Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٧ لِقَمَّان عناصر الموضوع التعريف بلقمان ١٦٠ ذكر لقمان في القرآن الكريم ١٦٥ صفات لقمان الحكيم ١٦٥ مكانة لقمان الحكيم ١٦٧ حكمة لقمان ١٦٨ مواعظ لقمان لابنه ١٧٠ ١٨٤ مضامين تربوية في مواعظ لقمان المُجَلَدَ التَّاشِعِ وَالْعَشْرُونْ حرف اللام التعريف بلقمان أولًا: اسمه ونسبه ولقبه: اختلف المفسرون في اسم ونسب لقمان الحكيم على قولين كما يأتي: القول الأول: هو: لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارخ، وهو آزر، وقيل: كان ابن أخت أيوب عليه السلام، وقيل: كان ابن خالته، وهذا ما ذهب إليه جمهور المفسرين، واعتمدوا في ذلك على ما ورد عن ابن إسحاق حيث قال: ((وهو لقمان بن باعوراء ابن ناحور بن تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم، وقال وهب: كان ابن أخت أيوب عليه السلام وقال مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب عليه السلام)) (١). وكذلك قال الإمام البيضاوي والخازن هو: «لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارخ، وهو آزر، وقیل: کان ابن أخت أيوب عليه السلام، وقيل: کان ابن خالته، وقیل: إنه عاش حتى أدرك داود عليه السلام، وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه)) (٢). القول الثاني: قال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: «هو لقمان بن عنقاء بن سدون، ويقال: لقمان بن ثاران، حكاه السهيلي عن ابن جرير والقتيبي، قال السهيلي: وكان نوبيا من أهل أيلة، قلت: وكان رجلا صالحا ذا عبادة وعبارة، وحكمة عظيمة، ويقال كان قاضيًا في زمن داود عليه السلام، فالله أعلم» (٣). وقال الإمام القرطبي: ((وقيل: هو لقمان بن عنقاء بن سرون، وكان نوبيًا من أهل أيلة، ذكره السهيلي)) (٤). واختلف المفسرون في اسم لقمان هل هو اسم عربي أم أعجمي؟ على قولين: أحدهما: أنه اسم أعجمي، منع من الصرف للعجمة والعلمية، قال الفيروزآبادي: أنه اسم أعجمى ممنوع من الصرف، قيل: عبرانی، وقيل: سريانی (٥). وثانيهما: أنه اسم عربي، قال الإمام ابن عاشور: ((ولقمان: اسم علم مادته مادة عربية، مشتق من اللقم، والأظهر أن العرب عربوه بلفظ قريب من ألفاظ لغتهم على عادتهم كما (١) الكشف والبيان، الثعلبي ٧/ ٣١٢، معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٥٨٧. (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢١٣/٤. (٣) البداية والنهاية، ابن كثير ١٢٣/٢. (٤) الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٥٩. (٥) بصائر ذوي التمييز ٦ / ٩٠. ١٦٠ ـالعضوي القرآن الكريم لقمان عربوا شاول باسم طالوت وهو ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون لا للعجمة والأول أولی)) (١). أما لقبه: فأثبت كثير من المفسرين للقمان لقب (الحكيم)، فيقال: لقمان الحكيم ورووا ذلك عن مجاهد وسعيد بن المسيب وغيرهم، وهذا اللقب مستمدًا من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنْ أَشْكُرْ لِلّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ" وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾ [لقمان: ١٢](٢)، وسيأتي تفصيل ذلك. ثانيًا: زمانه ومكانه: أما زمانه: فلم تذكر المصادر الصحيحة زمان لقمان الحكيم الذي عاش فيه، ولكن اختلف المفسرون في زمان لقمان على قولين كما يأتي: القول الأول: ذهب جمهور المفسرين إلى أن لقمان الحكيم عاش في زمن داود عليه السلام (٣)، قال الزمخشري: ((وهو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر، وأدركه داود عليه السلام وأخذ عنه العلم)» (٤). وذكر الإمام ابن كثير عن مجاهد: «أن لقمان كان قاضيًا في بني إسرائيل في زمان داود عليه السلام، ولا يوجد ذكر ذلك في كتب الإسرائيليين،(٥). وقد ذكر أهل التاريخ: أن لقمان الحکیم کان في زمن داود عليه السلام(٦)، وهذا يؤيد ما ذكره المفسرون. القول الثاني: أنه كان فيما بين عيسى ومحمد عليهما السلام (٧). والقول الأول هو: الراجح الذي توافق عليه جمهور المفسرين والمؤرخين، وهذا ما (١) التحرير والتنوير ١٥١/٢١. (٢) انظر: تفسير مجاهد بن جبر المكي ص ٥٤٣، جامع البيان، الطبري ١٣٥/٢٠، النكت والعيون، الماوردي ٤ /٣٣١، تفسير السمعاني ٢٢٩/٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٨/٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٨/٢١. (٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٧/ ٣١٢، أنوار التنزيل، البيضاوي ٢١٣/٤، معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٥٨٧، الكشاف، الزمخشري ٣/ ٤٩٢، لباب التأويل، الخازن ٣٩٧/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ١٥٠، فتح القدير، الشوكاني ٢٧٣/٤. (٤) الكشاف ٣/ ٤٩٢. (٥) تفسير القرآن العظيم ٢٩٨/٦. (٦) انظر: المعارف، ابن قتيبة ١/ ٥٥، البداية والنهاية، ابن كثير ١٤٦/٢. (٧) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٣١/٤، البحر المحيط، أبو حيان ٤١٢/٨، روح المعاني، الألوسي ١١/ ٨٢. www. modoee.com ١٦١ حرف اللام تؤيده الأدلة الصحيحة، قال الإمام ابن حجر: ((وفي المستدرك بإسناد صحيح عن أنس قال: كان لقمان عند داود عليه السلام وهو يسرد الدرع فجعل لقمان يتعجب ويريد أن يسأله عن فائدته فتمنعه حکمته أن يسأل، وهذا صریح في أنه عاصر داود عليه السلام، وقد ذكره بن الجوزي في التلقيح بعد إبراهيم قبل إسماعيل وإسحاق والصحيح أنه كان في زمن داود، وقد أخرج الطبري وغيره عن مجاهد أنه كان قاضيًا على بني إسرائيل زمن داود عليه السلام. وأغرب الواقدي فزعم أنه كان بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام، وشبهته