وهم: الغزاة
المتطوعة، الذين لا ديوان لهم، فيعطون
من الزكاة ما يعينهم على غزوهم، من ثمن
سلاح أو دابة، أو نفقة له ولعياله، ليتوفر على
الجهاد ويطمئن قلبه)) (١).
وقال الزحيلي: ((﴿وَفِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾:
هم في رأي الجمهور الغزاة المجاهدون
الذين لا حق لهم في ديوان الجند، يعطون
ما ينفقون في غزوهم، كانوا أغنياء أو فقراء،
لأن السبيل عند الإطلاق الغزو، وهو
المستعمل في القرآن والسنة (٢))
٦. الإنفاق في وجوه الخير
المتنوعة:
من وجوه الإنفاق المشروعة، والتي
دعا إليها القرآن العظيم وحث على البذل
في سبيلها، الإنفاق في أنواع التطوعات
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٣٠١.
(٢) التفسير المنير ٢٧٣/١٠.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِلِينَ وَفِي الْرِقَابِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُّونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَِّينَ فِ الْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ اَلْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
﴾ [البقرة: ١٧٧].
١٧
وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
دلت هذه الآية على أنواع البر كلها، كما
قال الثوري(٣).
وفسر سبحانه البر بالإيمان والتصديق
التام بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر، ثم ثنى بذكر الصدقة ﴿وَءَاتَ اَلْمَالَ
عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: تصدق وأعطى من ماله مع
حبه له تقربًا لله تعالى وطلبًا لرضاه عزوجل
. ومن إيتاء المال على حبه، أن يتصدق وهو
صحيح شحيح، يأمل الغنى ويخشى الفقر،
وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة، كانت
أفضل، لأنه في هذه الحال، یحب إمساكه،
لما يتوهمه من العدم والفقر (٤).
کما في الحديث: أتی رسول الله صلى
الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول
الله، أي الصدقة أعظم ؟ قال: (أن تصدق
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ١/ ١٩٧.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٦٥.
٣٩٤
بَرُ النَّفِيَة
جوية
القرآن الكريم

المال
وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل والإعانة عليه، وفداء الأسرى عند الكفار أو
الظلمة (٢).
الغنى)(١).
وكذلك إخراج النفيس من المال يعتبر
من إيتاء المال على حبه.
قال تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبَرَّحَقَّ تُنفِقُواْ مِمَّا
◌ُبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ،
مِسْكِينًا وَبَتِمًا وَأَسِيرً ) إِنَّا تُطْعِمُكُوْ لِوَجْهِ اَللَّهِلَا نُ
مِنْكُجَزَّهُ وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: ٨-٩].
ثم ذكر سبحانه أصنافًا ممن ينفق
عليهم، فذكر الأقارب وهم أولى الناس
بالبر والإحسان، ثم (اليتامى) وهم من لا
كاسب لهم ممن فقد أباه، ولا قوة له يستغني
بها، فمن رحمة الله تعالى بعباده أن أوصى
عباده بالإحسان إليهم، ثم (المساكين)
الذين أذلهم الفقر، فلهم حقٌّ على الأغنياء
بما يخفف عنهم هذه المسكنة، ثم ذكر
(ابن السبيل) وهو الغريب المنقطع،
في غير بلده، فحث الله على إعطائه من
المال، ما يعينه على سفره، وييسر عليه
حياته في غربته، (والسائلين) الذين تعرض
لهم حاجة من الحوائج، توجب السؤال .
ويدخل فيه من يسأل لتعمير المصالح العامة
کالمساجد والمدارس، فهذا له حق، وإن
كان غنيًا، (وفي الرقاب) يدخل فيه العتق
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح
الشحيح، رقم ١٠٣٢.
ومثل ذلك ما جاء في آية المكاتبة:
﴿وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ [النور:
٣٣].
وفيه حثّ للناس على الإنفاق والبذل
للملوك بما يعينه على عتق رقبته، يستوي
في ذلك مولاه ومن سواه من الناس، ولهذا
جعل سبحانه للمكاتبين (الرقاب) نصيبًا
مفروضًا من الزكاة.
