Indexed OCR Text
Pages 21-40
الكتب المنزلة
المشكلات)» (١).
اشتماله على جملةٍ من الأحكام:
قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدِّى
وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَثَةِ وَهُدِّى
وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴿ وَلَيَحْكُوْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ
بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَةٍ وَمَن لَّْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنَزَّلَ اللهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [المائدة: ٤٦-
٤٧].
فقد أنزل الله الإنجيل مشتملا على جملة
من الأحكام أوجبها على أهل الإنجيل.
تصديقه للتوراة ونسخه لبعض ما
جاء فيها:
قال تعالى في قصة عيسى عليه السلام
مع قومه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ
التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ
عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَتَّقُواْ اللّهَ
وَأَطِيعُونِ ﴾ [آل عمران: ٥٠].
فأمر أتباع عيسى بالعمل بالتوراة باستثناء
ما نسخ منها، تخفيفا وتيسيرا عليهم، فكم
حرم الله على اليهود من طيباتٍ بظلمهم
وعنادهم وتعنتهم وقسوة قلوبهم.
قال تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْحَرَّمْنَا
عَلَهِمْ طَيِّبَةٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ
كَثِيرًا (٦) وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ
أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٣/٥.
أَلِيمًا ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١ ].
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ
حَرَّ مْنَا كُلَّ ذِى ◌ُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّ مَا حَمَلَتْ
◌ُهُورُ هُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظٍِّ ذَلِكَ
جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴾ [الأنعام:
١٤٦].
قال ابن كثير: ((والمشهور من قول العلماء
أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة (٢).
بشارته بخاتم الرسل وآخر الكتب:
كما جاء الإنجيل مصدقا بالتوراة
التي سبقته فقد جاء مبشرا بخاتم النبيين
والمرسلين الذي سیأتي بعده.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
النَِّنَّ الْأُقِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْثُوبًا عِندَهُمْ
فِيِ التَّوْرَةِ وَاَلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ اَلَطِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِّيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ
ءَآمَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ
الَّذِىَّ أُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[الأعراف: ١٥٧].
فبينت الآية كيف جاءت التوراة وكذا
الإنجيل بالبشارات الصريحة الجلية الدالة
علی نبوةالنبي صلى اللهعليه وسلم ووجوب
اتباعه. فلقد بشرت التوراة والإنجيل بهذا
(٢) المصدر السابق.
www. modoee.com
١٣٧
حرفالكاف
النبي الأمي، وبينت أوصافه وأحواله ومناقبه
صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء لهم بالرحمة
والتيسير، والخير والصلاح، ودعت إلى
الإيمان به واتباعه، ومؤازرته ومناصرته،
فذلك هو سبيل الفلاح.
رابعًا: القرآن:
حوى القرآن الكريم لب الكتب المنزلة،
وأوعى معانيها، ونزل موائمًا لها، متممًا
لمقاصدها، وانفرد بأحكام ومعانٍ زیادةً على
ما ورد فيها مع كونه من جنسها؛ لأنه رسالةٌ
عامةٌ ودعوةٌ عالميةٌ باقيةٌ إلى يوم الدين،
ومن ثم فمن وجوه هيمنته: استيعابه لما
سبقه من الكتب بما يغني عنها، في حين أنها
لا تغني عنه. وجاء القرآن الكريم ناسخا لما
سبقه من كتب انتهى العمل بما تبقى فيها من
أحكام بنزول القرآن الذي ليس بعده كتابٌ،
وقد اتفق القرآن مع الكتب التي نزلت قبله
في الأصول.
قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيِْنًا
عَلَيْهِ ﴾ [المائدة: ٤٨].
ووقع الاختلاف في بعض الفروع،
مراعاةً لاختلاف الزمان والمكان، ومراعاةً
العالمية دعوة القرآن وشمولها وقيامها إلى
أن يرث الله الأرض ومن عليها.
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اَلَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى
عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان:
١].
كما جاء القرآن ناسخا لما قبله من
الكتب؛ فهو الحجة وهو المنهاج الذي
يجب على البشرية أن تحتكم إليه، وتقتفي
أثره، قال تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَ هَذَآلْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ
بِهِ، وَمَنْ بَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
وبنزول القرآن انتهى العمل بما سبقه من
كتبٍ لأنها باتت منسوخةً، قال تعالى بعد
أن تحدث عن شريعة التوراة والإنجيل:
﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ
يَدَيْدِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهٌ فَأَحْكُم
بَيْنَهُمِ بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ﴾ [المائدة: ٤٨].
وتكفل الله بحفظه وهیا الأسباب ويسر
السبل المعينة على ذلك؛ فهو رسالة الله
الخالدة، ونوره الذي لا ينطفئ، قال ابن
الجزري رحمه الله: ثم إن الاعتماد في نقل
القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على
حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف
خصيصةٍ من الله تعالى لهذه الأمة، وذلك
بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه لا
في الكتب ولا يقرءونه كله إلا نظرًا لا عن
ظهر قلبٍ، ولما خص الله تعالى بحفظه
من شاء من أهله أقام له أئمةً ثقاتٍ تجردوا
لتصحيحه وبذلوا أنفسهم في إتقانه وتلقوه
من النبي صلى الله عليه وسلم حرفًا حرفًا،
لم يهملوا منه حركةً ولا سكونًا ولا إثباتًا ولا
١٣٨
جَوبي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الكتب المنزلة
حذفًا، ولا دخل عليهم في شيءٍ منه شكٌّ الكامل.
ولا وهمٌ)) (١).
فحفظ الله تعالى كتابه من التحريف خالدة، تحدى الله به الناس كافة، وهو
والتبديل فسلم من التناقض والاضطراب
الذي اعترى التوراة والإنجيل بسبب
تحريفهما. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبُ
فِيهِ هُدَى لِلْطَّقِينَ ﴾ [البقرة: ٢].
وقال ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَّ وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُ واْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا
(٨٢
[النساء: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا
جَاءَهُمِّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُ عَزِيزٌ ، لَا يَأْيِهِ الْبَطِلُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
٢﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
فالقرآن الكريم لا يتطرق إليه شكٌّ ولا
يقع فيه اختلافٌ ولا يتسرب إليه باطٌ، ولا
يضرب بعضه بعضا، ولا يتفاوت في بلاغته،
فھو کتابٌ محكمٌ ومحفوظٌ بحفظ الله تعالی
له.
ولقد جاء الأسلوب القرآني متميزًا
خرجت من مشكاةٍ واحدةٍ، ونزل به الناموس
الذي نزل على موسى عليه السلام وكذا
على عيسى عليه السلام إلا أنه ينفرد عن
تلك الکتب بمزایا تتناسب مع مقاصده؛ فهو
الرسالة الخاتمة، والشرعة التامة، والمنهاج
(١) النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٦/١.
فالقرآن آيةٌ بينةٌ وحجةٌ ساطعةٌ ومعجزةٌ
معجزٌ في ألفاظه ومعانيه، وأساليبه وتراكيبه،
معجزٌ في كل ما جاء فيه من حقائق بيناتٍ،
معجزٌ في أوصافه وأخباره، معجزٌ في
بشاراته ونبؤاته، معجزٌ في قصصه وأمثاله،
معجزٌّ في روعته وجلاله، معجزٌ في تأثيره
العجيب ونظمه الفريد، معجزٌ في تشريعاته
الحكيمة، معجزٌ في واقعيته ومثالیته، معجزٌ
في أصالته وثباته، مع مواكبته لكل جيلٍ
وقبيلٍ، وتناسبه لكل عصرٍ ومصرٍ، معجزٌ فيّ
شتى جوانبه، فهو المعجزة الكبرى والآية
المتجددة، والرسالة الخالدة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء
نبيٌّ إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما
كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي؛ فأرجو
أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) (٢).
