Indexed OCR Text
Pages 21-37
الكذب ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَقُلُوَّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [النمل: ١٤]. التكذيب بآيات الله واليوم الآخر قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَلِقَآءِ اُلْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوِّنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٧]. * العصيان: دعا موسى عليه السلام فرعون إلى الإيمان بالله عز وجل وطاعته، قال تعالى: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَيِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَى﴾ [طه: ٤٨]. وكذلك دعاه إلى إرسال بني إسرائيل معه، بعد أن بين له أن الأمر من رب العالمين ﴿قَدّ جِئْتُكُمْ بِبَيْنَةٍ مِّن رَّيَّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِّ إِسْرََّيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. ولكن فرعون عصى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَهُ ءَيَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ﴾ [طه: ٥٦]. الاحتيال والاستهزاء بموسى وبما جاء به قال تعالى: ﴿فَلَّا جَآءَ هُمْ بِحَايَتِنَآَ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْسَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧]. وقد أملى الله عز وجل لهذا الفرعون في كل باب من أبواب التملك والتسلط والترفع والتنعم ما قد استخف به رعيته من أهل مملكته، حتى استعبدهم فعبدوه، وادعى الربوبية فقبلوه، مع ما أوتى من العمر الطويل والقوة والمنعة والسعة والجنود والشوكة والعدة والعدد، والصحة في جسمه والاعتدال في طبيعته وخلقته وقوة بنيته (١). قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ بَھَمَنُ ابْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِىْ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ آ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَهُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِّ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ ﴾ [غافر: ٣٦- ٣٧]. وما احتيال فرعون الذي يحتال للاطلاع إلى إله موسى إلا في خسر وذهاب مال؛ لأنه ذهبت نفقته التي أنفقها على الصرح باطلًا ولم يتل بما أنفق شيئًا مما أراده فذلك هو الخسار والتباب(٢). اتهامه بالسحر والافتراء، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ هُم ◌ُوسَى بِشَايَئِنَا بَيِّنَتِ قَالُواْ مَا هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا [القصص: ٣٦]. فِيّ ◌َابَايِنَا الْأَوَّلِينَ ﴿فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٤]. فيما أظهره من المعجزات وفيما (١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢٥١/١. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦٠/١١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٨/٤. www. modoee.com ٢٢٥ حرفالكاف ادعاه من رسالة رب العالمين(١). اتهامه بالجنون من قبل فرعون، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ [الشعراء: ٢٧]. ((قاصدًا بذلك لَمَجْنُونَ. المغالطة وإيقاعهم في الحيرة، مظهرًا أنه مستخف بما قاله موسى مستهزئ به))(٢). اتهامه بأن دعواه ليست صادقة، وإنما هي لأجل الحكم والكبرياء، قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَنَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨]. اتهامه بالتآمر مع السحرة لأخذ الحكم منه، وهو هاجس یطارد أکثر الحكام، حتى يبقوا طوال مدة حكمهم لا يذوقون طعم النوم والراحة: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَاْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣]. تقتيل المؤمنين من قوم موسى واستحياء (٣) النساء (٤) للخدمة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ هُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٧٧، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٧٣/٧. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ١٤١. (٣) الاستحياء: الإبقاء حيًا. انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن ١/ ٨٥. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٧/٤، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٧٣/٧. مَعَهُ، وَأَسْتَحُْواْ نِسَآءَ هُمَّ وَمَا كَيْدُ اَلْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥]. وما مکرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل؛ لئلا ينصروا عليهم إلا مكر ذاهب وهالك في ضلال(٥). الإسراف في القتل، قال تعالى: لَأُقَطْعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ ثُمَّ لَأَصَلَىَنَّكم ﴾ [الأعراف: ١٢٤]. أَجْمَعِينَ وهو منهج للطغاة قدیم. ويظهر مما سبق: ((مدى المشقة التي واجهها موسى عليه السلام في دعوة فرعون وقومه))(٦)، ((ولم تنفع فرعون وقومه الموعظة الحسنة من موسی علیه السلام، بل ازدادوا علوًا في الأرض وطغيانًا، وتعذيبًا للمؤمنين)» (٧) . ٤. تكذیب قوم شعيب. أخبر سبحانه وتعالى في كتابه أن قوم شعیب