فاشتملت الآية على أبواب البر، ونبهت
على أصنافٍ ممن تدفع إليهم الصدقات،
وينجم عن الإحسان إليهم خيرات ومصالح
عظيمة.
وقد رغب سبحانه وتعالى في الإنفاق
في سبيل الله تعالى، وضرب لذلك مثلاً
يشوق النفوس للبذل والعطاء، ويدفعها
للتصدق بسخاء، في تمثيل بديع يصف
ثواب المتصدق وعظم أجره .
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فِي كُلّ سُتْلَةٍ مِّأْتَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ
وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٦١].
أي: ينفقون أموالهم في طاعة الله.
قال ابن كثير: ((هذا مثل ضربه الله تعالى
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٩٧،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٥.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الميم
لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء وحلها ونفعها ووقوعها موقعها))(٢).
مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها
إلى سبعمائة ضعف . قال سعيد بن جبير: في
طاعة الله . وقال مكحول: يعنى به الجهاد،
من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك .
وهذا المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد
سبعمائة، فإن في هذا إشارة إلى أن الأعمال
الصالحة ینمیها الله عز وجل لأصحابها، كما
ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة)»(١).
وقال السعدي في تفسير الآية: «هذا بيانٌ
للمضاعفة التي ذكرها الله في قوله: ﴿مَن ذَا
الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ، لَهُ و أَضْعَافًا
كَثِيرَةً﴾.
وهنا قال: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ
سنایل في گُلِ سُنبلةٍمِائَةُ حبّةٍ﴾ أي: في طاعته
ومرضاته، وأولاها إنفاقها في الجهاد في
سبيله.
وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا
المثل، الذي كأن العبد يشاهده ببصره،
فيشاهد المضاعفة ببصيرته، فيقوى شاهد
الإيمان مع شاهد العيان، فتنقاد النفس
مذعنةً للإنفاق، سامحة بها، مؤملة لهذه
المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة ﴿وَالله
يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: بحسب حال المنفق
وإخلاصه وصدقه، وبحسب حال النفقة
(١) تفسير القرآن العظيم ٢٩٩/١.
ثم ذكر سبحانه شرط الإنفاق المقبول
وثوابه فقال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَّ
أَذِّىْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ
وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٧)﴾ [البقرة: ٢٦٢].
لما ذكر سبحانه في الآية السابقة الإنفاق
في سبيل الله وفضله، بين في هذه الآية
أن ذلك الثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه
منّا ولا أذى، لأن المن والأذى مبطلان
للصدقة، وإنما على المرء أن يريد وجه الله
تعالى وثوقه . والمن: هو ذكر النعمة على
معنی التعدید لها والتقريع بها.
وهو من الكبائر، كما في الحديث، أن
المنان أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم
ولا يزکیھم ولهم عذاب أليم(٣).
والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من
المن، لأن المن جزء من الأذى، لَكِنْ نَصَّ
علیه لكثرة وقوعه (٤).
قال الطبري: ((وإنما شرط ذلك في
المنفق في سبيل الله، وأوجب الأجر لمن
کان غیر مانًّ ولا مؤذٍ من أنفق علیه في سبیل
الله؛ لأن النفقة التي هي في سبيل الله: ما
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص٩٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب ٤٦، رقم ١٠٦.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٠٢/٣.
٣٩٦
جَوَسُوعَةُ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ

المال
ابتغى به وجه الله وطلب به ما عنده))(١).
﴿قُول
ثم عقب الله تعالى بقوله:
مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَى﴾
[البقرة: ٢٦٣].
فقرر سبحانه أن القول الطيب والكلمة
بالمعروف، والمغفرة، خيرٌ وأفضل من تلك
الصدقة المتبوعة بالمن والأذى، وتنفيرًا من
ذلك الفعل - المن والأذى - شبه الله تعالى
بعض المتصدقين الذين يتصدقون طلبًا
للثواب ويعقبون صدقاتهم بالمن والأذى،
بالمنفقين الكافرين الذين ينفقون أموالهم
لا يطلبون من إنفاقها إلا الرياء والمدحة، إذ
هم لا يتطلبون أجر الآخرة، فقال عزوجل:
يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَانُبْطِلُواْصَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ
وَالْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِنَّآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ
بِاَللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
ثم ضرب الله تعالی مثلًا رائعًا، للمنفق
المبتغي بإنفاقه وجه الله تعالى وثوابه
الجزيل، فقال سبحانه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ
وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَِّ بِرَبْوَةٍ
أَصَابَهَا وَإِلٌ فَتَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ
يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
[البقرة: ٢٦٥ ].