تحدی الله به الإنس والجن، أن يأتوا
عن الكتب السابقة؛ إذ مع كونه خرج كما بمثله أو بسورة من مثله، فما استطاعوا لذلك
سبيلا:
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل،
رقم ٤٦٩٦، وأخرجه مسلم في صحيحه،
كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة
نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلى جميع
الناس ونسخ الملل بملته، ٩٢/١، رقم ١٥٢.
www. modoee.com
١٣٩
حرفالكاف
فَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ
٢٣
شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِ
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ ﴾
[البقرة: ٢٣ - ٢٤].
وقال جل وعلا:
قل لينِ اجتمعتِ
اُلْإِشُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا
يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا
﴾ [الإسراء: ٨٨].
﴿أَ يَقُولُونَ نَقَوَّلَهُ، بَل
وقال سبحانه:
فَلْيَأْتُواْ بَحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُواْ
٣٣
لَّا يُؤْمِنُونَ
[الطور: ٣٣-٣٤].
صَدِقِينَ
فتحدى الله به الإنس والجان، على أن
یأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، أو بحديث
مثله فما استطاعوا لذلك سبيلا، مع أن منهم
من حاول ذلك فخاب سعيه، وأدرك عجزه
عن مجابهة هذا التحدي، وما أكثر ما في
القرآن من تحديات.
خامسًا: صحف إبراهيم وموسى:
ورد الحديث عن الصحف التي أنزلها
الله تعالى على إبراهيم وموسى عليهما
السلام في سورة النجم.
قال تعالى: ﴿ أَمْ لَمْ يُنْتَأْبِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى
وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَ أَلَّا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّّ مَا سَعَى )
أُغْرَى ال®
، ثُمَّ يُحْزَنُهُ الْجَزَآءَ
قال تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا وَأَنَّ سَعْيَهُ: سَوْفَ يُرَى
الْأَوْفَى ، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى ﴾ وَأَنَّهُ هُوَ
أَضْحَكَ وَأَبْكَى ◌ْ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ.
خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىِ ) مِنْ تُظْفَةٍ إِذَا تُمْى ◌ُ
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأَخْرَى ) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْقَى (
٤٨
وَأَنَّهُ, هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىِ ) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا اٌلْأُولَى
٢) وَمُودَأْ فَآَ أَبْقَى ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلٌ إِنَّهُمْ
كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَْغَى ) وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى
٥٣
فَغَشَّتَهَا مَا غَشَّى ® فَأَتِ ءَالَآءِ رَيْكَ نَتَمَارَى
هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى ﴾ [ النجم: ٣٦ -
٥٦ ].
وفي سورة الأعلى: قال سبحانه ﴿قَدْأَفَحَ
مَنْ تَزََّى وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى ٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ
اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ، وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَ { إِنَّ
هَذَا لَفِى السُّحُفِ الْأُوْلَى ٥ سُفٍ إِزَهِيَمَ
﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٩].
وَمُوسَى (١٩)
كذلك جاءت إشارةٌ إلى الصحف
الأولى بعمومها في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ
لَوْلَا يَأْتِنَا بِكَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِنَةُ مَافِى
السُّحُفِ اَلْأُولَى ﴾ [طه: ١٣٣].
أَوَلَمْ
عن مجاهد: قوله:
يٍـ
معنَةُ مَافِی
ـم.
الصُّحُفِ الْأُولَى﴾، قال: التوراة والإنجيل(١).
وعن قتادة، قوله: ﴿مَا فِي الصُّحُفِ
الْأُولَى﴾ الكتب التي خلت من الأمم (٢).
وخص صحف إبراهيم لأنه أبو الأنبياء
(١) انظر: تفسير مجاهد ص ٤٦٨.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ / ٤٠٦.
◌ُ البَشَـ
جوبي
القرآن الكريمِ
١٤٠
الكتب المنزلة
عليهم السلام، والعرب في الجاهلية كانوا وسیعرض عمله، ویجازی علیه جزاءً عادلا،
یقرون بفضله ومكانته، و کذلك أهل الكتاب
یقرون بنبوته وإمامته وأبوته للمؤمنين،
فالكل يدعي اتباع أثره. كذلك لتقدمها
وقدمها؛ وللمقدم أهميته وللعتيق مزيته،
وخص صحف موسى لأنه من أولي العزم
من الرسل، ولأن المشركين يعرفونه، وأهل
الکتاب يدعون اتباعه والعمل بما جاء به،
وصحف موسى هي: التوراة، وهي من
الصحف الأولى باعتبار تقدمها على ما
وأن مصير الإنسان ومنتهاه لربه، وهو تعالى
المدیر لهذا الکون، فلا فرح ولا حزن، ولا
موت ولا حياة، إلا بأمره تعالى ومشيئته،
فهو الخالق المدبر، وهو المبدئ المعيد،
المغني المقني، المنظم لأمر الكون، المنتقم
من الجبابرة الطغاة، والكفرة العتاة. أما آيات
سورة الأعلى ففيها دعوةٌ لتزكية الأنفس،
ومداومة الذكر، وإقام الصلاة، ونهيٌ عن
إيثار الحياة الدنيا والاغترار بزخارفها
بعدها من الكتب، فقد نزل بعدها الزبور الفانية، وترغيبٌ في الآخرة فهي خيرٌ
وأبقى. فالآيات تتحدث عن الأصول العامة
والإنجيل والقرآن.
والقواعد الكلية: الخالق، الكون، الحياة،
الإنسان، المنهج، المبدأ، المعاش، الزاد،
المعاد. من هنا ندرك أن رسالات الله وكتبه
نزلت لهداية الإنسان وإصلاحه، وتوجيهه
للخير في عاجله وآجله.
وقال الثعلبي: بينة ما في الصحف
الكتب الأولى: أي بيان ما فيها يعني القرآن
أقوى دلالة وأوضح آية. وقال بعض أهل
المعاني: یعني الم یأتهم بیان ما في الكتب
الأولى التوراة والإنجيل وغيرهما من أنباء
الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات،
فأتتهم فكفروا بها، کیف عجلنا لهم العذاب
والهلاك بكفرهم بها(١).
الذي قامت عليه السموات والأرض، أنه لا العدل في ربوع الكون، وبيان خطر
والآيات تكشف لنا عن بعض ما ورد في
تلك الصحف: ففي سورة النجم: بيانٌ للعدل
یتحمل أحدٌ وزر أحدٍ، وكل إنسانٍ مؤاخذٌ
بسعیه، لا يتحمل وزر غيره، ولا ینال حق
غيره، وسوف یری ما قدم من خير أو شرٍ،
(١) الكشف والبيان، الثعلبي ٢٦٧/٦.