ما حكاه أبو عبيدة البكري أنه كان عبدا لبني الحسحاس بن الأزد)) (١). وروى الحاكم عن أنس رضي الله عنه: (إن لقمان كان عند داود عليه السلام وهو يسرد الدرع فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان يتعجب ويريد أن يسأله ويمنعه حكمته أن يسأله، فلما فرغ منها صبها على نفسه فقال: نعم درع الحرب هذه، فقال لقمان: الصمت من الحكمة، وقلیل فاعله كنت أردت أن أسألك فسكت حتى كفيتني)(٢). وكذلك روى البيهقي عن أنس رضي الله عنه: (أن لقمان كان عند داود عليه السلام وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان يتعجب ويريد أن يسأله فتمنعه حكمته أن يسأل، فلما فرغ منها ضمها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه فقال لقمان: إن الصمت من الحكم، وقليل فاعله كنت أريد أن أسألك، فسكت حتى كفيتني)، هذا هو الصحيح عن أنس: (أن لقمان قال: الصمت حكم وقليل فاعله) (٣)، وبهذه الأدلة يترجح القول الأول. وعلى هذا يمكن تقدير الزمن الذي عاش فيه لقمان عليه السلام بناءً على تقديرات المؤرخين وعلماء الآثار المعاصرين لزمن داود عليه السلام. وعلى تلك التقديرات الحديثة لعلماء التاريخ والآثار المعاصرين: فإن لقمان الحكيم يمكن أن يكون عاش في القرن العاشر قبل الميلاد، وهذا بناء على ما تقدره المصادر الحديثة بأن داود عليه السلام عاش في القرن العاشر قبل الميلاد (١٠٠٠ - ٩٦٠ ق.م) (٤). (١) فتح الباري ٦/ ٤٦٦. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم ٣٥٨٢، ٤٥٨/٢. (٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم ٣٥٨٢، ٤٥٨/٢، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم ٤٦٧١، ٧/ ٧٣. قال الحاكم: ((صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)) ولم يتعقبه الذهبي، وصححه البيهقي في شعب الإيمان، وابن حجر في فتح الباري ٦/ ٤٦٦. (٤) انظر: سیرة مدينة القدس، خالد محمد غازي ص٢٨، القدس عربية إسلامية، سید فرج راشد ص٥٤، القدس، هنري كتن، ترجمة إبراهيم الراهب ص ١٥، القدس عبر التاريخ، دراسة جغرافية تاريخية جَوَسُولَةُ النَّهِ القرآن الكريم ١٦٢ لقمان وأما مكانه: فاختلف المفسرون في أصله، ومن أي البلاد هو؟ على ثلاثة أقول: القول الأول: قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه وسعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من سودان مصر، أي: أنه كان من أهل النوبة من سودان مصر- وهي بلدة تقع في محافظة (أسوان) بمصر - (١). وقد روى الإمام ابن جرير عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: «كان لقمان الحكيم أسود من سودان مصر)) (٢)، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم: ((أن لقمان عليه السلام كان أسود من سودان مصر، ذا مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة)» (٣). القول الثاني: إنه کان عبدًا حبشیًا، قاله ابن عباس (٤)، وروى الإمام ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال: «كان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين (٥)، قاضيًا على بني إسرائيل))(٦). القول الثالث: إن لقمان الحكيم كان من أهل أيلة (٧)، وهي: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام، وتعرف اليوم باسم ((العقبة)) وهي ميناء المملكة الأردنية الهاشمية حاليًا (٨). والراجح: أن لقمان الحكيم من النوبة من سودان مصر؛ لكثرة الروايات الواردة في ذلك عند المفسرين (٩). أثرية للمدينة المقدسة، ميخائيل مكسي إسكندر ص٢٢. (١) النكت والعيون، الماوردي ٣٣١/٤. (٢) جامع البيان، الطبري ١٣٥/٢٠. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٩٧. (٤) النكت والعيون، الماوردي ٣٣١/٤. (٥) مصفح القدمین: عريضهما. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٩٣/٣، لسان العرب، ابن منظور ٥١٣/٢، تاج العروس، الزبيدي ٥٤٦/٦. (٦) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٥/٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٩٧/٩. (٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥٩/١٤، فتح القدير، الشوكاني ٤ /٢٧٣. (٨) انظر: معجم البلدان، الحموي ٢٩٢/١، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق البلادي ص ٣٥، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد شراب ص ٤٠. (٩) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٥/٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٩٧/٩، الكشف والبيان الثعلبي ٠٣١٣/٧ www. modoee.com ١٦٣ حرف اللام واختلف المفسرون في لقمان أكان حرًا أو عبدًا؟ والأكثرون على أنه كان عبدًا (١). واختلفوا أيضًا في مهنته على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه کان خیاطًا بمصر، قاله سعيد بن المسيب. الثاني: أنه کان راعیًا فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال: ألست عبد بني فلان، الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر الله، وأدائي الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني، قاله عبد الرحمن بن زيد بن جابر (٢). الثالث: أنه كان نجارًا، فقال له سيده: اذبح لي شاة وأتني بأطيبها مضغتين، فأتاه باللسان والقلب فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين فسكت، ثم أمره فذبح له شاة ثم قال: ألق أخبثها مضغتين، فألقى اللسان والقلب فقال له: أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين، فأتيتني باللسان والقلب وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين، فألقيت باللسان والقلب، فقال إنه ليس شىء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا، قاله