ثم عقب بمثلٍ آخر، فيه تمثيل لنهاية
المن والأذى، وکیف یمحق الله آثار
(١) جامع البيان ٦٣/٣.
الصدقة المتبوعة بالمن والأذى محقًّا في
وقت لا يملك صاحبها قوةً ولا عونًا، ولا
يستطيع لذلك المحق دفعًا ولا منعًا، فقال
تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ
مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ.
ذُرِّيَّةُ ضُعَفَاءٍ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَرَقَتْ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ
﴾ [البقرة: ٢٦٦].
تَتَفَكَّرُونَ )
وقد امتدح الله تعالى أبو بكر الصديق
رضي الله عنه، وأثنى عليه بقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا
اٌلْأَنْقَى ) الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ, يَتَزَّكَى ) وَمَا لِأَحَدٍ
عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْرِىٌ ﴿ إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَيِّهِ الْأَعْلَ))
وَكَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧ -٢١].
أي: ينفق ويطلب بإنفاقه تزكيه نفسه،
وتطهيرها من العيوب والذنوب، قاصدًا
بذلك وجه الله تعالى،مبتغیًا رضاه (٢).
والإنفاق في سبيل الله باب واسع يدخل
فيه عموم الإحسان والصدقات والمعونات
والمساعدات التي تقدم، سواءً للأفراد
من ذوي القربى وغيرهم، أو للمؤسسات
والهيئات والجمعيات، كتلك التي تهتم
بكفالة الأيتام، أو الأرامل، أو تقوم على
تحفيظ القرآن، أو تدعم مشاريع الخير من
الإسكان وحفر الآبار، وبناء المساجد،
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٥٩/٢٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص ٨٥٧.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الميمر
وإنشاء المدارس، أو إغاثة المحتاجين سواءً
داخل البلاد أو خارجها.
وقد تيسر بفضل الله تعالى للإنسان
الإنفاق في جميع وجوه الخير، بوجود
المكاتب التوعوية لتلك الهيئات
والمؤسسات المعتمدة، والتي تقوم على
استلام الأموال وإيصالها إلى أصحابها ومن
ينتفع بها، لا سيما في مواسم الخير کشهر
رمضان وموسم الحج، كذلك الحسابات
البنكية المعلنة لتلك الجمعيات أو الهيئات
أو الجهات، مما ييسر على الإنسان البذل
والعطاء في أبواب البر المتعددة.
فلم يبق للإنسان إلا نفس راضية سخية
تبذل في سبيل الله، وتبتغي فضله، وتطلب
ثوابه، وتقصد وجهه الكريم.
وأبواب إنفاق المال في الخير كثيرة،
وكلما كان الإنفاق أنفع لعمومه، أو شدة
الحاجة إليه، أو جلبه لمصالح أخرى، كان
أفضل وأجدی.
ثانيًا: ثمرات الإنفاق المشروع:
١. في الإنفاق طهرة للمنفق، وتزكية لقلبه،
وتنمية للمال، وسلامة له من الآفات،
يقول عزوجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
٢. في الإنفاق تكثير للحسنات، ومضاعفة
للأجور، كما دلت عليه آيات الإنفاق
في سورة البقرة ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ
اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ، لَهُمْ أَضْعَافًا
كَثِيرَةً﴾ البقرة (٢٤٥) . وقال
عزوجل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ
سَنَابِلَ فِي كُلّ سُتْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٌّ وَاللَّهُ يُضَعِفُ
لِمَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ ﴾
[البقرة: ٢٦١].
٣. في الإنفاق وقاية من النار، وتكفير
للسيئات، كما جاء في الحديث: (اتقوا
النار ولو بشق تمرة) (١)، وقال صلى
الله عليه وسلم: (الصدقة تطفئ الخطيئة
كما يطفئ الماء النار)(٢).