کذبوه. قال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لْفَتْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]. والأيكة: الشجر الملتف (٨). (٥) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢١٦/٧، السنن الإلهية في الحياة الإنسانية ٢/ ٨٦٢. (٦) انظر: مع الأنبياء في القران الكريم ص٢٣٧، القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث، صلاح الخالدي ١٠٤/٣. (٧) مع الأنبياء في القرآن الكريم ص ٢٣٧. (٨) انظر: تفسير القرآن العظيم، أبن كثير ٢/ ٧٣٣. ٢٢٦ القرآن الكريمِ الكذب ومن صور تکذیبھم: التكذيب الواضح لدعوته، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن تَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]. بعد أن بين لهم البينات على صدق دعوته ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأُ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ [الأعراف: ٨٥]. وهذا يدل على الجحود والإنكار بعد رؤية البينات، مما يدل على رسوخ التكذيب في قلوبهم. الوقوف بوجه الدعوة وتهديد المؤمنين الذين يأتون إلى شعيب ليتبعوه(١): ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرٍَّ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ ءَامَنَ ◌ِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦] إذا كان هؤلاء المكذبون يقعدون على الطريق يرصدون الناس الذين يأتون إلى شعيب عليه السلام؛ ليصدوهم عن الدين ويمنعوهم من الإيمان(٢). بث الإشاعات الكاذبة بأن طريق شعیب یؤدي إلى الخسران، وهي دعوة (١) انظر: المصدر السابق ٢٣٢/٢ -٢٣٣. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٢٣/٢-١٢٤، دراسات في التفسير الموضوعي للقصص القرآني ص ٢٦٢. الرؤساء الذين يخافون على مراكزهم أن تذهب عنهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا أَخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٠]. أي: («لمغبونون في فعلكم وترككم ملتكم التي أنتم عليها))(٣). اتهامه -زورًا و کذبًا- بأنه ساحر یرید أن يضل الناس، رغم أنه بين لهم الحق وأنه لا يدعوهم إلا إلى الخير والفضيلة، قال تعالى: ﴿قَالُوَأَ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥]. توعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم، والدخول معهم فيما هم فيه من الكفر (٤)، قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَّأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِ لَتُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَاً قَالَ أَوَلَوْكُنَا كَثِهِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨]. «ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية، أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط؛ لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقًا، لكن غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: ﴿قَالَ (٣) جامع البيان، الطبري ٥/٦. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٣/٢. www. modoee.com ٢٢٧ حرفالكاف أَوَّلَوْ كَنَّا كَرهينَ ﴾ كيف نعود فيها ونحن كارهون لها؟!»(١) أي: ولو كنا كارهين تجبروننا على الخروج من الوطن أو العودة في ملتكم أنكم إن فعلتم هذا أتيتم عظيمًا (٢). وكان موقف شعيب حازمًا، فقد ثبت على دعوته، قال تعالى على لسانه: ﴿قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ گَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَّنَا ◌َللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَّعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَنْ يَشَآءَاللّهُ رَبَُّا﴾ [الأعراف: ٨٩]. أي: قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في الشرك والكفر(٣) بعد هداية الله عز وجل لنا، وتعجب من قولهم فقال لهم: کیف یرجع إلى الكفر من آمن بالله وذاق حلاوة الإيمان، فلا يرجع في الكفر إلا من يشاء الله عز وجل. التطفيف بالميزان، وبخس الناس أشياءهم مما يسبب مشاكل اقتصادية عديدة، قال تعالى: ﴿فَأَوْفُواْ اَلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ ﴾ [الأعراف: ٨٥]. الفساد في الأرض -بالشرك والظلم- بعد إصلاحها، ((وأكل أموال الناس بالباطل والبغي والعدوان على النفس (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ٤٠. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٣/٧. (٣) انظر: فتح القديرِ، الشوكاني ٣٢٨/٢، سنن الله في عقاب الأمم ص ٣٥. والأرض، وفساد الأخلاق والآداب بالإثم والفواحش الظاهرة والباطنة» (٤) قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]. وبعد أن سدوا منافذ الهداية في وجوههم، وسلكوا سبل الضلال بما لا رجعة لهم إلى طريق الهدى، مع الاستهزاء والاغترار بالقوة، قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَكَ فِنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْلُكَ لَرَجَمْنَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١]. مع التحدي لشعيب، قال تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِّنَ السَّمَآءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]. أوكلهم شعيب على أعمالهم، وسار هو