ونخلص من ذلك إلى أن محور هذه
الكتب المنزلة: هو الإنسان، هدايته
وإصلاحه ورسالته وعلاقته بهذا الكون،
والتصور الصحيح لحقيقة الدنيا والآخرة،
كما جاءت الكتب الإلهية لإقامة موازين
المسئولية والجزاء. وقد وصفها الله تعالى
بأنها من الصحف الأولى، والنذر الأولى:
وهذا يعني كونها مكتوبةً، وأنها جاءت
بالأخبار والمواعظ، أما وصفها بالأولى
www. modoee.com
١٤١
حرفالكاف
فإنه يفصح عن قيمتها ويبين عن أسبقيتها ولا زالت منها بقيةٌ باقيةٌ في أيدي أهل
الكتاب، بينما اندرست صحف إبراهيم،
فاستحقت صحف موسی التقدیم.
وقدمها؛ فللسابق مزيته، والشىء العتيق
له قدره ونفاسته. واختلف المفسرون
في مرجع الإشارة ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى السُّحُفِ
اُلْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨].
فمنهم من قال: الإشارة لكل ما ورد
في السورة من معانٍ و حکمٍ وأحكام ونذر،
ومنهم من قال: الإشارة إلى قوله تعالى:
﴿قَدْ أَقْلَحَ مَنْ تَزََّى وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّ ا بَلْ
تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ، وَاَلَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ
﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٧].
١٧
وأرى أن القول الأخير هو الأولى بالقبول
لأنه هو القريب، والأصل في الإشارة أن
تکون للقریب.
وقدمت صحف موسى مرة، وقدمت
صحف إبراهيم أخرى: لمراعاة الأسبقية في
الأفضلية، والأسبقية الزمانية، فإن للتوراة
مكانتها العظيمة، وقد ورد الحديث عنها
كثيرا في القرآن، هذا فضلا عما في التقديم
والتأخير من تفننٍ في البيان، واستيعاب
للمعاني، مع مراعاة الفاصلة في كلا
الموضعين. وفي سورة الأعلى: لما أشار
إلى الصحف جملةً، وأنها الأولى: ناسب
ذلك ترتيبها حسب زمانها، فبدأ بصحف
إبراهيم، وثنی بصحف موسی.
أما في سورة النجم: فلقد بدأ بصحف
موسى لأنها أشمل وأوسع وأقرب عهدا،
قال الزرکشي: «قدم ذکر صحف موسی
لوجهین، أحدهما: أنه في سياق الاحتجاج
عليهم بالترك، وكانت صحف موسى
منتشرةً أكثر انتشارا من صحف إبراهيم،
وثانيهما: مراعاة رؤوس الآي» (١).
(١) البرهان في علوم القرآن، الزركشي ٢٣٩/٣.
١٤٢
جوبي
الْقُرآن الكَرِيمِ
الكتب المنزلة
الكتب المنزلة والموقف منها
بين القرآن الكريم ما يتوجب على الأمم
نحو الكتب التي أنزلها على أنبيائهم، وهو
الإيمان بها وتصديقها والعمل بما جاء فيها
والتماس الهدايات منها، وواجبنا نحن أمة
الإسلام أن نؤمن بالکتب السابقة کما حدثنا
عنها ربنا، ونعظمها ونقدسها فضلا عن
إيماننا بالقرآن الكريم آخر الكتب وأعظمها.
أولًا: الإيمان بها جميعًا:
دعا الله تعالى في كتابه الكريم إلى
الإيمان بما سبقه من كتبٍ أنزلها على أنبيائه
إجمالًا فیما أجمل، وتفصيلا فيما فصل.
قال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ
مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَبِّكَتِهِه
وَكَتُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ،﴾
[البقرة: ٢٨٥].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ
بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ.
وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ
وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ
﴾ [النساء: ١٣٦].
ضَلَّ ضَلَلاً بَعِيدًا
والكتاب الذي أنزله على رسوله صلى
الله عليه وسلم هو القرآن الكريم خاتم
الكتب، نزل على خاتم النبيين، والكتاب
الذي أنزل من قبل: المراد به التوراة باعتبارها
الإنجيل؛ لأن التوراة هي الأصل، والإنجيل
جاء متمما لها، أو المراد بالكتاب ما سبق
من کتب، وإنما أفردها مع کثرتها باعتبار أنها
كتابٌ واحدٌ، خرجت جميعها من مشكاةٍ
واحدةٍ، ونزلت كلها لغاية واحدة هي توحيد
الله تعالى وعبادته، وإقامة موازين القسط.
وقال تعالى: ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَاً
أُوِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ
وَغَحْنُّ لَهُ مُسْلِمُونَ ()﴾ [البقرة: ١٣٦].
فأمر الله بالإيمان الكامل والتصديق التام
بکل ما أنزل على أنبيائه، دون تفریقٍ بین نبي
ونبيٍ، وأن نعلن التسليم المطلق له تعالى.
والإيمان بكل ما أنزل من صفات المتقين
كما جاء في مطلع سورة البقرة ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِمَّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُقُونَ ﴾
[البقرة: ٤].
وفي ختام السورة دعوةٌ للإيمان بسائر
الكتب.
قال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ
مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتِكَتِهِ،
وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِ،
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ (٣)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقال تعالى: ﴿وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
آخر ما نزل قبل القرآن، وإنما لم يذكر مِن كِتَبِ﴾ [الشورى: ١٥].
www. modoee.com
١٤٣
حفالكاف
فالإيمان بسائر الكتب المنزلة واجبٌ فنحن مكلفون بالإيمان بالكتب جملةً، ولا
يتم إيمان العبد ولا يستقيم منهجه حتى
يؤمن بالكتب المنزلة كلها، هذا هو منهج
الإسلام الواضح، ودعوته الصادقة وطريقه
المستقیم.
على كل مؤمن لا يستقيم إيمانه ولا يتم إلا به.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ
فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَّةٍ مِّن لِقَابِهِ، وَحَعَلْنَهُ هُدِّى
◌ِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ ﴾ [السجدة: ٢٣].
أي: فلا تكن في مرية من نزول التوراة
علیه وتلقیه لها، أو من لقائه يوم القيامة حيث
يجمع الله الرسل عليهم السلام، فما أجمله
من لقاء (١).
ومعنى الإيمان بالکتب: الإيمان بها على
إطلاقها وأنها منزلةٌ من عند الله على أنبيائه
ورسله، والإيمان بما ورد فيها من هدى
ونور، وموعظة وذکری، وتفصیل وبيانٍ،
وفي حديث جبريل عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه قال: (فأخبرنى عن الإيمان.
قال: (أن تؤمن بالله وملائكته و کتبه ورسله
واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره).
قال صدقت)(٢).
فالمؤمن مطالب بأن يعلن عن موقفه من
الكتب المنزلة، ويبين عن إيمانه بها، وهذه
هي دعوة الإسلام، فالإيمان بالكتب المنزلة
من الأركان الثابتة، والمبادئ الراسخة
التي فرضها الإسلام، فکل کتابٍ أنزله الله
تعالی، أخبرنا عنه القرآن، أو لم يرد خبره
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٣٦/٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامة
الساعة، ٣٦/١، رقم ٨.
وقد بينت الآية الكريمة مع سياقها أن
الإيمان بالكتب السابقة ركنٌ من أركان
الإيمان، وأن الواجب على الأمة أن تعلن
ذلك، وأن تقف ذلك الموقف في مقابل
إنكار وتشكيك أعداء القرآن، وأن تعلن
إيمانها بجميع الكتب المنزلة ولا يضرها
كفر الكافرين، ولا يجوز مقابلة جحود أهل
الكتاب للقرآن بجحود التوراة والإنجيل،
بل الإيمان بالكتب المنزلة كلها ركنٌ من
أركان الإيمان لا يتم بدونه، وهو إيمانٌ ثابتٌ
لا یتبدل.