٤. الإنفاق سبب في دخول الجنة،
يقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السََّّآءِ وَالضَّرَّآءِ
١٣
وَاَلْكَظِمِينَ اَلْفَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ
١٣٤
النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
[آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب اتقوا النار ولوبشق تمرة، رقم ١٤١٧،
ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الحث
على الصدقة ولو بشق تمرة، رقم ١٠١٦.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الإيمان، باب
ماجاء في حرمة الصلاة، رقم ٢٦١٦.
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي
٤٢/٣.
٣٩٨
صَوْسُـ
القرآن الكريمِ

المال
٥. الإنفاق في الوجوه المشروعة، من أهم
أسباب نهضة الأمم، وقوة اقتصادها،
وذلك بدفع الأموال في التعليم وبناء
المدارس والمستشفيات، والقيام على
طلاب العلم ونحو ذلك مما يرتقى
بالأمة.
٦. الإنفاق في المشروع سبب لقوة
المجتمع وترابط أفراده وتكاتفهم
وتعاونهم علی الخیر، بالبذل للمسکین،
والقيام على الأرملة واليتيم، وإعطاء
المحتاج، وإكرام الضعيف والبذل في
وجوه الخير التي تنفع أفراد المجتمع.
وجوه الإنفاق الممنوع وعواقبه
أولًا: وجوه الإنفاق الممنوع:
كما بين الله تعالى وجوه الكسب
الممنوعة، وحرم کل کسبٍ خبيثٍ ونھی
عن تحصيل المال وجمعه بطريقة من الطرق
المذمومة التي سبق بيانها، فإنه كذلك نبه
عباده إلى وجوه من الإنفاق محظورة،
ومصارف للمال ممنوعة، وأبواب من الدفع
محرمة وغير مشروعة، حفاظًا على هذا
المال، وحتى لا يكون المال - وإن كان
من كسب حلال - سببًا في حصول الوزر
والإثم، بإنفاقه فيما لا ينبغي . ومن وجوه
صرف المال وبذله الممنوعة ما يأتي:
١. إنفاق المال طلبًا للرياء والسمعة
والمدح والثناء من الخلق.
تقدم الأمر بإخلاص النية في الإنفاق لله
تعالی، وقد ضرب الله تعالی مثلا بمن ينفق
ماله طلبًا للمحامد فقال عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنْ وَالْأَذَى
كَلَّذِى يُنفِقُّ مَا لَهُ رِينَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ
اُلْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ.
وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لََّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ
مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْكَّفِرِينَ
[البقرة: ٢٦٤].
في الآية تشبيه بعض المتصدقين الذين
يتصدقون طلبًا للثواب، غير أنهم يتبعون
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الميم
صدقاتهم بالمن والأذى، بالمنفقين المرائين
الذي ينفقون أموالهم لا يطلبون من إنفاقها
إلا السمعة والرياء والمفاخرة بين الناس
. ثم شبه تعالى من أنفق ماله رياءً - وهو
المقصود هنا - بالحجر الذي لا خصب
فیه ولا ليونة، يغطیه تراب خفیف یحجب
قسوته عن العين، فإذا نزل مطر غزير على
هذا الحجر، ذهب بالتراب، وانكشفت
حقيقته وظهرت قسوته ولم ینبت زرعه،
ولم يثمر ثمره، فكذلك القلب الذي أنفق
طلبًا للظهور بين الخلق، فإن إنفاقه هذا لا
يثمر خيرًا، ولا يكسبه أجرًا؛ لأنه يذهب
ويضحمل عند الله وإن ظهر له عمل فيما
یری الناس، کالتراب.
ولا شك أن من عمل عملا مما يراد به
الله تعالى والدار الآخرة، وقصد به الدنيا
فلا شك أن عمله باطل مردود، وسعیه غیر
مشكور، لأن شرط العمل أن يكون لله
تعالی وحده، فالمرائي في الحقيقة کان عمله
للناس، وقصده المدح والشهرة بالخصال
والصفات الجميلة، ليشكر بين الناس،
ويمدح، فيقال: هو كريم، مع قطع نظره عن
معاملة الله تعالى، لهذا قال عزوجل: ﴿وَلَا
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾(١).
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠١/١،
تیسیر الکریم الرحمن، السعدي ص ٩٥.
والإحسان إن خالطه الرياء وطلب الحمد
والمدح والثناء والظهور عند الناس، فإنه لا
أجر لصاحبه فيما أنفق ولا ثواب، لأن الرياء
مبطل للعمل . والواجب الإنفاق لله تعالى
وابتغاء فضله ورضاه، حتى تقبل النفقة
ويجزى عليها بالأجر العظيم في الآخرة.
ومما يشاهد من حال الناس اليوم الإنفاق
بإسرافٍ وترف ومخيلة، في المناسبات
والاجتماعات، بل والتكلف أحيانًا فوق
الطاقة والسعة، كل ذلك مراءةً واستجلابًا
للمدح والثناء من الناس.
وليعلم مَنْ هذه حاله، أنه مهما عمل
فإنه لن ينال رضا جميع الناس ومدحهم،
بل سيجد من ينتقده وينتقص ويعيب فعله .
ولیعلم أنه لو أُثنی علیه أهل الأرض جميعًا،
فإن ذلك لن یقربه من الله تعالى إذا كان هو
بعیدا بعمله ونیته وقصده.
فالمرائي خاسر في الدنيا والآخرة؛ لأنه
لا یستطیع إرضاء جمیع الناس في الدنیا، ثم
في الآخرة لا يجد له عمل عند الله تعالى
مهما بذل من ماله وأعطى؛ لأن ذلك الرياء
أحبط العمل وأذهب فضله.
٢. الإنفاق في الصد عن سبيل الله.
أخبر الله تعالى عن الكفار بأن دأبهم
فالإنفاق في وجوه الخير والبذل وديدنهم الإنفاق المستمر للصد عن سبيل
الله تعالى.
قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ
٤٠٠
جَنُور
الْقُرآن الكَرِيمِ

المال
أَمْوَّلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ فَسَيُنفِقُونَهَا
ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ
٣٦
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
[الأنفال: ٣٦].
والمعنى: ((إن الذين كفروا ينفقون
أموالهم لا في وجوه الخير، وإنما ينفقونها
ليصدوا عن سبيل الله، أي: ينفقونها ليمنعوا
الناس عن الدخول في الدين الذي يوصلهم
إلى رضا الله وإلى طريقه القويم))(١).
وفي هذا بيان لعداوة الكفار وكيدهم
ومکرهم، ومبارزتهم لله ولرسوله، وسعيهم
في إطفاء نوره، وإخماد كلمته، فهم ينفقون
أعز الأشياء لديهم للصد عن الإسلام، وهذه
صفة في جميع الكفار في کل عصر وزمان،
فإنفاقهم حصل في الماضي، ويحصل في
الحال والاستقبال، ولذلك جاء التعبير
(٢)
يَنْفِـ
بصيغة المضارع
ونَ.
والآية وإن كانت في الكفار، وکان لها
سبب نزول خاص، إلا أنها عامة في كل من
پبذل ماله للصد عن دين الله، أو في تأييد
الباطل ومعارضة الحق (٣).
ثم قال سبحانه: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ
عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ أي: سيفعلون ذلك ثم
(١) تفسير الوسيط، طنطاوي ٦/ ٩٥.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٢٨٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٣٤٠/٩.
(٣) انظر: الوسيط، طنطاوي ٦ / ٩٦.
تذهب أموالهم ندامة عليهم، حيث لم
يجدوا شيئًا، لأنهم أرادوا إطفاء نور الله
وظهور کلمتهم علی کلمة الحق، والله متم
نوره ولو كره الكافرون، ومظهر دینه على
کل دین، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم
في الآخرة عذاب النار (٤).
ولم يكن هذا حال أهل الكفر في زمن
النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل هو
طريقة أهل الضلال في كل زمان، فقد قال
سبحانه حكاية عن موسى في بيان حال
فرعون وقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَّا إِنَّكَ
ءَاتَّيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةٌ وَأَمَوْلًا فِى الْحَيَّوَةِ
الدُّنْيَا رَيَّنَا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى
أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾﴾ [يونس: ٨٨].
قال ابن جرير: «﴿يُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ
بمعنى: ليضلوا الناس عن سبيلك،
ویصدوهم عن دینك »(٥).