خالد الربعي (٣). (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٣١/٤، تفسير السمعاني ٢٢٩/٤، لباب التأويل، الخازن ٣٩٩/٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٨/٦، روح المعاني، الألوسي ٨٢/١١. (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٣١/٤، لباب التأويل، الخازن ٣٩٩/٣، تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٦/ ٢٩٨. (٣) النكت والعيون، الماوردي ٣٣١/٤. ١٦٤ جوبيبو القرآن الكريم لقمان ذكر لقمان في القرآن الكريم لم يذكر ذكر لقمان الحكيم إلا مرتين، أولًا: صفات لقمان الخَلْقية: في سورةٍ سميت باسمه (سورة لقمان). صفات لقمان الحكيم روى الإمام ابن جرير، عن مجاهد قال: كان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين (١). قال الإمام الثعلبي والسمعاني قال سعيد بن المسيب: كان لقمان عبدا أسود عظيم (٢) ٠ الشفتين، متشقق القدمين وقال ابن كثير: «قال مجاهد: كان لقمان عبدًا أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين، وقال حکام بن سالم عن سعید الزبيدي عن مجاهد: کان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين)) (٣). ثانيًا: صفات لقمان الخُلُقية: فقد كان رجلًا مؤمنًا بالله، عابدًا شاكرًا له، آتاه الله الحكمة والعلم والفهم، وكان داعية ناصحًا حكيمًا صالحًا، قال الإمام ابن عاشور: ((ولقمان اسم رجل حكيم صالح، وأكثر الروايات في شأنه التي يعضد بعضها وإن كانت أسانيدها ضعيفة تقتضي أنه كان من السود، فقيل: هو من بلاد النوبة، وقيل: (١) جامع البيان، الطبري ١٣٥/٢٠. (٢) الكشف والبيان، الثعلبي ٣١٣/٧، تفسير السمعاني ٢٢٩/٤. (٣) تفسير القرآن العظيم ٢٩٨/٦. www. modoee.com ١٦٥ حرف اللام من الحبشة)) (١). وهذا معناه أن نتوقف في القول بما ورد وفي الحقيقة أن ما هو مصرح به في عنه من أخبار وأقوال وحكم؛ لأنها من الإسرائیلیات والروایات التي لم تثبت، فلا نصدقها ولا نکذبها ولا نرويها. القرآن هو اسمه لقمان فقط، وأما ما جاء من اختلاف في اسمه ونسبه وصفاته فليس عليه لم يصرح القرآن بنبوة لقمان، كما أنه لم ينف نبوته، وإنما سكت عنها، ولذلك لا نقول بنبوته؛ لأنه قد لا یکون نبيًا !! ولا ننفي عنه النبوة؛ لأنه قد یکون نبيًّا، فالأسلم هو التوقف في هذا القول، والاعتراف بقصور العلم، فنحن لا نعلم إلا ما علمنا الله إياه، أو وفقنا إليه!))(٣). دليل من الكتاب أو السنة، فينبغي التوقف في ذلك؛ لأنه من مبهمات القرآن التي لم یقم عليها دلیل، قال الألوسي بعد أن ساق هذه الاختلافات: ((ولا وثوق لي بشيء من هذه الأخبار، وإنما نقلتها تأسيًا بمن نقلها من المفسرين الأخيار عن أني أختار أنه كان رجلًا صالحًا حكيمًا، ولم يكن نبيًا) (٢). ولم يفصل القرآن الحديث عن لقمان، وكل ما ذكره عنه أنه كان رجلًا مؤمنا بالله، عابدًا شاكرًا له، آتاه الله الحكمة والعلم والفهم، و کان داعية ناصحًا، وكان له ولد، فقام بواجبه في نصحه وتوجيهه وتذكيره وتعليمه، وقال صلاح عبد الفتاح الخالدي: ((ولم تضف مصادرنا الإسلامية اليقينية على ما ورد في القرآن عنه، ولذلك معظم ما يتعلق بقصته من مبهمات القرآن، التي لا نملك دليلاً على بيانها، فلا دليل على زمانه أو مكانه، ولا على القوم الذين كان يعيش معهم، ولا نعرف هل كان نبيًا أم مجرد مؤمن عالم حكيم، ولا نعرف من كلامه ومواعظه وحكمه إلا ما ورد في القرآن !. (١) التحرير والتنوير ١٤٨/٢١. (٢) روح المعاني ٨٢/١١. جوسين القرآن الكريمِ (٣) القرآن ونقض مطاعن الرهبان، صلاح الخالدي ١/ ١٦٧. ١٦٦ لقمان مكانة لقمان الحكيم كان لقمان الحكيم عليه السلام من الحكماء الذين خلد الله تعالى ذكرهم في القرآن، وهذه الصفة تدل على مكانته وعظمته وشرفه وارتفاع منزلته، وهذا ما ذهب إليه جمهور المفسرين بأن الله سبحانه وتعالى آتاه الحكمة وهي الفقه والعقل والإصابة في القول من غير نبوة (١). بل قد حكى بعض العلماء الاتفاق على أن لقمان كان حكيمًا ووليًا وصالحًا، ولم يكن نبيًا، قال الإمام البغوي: ((واتفق العلماء على أنه کان حکیما ولم یکن نبيًا إلا عكرمة فإنه قال كان لقمان نبيًا وتفرد بهذا القول»(٢). كما ذكر بعض المفسرين أن لقمان الحکیم کان قاضیًا في بني إسرائيل (٣). وقد سميت سورة القرآن الکریم باسمه، ووروده في كتاب الله، دليل على شرفه ومكانته ويرتبط اسمه بالحكمة في كل زمان ومكان، وبه تضرب الأمثال، قال (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٤/٢٠، الكشاف، الزمخشري ٣/ ٤٩٣. (٢) معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٥٨٧. (٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢١٣/٤، الكشف والبيان، الثعلبي ٧/ ٣١٢، غرائب القرآن، النيسابوري ٤٢٤/٥، زاد المسير، ابن الجوزي ٤٣٠/٣ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٥٩، لباب التأويل، الخازن ٣٩٧/٣، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٧/٤. الدكتور جواد علي: ((ولقمان: شخصية ذكرت في القرآن، وفي القرآن الكريم سورة سميت باسمه، ووروده في کتاب الله دلیل على وقوف الجاهليين بقصصه وشيوع خبره وأمره بينهم، ونجد في كتب التفسير والأدب والأخبار وكتب المعمرين قصصًا عنه، وقد عرف بـ لقمان الحكيم(وقد بحث عنه المستشرقون، وحاولوا تحليل القصص الوارد عنه وإرجاعه إلى أصوله، وقد بحث في ذلك المحدثون في مصر وفي غير مصر من البلاد العربية)» (٤). وإن دلالة تسمية سورة (لقمان) باسمه يدل على عظمة ومكانة لقمان في القرآن، وقد ذكر في السورة مرتین، ويدل كذلك على الشرف والمكانة والتكريم عند الله تعالى والناس، وهذا التكريم والتشريف والمكانة العالية