والتعبير بـ (من) الدالة على الاستغراق
وتنكير الكتاب؛ لبيان وجوب الإيمان بكل
کتاب أنزله تعالى، جملةً فیما أجمل وتفصيلا
فيما فصل. قال أبو السعود رحمه الله: ((بيانٌ
لاتفاق الكتب في الأصول، وتأليفٌ لقلوب
أهل الكتابين، وتعريضٌ بهم)) (٣). فقد كفروا
بما أنزل على محمد صلی الله علیه وسلم،
و کان لا یسعهم إلا الإیمان به.
قال الشيخ الحكمي في معارج القبول:
«والركن الثالث: الإيمان ((بكتبه المنزلة))
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٧/٨.
جَوَسُوبَةُ النَّفسيد
القرآن الكريم
١٤٤
الكتب المنزلة
علی رسله، ومعنى الإيمان بالكتب التصديق
الجازم بأن کلها منزلٌ من عند الله عز وجل
علی رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى
المستبين، وأنها كلام الله عز وجل لا كلام
غيره، وأن الله تعالى تكلم بها حقيقةً كما
شاء وعلى الوجه الذي أراد)) (١).
فالإيمان بالكتب السابقة ركن من أركان
الإیمان ثابتٌ لا یتبدل ولا يتغير، يجب
الإيمان بها إجمالا فيما أجمل، وتفصيلا
فیما فصل، ومن مقتضيات تمام الإيمان بها
معرفة مقاصدها وأسمائها وأوصافها.
ثانيًا: تصديق الكتاب المتأخر لما نزل
قبله:
كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضا،
فكل رسالة تأتي مصدقة لما قبلها، فالكتب
الإلهية يصدق بعضها بعضا. ((ومعنى
التصديق كونه موافقًا في التوحيد والنبوات
وأصول الشرائع)) (٢).
وقد جاء الإنجيل مصدقًا لما بین یدیه من
التوراة.
قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَِهِم بِعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَنَّةِ وَءَاتَيْنَهُ
آلْإِنِيلَ فِيهِ هُدَى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيِّدِ
مِنَ الثَّوْرَكَةِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ
٤٦)
[المائدة: ٤٦ - ٤٧].
(١) معارج القبول ٢/ ٦٧٢ باختصار.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٣/ ٢٤٢.
قال ابن کثیر: «ومصدقا لما بین یدیه من
التوراة، أي متبعًا لها غير مخالفٍ لما فيها،
إلا في القليل مما بین لبني إسرائيل بعض ما
كانوا يختلفون» (٣).
كما جاء القرآن الكريم مصدقا للتوراة
والإنجيل وما سبقهما.
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ﴾
[المائدة: ٤٨].
كذلك كل نبي أخذ الله عليه العهد
والميثاق أن يؤمن بكل من يليه من الأنبياء
إن عاصره.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ
النَّبْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ
ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ
بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ
إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَاْ قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ
الشَّهِدِينَ ﴾ [آل عمران: ٨١].
قال الطبري: ((وإذ أخذ الله ميثاق النبيين
بما ذكر، فقال لهم تعالى ذكره: آآقررتم
بالميثاق الذي واثقتموني عليه: من أنكم
مھما أتاکم رسولٌ من عندي مصدق لما
معكم ((لتؤمنن به ولتنصرنه)) ((وأخذتم
على ذلك إصري)»؟ يقول: وأخذتم على
ما واثقتموني عليه من الإيمان بالرسل التي
تأتيكم بتصديق ما معكم من عندي والقيام
(٣) تفسير القرآن العظيم، ١٢٦/٣.
www. modoee.com
١٤٥
حرفالكاف
بنصرتهم ((إصري)). يعني عهدي ووصيتي،
وقبلتم في ذلك مني ورضيتموه.)). ((قالوا
أقررنا»، فإنه يعني به: قال النبیون الذین أخذ
الله ميثاقهم بما ذكر في هذه الآية: أقررنا بما
ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم
مصدقين لما معنا من كتبك، وبنصرتهم. قال
الله: ﴿فَاشْهَدُوا ﴾، أيها النبيون، بما أخذت
به ميثاقكم من الإيمان بتصديق رسلي
التي تأتيكم بتصديق ما معكم من الكتاب
والحكمة، ونصرتهم على أنفسكم وعلى
أتباعكم من الأمم إذ أنتم أخذتم ميثاقهم
على ذلك، وأنا معكم من الشاهدین علیکم
وعليهم بذلك (١).
ثالثًا: وجوب تحاكم النبي وأمته إلى
الكتاب المنزل:
ما أرسل الله نبيا إلا وجعل له شريعة
يدعو إليها ويأمر بها.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
فما من رسول أرسله الله تعالى إلا
وأرسله بالحجج النيرة والدلائل الواضحة
والشريعة الغراء التي تقيم موازين العدالة بين
الناس وترعى جميع الحقوق المشروعة.
قال أبو حيان: ((ليقوم الناس بالقسط:
الظاهر أنه علةٌ لإنزال الميزان فقط، ويجوز
أن يكون علةً لإنزال الكتاب والميزان معًا،
لأن القسط هو العدل في جميع الأشياء
من سائر التكاليف، فإنه لا جور في شيءٍ
منها)»(٢).
وقال الشوكاني: ((ومعنى ليقوم الناس
بالقسط ليتبعوا ما أمروا به من العدل
فيتعاملوا فيما بينهم بالنصفة))(٣).
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ
اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ
اُلْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ
فِيَةٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
فكان لا بد من شريعة يحتكم الناس إليها،
شريعةٌ لها قدسيتها وجلالها في النفوس،
شريعة يجتمع حولها الناس ويرتضونها ولا
سبيل لذلك إلا بالمنهج الرباني الذي يسع
الجميع ويلزم الجميع ويذعن له الجميع،
إذ القوانين البشرية لا قداسة لها ولا كرامة
في النفوس، فضلا عن قصورها عن تحقيق
العدالة والتوزان بين الحقوق.
فدعا الله تعالى كل أمة من الأمم
للاحتكام بالكتاب الذي نزل على نبيهم أو
لشريعة من سبقه من الأنبياء.
قال تعالى عن تحكيم التوراة: ﴿إِنَّآ
أَنْزَلْنَا التَّوْرَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
(٢) البحر المحيط ١٠/ ١١٣.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٢١٢/٥.
(١) جامع البيان ٦/ ٥٦١.
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ
١٤٦
الكتب المنزلة
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ بِعَايَتِ ثَمَنَا قَلِيلًاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِنَبِ
وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ
مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾
[الأعراف: ١٤٥].
اَللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءٌ فَلَا تَخْشَوْا
النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَايَتِيِ ثَمَنَا
قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤].