وقال السعدي: ((المعنى: إن أموالهم لم
يستعينوا بها إلا على الإضلال في سبيلك،
فيضلون ويضلون)) (٦).
ويبقى هذا حال كل من أبغض الدين
القويم، من الكفار والمنافقين وأشياعهم،
فهم يبذلون من المال الكثير لهدم الدين،
وتصديع أركانه وزلزلة ثوابته، ويث الشكوك
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٢٩٤.
(٥) جامع البيان ٥٩٨/٦.
(٦) تيسير الكريم الرحمن ص٣٢٨.
www. modoee.com
٤٠١

حرف الميم
والشبهات في نفوس أبنائه، فسينفقون الدين على مختلف المستويات حكومات
أموالهم وتكون عليهم حسرة وندامة في
الدنيا والآخرة.
وهيئات ومؤسسات وأفراد، من أموال طائلة
ومبالغ عظيمة للصد عن سبيل الله تعالى،
ونشر الكفر والفساد، لا أن يكون أبناء
الإسلام معاول هدم في بنائه العظيم، أو أيدٍ
خفية يشاركون بأموالهم من حيث يعلمون
أو لا يعلمون في الصد عن سبيل الله.
والصد عن سبيل الله قد یکون عامًا،
وذلك بالصد عن الدين كلية - كما يفعل
أهل الكفر - وقد يكون الصد جزئيًّا،
وذلك بالصد عن بعض تشريعات الإسلام،
ومحاربتها ومنعها، والتضييق على أهلها،
كالحجاب والنقاب، والأذان وحلقات
التحفيظ.
وبذل المال في ذلك بطريق مباشر أو غير
مباشر، هو من الإنفاق الممنوع، كمن يتولى
فتح القنوات الصارفة عن ذكر الله تعالى
أو القادحة في دينه وشريعته، أو المخالفة
لتعاليمه، وكذا الإعانة فيها بأي نوع من
أنواع العون، ومثله بذل المال في إيجاد
المقاهي والملاهي، والتي تمارس فيها کثیر
من المحرمات، إضافةً إلى صدها الناس
عن ذكر الله وشغلهم عما يصلحهم في أمر
دینهم ودنياهم.
ويلحق بهم من يستغل التقنية ووسائل
التواصل الحديثة في الصد عن سبيل
الله، بنشر الكذب أو البدع أو الضلال، أو
الاستهزاء بالدين وشعائره وأهله المنتسبين
إليه.
والواجب على أهل الإيمان بذل أموالهم
في نشر الدين وخدمته، إزاء ما يبذله أعداء
ومهما تآمر المتأمرون، أو علت
أصواتهم، أو ظهروا وغلبوا في بعض
الأحیان، سیبقی الحقُّ ما بقی الليل والنهار،
وسیتم الله نوره ولو كره الكافرون؛ لأن هذا
هو وعد الله ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ
حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ
يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: ٣٦].
٣. الإنفاق في المحرمات.
وهذا يشمل دفع الأموال في تحصيل ما
لا يحل من المحرمات، كما في المعاملات
المحرمة التي نهى عنها الشارع الحكيم
والبيوع الممنوعة كالربا، والرشوة فقد قال
عزوجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ
وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا
مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (
١٨٨
[البقرة: ١٨٨].
والإدلاء بالأموال للحكام هو دفعها لهم
وإعطاؤهم إياها مقابل أن يحكموا للدافع
ضد غريمه، وقد تقدم في الرشوة . وكذا
دفع المقترض للزيادة، هو من الإنفاق في
٤٠٢
جَوَي
القرآن الكريم

المال
المحرمات لأنه ربا.
ومثله إنفاق الأموال أثمانًا للمحرمات،
كدفع ثمن الخمر والدخان والمخدرات،
والآت اللهو، واللعب المحرم كالقمار،
أو المسابقات الممنوعة شرعًا، أو دعمًا
لقنوات الشر والفساد.
بل إن التبذير المنهي عنه فسر بأنه ما كان
نفقةً في المحرمات، ولو کان شيئًا یسیرًا .
كما تقدم.
والإنفاق فیما حرم الله تعالى، دليل
تسلط الشيطان على الإنسان.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَغْزِزْ مَنِ أُسْتَطَعْتَ
مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ
وَشَارِكْهُمْ فِ اَلْأَمْوَلِ﴾ [الاسراء: ٦٤].