خالد بخلود القرآن الكريم. سميت سورة لقمان به؛ لاشتمالها على قصته التي تضمنت فضيلة الحكمة، وسر معرفة الله تعالى وصفاته، وذم الشرك، والأمر بالأخلاق والأفعال الحميدة، والنهي عن الذميمة (٥). قال الإمام ابن عاشور: ((سميت هذه السورة بإضافتها إلى لقمان؛ لأن فيها ذكر لقمان وحکمته و جملاً من حكمته التي أدب (٤) المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام ٠٣٤٣/١٥ (٥) محاسن التأويل، القاسمي ٢٤/٨. www. modoee.com ١٦٧ حرف اللامر بها ابنه، وليس لها اسم غير هذا الاسم، وبهذا الاسم عرفت بين القراء والمفسرين، ولم أقف علی تصریح به فیما یروی عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند مقبول)) (١). وقال الإمام ابن عاشور في تسمية السور: ((واعلم أن أسماء السور إما أن تكون بأوصافها مثل الفاتحة وسورة الحمد، وإما أن تكون بالإضافة لشيء اختصت بذكره نحو سورة لقمان وسورة يوسف وسورة البقرة))(٢). وسورة لقمان سورة مكية كلها في قول جمهور المفسرين، واستثنى بعض المفسرين ثلاث آيات قال ابن عباس أولهن: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِ اْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّانَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّ كَنَفْسِ وَحِدَةٍ إِنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرُ ٥ أَلَّمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ كُلّ يَجْرِىّ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خِرٌ [لقمان: ٢٧ - ٢٩]. ٢٩ ومنهم من استثنى آيتين قال قتادة أولهما: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾ [لقمان: ٢٧-٢٨] (٣). (١) التحرير والتنوير ١٣٧/٢١. (٢) التحرير والتنوير ١ / ٩١. (٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤/ ١٩٣، التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٤٤٠، المحرر حكمة لقمان إن حكمة لقمان عليه السلام مأثورة في أقواله الناطقة عن حقائق الأحوال والمقربة للخفيات بأحسن الأمثال، وقد عني بها أهل التربية وأهل الخير وتناقلها الحكماء والمؤرخون والعامة. وذكر القرآن منها ما في هذه السورة: وَوَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنْ أَشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ * وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿ وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَّا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ أَشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ) وَإِنِ جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَّكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاٌ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَأَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِشُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿ يَبُنَنَّ أَقِمِ الصَلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَ مَّا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) وَلَا تُصَعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُ الوجيز، ابن عطية ٤ /٣٤٥، مفاتيح الغيب، الرازي ١١٤/٢٥، تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٦/ ٢٩٥. جَوَسُولَةُ التَّقِيَة القرآن الكريم ١٦٨ لقمان كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشِْكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ [لقمان: ١٢- ١٩]. وقد ذكر الله الحكمة في مواضع كثيرة من کتابه مرادًا بها ما فيه صلاح النفوس، من النبوة والهدى والإرشاد، وقد كانت الحكمة تطلق عند العرب على الأقوال التي فيها إيقاظ للنفس ووصاية بالخير، وإخبار بتجارب السعادة والشقاوة، وكليات جامعة لجماع الآداب وذكر الله تعالى في كتابه حكمة لقمان ووصاياه في قوله تعالى: [لقمان: ١٢]. ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾ الآيات (١). وهناك حكم نسبت للقمان الحكيم غير ما ورد في القرآن ذكرها بعض المفسرين، والحكمة: المنطق الذي يتعظ به ویتنبه به، ويتناقله الناس لذلك))(٢). وقال الإمام السمعاني: ((ومن حكم لقمان سوى ما ذكرنا ما روي أنه قال: لا مال کصحة البدن، ولا نعیم کطيب النفس. ومن حكمه أيضا أنه قال: أدب الوالد لولده كالسماد للزرع)» (٣). وقال الألوسي: «ومن حکمته قوله لابنه: أي بني إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها ناس کثیر فاجعل سفينتك فيها تقوى الله (١) التحرير والتنوير ٦٣/٣. (٢) البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ٤١٢. (٣) تفسير السمعاني ٢٣٥/٤. تعالى، وحشوها الإيمان وشراعها التوكل على الله تعالى؛ لعلك أن تنجو ولا أراك ناجيا، وقوله: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله عز وجل حافظ، ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله تعالى بذلك عزّا، والذل فى طاعة الله تعالى أقرب من التعزز بالمعصية. وقوله: ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع. وقوله: يا بني إياك والدين فإنه ذل النهار وهم الليل. وقوله: يا بني ارج الله عز وجل رجاء لا يجرئك على معصيته تعالى، وخف الله سبحانه خوفا لا يؤيسك من رحمته تعالى شأنه. و قوله: من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم. وقوله: يا بني حملت الجندل والحديد وكل شيء ثقيل، فلم أجمل شيئًا هو أثقل من جار السوء، وذقت المرار فلم أذق شيئًا هو أمر من الفقر، يا بني لا ترسل رسولك جاهلًا فإن لم تجد حکیمًا فکن رسول نفسك، یا بني إياك والكذب فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يغلي صاحبه، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس يشهيك الدنيا، يا بني لا تأكل شبعا على شبع فإن إلقاءك إياه للكلب خیر من أن تأکله، يا بني لا تکن حلوًا فتبلع www. modoee.com ١٦٩ حرف اللام ولا مرًا فتلفظ. وقوله لابنه: لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء، وقوله: لا خير في أن تتعلم ما لم تعلم، ولما تعمل بما قد علمت فإن مثل ذلك رجل احتطب حطبا فحمل حزمة، وذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى. وقوله: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلًا فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره، وقوله: لتكن كلمتك طيبة، ولیکن وجهك بسطًا تکن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء. وقوله: يا بني أنزل نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك ولا بد لك منه، یا بني کن کمن لا يبتغي محمدة الناس، ولا یکسب ذمهم فنفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، وقوله: يا بني امتنع بما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك، إلى غير ذلك مما لا يحصى)) (١). وقد أورد الإمام السيوطي كثيرًا من هذه الحكم في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٢)، وكذلك الإمام ابن عاشور في التحرير والتنوير (٣). مواعظ لقمان لابنه تمثل مواعظ لقمان لابنه منظومةً متكاملةً، تعالج جميع جوانب الحياة الإيمانية والعبادية والأخلاقية والسلوكية والإصلاحية، كما أنها تشتمل على معالم دعوية ترسم بعض ملامح منهج الدعوة التي يمكن أن يسير عليها الدعاة، وبيان ذلك فيما يلي: أولًا: أنواع المواعظ: إن مواعظ لقمان لابنه تتنوع إلى مواعظ إيمانية وعبادية وأخلاقية وسلوكية وإصلاحية، وقد جمع لقمان عليه السلام في هذه الموعظة أصول الشريعة وهي: الاعتقادات، والأعمال، وأدب المعاملة، وأدب النفس (٤)، ويمكن بيان ذلك في الفقرات الآتية: ١. المواعظ الإيمانية. إن الوعظ هو نصح وتذكير الإنسان بالخير بما يلين قلبه من ثواب وعقاب، تقول: وعظته وعظا وعظة فاتعظ، أي قبل الموعظة، ويقال: السعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتعظ به غيره (٥)، والموعظة هي (١) روح المعاني ١١ / ٨٣. (٢) الدر المنثور ٦/ ٥١٢. (٣) التحرير والتنوير ١٥١/٢١. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ١٥٤. (٥) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٢/ ٣٣٣، تاج العروس، الزبيدي ٢٨٩/٢٠. ١٧٠ القرآن الكريم لقمان التذكرة للصواب والرشاد (١). والوعظ زجر مقترن بتخويف. قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضٌ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىَ أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣](٢). أي: وعظهم بالزجر والإنكار وبالغ في وعظهم بالتخويف والإنذار، وقل لهم في أنفسهم قولا بليغًا، أي: مؤثرًا واصلًا إلى كنه المراد (٣). وتعتبر مواعظ لقمان لابنه مواعظ إيمانية في الجملة من حيث إنها تزيد في الإيمان، وتؤدي إلى التصديق المطلق بالله تعالى؛ ولأن الإيمان هو الأساس الذي تقوم عليه العبادات، فقد بدأ لقمان به لأنه المهم، وهو أول ما يبدأ به الواعظ الحكيم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِفُهُ يَبُنِىَّ لَا تُشْرِكْ بِالَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]. وقد قال جمهور المفسرين: إن ابن لقمان كان مشركًا فلم يزل لقمان يعظه حتى آمن بالله وحده (٤). ثم بين له أن الشرك ظلم عظيم عند الله؛ لأن الله هو المحيي المميت الرازق المنعم (١) جامع البيان، الطبري ٢٣٣/٧. (٢) التحرير والتنوير ١٥٤/٢١. (٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣٦٩/١، محاسن التأويل، القاسمي ١٩٧/٣. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٤/٢١. وحده لا شريك له، فإذا أشرك به أحد غيره، فذلك أعظم الظلم؛ لأنه جعل النعمة لغير ربها. وأصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه (٥)، وسماه ظلمًا؛ لأنه قد ظلم به نفسه، وليس شيء من الذنوب أعظم من الشرك بالله (٦). والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، من أشرك مع الله غيره فقد وضع الشيء في غير موضعه (٧)، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ اُلَّالِمِينَ ١٠٦ [يونس: ١٠٦]. أي: ولا تدع من دون معبودك وخالقك شيئا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام. يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفا ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر فإن فعلت ذلك، فدعوتها من دون الله فإنك إذا من الظالمين من المشركين بالله الظالمي أنفسهم (٨). ولأن الشرك تسوية بين من لا نعمة إلا (٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ / ١٩٦. (٦) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٣٣/٤. (٧) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٤٣/٣، تفسير السمعاني ٤ / ٢٣٠. (٨) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٨/١٥، الكشاف، الزمخشري ٢/ ٣٧٤. www. modoee.com ١٧١ حرف اللامر وهي منه ومن لا نعمة له أصلًا (١)، ولأن لا يكفر بمجرد ارتكاب المعصية والذنب الشرك أعظم الذنوب الموجب للعذاب (٢). والخلود في الجحيم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدٍ آَفْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكَ ◌ِاَللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَأَ بَعِيدًا (١٦)﴾ [النساء: ١١٦]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ، مَن يُشْرِكِ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ التَّارُ وَمَا ◌ِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ﴾ [المائدة: ٧٢]. ووجه كون الكفر والشرك ظلما، وهو أن الكافر والمشرك ظالم بذلك؛ لأن الظلم هو التعدي وتجاوز الحد، ونصر الباطل، ومجانبة الحق، وإخفاء الحقيقة، والمشرك ظالم بذلك، إن المشرك ظالم لنفسه لسيره في طريق الباطل والعذاب والنار وظالم للحقيقة لتجاوزه لها ومجانبته عنها، وظالم للمؤمنين؛ لأنه لم يكن معهم ناصر للحق محارب للباطل، وظالم للكافرين؛ لأنه كان قدوة لهم في الكفر، مساعدًا لهم على باطلهم، کل کفر ظلم و کل کافر مشرك ظالم، ولكن ليس كل ظلم كفرًا وشركًا؛ لأن القرآن قد يطلق الظلم على المعصية والذنب، فقد يكون المسلم ظالمًا لمعصيته وذنبه، ولكنه (١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٧١٤/٢. واعتبرت الآية أن الشرك ظلم عظيم، وفسر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ تُهْتَّدُونَ ٨٢ [الأنعام: ٨٢]. فقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي لَذِينَ ءَامَنُواْ وَلَوْـ الله عنه، قال: (لما نزلت: يَكْبِسُواْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]. شق ذلك على المسلمین، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: (ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)(٣). ثم وعظه بمراقبة الله تعالى في أقواله وأعماله؛ لأنها وسيلة للإيمان وثمرة من ثمراته قال تعالى: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ الشَّمَوَّتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ ١٦)﴾ [لقمان: ١٦]. وختم تلك الآية المصورة لعلم الله وقدرته باختيار اسمين من أسماء الله ((إن (٢) انظر: تربية الأبناء من وصايا لقمان، محمد زمري ص ٣٠. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة)، رقم ٣٤٢٩، ١٦٣/٤. ١٧٢ مَوَسُولَهُ النَّقِين القرآن الكريمِ لقمان الله لطيف خبير "وهو ختام يتناسق مع موضوع الآية، أي: إن الله لطيف، فعلمه شامل لكل لشيء، وهو نافذ في كل شيء، ولا يقف أمامه أي شيء، ولا يستعصي عليه أي شيء؛ لأنه علم لله المطلع على كل شيء وإن الله خبير، والخبير الذى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا تتحرك حر کة إلا يعلم مستقرها ومستودعها. والفرق بين العليم والخبير، أن الخبير بفيد العلم، ولكن العليم إذا كان للخفايا سمی خبيرًا . الحوادث من الله فتهون علیه الأمور (١). كما وعظه بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المصائب وفي ذلك يظهر أثر الإيمان. قال تعالى: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الصَلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَ مَّا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الَْمِيرِ [لقمان: ١٧- ١٩]. (١) انظر: تربية الأبناء من وصايا لقمان، محمد زمري ص٣٥- ٣٦. ثم بين له أن المرجع والمآب هو لله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِيِّئُكُم بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]. أي: واتبع سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما فيه- وإن كنت مأمورًا بحسن مصاحبتهما في الدنيا- ثم إلىَّ مرجعك ومرجعهما، فأجازیك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما، ويجب على الإنسان في صحبتهما ومعاشرتهما: مراعاة حق الأبوة وتعظيمه، وما لهما من الواجب ومن علم أن الله خبير بأحواله كان التي لا يسوغ الإخلال بها، ثم بين حكمهما محترزًا في أقواله وأفعاله واثقًا أن ما قسم له وحالهما في الآخرة (٢)، بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يدركه، وما لم يقسم له لا يدركه فيرى جميع إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِيِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]. أي: إن إلي مصيركم ومعادكم بعد مماتکم، فأخبر كم بجميع ما كنتم في الدنيا تعملون من خير وشر، ثم أجازيكم على أعمالكم، المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته (٣) ٢. المواعظ العبادية: لما كانت العبادة هي: ((اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء (٢) الكشاف، الزمخشري ٣/ ٤٩٤. (٣) جامع البيان، الطبري ١٣٩/٢٠. www. modoee.com ١٧٣ حرف اللام الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار، واليتيم، والمسكين، وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله تعالى))(١). فإن وصايا لقمان لابنه تتضمن معظم هذه المعاني الواردة في معنى العبادة بمفهومها الشامل، وعلى وجه الخصوص مايأتي: فالشكر عبادة لله تعالى. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنْ أَشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾ [لقمان: ١٢]. والتوحید بكل أنواعه عبادة لله تعالى. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]. وطاعة الوالدين عبادة لله تعالى. قال وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ تعالى: (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ١٤٩. حَلَتْهُ أُمُهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ. فِي عَامَيْنِ أَنِ أَشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَّ اَلْمَصِيرُ ﴿ وَإِنْ جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًاٌ وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: ١٤- ١٥]. ومراقبة الله تعالى عبادة لله تعالى. قال تعالى: ﴿يَبُّنَّ إِنَّهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ اُلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: ١٦]. وإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل الأذى في سبيل ذلك عبادة لله تعالى. قال تعالى: يَسْبُغَىَّ أَقِمِ اَلْضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأنّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْالْأُمُورِ ﴾ [لقـ وهذه الأمور كلها ذات أبعاد عبادية، فيصح أن تسمی عبادات، والمؤمن يعبد الله من خلال التزامه الأوامر مهما كان موضوعها، ويعبد الله من خلال اجتنابه المنهيات مهما کان موضوعها. فإن أداء الأوامر عبادة لله، وإن ترك المحرمات عبادة لله؛ لأن العبادة شاملة لكل حياة المسلم في الشعائر التعبدية، وفي ١٧٤ فَضْو جوسين القرآن الكريم لقمان التشريعات والمعاملات، وفي الفضائل وهو مشتق من الصعر بالتحريك لداء يصيب البعير فيلوي منه عنقه، فكأنه صيغ له صيغة والأخلاق، وفي التعامل والصلات، وفي الخلق والسلوك إلى آخره (١). تكلف بمعنى تكلف إظهار الصعر وهو تمثيل للاحتقار؛ لأن مصاعرة الخد هيئة ٣. المواعظ الأخلاقية. المحتقر المستخف في غالب الأحوال (٣). الخلق هو عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا سميت تلك الهيئة خلقا حسنًا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت تلك الهيئة خلقًا سيئاً(٢). والآيات التي تمثل المواعظ الأخلاقية هي قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشِْكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ اْخِيرِ )﴾ [لقمان: ١٨- ١٩]. ﴿وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ فقوله: [لقمان: ١٨]. وقرأ الجمهور (ولا تصاعر)، وقرأ ابن کثیر وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب (ولا تصعر)، يقال: صاعر وصعر، إذا أمال عنقه إلى جانب ليعرض عن جانب آخر، (١) انظر: تربية الأبناء من وصية لقمان، محمد زمري ص ٣٧. (٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢/ ٧٠، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٢٥٢. قال الإمام ابن جرير: ((اختلفت القراء في قراءة قوله: (ولا تصعر) فقرأه بعض قراء الكوفة والمدنيين والكوفيين: (ولا تصعر) على مثال (تفعل). وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قراء المدينة والكوفة والبصرة (ولا تصاعر) على مثال (تفاعل) (٤) .. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام: ولا تعرض بوجهك عمن كلمته تكبرًا واستحقارًا لمن تكلمه، وأصل (الصعر) داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها حتى تلفت أعناقها عن رءوسها، فيشبه به الرجل المتكبر على الناس» (٥). والمعنى: لا تعرض عن الناس تكبرًا عليهم، قال ابن عباس: لا تتعظم على خلق الله، وقال قتادة: هو الإعراض عن الناس، يكلمك أخوك وأنت عنه معرض متكبر. (٣) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٤٤/٣. (٤) تحبير التيسير في القراءات العشر، ابن الجزري ص ٥٠٨. (٥) جامع البيان ١٤٣/٢٠ www. modoee.com ١٧٥ حرف اللام أي: لا تحتقر الناس فالنهي عن الإعراض عنهم؛ احتقارًا لهم لا عن خصوص مصاعرة الخد فيشمل الاحتقار بالقول والشتم وغير ذلك فهو قريب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل ◌َّْمَآ أُفٍ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلا أن هذا تمثيل كنائي والآخر كناية لا تمثيل فيها (١). وبعبارة أخرى: لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم، ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم، وقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك التشديق في الكلام، والصواب القول الأول (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا ﴾ أي: خیلاء متکبرًا جبارًا عنیدا، لا تفعل ذلك نَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ يبغضك الله؛ ولهذا قال: مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: مختال معجب في نفسه، فخور أي: على غيره، وقال تعالى: ﴿وَلَاتَّمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ اَجِبَالَ طُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٧](٣). والمرح: فرط النشاط من فرح وازدهاء، ويظهر ذلك في المشي تبخترًا واختيالاً ؛فلذلك يسمى ذلك المشي مرحًا كما في (١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٤٤/٣، النكت والعيون، الماوردي ٤ /٣٣٩، تفسير السمعاني ٤/ ٢٣٣. (٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٤٤/٣، النكت والعيون، الماوردي ٣٣٩/٤. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٢/٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٧/٢١ الآية، فانتصابه على الصفة لمفعول مطلق، أي: مشيًا مرحًا، وتقدم في سورة الإسراء (٣٧) (٤). والمختال: اسم فاعل من اختال بوزن الافتعال من فعل خال إذا كان ذا خيلاء، فهو خائل. والخيلاء: الكبر والازدهاء، فصيغة الافتعال فيه للمبالغة في الوصف فوزن المختال مختيل فلما تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله قلب ألفا، فقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ مقابل قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾، وقوله: فخور مقابل قوله ﴿وَلَا تَّمْشِ فِ اْأَرْضِ مَرَحًا﴾. و معنی إن الله لا يحب كل مختال فخور: أن الله لا يرضى عن أحد من المختالين الفخورين (٥). قال الإمام ابن كثير: «وقوله: ﴿ وَأُقْصِدْ فِي مَشْبِكَ﴾ أي: امش مقتصدًا مشيًا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين بين، وقوله: ﴿وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أي: لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ ولهذا قال: وَإِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ اْصِيرِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي غاية من رفع صوته أنه يشبه (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٧/٢١ (٥) المصدر السابق ١٦٦/٢١. ١٧٦ الْقُرآن الكَرِيْمِ لقمان بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه- في هذا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا)(٣). -بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم؛ لأن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (ليس لنا مثل السوء العائد في هته کالكلب يقيء ثم يعود في قيته)(١))) (٢). ولا ترفع صوتك رفعًا شديدًا لا فائدة منه، وأخفضه، فإن شدة الصوت تؤذي آلة السمع، وتدل على الغرور، والاعتزاز المفرط بالنفس، وعدم الاكتراث بالغير، وإن اعتدال الصوت أوقر للمتكلم، وأقرب لاستيعاب الکلام ووعیه وفهمه، وإن رفع الصوت أكثر من اللازم يشبه صوت الحمير، وإن أقبح الأصوات لصوت الحمير، وذلك مما يبغضه الله تعالى؛ لأن أوله زفير وآخره شهيق. وأنكر الأصوات، أي: أقبح وأوحش وأراد بكلمة: لصوت الحمير، الصوت: اسم جنس، ولذلك جاء مفردًا. وفي ذلك دلالة على ذم رفع الصوت من غير حاجة؛ لأن التشبيه بصوت الحمار يقتضي غاية الذم، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، رقم ٢٦٢٢، ٠١٦٤/٣ (٢) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٠٢. ويلاحظ الحكمة في توجيه النصائح، فلما نهى لقمان ابنه عن الخلق الذميم، رسم له طريق الخلق الكريم الذي ينبغي له أن يستعمله من القصد في المشي وهو ألا يشتط في السرعة، ولا يرائي في الإبطاء، ولا يمشي مختالًا متبخترًا، ولا يرفع الصوت أكثر من المعتاد؛ لأن غض الصوت أوقر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه (٤). وتصور الوصية قيمًا خلقية سامية، يتعامل بها مع المجتمع من حوله، فلا يؤذي مشاعرهم، فيصدر عنه ما يكرهونه، أو يفرق وحدتهم، ويفسد المودة بينهم؛ فتنفره من الکبر والخیلاء، والإعجاب بالنفس، وهتك الحرمات، والخوض في أعراض الناس، وتلويث البيئة بالأفعال القبيحة، والصور المنفرة، والأصوات المزعجة، وذلك في صوريهتز لها الوجدان، وينخلع منها القلب، وتتفق مع الفطرة والعقل جميعًا. وتؤكد الوصية أن القيم الإنسانية والخلقية تتفق مع فطرة الإنسان في كل (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب خير مآل المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، رقم ١٢٨/٤،٣٣٠٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الدعاء عند صياح الديك، رقم ٢٧٢٩، ٢٠٩٢/٤. (٤) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢٠٢٧/٣. www. modoee.com ١٧٧ حرف اللام عصر، ولكل الأجيال؛ فما أوصى به لقمان إِلَىَّ﴾ وصية لجميع العالم كأن المأمور الإنسان، وأناب معناه: مال ورجع إلى في الماضي البعيد أقره الإسلام، ولا زال يقره ويحث عليه في الحياة الدنيا؛ لأنها قيم ثابتة وحية ترتبط بوجود الإنسان وحياته (١). الشيء، وهذه سبيل الأنبياء والصالحين (٣) والمؤمنين، كما يقول سبحانه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيِّنَ لَهُ اُلْهُدَىْ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلَّهِ، مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: ١١٥] (٤). والتربية الإسلامية تهتم بالتركيز على التوازن بين إشباعات النفس، ومطالبها، وبين عفتها وقناعتها، وهذا وارد في قوله ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ تعالى: وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا [الإسراء: ٢٩] فالوسطية الإسلامية هي التوازن في الفكر والسلوك والتطبيق. والوصايا السابقة هي منهج الآداب السامية التي يؤدب الله عباده بها؛ لأن في امتثالها فلاحهم دنيا وآخرة من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم يرون آثارها التربوية في توجيه وتهذيب سلوكهم، وتعمل على زيادة الألفة والمحبة بينهم کما يؤدي هذا إلى تماسك مجتمعهم (٢). ٤. المواعظ السلوكية. تتمثل المواعظ السلوكية في وصايا لقمان عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِمُكُمْ فَأَنَبِثُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]. وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ (١) التصوير القرآني للقيم الخلقية والتشريعية، علي صبح ص ٢٠٠. (٢) انظر: تربية الأبناء من وصايا لقمان، محمد زمري ص٤٦ - ٤٩. واتباع سبيل من أناب هو الاقتداء بسيرة المنيبين لله، أي: الراجعين إليه، الذين رجعوا إلى الله بالتوبة والإنابة والطاعة والإخلاص، والمقلعون عن الشرك وعن المنهيات التي منها عقوق الوالدين، وهم الذين يدعون إلى التوحيد ومن اتبعوهم في ذلك (٥). وتهدي الآية إلى وجوب اتباع سبيل المؤمنين من أهل السنة والجماعة، وحرمة اتباع سبيل أهل البدع والضلالة (٦). ٥. المواعظ الإصلاحية. تتمثل المواعظ الإصلاحية في وصايا لقمان بقوله: ﴿وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ م [لقمان: ١٧]. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٩/٤. (٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ١١ / ٥٦٩. (٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦١/٢١، التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢١/١١. (٦) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٢٠٦/٤. ١٧٨ لِلْقُرآن الكَرِيمِ