فالتوراة وحيٍّ من الله تعالى وتنزيلٌ من
لدنه، نزلت بالهدى والنور، هدى للناس
ونور يضيء لهم دروب حياتهم وطريقهم
إلى مرضاة ربهم، وسعادتهم الأبدية، وهي
شجرةٌ ظليلةٌ مثمرةٌ استظل بها النبيون
الذین انقادوا لأوامر الله ورضوا بحكمه،
فهي شرعتهم ومنهاجهم. واقتطف منها
واحتكم إليها أولئك الربانيون، الذين
جمعوا بين تحصيل العلم النافع، والعمل
الصالح، وبذلوا جهدهم في تعليم الناس
وتربيتهم، فغايتهم وبغيتهم ربانيةٌ. والتوراة
معینهم الذي منه ینهلون، وموردهم الذي
عنه یصدرون. والأحبار هم العلماء الذين
بلغوا في العلم رتبةً عاليةً، فهم جميعًا أمناء
علی کتاب الله، شهداء علیه، حراسُ له،
فهلا تأسی بهم من خلفهم من اليهود، وهل
یسیرون علی نهجهم ؟
فلا يخافون في الحق لومة لائم، ولا
يبيعون دينهم بعرضٍ زائلٍ، فيفرطون في
آيات الله ويضيعونها لقاء ثمنٍ زهيدٍ ﴿فَلَا
تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ
فقد وصفها الله بأنها جامعةٌ لأصول
الإيمان والمواعظ والأحكام، وأمر بالجد
والعزم في أخذها(١).
قال ابن العربي: ((والصحيح عندي أن
أحسن ما فيها: امتثال الأوامر واجتناب
النواهي)»(٢).
وقال الشوكاني: ((ومن الأحسن: الصبر
على الغير والعفو عنه، والعمل بالعزيمة
دون الرخصة، وبالفريضة دون النافلة، وفعل
المأمور به، وترك المنهي عنه» (٣).
فالمراد علو الهمة في الاستمساك بها،
والمسارعة إلى العمل بأحكامها، وأخذها
بعزيمةٍ وقوةٍ، كما قال تعالى عن يحبى
عليه السلام: ﴿يَيَحْىَ خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّقْ﴾
[مريم: ١٢].
وقد أمر الله يحيى عليه السلام وهو لا
يزال في صباه أن يأخذ بها.
قال تعالى: ﴿بَيَحْىِ خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٌ
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٩/ ١٦٤.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ١٩/٤.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٩٠.
www. modoee.com
١٤٧
حرفالكاف
وَءَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ [مريم: ١٢].
وبين الله تعالى شيئا مما تضمنته التوراة،
في جانب الأحكام الشرعية العادلة التي
نزلت لحماية الإنسان وحفظ دينه، وروحه،
وعقله، وبدنه، وماله، وعرضه. قال تعالى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَّبْنَا عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ,
مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَآ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ
جَآءَ تَهُمْ رُسُلْنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًامِنْهُم
بَعْدَ ذَلِكَ فِىِ الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾
[المائدة: ٣٢].
أي: لجرم وشناعة قتل النفس البريئة
والاعتداء على حقها في الوجود، أوجب
الله على تعالى على بني إسرائيل في كتبه
وعلى لسان رسله وألزمهم، أن من قتل
من لا يستحق القتل لأنه لم يقتل أو يفسد
في الأرض، فكأنما بجرمه هذا قتل الناس
جميعا، ومن ساهم في إنقاذ نفسٍ فكأنما
أحيا الإنسانية جميعا، ولقد أرسل الله رسله
في بني إسرائيل بالحجج الباهرة والشرائع
القويمة، لكن الكثير منهم بقي على فسقه
وإسرافه في الأرض بإهدار الدماء وهتك
الأعراض واستحلال الأموال.
و کتب الله تعالى نزلت لتحكم وتسود
حياة الناس وتقضي بينهم، فهي العدل الذي
فرضه الله، وفي تعطيلها الظلم الشنيع،
قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنفِ
وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَ بِلِسِنِّ وَالْجُرُوحَ
قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ
لَّ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ {
﴾ [المائدة: ٤٤ - ٤٥].
وقد شدد الله عليهم في الأمر بتحكيمها
بعد أن وقع منهم التساهل والتفريط وقال
، وَإِذْ نَشَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ.
تعالی:
ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّقِ
[الأعراف:
وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ نَنَّقُونَ:
١٧١].
فأمرهم الله تعالى بأن يأخذوا أحكام
التوراة بجدٍ وعزمٍ وأن يتركوا ما كانوا عليه
من تقاعسٍ وتهاوَنٍ، فكتب الله تعالى لن
يقوى على العمل بها أصحاب النفوس
الضعيفة والهمم المتدنية، وهذه الآية
العظيمة داعيةٌ إلى تعظيم التوراة والقيام
بحقها، ودليلٌ علی قساوة قلوب اليهود حتى
يؤاخذوا بهذه الطريقة.
قال مجاهد: وسبب رفع الجبل عليهم
أنهم أبوا أن يقبلوا فرائض التوراة لما فيها
من المشقة، فوعظهم موسى فلم يقبلوا،
فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن أخذتموه
بجد واجتهاد وإلا ألقي عليكم. قال ابن
عباس، ومجاهد، وقتادة: فأخذوه بقوة ثم
١٤٨
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
الكتب المنزلة
نكثوا بعد (١).
ونعى القرآن علیھم کیف یدعون إلى
الاحتکام لشريعة الحق ثم يعرضون عنها.
قال تعالى: ﴿أَّتَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا
مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اَللَّهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ [آل
عمران: ٢٣].
فكان الإعراض عن القرآن نتيجةً
لإعراضهم عن كتبهم التي يزعمون أنهم
مؤمنون بها متمسكون بما فيها، و کان الحري
بهم وقد أوتوا حظًا من العلم بكلام الله إذا
دعوا إلى القرآن الذي خرج من المشكاة
التي خرج منها التوراة والإنجيل أن يبادروا
إلى الاستجابة له، وقبول أحكامه. وجاء
الاستفهام ليحمل معنى التعجيب والإنكار،
والتعبیر ب (ثم)) فيه معنى الاستبعاد، كيف
يدعون إلى الحق فيعرضون عنه؟
وهذا التولي مصاحبٌ لموقفهم الثابت
من هذا الكتاب وهو الإعراض التام الذي لا
مبرر له سوى التمرد والجحود، والمفاهيم
الخاطئة عن الآخرة.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا
النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُ ودَاتٍ وَعَّهُمْ فِ دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ
يَفْتَّرُونَ ﴾ [آل عمران: ٢٤].
ذلك التولي والإعراض بسبب زعمهم
أنهم إن دخلوا النار فلن يمضوا فيها سوى
(١) النكت والعيون، الماوردي ٢٧٦/٢.
أيام معدودات، فكانت تلك الفرية وغيرها
من الفری التي أقحموها في دينهم ودسوها
في عقيدتهم من دواعي غرورهم وظنهم
السیئ بربهم.
وحين بعث عيسى عليه السلام دعا الله
تعالى أهل الكتاب إلى الاحتكام إلى الإنجيل
مع التوراة التي نسخ بعض أحكامها.
قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَِّهِم بِعِيسَى أَبْنِ
مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَةِ وَءَاتَيْنَهُ
اَلْإِنِجِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
التَّوْرَةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿ وَلْيَحْكُمْ
أَهْلُ آلْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيَةٍ وَمَن لَّمْ يَحْكُم
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
[المائدة: ٤٦ - ٤٧].
قال الشوكاني: ((قوله: ﴿وَلْيَحْكُوْ أَهْلُ
الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهٍ﴾: هذا أمرٌ لأهل
الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه،
وذلك قبل البعثة المحمدية، وأما بعدها فقد
أمروا في غير موضعٍ بأن يعملوا بما أنزل الله
على محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن
الناسخ لكل الكتب المنزلة»(٢).
وقوله ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهٍ﴾: حجةٌ على
النصارى الذين يعرضون عن القرآن؛ فإذا
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٣١٧/٢.