ومشاركة إبليس للعباد في أموالهم
هو ما يأمرهم به من إنفاقها في المعاصي
والمحرمات (١).
قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُّبَذِِّينَ كَانُّوْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ﴾
[الاسراء: ٢٧].
(يعني: إن المفرقين أموالهم في
معاصي الله المنفقيها في غير طاعته أولياء
الشياطين))(٢).
٤. الإنفاق في الشهوات.
فمن وجوه الإنفاق المذمومة والممنوعة
(١) انظر: جامع البيان ١٠٩/٨.
(٢) المصدر السابق ٦٩/٨.
الإنفاق في أصناف الشهوات، لا سيما
المحرمة منها، فقد حكى الله تعالى عن
الکافر تفاخره بإنفاق المال الكثير في سبيل
تحصيل شهواته، فقال عزوجل:
ـيَقْـ
أَهْلَكْتُ مَالَا تَبَدًا ﴾ [البلد: ٦].
ومعنى (لبدًا): أي کثیرًا(٣).
ففي قول الكافر تفاخر وتمدح بإتلاف
المال في غیر صلاح، وقد كان أهل الجاهلية
يتبجحون بإتلاف المال ويعدونه منقبة،
لإیذانه بقلة اكتراث صاحبه به (٤).
قال السعدي: ((سمى الله تعالى الإنفاق
في الشهوات والمعاصي إهلاكًا، لأنه لا
ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من
إنفاقه إلا الندم والخسارة والتعب والقلة، لا
كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير،
فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف ما
أنفق)) (٥)
وإنفاق المال في الشهوات - حتى وإن
كانت مباحة - إذا بالغ فيه الإنسان وجاوز
الحد كان ذلك من التبذير والإسراف
المنهي عنه، قال القرطبي: ((من أنفق ماله في
الشهوات زائدًا على قدر الحاجات وعرضه
بذلك للنفاد فهو مبذر))(٦).
(٣) انظر: جامع البيان ٥٨٩/١٢. وهو قول ابن
عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد.
(٤) انظر: التحرير والتنوير ٣٥٢/٣٠.
(٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٥٥.
(٦) الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٦٢.
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الميم
وهو ضربٌ من إضاعة المال وإتلافه،
وصرفه فیما لا نفع فيه غالبًا . وقد نھی صلى
الله عليه وسلم عن إضاعة المال، فقال: (إن
الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا ...
.ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال،
وإضاعة المال)(١).
قال النووي: «وأما إضاعة المال فهو
صرفه في غير وجوهه الشرعية، وتعريضه
للتلف، وسبب النهي أنه إفساد، والله لا
يحب المفسدين، ولأنه إذا ضاع ماله تعرض
لما في أيدي الناس)»(٢).
ومن إضاعة المال ما يبذله الناس اليوم
من أموالٍ طائلة، ومبالغ كبيرة في سبيل
حيازة المباحات والتفاخر والتنافس في
نيل أعراض الدنيا، وأغراضها من مساكن
ومراكب ومقتنيات وأجهزة واتصالات
ولباس وأثاث ومناسبات، أو شراء ما لا
يستفاد منه، أو إنفاق المال في السياحات
والتنزه والسفر، كل ذلك من الإنفاق في
الشهوات التي تذهب المال ولا نفع فيها
غالبًا للفرد ولا للمجتمع.
والواجب على المسلم حفظ ماله، بتنظيم
استهلاكه والاعتدال فى نفقته، وصرفه فيما
ينبغي، والبعد عن مجالات تضييع الأموال،
لأنه مما نھی عنه الشارع الحکیم وحذر من
مغبته.
٥. دفع الأموال لمن لا يحسن التصرف
(السفهاء).
وقد نهى الله تعالى عن دفع الأموال
للسفهاء فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ
أَمْوَلَكُمُ أَِّي جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا وَأَرْزُقُوهُمْ فِيَهَا
وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُواْلَتْ قَوْلَا مَّقُوَفًا ﴾ [النساء: ٥].