والذين آمنوا معه على نهجهم، وتوعد المكذبين بالعذاب. ﴿ وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى قال تعالى: مَكَانَتِكُمْ إِنِّ عَمِلُّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِ مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣]. وفوض أمره إلى العزيز العظيم، قال تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَاكُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَاً (٤) دعوة الرسل إلى الله ص١٥٦. وانظر: دراسات في التفسير الموضوعي للقصص القرآني، أحمد العمري ص ٢٦١. ٢٢٨ جوسي لِلْقُرآن الكَرِيمِ الكذب رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ اَلْفَئِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]. و﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَا﴾ في أمورنا ما نأتي منها وما نذر، ربنا احکم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم وأنت خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجور أبدًا (١). ٥. تكذيب المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى مسليًا رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُو بِالْبَّيْنَتِ وَالزُّبْرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]. جاء الخطاب القرآني الموجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تسلية وتأسيًا له علی تکذیب قومه له فحاله مع قومه کحال الرسل السابقين مع قومهم، فلا تعجب ولا تحزن إن كذبوك؛ لأن هذه عادة قديمة في الأمم مع الرسل، وليس ذلك لنقص فيما جئت به(٢). من صور التكذيب قول المشركين: إن محمدًا صلی الله عليه وسلم اختلق الكذب على الله، فجاء بالذي يتلوه علينا اختلاقًا من عند نفسه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَلِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكُ وَيَمْحُ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٣/٢. (٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٨/ ٢٢، تفسير الشعراوي ١٩٢٢/٣. اَللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحُِّّ الْحَنَّ بِكَلِمَتِهَّ إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤]. قال السعدي رحمه الله: ((يعني أم يقول المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم جرأة منهم وكذبًا: ﴿أَفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فرموك بأشنع الأمور وأقبحها، وهو الافتراء على الله بادعاء النبوة والنسبة إلى الله ما هو بريء منه، وهم يعلمون صدقك وأمانتك، فكيف يتجرءون على هذا الكذب الصراح؟ بل تجرءوا بذلك على الله تعالى، فإنه قدح في الله، حيث مكنك من هذه الدعوة العظيمة، المتضمنة -على موجب زعمهم- أکبر الفساد في الأرض، حیث مکنه الله من التصريح بالدعوة، ثم بنسبتها إليه، ثم يؤيده بالمعجزات الظاهرات، والأدلة القاهرات، والنصر المبين، والاستيلاء على من خالفه، وهو تعالى قادر على حسم هذه الدعوة من أصلها ومادتها، وهو أن يختم على قلب الرسول صلی الله عليه وسلم فلا یعی شیئا ولا يدخل إليه خير، وإذا ختم على قلبه انحسم الأمر کله وانقطع. فهذا دليل قاطع على صحة ما جاء به الرسول، وأقوی شهادة من الله له علی ما قال، ولا يوجد شهادة أعظم منها ولا أكبر، ولهذا من حكمته ورحمته وسنته الجارية أنه يمحو الباطل ويزيله، وإن كان له صولة في www. modoee.com ٢٢٩ حرفالكاف بعض الأوقات، فإن عاقبته الاضمحلال(١). إذن فهي شبهة لا قوام لها. وزعم لا يقوم على أساس. ودعوى تخالف المعهود عن علم الله بالسرائر، وعن قدرته على ما يريد، وعن سنته في إقرار الحق وإزهاق الباطل، وإذن فهذا الوحي حق، وقول محمد صدق وليس التقول عليه إلا الباطل والظلم والضلال. وفي قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونٌّ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِشَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. (يقول تعالى مسليًا لنبيه صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّه ◌َيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ﴾ أي: قد أحطنا علمًا بتكذيبهم لك، وحزنك وتأسفك عليهم، كقوله: ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [فاطر: ٨]. كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ لَمَلَكَ بَنِخِعُ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]. ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ وقوله: الظَّالِمِينَ بِثَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، أي: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِثَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: ولكنهم (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٥٨. فَضْو مَؤُوابَرُ الْتَفْسَيد القرآن الكريمِ يعاندون الحق، ويدفعونه بصدورهم»(٢). روى الحاكم بسنده عن علي، قال: قال أبو جهلٍ للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا تكذبك، ولکن نكذب ما جئت به، فأنزل الله: ﴿فَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِينَ ◌ِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾(٣). خامسًا: الكذب في إبداء الأعذار للتخلف عن الجهاد: قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّأَتَبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا ◌َفَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَقِّ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَذِبِينَ﴾[التوبة ٤٢ - ٤٣]. (يقول تعالى موبخًا للذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وقعدوا بعد ما استأذنوه في ذلك مظهرين أنھم ذووا أعذارٍ ولم يكونوا كذلك فقال: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضَّا قَرِيبًا ﴾ قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: غنيمةٌ قريبةٌ ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أي: قريبًا أيضًا، ﴿لَّأَتَبَعُوكَ ﴾ أي: لكانوا جاءوا معك لذلك ﴿وَلَكِنَّ بَعُدَتْ (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٤/٣. (٣) المستدرك على الصحيحين، تفسير سورة الأنعام، رقم ٣٢٣٠. قال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ٢٣٠ الكذب عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ أي: المسافة إلى الشام، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ﴾ أي: لكم إذا رجعتم إليهم ﴿لَوِ أُسْتَطَعْنَا لَرَجْنَامَعَكُمْ ﴾ أي: لو لم يكن لنا أعذارٌ لخرجنا معكم)) (١). كشف الله كذبهم وفضحهم؛ لأن الأعمال الشاقة تحتاج إلى رجال أشداء يبذلون النفس والنفيس في سبيل تحقيق المبادئ وإرساء دعائم الحق، أما المتهاونون أمام الشدائد لا يصلحوا لصد عدو ولا لبناء أمة، والقرآن يقص علينا أمثال هؤلاء؛ حتی تکون منهم على حذر «فکثیرون هم أولئك الذين يتهاوون في الطريق الصاعد إلى الآفاق الكريمة. كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب، ويميلون إلى عرض تافه أو مطلب رخيص، كثيرون تعرفهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان، فما هي قلة عارضة، إنما هي النموذج المكرور، وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة، وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب، واجتنبوا أداء الثمن الغالي، فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوٍ أُسْتَطَعْنَا ◌َخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ فهو الكذب المصاحب للضعف أبدًا، وما يكذب إلا الضعفاء، أجل ما يكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٩/٤. الأحايين، فالقوي يواجه والضعيف يداور، وما تتخلف هذه القاعدة فى موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بهذا الحلف وبهذا الكذب، الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس، والله يعلم الحق، ويكشفه للناس، فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه، ويهلك في الآخرة يوم لا يجدي النكران»(٢). وفي الآية دلالةٌ على أن تعمد اليمين الفاجرة يفضي إلى الهلاك. سادسًا: الكذب في إسناد الأقوال والأفعال لغير فاعلها: أخبر سبحانه وتعالى في سورة يوسف أن إخوته كذبوا على أبيهم، وأوهموه أن الذئب أکله. قال تعالى: ﴿ قَالُواْ يَكَبَنَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِيُّ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]. يقول تعالى مخبرًا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب، ثم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل بيكون ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: (٢) في ظلال القرآن ٣/ ١٦٦٢. www. modoee.com ٢٣١ حرفالكاف نترامى، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَعِنَا﴾ أي: ثيابنا وأمتعتنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّتْبُ﴾ وهو الذي کان قد جزع منه وحذر علیه. وقوله: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾ تلطفٌ عظيمٌ في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين، فکیف وأنت تتهمنا في ذلك؛ لأنك خشیت أن یأكله الذئب، فأكله الذئب، فأنت معذورٌ في تكذيبك لنا لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا، أي: مکذوپ مفتری، وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالؤوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سخلةٍ(١)، فذبحوها ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمین أن هذا قميصه الذي أکله فیه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه؛ فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب. أدرك يعقوب عليه السلام من دلائل الحال، ومن نداء قلبه، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدةً ما. وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، ويصفون له حالًا لم تکن، فواجھھم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرًا منكرًا وذللته ويسرت لهم ارتكابه وأنه سيصبر متحملًا متجملاً لا يجزع ولا يفزع ولا یشکو، مستعينا بالله علی ما یلفقونه من حيل وأكاذيب. ثم اتهموا يوسف عليه السلام بالسرقة كما قال تعالى: ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلَّ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُوَّ قَالَ أَنْتُمْ شَرّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧]. أي: إِن سرق هذا فقد سرق أخ شقيق له من قبل - يقصدونه عليه السلام - فأخفى يوسف في نفسه ما سمعه، وحدث نفسه دبرتم لي ما كان منكم ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ من الكذب والافتراء. بل قال لهم معرضًا عن كلامهم إلى ما قائلًا: أنتم أسوأ منزلة ممن ذكرتم، حيث وقع في نفسه من لبسهم عليه: ﴿قَالَ بَّ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨ ] هكذا أسند أخوة يوسف بالكذب إلى الذئب أكل يوسف، ثم أسندوا له السرقة مفترین علیه. أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتی یفرجه الله بعونه ولطفه ﴿وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال(٢). (١) السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن، ذكرا كان أم أنثى. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٢/٤. ٢٣٢ مَوَسُولَةُ النَّقِين القرآن الكريمِ الكذب عواقب الكذب وآثاره حذر القرآن الكريم من عاقبة الكذب وآثاره سواء كانت على الكاذب أو على المجتمع: أولًا: آثار الكذب على الكاذب: ١. الضلال. قرن سبحانه وتعالى بين الكذب والضلال في مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤]. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ وقال تعالى: الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١]. وقال تعالى: ﴿وَأَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُّكَّذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢]. خاطب سبحانه أصحاب الشمال فقال: ((أيها الذين ضللتم فأصررتم على الذنب العظيم، إذ لم توحدوا الله ولم تفعلوا ما يوجب تعظيمه، ثم كذبتم رسله، فأنكرتم البعث والجزاء في هذا اليوم- إنكم لآكلون من شجر الزقوم، فمالئون منها بطونكم، فشاربون بعد ذلك من ماء حار لغلبة العطش عليكم، ولكنه شرب لا يشفي الغليل، ومن ثم تشربون ولا ترتوون، فكأنكم الإبل التي أصيبت بداء الهيام، فلا يروي لها الماء غليلًا))(١). (١) تفسير المراغي ٢٧/ ١٤٣. وقد قدم الضالين: ﴿الضَّالُونَ الْمُّكَذِّبُونَ وفي آخر السورة قدم المكذبين: ﴿وَأَمَّاً إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّآلِينَ﴾ قال الرازي رحمه الله: ((وذلك أن المراد من الضالين هاهنا هم الذين صدر منهم الإصرار على الحنث العظيم، فضلوا في سبيل الله ولم يصلوا إليه ولم يوحدوه، وذلك ضلالٌ عظيمٌ، ثم كذبوا رسله وقالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا﴾ فكذبوا بالحشر، فقال: ﴿أََّا الضَّالُونَ﴾ الذين أشركتم المكذبون الذين أنكرتم الحشر؛ لتأكلوا ما تكرهون. وأما هناك فقال لهم: أيها ﴿ٌلْمُّكَذِّبُونَ﴾ الذين كذبتم بالحشر ﴿الضَّالُونَ﴾ في طريق الخلاص الذين لا يهتدون إلى النعيم، وفيه وجهٌ آخر وهو أن الخطاب هنا مع الكفار فقال: يا أيها الذين ضللتم أولًا و كذبتم ثانیًا، والخطاب في آخر السورة مع محمدٍ صلى الله عليه وسلم يبين له حال الأزواج الثلاثة فقال: ﴿الْمُقَرُّنَ﴾ في روح وريحانٍ وجنة ونعيم، ﴿وَأَعْعَبُ الْيَمِينِ ﴾ في سلامٍ. وأما ﴿الْمُكَذِّبُونَ﴾ الذين كذبوا فَقد ضلوا فقدم تكذیبهم إشارةً إلی کرامة محمدٍ صلی الله عليه وسلم، حیث بین أن أقوی سببٍ في عقابهم تكذيبهم، والذي يدل على أن الكلام هناك مع محمدٍ صلی الله علیه وسلم قوله: ﴿فَسَلَمٌلَّكَ مِنْ أَمْحَبِ أَلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: www. modoee.com ٢٣٣ حرفالكاف ٩١] (١). وقال ابن عاشور رحمه الله: «قدم وصف ﴿الضَّالُونَ﴾ على وصف ﴿الْمُكَذِّبُونَ﴾ مراعاةً لترتيب الحصول؛ لأنهم ضلوا عن الحق فكذبوا بالبعث ليحذروا من الضلال ويتدبروا في دلائل البعث. وقدم وصف التكذيب على وصف الضلال؛ لمراعاة سبب ما نالهم من العذاب وهو التكذيب؛ لأن الكلام هنا على عذابٍ قد حان حينه وفات وقت الحذر منه فبين سبب عذابهم، وذكروا بالذي أوقعهم في سببه ليحصل لهم ألم التندم)»(٢). ٢. الخسران: قرن الله بين الكذب والخسران، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَِّ اللَّهِ حَقَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَآءُ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [يونس ٩٥]. (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤١٤. (٢) التحرير والتنوير، ابن كثير ٣٠٩/٢٧. الربح أصلا وذلك بفوات الثواب في الدنيا والآخرة. ٣. حبوط الأعمال. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَلِقَآِ اُلْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٧]. أي: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ﴾ بآيات الله وحججه وبلقاء الله في الآخرة ﴿حَبِطَتْ بسبب فقد شرطها، وهو الإيمان أَعْمَلُ بالله والتصديق بجزائه، ما يجزون في الآخرة ﴿إِلَّ﴾ جزاء ﴿مَا كَانُواْ﴾ يعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي، وهو الخلود في النار. ٤. الاستدراج. قال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَمِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٢]. أي: ﴿ وَاُلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا﴾ فجحدوها، ولم يتذكروا بها، سنفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا؛ استدراجًا لهم حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، ثم نعاقبهم على غرة من حيث لا يعلمون، وهذه عقوبة من الله على التكذيب فرتب على الكذب الخسار، وهو عدم بحجج الله وآياته. ٢٣٤ فَضْو جَوْنُوبَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ ٥. الإهلاك. الكذب وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ رَيْهِمْ فَأَهْلَكْنَهُم ◌ِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَّ وَكُلُّ كَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤]. أي: شأن هؤلاء الكافرين في ذلك كشأن آل فرعون الذین کذبوا موسی، وشأن الذین كذبوا رسلهم من الأمم السابقة فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم، وأغرق آل فرعون في البحر، وكل منهم كان فاعلًا ما لم يكن له فعله من تكذيبهم رسل الله وجحودهم آياته، وإشراكهم في العبادة غيره. ٦. عدم الهداية. قرن سبحانه بين الكذب وعدم الهداية فقال: ﴿أَلَاَلَِّهِ الدِّينُّ الْخَالِصَُّ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ، أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِ مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَكَذِبُ كَفَّارُ﴾ [الزمر: ٣]. يقول تعالى ذكره: ﴿إِنّاللهَ لا يَهْدِى﴾ إلى الحق و دينه الإسلام، والإقرار بوحدانيته، فیوفقه له ﴿مَنْهُوَكَذِبٌ﴾ مفتر علی الله، پتقول علیه الباطل، ویضیف إليه ما ليس من صفته، ویزعم أن له ولدا؛ افتراء علیه، و کفرا لنعمه، وجحودًا لربوبيته(١). وهداية الله المنفية عنهم هي: الهداية التكوينية لا الهداية بمعنى الإرشاد والتبليغ، (١) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٢٥٢. قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنٌَ وهو ظاهرٌ، فالمراد نفي عناية الله بهم، أي: العناية التي بها تيسير الهداية عليهم حتی یھتدوا، أي: لا یوفقهم الله بل یترکھم على رأيهم غضبًا عليهم. والتعبير عنهم بطريق الموصولية؛ لما في الموصول من الصلاحية؛ لإفادة الإيماء إلى علة الفعل ليفيد أن سبب حرمانهم التوفيق هو كذبهم وشدة كفرهم(٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ عَالٍ فِرْعَوْنَ يَكْتُهُ إِيمَنَهُ، أَنَقْتُلُونَ رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبِهِنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]. فالشرك من الإسراف، وسفك الدم بغير حق من الإسراف، وقد كان مجتمعًا في فرعون الأمران كلاهما. ٧. مثواه جهنم في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَدِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ ◌ِشَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ١٠]. وآيات الله تعالى قسمان: آياته المنزلة على رسوله، وآياته التي أقامها في الأنفس (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢٣/٢٣. www. modoee.com ٢٣٥ حرفالكاف والآفاق؛ للدلالة على وحدانيته وكماله وتنزيهه، وعلى صدق رسله فيما يبلغون عنه، فهؤلاء الكفار المكذبون هم أصحاب الجحيم، أي: دار العذاب النار العظيمة (١). وأخبر سبحانه أن الكفار الذين لم يصدقوا بحججه وآياته الدالة على وحدانيته، ولم يعملوا بشرعه تكبرًا واستعلاءً، لا تفتح لأعمالهم في الحياة ولا لأرواحهم عند الممات أبواب السماء، ولا یمکن أن يدخل هؤلاء الكفار الجنة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ اَلسَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَيِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ ◌َجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وأخبر سبحانه أنه أعد لمن كذب بالساعة نارًا حارة تسعر بهم، قال تعالى: ﴿بَلگذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١]. ثانيًا: آثار الكذب على المجتمع: من أعظم آثار الكذب هو فقدان الثقة وتفكيك الأواصر بين أفراد المجتمع المسلم، والنموذج الذي حكاه لنا القرآن كأثر من آثار الكذب هو حادث الإفك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُ و بِآلْإِفْكِ عُصْبَةُ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ أَمْرِيٍ مِنْهُم مَّا أَكْسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [ينظر الآيات: من١١ إلى ٢١ من سورة النور: ]. فهذا الحادث العظيم قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلامًا لا تطاق، وكلف الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل، وعلق قلب رسول الله صلی الله علیه وسلم وقلب زوجه عائشة التي يحبها، وقلب أبي بكر الصديق وزوجه، وقلب صفوان بن المعطل شهرًا كاملًا، علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لا يطاق. وقد حكت السيدة عائشة رضي الله عنها الحادث فيما رواه البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله علیه وسلم فقالت: (کان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بین أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاةٍ غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج، وأنزل