يعني بقوله: ((فإنه قبل البعثة المحمدية حقٌ))
أن العمل به قائم وإن حرف قبل بعثة نبينا
صلى الله عليه وسلم، لكن بقي منه بقايا من
الحق.
www. modoee.com
١٤٩
حرفالكاف
كان تحكيمهم للإنجيل لأنه مما أنزل الظَّالِمُونَ * وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَنْيَمَ
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَّةِ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنجِيلَ
الله؛ فالقرآن كذلك مما أنزل الله ! فلماذا
یتنکرون له ویعادونه !
فِيهِ هُدَى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيِّ مِنَ التَّوْرَثَةِ
وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: ٤٥ -
٤٦].
وقوله: ﴿أَهْلُ اَلْإِنجِيلِ﴾ دليلٌ على
أنه مؤقتٌ بمرحلةٍ معينةٍ، وموجهٌ لطائفةٍ
محددةٍ، هم بنو إسرائيل خاصةً، ومن هنا
فإنه لم يؤمن بالتوراة من لم يؤمن بالإنجيل،
ولم يؤمن بموسى من لم يؤمن بعيسى
عليهما السلام.
قرأ حمزة: (وَلِيَخُمَ) بكسر اللام، وفتح
الميم، والمعنى: آتيناه الإنجيل ليحكم،
فالإنجيل مع ما لم ينسخ من التوراة شرعةٌ
ومنهاجٌ للنصارى، وقرأ الباقون بسكون اللام
والميم على سبيل الأمر: (وَلْيَحْكُمْ)(١).
و فيه و جهان:
الأول: أن يكون التقدير: وقلنا ليحكم
أهل الإنجيل، فيكون هذا إخبارًا عما
فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم
بما تضمنه الإنجیل، ثم حذف القول لأن ما
قبله من قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ وَاَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِآلْأَنفِ
وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَأَلْسِنَّ بِأَلْسِنِّ وَاَلْجُرُوحَ
قِصَاصٌٌ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ
لَهُ، وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ
(١) قرأ حمزة بكسر اللام، ونصب الميم، وقرأ
الباقون بإسكان اللام والميم.
انظر: النشر في القراءات العشر ٢٥٤/٢،
تحبير التيسير في القراءات العشر ٣٤٧/١.
يدل عليه، وحذف القول كثيرٌ كقوله
تعالى: ﴿حَثَتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَامَآْمِهِمْ
وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّنَّتِمٌّ وَالْمَلَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَئِمِ مِن كُلِّ
بَابٍ ﴿٣ سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبِرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْىَ الَّارِ
[الرعد: ٢٣].
أي: یقولون سلامٌ علیکم.
والثاني: أن یکون قوله: (ولیحکم) ابتداء
أمرٍ للنصارى بالحكم في الإنجيل.
والمقصود: أن يحكموا بما أنزل الله فيه
مما لا یزال باقيا لم یحرف، ومعيار ذلك
موافقته للحق الذي جاء به القرآن. وقد لفت
نظري تكرار كلمة الإنجيل كأنها تشير إلى
أكثر من إنجيل، فالإنجيل الذي أنزله الله
على عيسى عليه السلام هو الإنجيل الحق.
وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَقَفَيْنَا عَلَى
ءَاثَِهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
التَّوْرَيَّةِ وَءَاتَيْنَهُ آلْإِنِيلَ فِيهِ هُدِّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا
لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةً
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦].
بينما أشارت الآية الثانية إلى الإنجيل
الموجود في أيدي النصارى، وهذا یجب أن
يطبق منه ما دلت القرائن على أنه من بقايا
١٥٠
جوبيه
القرآن الكريمِ
الكتب المنزلة
الإنجيل الحق الذي أنزله الله بدليل قوله الحكم بما في الإنجيل يقود ويفضي إلى
الحكم بالقرآن لأن حقائق الإنجيل تقرر ما
في القرآن.
تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
فِيهِ﴾ ولم يقل مثلا: وليحكم أهل الإنجيل
به، فدل هذا على اشتمال الإنجيل على قدرٍ
مرجعه للوحي والباقي من وضع البشر.
قال ابن حزم: ((وأما قوله تعالى:
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهٍ﴾
فحقٌّ على ظاهره لأن الله تعالى أنزل فيه
الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتباع
دینه، ولا یکونون أبدا حاکمین بما أنزل الله
تعالى فيه إلا باتباعهم دين محمدٍ صلى الله
عليه وسلم فإنما أمرهم الله تعالى بالحكم
بما أنزل في الإنجيل الذي ينتمون إليه فهم
أهله، ولم يأمرهم قط تعالى بما يسمى
إنجیلا ولیس بانجیل، ولا أنزله الله تعالی
كما هو قط، والآية موافقة لقولنا، وليس
فيها أن الإنجيل لم يبدل لا بنصٍ ولا بدليلٍ،
إنما فيها إلزام النصارى الذين يتسمون بأهل
الإنجيل أن یحکموا بما أنزل الله فيه، وهم
على خلاف ذلك)) (١).
وعلى هذا فالآية حجةٌ على النصارى،
وفيها تعجیزٌ لهم، فلا برهان لهم، ولا دليل،
إلا في القرآن الذي حدثنا عن مضمون
ومقصود الإنجيل الحقيقي، أو ﴿وَلْيَتْكُوْ
أَهْلُ آلْإِنِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اَللّهُ فِيهِ﴾ ما لم ينسخ
بالقرآن فیبطل العمل به، ومما ریب فيه أن
(١) الفصل في الملل والنحل، ابن حزم ١٥٩/١.
أما القرآن الكريم فقد جاء بالشريعة
الغراء الكاملة التي فرض الله عزوجل
الإيمان بها والعمل بأحكامها.
قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا
عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ
أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّلِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ
شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً
وَحِدَةً وَلَكِنْ لِّيَبْلُوَكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ
اُلْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَيِّئُكُمْ
بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿ وَأَنْ أَعْكُمْ بَيْنَهُم
بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن
يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَّلَ اَللّهُ إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَّوْاً
فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ
كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ
يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
﴾ [المائدة ٤٨ - ٥٠].
فأنزل الله آخر کتبه على خاتم رسله صلى
الله عليه وسلم؛ امتدادا لما سبقه من الكتب
وتصديقا بها؛ فنزوله دليلٌ على صدقها، وهو
مهيمنٌ عليها: أمينٌ ورقيبٌ، وحكمٌ وشاهدٌ،
ومبينٌ لما خفي منها، وموضحٌ لما أشكل
فيها، وحافظٌ يقوم ما اعتراها من اعوجاجٍ،
وينفي ما لابسها من أباطيل وخرافاتٍ،
www. modoee.com
١٥١
حرفالكاف
مستوعبٌ لما جاء في أصولها، ومتممٌّ لها، الصدود والإعراض والانفلات عن شريعة
الله تعالى والتحايل عليها والخروج عنها،
ثم أنكر الله على من هجر شريعته ورضي
بأهواء وأحكام الجاهلية مع ما تحمله من
جهل وسفٍ وتناقض وتخبط وظلم وقسوة،
وحمية ورجعية، مع ذلك تجد من ينادي بها
ويطالب بتطبيقها.