فهذا نهيٌّ للأولياء عن دفع الأموال
لكل من لا يحسن التصرف في ماله؛ لعدم
وضعف عقله كالمجنون والمعتوه، أو لصغر
سنه وعدم رشده كالصغير وغير الراشد،
فهؤلاء لا يحسنون حفظها والتصرف فيها
والقيام عليها، فلا تدفع لهم إنما يبذل منها
ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية
والدنيوية(٣).
والمتأمل في حال الناس اليوم، يرى
مخالفة هذا التوجيه الإلهي وعدم المبالاة
بالأموال، وبذلها لصغار السن ممن لا يدرك
مصلحته، ولا يحسن التصرف في غالب
شؤونه، فتترك الأموال في يده بلا حساب،
ويدفع له دون تردد، وأكثر صرفه یکون
فیما لا فائدة فيه ولا نفع منه، من البذل في
الشهوات، والإسراف والتبذير في المقتنيات
من سيارات وأجهزة وتجهیزات، وقد تكون
سببًا في انحرافه ببذلها في المسكرات
والمخدرات والدخان، فيكون ذلك المال
(١) سبق تخريجه.
(٢) شرح صحيح مسلم ١٢ / ١١.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ١٣٠.
٤٠٤
القرآن الكريمِ

المال
وبالا علیه وهلاگًا له.
ومثله دفع الأموال لمن لا تحسن
التصرف والتدبير من النساء، أو توليتها على
شؤون النفقة في البيت، فيدفع المال غالبًا
فيما لا ينفع الأسرة، بل يضيع عليها أكثر
منافعها.
والواجب حفظ المال، ومنع السفيه
من التصرف فيه حتى لو كان ماله، ودفع
ما يحتاج إليه في النفقة والكسوة وسائر
متطلبات حياته من قبل وليه والقائم عليه .
كما أرشدت إلى ذلك الآية الكريمة . قال
ابن عباس في الآية: ((لا تعمد إلى مالك وما
خولك الله، وجعله معيشة، فتعطيه امرأتك
أو بنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن
أمسك مالك وأصلحه، و کن أنت الذي تنفق
عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم (١)).
ثانيًا: عواقب الإنفاق الممنوع:
من خلال ما تقدم من وجوه الإنفاق
غير المشروع، تتبين عواقب وآثارًا للإنفاق
الممنوع ولعل أهمها:
١. بطلان العمل وعدم قبوله، كما في
الإنفاق رياءً.
٢. الحسرة والندامة التي تعود على
صاحبها بالوبال والخسارة في الدنيا،
دون تحقيق مراده، فیضیع ماله ولا ينال
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٩/١.
مطلوبة، كمن ينفق ماله في سبيل الصد
عن الدين، وقد وعد سبحانه بظهور
دينه وغلبته، مهما فعل أعداؤه.
٣. تضييع المصالح الهامة للأفراد
والجماعات، بدفع الأموال فيما لا
ينبغي كالمسابقات والألعاب، والتخلي
عن الإنفاق في المجالات الحيوية التي
تخدم الأمة.
٤. حصول التنافس البغيض بين أفراد
المجتمع، في تحصيل الكماليات،
والإنفاق على مظاهر الترف والتفاخر،
ولربما قاد ذلك إلى تحمل الدیون، أو
الدخول في معاملات محرمة من أجل
توفير المال الذي به یفاخر.
٥. موالاة الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ
الْمُبَذِّرِنَ كَانُّوَاْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِّ
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا
٢٧
[الاسراء: ٢٧]. قال ابن جرير:((إن
المفرقين أموالهم في معاصي الله،
المنفقيها في غير طاعته، أولياء
الشياطين)) (٢).
٦. دخول النار، كما أخبر سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنُفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ
تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُّونَُ
وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
(٢) جامع البيان ٦٩/٨.
www. modoee.com
٤٠٥

حرف الميم
﴾ [الأنفال: ٣٦].
٧. استنزافٌ لثروات الأمة، وإتلافٌ
لأهم مقومات النهضة وعوامل القوة
الاقتصادية (المال).
موضوعات ذات صلة:
الإسراف، الاقتصاد، الإنفاق، البخل،
الجهاد، الدَّين، الزكاة، السعة، الشهادة،
العطاء، الكسب
٤٠٦
قَضوري
البَشَبـ
جوي
القرآن الكريم