فیه، فسرنا حتی إذا فرغ رسول الله صلی الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل. فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا (١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٦/ ٢٢٨. ٢٣٦ جَوَسُورَةُ النَّقِين القرآن الكريم الكذب عقدٌ لي من جزع أظفارٍ قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حین رفعوه ثقل الهودج، فاحتملوه و کنت جاريةً حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحدٌّ، فأممت منزلي الذي كنت به، فظننت أنهم سيفقدونني، فيرجعون إلي. فبينا أنا جالسةٌ غلبتني عيناي، فنمت و كان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائم، فأتاني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حین أناخ راحلته فوطئ يدها، فركبتها، فانطلق يقود پي الراحلة حتی أتینا الجیش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة. فيسلم، ثم يقول: (كيف تیکم؟) لا أشعر بشيءٍ من ذلك حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالت: تعسَ مسطحٌ، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبین رجلًا شهد بدرًا، فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلی الله عليه وسلم، فسلم فقال: (كيف تيكم؟)، فقلت: ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت أبوي فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنية هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأةٌ قط وضيئةٌ عند رجلٍ يحبها ولها ضرائر إلا أکثرن علیھا. فقلت: سبحان الله، ولقد يتحدث فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتکیت بها شّھرًا والناس یفیضون من قول أصحاب الإفك، وپرييني في وجعي أني لا الناس بهذا، قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌّ، ولا أكتحل بنومٍ، ثم أصبحت، فدعا رسول الله صلى الله عليه أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف وسلم علي بن أبي طالبٍ، وأسامة بن زيدٍ حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق الذي كنت أری منه حین أمرض، إنما يدخل www. modoee.com ٢٣٧ حرفالكاف أهله، فأما أسامة، فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم. فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثيرٌ، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: (یا بریرة هل رأیت فیھا شيئًا يريبك؟)، فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأیت منها أمرًا أغمصه علیھا قط، أكثر من أنها جاريةٌ حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله صلی الله عليه وسلم من یومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسول الله صلى اللهَ عليه وسلم: (من يعذرني من رجلٍ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي). فقام سعد بن معاذٍ، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقال: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنه، فإنك منافقٌ تجادل عن المنافقين. فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل، فخفضهم حتى سكتوا، وسکت. وبكيت يومي لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أکتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويومًا حتى أظن أن البكاء فالقٌ کېدي، قالت: فبينا هما جالسان عندي، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأةٌ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبکي معي، فبینا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قبل قبلها، وقد مکث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيءٌ. قالت: فتشهد ثم قال: (يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب تاب الله عليه). فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرةً، وقلت لأبي: أجب عني رسول فقام سعد بن عبادة -وهو سید الخزرج، و کان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمیة- فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله، الله صلی الله عليه وسلم، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضيرٍ وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول ٢٣٨ جَوَسُو القرآن الكريم الكذب الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: الله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله تعالَى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْالْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلی الله عليه وسلم، قالت: وأنا جاريةٌ حديثة السن، لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنکم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئةٌ، والله يعلم إني لبريئةٌ لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لکم بأمرٍ، والله يعلم أني بريئةٌ لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلًا، إلا أبا يوسف؛ إذ قال: ﴿ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن یتکلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن یری رسول الله صلی الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحدٌ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي. فأخذه ما کان یأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومٍ شاتٍ، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمةٍ تكلم بها، أن قال لي: (يا عائشة احمدي الله، فقد برأك الله) فقالت لي أمي: قومي إلی رسول الله صلی الله علیه وسلم، فقلت: لا والله، لا أقوم إلیه، ولا أحمد إلا فقال أبو بكرٍ: بلی والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان یجري علیه، و کان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: (يا زينب، ما علمت ما رأيت؟) فقالت: یا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرًا، قالت: وهي التي کانت تسامیني، فعصمها الله بالورع)(١). إن أصل تدبير هذا الحادث الأليم قامت به عصبة على رأسها عبد الله بن أبي ابن سلول، الحذر الماكر، الذي لم يظهر بشخصه في المعركة. ولم يقل علانية ما یؤخذ به فیقاد إلى الحد. وهكذا دائمًا الأفاكون يدبرون ولا يظهرون، ويدفعون إلى نشر إفكهم من ينقلون بألسنتهم ولا يفكرون بعقولهم، و لا یمررون الأمر على قلوبهم، ولا یزنون ما (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا، ٢٦٦١. www. modoee.com ٢٣٩ حرفالكاف ينقلون بالميزان الذاتى كما فعل أبو أيوب رضي الله عنه فعن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيدٍ قالت له امرأته أم أيوب: ((أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت فاعلةً ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خيرٌ منك. قال: فلما نزل القرآن، ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَمُو بِآلْإِْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: ﴿أَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ١٢]. أي: کما قال أبو أيوب وصاحبته)»(١). فهذا الحادث أدی لمدة شهر إلى فقدان ثقة المسلمين بعضهم في بعض، كما أدى إلى تفكيك أواصر المحبة التي أنعم الله بها على المؤمنين، ولولا فضل الله على المؤمنين بتبرئة أم المؤمنين عائشة، والصحابي الجليل صفوان بن المعطل؛ لاستمر فقدان الثقة وتفكك الأواصر بين المسلمين مما يهدد كيان الدولة المسلمة الناشئة. إن الحادث لعظيم، وإن الخطأ الجسيم، وإن الشر الكامن فيه لخليق أن يصيب الدولة المسلمة الناشئة كلها بالسوء، ولکن فضل الله ورحمته، ورأفته ورعايته ذلك ما وقاهم السوء. ٢. وقوع المظالم، وضياع الحقوق. ظلم يوسف عندما ادعت امرأة عزيز مصر أنه أراد بها سوءًا، قال تعالى: ﴿وَأُسْتَبَقًا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ, مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَا الْبَابِّ قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [يوسف: ٢٥]. قال السعدي رحمه الله: ((هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم أجرًا؛ لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، فقدم محبة الله عليها، وأما محنته بإخوته فصبره صبر اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها، طائعًا أو كارهًا، وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام بقي مكرمًا في بيت العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك. ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة، ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص، ويهرب من الفتنة، فبادرت إليه، وتعلقت بثوبه، فشقت قميصه، فلما وصلا إلى الباب في تلك الحال، ألفیا سیدها، أي: زوجها لدی الباب، فرأى أمرًا شق عليه، فبادرت إلى الكذب،أن المراودة قد کانت من یوسف، (١) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٢١٢. جوببيو القرآن الكريمِ ٢٤٠ الكذب وقالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ﴾ ولم تقل: (من فعل بأهلك سوءًا) تبرئة لها وتبرئة له أيضًا من الفعل. وإنما النزاع عند الإرادة والمراودة ﴿إِلََّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: أو یعذب عذابا أليمًا. قَالَ هِىَ فبرا نفسه مما رمته به، وقال: رَوَدَتْنِ عَن نَّفْسِىَّ﴾ فحينئذ احتملت الحال صدق كل واحد منهما ولم يعلم أيهما. ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها، فمن الله في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام، فانبعث شاهد من أهل بيتها یشهد بقرینة من وجدت معه، فهو الصادق، فقال: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ، قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها، المراود لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها فشقت قميصه من هذا الجانب. ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ، قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] لأن ذلك يدل على هروبه منها، وأنها هي التي طلبته فشقت قميصه من هذا الجانب. ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ، قُدَّ مِن دُبُرِ﴾ [يوسف: ٢٨]. عرف بذلك صدق يوسف وبراءته، وأنها هى الكاذبة)»(١). موضوعات ذات صلة: الافتراء، الزور، الصدق، اللعن (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٩٦. www. modoee.com ٢٤١