هو المرجع الذي يحتكم إليه عند التنازع
في شأنها، وأمر تعالى بتحکیم کتابه والعمل
به، وتعظيمه، ونهى عن اتباع ما عليه أهل
الضلال من أهواء، وقد جعل الله لكل أمةٍ
شرعة تحتكم إليها ومنهاجا تسير عليه بما
يحقق مصالحها ويلبي حوائجها، ولو شاء
الله لجمع البشرية على منهجٍ واحدٍ وشرعةٍ
واحدة.
ولكن اختلاف الناس وتباين مشاربهم
وتوجهاتهم سنة الله ومشيئته ثم يأمر الله
تعالى بتحكيم شرعه ففيه الخير والصلاح
والرحمة بالإنسانية، وفيه البركة والسعد
لکل من أذعن له ورضي به، وپنھی عن اتباع
ما عليه أهل الضلال من أهواءٍ يحتكمون
إليها مع ما فيها من تعسفٍ وظلمٍ، ويحذر
من كيد أعداء الدين وتحايلهم لصرف أهل
الإسلام عن شريعتهم ومنها جهم، والتلبيس
عليهم وتعطيل الأحكام؛ لنشر الظلم وإشاعة
الفوضى في المجتمعات.
وإذا كان الاستجابة لبعض دعواتهم
والانقياد لهم والسقوط في شراكهم بتعطيل
بعض ما أنزل الله فتنةٌ يجب الحذر منها، فإن
أعرضوا وانصرفوا عن شرعة الله ومنهاجه
الذي ارتضاه لعباده وجعل فيه صلاحهم،
فاعلم أن الله تعالى يريد عقوبتهم
وحرمانهم، وقد جبلت نفوس كثيرةٌ على
وأنکر تعالی علی من يعتقد خلاف ذلك،
ويقرر تعالى أن حكمه تعالى هو المقدم،
فلا يضاهيه ولا يضارعه حكمٌ، ولا يمتثل
لشريعة الله إلا أهل اليقين، الذين وقر
الإيمان في قلوبهم ونور بصائرهم وهيئ
نفوسهم لقبول شرع الله والرضا بحكم الله.
رابعًا: اشتمال الكتب المنزلة جميعًا
على وجوب الإيمان بخاتم النبيين:
ما بعث الله من نبي ولا أنزل من كتاب
إلا وبشر فيه بخاتم النبيين، وجلى أوصافه
للمؤمنين، فبشر به کل کتاب وأخبر عنه کل
نبي، وقد أخذ الله الميثاق على جميع أنبيائه
بالإيمان بهذا النبي ومؤازرته إن أظلهم
زمانه، ودعوة أتباعهم إلى ذلك.
قال جل وعلا: ﴿﴿ وَأَكْتُبْ لَنَافِي هَذِهِ
الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِ الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيَّكَّ قَالَ
عَذَابِىَ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٌ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ
كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِثَّايَئِنَا يُؤْمِنُونَ { الَّذِينَ
جَوَسُولَةُ التَّفيـ
القرآن الكريم
١٥٢
الكتب المنزلة
يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُفِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ.
مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَنَةِ وَالْإِنجِيلِ
يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُحِلُ لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
الْخَبِيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ
اَلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ
١٥٧].
[الأعراف: ١٥٦ -
فلقد جاءت أوصاف نبينا صلى الله
عليه وسلم مكتوبةً في التوراة والإنجيل
وعلى إثرها وفي ضوئها آمن من آمن من
علماء أهل الكتاب، وکان اليهود والنصارى
يترقبون مجيء هذا النبي الأمي الذي يبعث
بالرحمة ويرفع الله به الحرج ويضع عنهم
الآصار التي أرهقتهم، ويحط الأغلال التي
أثقلتهم، وكانوا يتواصون ويتعاهدون على
نصرته ومؤازرته، فلما بعث آمن منهم من
تجرد للحق وأخلص له، وأعرض من خاب
وخسر.
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ
مَعَهُ: أَشِدَّاهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمّ تَرَّهُمْ رُكَّعاً
سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا سِيمَاهُمْ فِ
وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ
وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنِلِ كَزَرْعْ أَخْرَجَ شَطَهُ، فَازَرَهُ.
فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِ يُعْجِبُ الزَُّّاعَ
◌ِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَِّحَتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾
[الفتح: ٢٩].
فلم يقتصر الحديث في التوراة والإنجيل
على أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، بل
ورد الحديث كذلك عن أوصاف أصحابه
ومناقبهم، كما أشارت الآية الكريمة، أن
الله تعالی ضرب لنبيه صلی الله عليه وسلم
وصحابته رضوان الله عليهم أروع الأمثلة
في التوراة والإنجيل، حيث بدأت دعوة
الإسلام غريبةً، ولم تلبث أن قوي عودها
وانتشر عبيرها وأورقت شجرتها وأينعت
ثمارها. ولا تزال الكتب السابقة تحفل
بالبشارات التى بقيت شاهدة وهادية لطريق
إمام المرسلين صلی الله عليه وسلم.
وقال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَ
يَبَّفِىّ إِسْرَّهِ يلَ إِنَّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُرُ مُصَدِّقًالِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ
مِنَ الثَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُرُ أَعْمَرٌ فَلَا
جَآءَ هُم بِالْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ [الصف:
٦].
فلقد جاء عيسى عليه السلام مصدقا
بالتوراة ومبشرًا بخاتم الأنبياء.
www. modoee.com
١٥٣
حرفالكاف
القرآن الكريم والكتب المنزلة قبله
تحدث القرآن الكريم عن موقفه من
الكتب المنزلة فقد جاء مصدقا لها داعيا
للإيمان بها، مهيمنا عليها، حافظا وأمينا
ومستوعباً لها، موثقا لها حيث انقطعت
أسانيدها واندثرت أصولها وتعرضت
للتحريف، فجاء القرآن بالحق فيها.
أولًا: القرآن مصدق لما بين يديه من
الكتب:
جاء القرآن الكريم مصدقا لتلك الكتب،
فبین أنها نزلت بالحق من عند الله تعالى،
وأنها بشرت بالنبي العربي الأمي، وقد ورد
الحديث عن تصديق القرآن الكريم بالكتب
السابقة في أكثر من عشرة مواضع، تقرر تلك
الحقيقة وتذكر بها، فقد جاء القرآن مصدقًا
للكتب المنزلة قبله، مصدقًا بنزولها، وبما
بقي في تلك الكتب التي بين أيديهم من
حقائق لم تتبدل، فلا زالت بشاراتٌ كثيرةٌ
باقيةٌ في کتبهم، شاهدٌ للنبي صلی الله علیه
وسلم وأمته.
ولقد جاء الحديث عن تصديق القرآن
بالكتب السابقة في سياق بيان مقاصد القرآن
ووجوب اتباعه، ودعوة أهل الكتاب إلى
الإيمان به، والاحتجاج عليهم والرد على
أقوالهم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ
بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
[المائدة: ٤٨].
وتصديقه لها لأنها أخبرت بمجيئه،
ووقوع المخبر به يدل على صدق من أخبر،
وبدل كذلك على صدق القرآن، لأنه لو كان
من عند غير الله لم يوافقها. عن ابن عباسٍ
رضي الله عنه قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
مِنَ الْكِتَبِ﴾، فهو القرآن شاهدٌ على
التوراة والإنجيل مصدقًا بهما»، وروي عن
قتادة، قال: ((الكتب التي خلت قبله))(١).
وقال ابن كثير: ((وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا
بَيْنَ يَدَيّهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله
من السماء على عباد الله والأنبياء، فهي
تصدقه بما أخبرت به، وبشرت في قديم
الزمان، وهو يصدقها لأنه طابق ما أخبرت
به، وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد
صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن العظيم
علیه.)) (٢).
فالقرآن جاء مصدقا التوراة والإنجيل،
وسائر الكتب المنزلة من عند الله تعالى،
ومصدقا بنزولها من عند الله تعالی ومصدقا
لمقاصد تلك الكتب ومضمونها، ومصدقا
على وجه الخصوص بما حدثت عنه.
وقال الرازي: ((والمعنى أنه مصدقٌ
لکتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٤٩٥/٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/٣.
مُوسُو عَرَ النَفسِيرِ الوَصوي
القرآن الكريم
١٥٤
الكتب المنزلة
أخبروا به عن الله عز وجل، ثم في الآية
وجهان: الأول: أنه تعالى دل بذلك على
صحة القرآن، لأنه لو کان من عند غير الله
لم يكن موافقًا لسائر الكتب، لأنه كان أميًا لم
يختلط بأحدٍ من العلماء، ولا تتلمذ لأحدٍ،
ولا قرأ على أحدٍ شيئًا، والمفتري إذا كان
هکذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف،
فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه
القصص بوحي الله تعالی. الثاني: قال أبو
مسلم: المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبيًا
قط إلا بالدعاء إلى توحيده، والإيمان به،
وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل
والإحسان، وبالشرائع التي هي صلاح كل
زمانٍ، فالقرآن مصدقً لتلك الکتب في کل
ذلك))(١).
فتصدیق القرآن بما سبقه من کتبٍ دليلٌ
على صدقه وصدقها، وبيان انتظامه في
سلكها، وخروجه من المشكاة التي خرجت
منها؛ و کتب الله تعالی یصدق بعضها بعضا.
قال ابن القيم في هداية الحيارى: ((لو لم
يظهر محمدٌ بن عبد الله صلى الله عليه
وسلم لبطلت نبوة سائر الأنبياء، فظهور
نبوته تصدیقٌ لنبواتهم، وشهادةٌ لها بالصدق،
فإرساله من آیات الأنبياء قبله، وقد أشار
سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في قوله: ﴿بل
جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧].
(١) المصدر السابق ٥٢٢/١.
فإن المرسلین بشروا به وأخبروا بمجيئه،
فمجيئه هو نفس صدق خبرهم، فكان مجيئه
تصدیقًا لهم؛ إذ هو تأويل ما أخبروا به، ولا
تنافي بين هذا وبين القول الآخر: إن تصديقه
المرسلين شهادته بصدقهم، وإيمانه بهم،
فإنه صدقهم بقوله ومجيئه، فشهد بصدقهم
بنفس مجيئه، وشهد بصدقهم بقوله، ومثل
هذا قول المسيح: ﴿يَبَِّيّ إِسْرَّهِ يلَ إِّ رَسُولُ اللهِ
إِلَيْكُ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ بَدَنَّ مِنَ الثَّوْرَةِ وَمُبَشِرًا بِرَسُولِ يَأْتِى
مِنْ بَعْدِى أَسْمُه أَعْمَدٌّ فَلَمَّا جَآءَ هُم ◌ِالبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ
◌ُبِينٌ﴾ [الصف: ٦].
فإن التوراة لما بشرت به وبنبوته كان
نفس ظهوره تصديقًا لها، ثم بشر برسولٍ
يأتي من بعده، فكان ظهور الرسول المبشر
به تصديقًا له، كما كان ظهوره تصديقًا
للتوراة، فعادة الله فى رسله أن السابق يبشر
باللاحق، واللاحق يصدق السابق، فلو لم
يظهر محمدٌ بن عبد الله ولم يبعث لبطلت
نبوة الأنبياء قبله، والله سبحانه لا يخلف
وعده، ولا یکذب خبره» (٢).
ودعا الله تعالى أهل الكتاب للإيمان
بالقرآن الذي جاء مصدقا لما معهم.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
ءَامِنُواْ بِمَا نَزَلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ
نَّطَّمِسَ وُجُوهًا فَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ
كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتَّ وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ مَفْعُولًا
(٢) هداية الحيارى، ابن القيم ٢٩٧/٣.
www. modoee.com
١٥٥
حرفالكاف
[النساء: ٤٧].
كتبهم من بشارات واضحة تدل على بعثته
وتقرر نبوته صلی الله عليه وسلم.
قال ابن جرير: ((ويعني بقوله: ﴿مُصَدِّقًا
لِّمَا مَعَكُم﴾: أن القرآن مصدقٌ لما مع
اليهود من بني إسرائيل من التوراة، فأمرهم
بالتصديق بالقرآن، وأخبرهم جل ثناؤه أن
في تصديقهم بالقرآن تصديقًا منهم للتوراة؛
لأن الذي في القرآن من الأمر بالإقرار بنبوة
محمدٍ صلى الله عليه وسلم وتصديقه
واتباعه نظير الذي من ذلك في الإنجيل
والتوراة، ففي تصديقهم بما أنزل على
محمدٍ تصديقٌ منهم لما معهم من التوراة،
وفي تكذيبهم به تكذيبٌ منهم لما معهم من
التوراة))(١).
وقال ابن كثير رحمه الله: ((فيه تصديق
الأخبار التي بأيديهم من البشارات» (٢).
وقال جل وعلا داعيا بني إسرائيل
للإيمان بخاتم النبيين الذي جاء مصدقا
بما معهم: ﴿وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا
مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِدٍّ، وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَابَّتِى
ثَمَنَا قَلِيلاً وَإِقَنىَ فَاتَّقُّونِ ﴾ [البقرة: ٤١].
وهذه الآية دعوةٌ للإيمان بالقرآن العظيم
وبنبوة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم
(١) جامع البيان، الطبري ١/ ٥٩٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٩٧.
التي دلت عليها كتبهم فهي تصديقٌ لما جاء
ومعنی کونه مصدقا لما معهم: أي بما في في کتبهم من بشاراتٍ، بدلیل إسلام عديدٍ
من الأحبار والرهبان وغيرهم، حينما طابقوا
ما جاء في كتبهم بما شاهدوه وعاينوه من
أوصاف وأحوال نبي الله محمد صلی الله
عليه وسلم كعبد الله بن سلام (٣)، وغيره.
احتج علیھم ونعی کیف لم يؤمنوا بهذا
الکتاب مع مجيئه مصدقا لما معهم !
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُ مِّنْ
عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَ هُم مَّا
عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَفِينَ
[البقرة: ٨٩].
فبین تعالی حال کثیرٍ من اليهود الذين
جحدوا وکابروا، مع ظهور الحجج وجلاء
البراهين، على صدق نبوة إمام المرسلين،
فيما جاء به من عند رب العالمين، فسارعوا
إلى الكفر، ومع طول انتظارهم لداعي الحق
وترقبهم لمبعثه. ومع مجيء القرآن مصدقًا
لما بين أيديهم من البشارات والأخبار
وتأكد كثيرٍ منهم من أوصاف هذا النبي الذي
ينتظرونه، مع ذلك كله فقد كفروا به بغيًا
وحسدًا وكبرًا وعنادًا، وطمعًا في أعراض
دنيا فانية.
(٣) عبد الله بن سلام: قصة إسلامه الرائعة
المشهورة في صحيح البخاري، كتاب مناقب
الصحابة، باب مناقب عبد الله بن سلام رضي
الله عنه، رقم ٣٦٠١.
١٥٦
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