Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِّرِيْمِ
الكتب المنزلة
٧
عناصر الموضوع
مفهوم الكتب المنزلة
١١٨
الألفاظ ذات الصلة
١١٩
الحكمة من إنزال الكتب
١٢١
الكتب المنزلة وخصائصها
١٢٤
١٤٣
الكتب المنزلة والموقف منها
١٥٤
القرآن الكريم والكتب المنزلة قبله
المُجَلَّدَ الثَامِنْ وَالعشْرُونْ
حرفالكاف
مفهوم الكتب المنزلة
أولًا: المعنى اللغوي.
الكتب المنزلة: مركب من موصوف (الكتب) وصفة (المنزلة).
الكتب لغة: الكتب جمع كتاب، وهو من الفعل کتب، وأصل معناه: الضم والجمع، قال
الراغب بعد أن بين كون أصل الكلمة من ضم الشيء للشيء: ((والكتاب في الأصل مصدر،
ثم سمي المكتوب فيه كتابا، والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيه)) (١).
وقال النحاس: «وقیل کتاب لما جمع فيه. يقال: كتبت الشيء أي: جمعته))(٢).
كما تدل مادة ((كتب)»: على الفرض والإيجاب والتقدير، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَنْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
المنزلة لغة: المنزلة اسم مفعول من الفعل نزل، فعل، مفعلة، والمنزلة: اسم مفعول من
أنزل، أفعل، مفعلة. نزل بالمكان، ((ونزله نزلةً واحدة، ونزل من علو إلى أسفل، ونزل في
البئر، ونزل عن الدابة. وهذا منزل القوم. واستنزلوهم من صياصيهم، وأنزل الله الغيث،
وأنزل الكتاب ونزله، وتنزلت الملائكة. (٣) والنزول في الأصل: انحطاطٌ من علو. يقال:
نزل عن دابته، ونزل في مكان كذا: حط رحله فيه، وأنزله غيره. قال تعالى: ﴿ وَقُل رَّتِّأَنزِلْنِی
مُنَزَلَاً مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
٢٦﴾ [المؤمنون: ٢٩].
((ونزل بكذا، وأنزله بمعنّى، وإنزال الله تعالى نعمه ونقمه على الخلق: إعطاؤهم إياها،
وذلك إما بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن، وإما بإنزال أسبابه والهداية إليه، كإنزال الحديد
واللباس، ونحو ذلك (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي
الكتب المنزلة هي الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه لهداية الناس. فتشمل ما أخبرنا الله
عنه: صحف إبراهيم، والتوراة والزبور والإنجيل، وكذلك القرآن الكريم، إضافة إلى ما أنزله
الله ولم يقص علينا خبره.
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٩٩
(٢) معاني القرآن، النحاس ٧٩/١.
(٣) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣٩/٥، المفردات، الراغب ص ٧٩٩.
(٤) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣٩/٥.
١١٨
جوبيه
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
الكتب المنزلة
الألفاظ ذات الصلة
القرآن:
١
القرآن لغة:
القاف والراء والياء أصل صحيح يدل على الشيء المجموع، وقرأت الشيء قرآنًا:
جمعته، وضممت بعضه على بعض، وقرأت الكتاب قراءةً وقرآنًا، ومنه سمي القرآن؛ لأنه
يجمع السور فيضمها (١).
القرآن اصطلاحًا:
كلام الله تعالى، المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة سيدنا جبريل
عليه السلام، المتعبد بتلاوته، المنقولُ إلينا بالتواتر، المقروءُ في المصاحف، المبدوء بسورة
الفاتحة والمنتهي بسورة الناس)) (٢).
الصلة بين القرآن والكتب المنزلة:
القرآن الكريم آخر الكتب المنزلة من الله عز وجل إلى أنبيائه لهداية الناس.
٢
التوراة :
التوراة لغة:
قال أبو حيان: ((التوراة: اسمٌ عبرانيٌ، وقد تكلف النحاة في اشتقاقها، وفي وزنها، وذلك
بعد تقرير النحاة أن الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاقٌ، وأنها لا توزن، يعنون اشتقاقًا
عربيًا)) (٣).
التوراة اصطلاحًا:
((التوراة اسمٌ للكتاب المنزل على موسى عليه السلام» (٤).
الصلة بين التوراة والكتب المنزلة:
التوراة هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه السلام.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٦٤/١، مجمل اللغة، ابن فارس ٧٥٠/١.
(٢) انظر: التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية، صالح الفوزان ص٦٦.
(٣) البحر المحيط ٥/٣.
(٤) المصدر السابق.
www. modoee.com
١١٩
حرفالكاف
الإنجيل:
٣
الإنجيل لغةً:
قال ابن منظور: ((الإنجيل: كتاب عيسى، على نبينا وعليه -الصلاة والسلام-، يؤنث
ويذكر، فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب)) (١). ويجمع على أناجيل.
وقد اختلف العلماء في أصله اللغوي وهل هو عربي أو معرب، والراجح هو أن كلمة
الإنجيل معربة.
الإنجيل اصطلاحًا:
كلمة إنجيل إذا أطلقت فلها معنیان:
الأول: الكتاب المنزل من عند الله تعالى على المسيح عليه السلام، وهو مفقود، ولم يبق
منه إلا نتف قليلة مما بين أيدي النصارى الآن، قال الطاهر بن عاشور في تعريفه بهذا المعنى:
((اسمٌ للوحي الذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه)) (٢).
الثاني: الإنجيل الذي تعظمه النصارى الآن، وهو عبارة عن: ((أربعة كتب تعرف بالأناجيل
الأربعة)).
الصلة بين الإنجيل والكتب المنزلة:
الإنجيل هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام.
(١) لسان العرب، ٦٤٨/١١.
(٢) التحرير والتنوير، ١٤٩/٣.
١٢٠
فَضْو
القرآن الكريمِ
الكتب المنزلة
الحكمة من إنزال الكتب
لا يمكن للبشرية في مسيرتها أن تحتكم
لعقولها القاصرة ولا لأهوائها الجامحة
المتباينة ولا لتجاربها المحدودة، ولا
للحدس أو التخمین، أو غير ذلك من وسائل
المعرفة والإدراك أو الظنون والأوهام أو
الخرافات والأساطير، فمع أهمية العقل
وضرورة الحواس وقيمة التجارب الإنسانية
لكن ذلك لا يكفي ولا يشفي، إذ لا غنى
للبشرية عن هداية السماء، ولا رشاد لهم
إلا بدعوة الأنبياء، من هنا ندرك قيمة الكتب
الإلهية المنزلة وأهميتها ومقاصدها، فلقد
نزلت هداية ورحمة، ونورا وحكمة، وبيانا
وتفصيلا، نزلت لإخراج الناس من ظلمات
الجهل والكفر إلى نور الإيمان والعلم،
نزلت هداية للبشرية وتبيانا، ومنهاجا
ونبراسا لها في طريقها، نزلت بالأخبار
والبشارات، للعظة والاعتبار، والترغيب
والترهيب، وقد بين القرآن ذلك كله أصدق
بیان وأجلى برهان.
أولًا: إخراج الناس من ظلمات الكفر
والشرك إلى نور التوحيد:
الحكمة من إنزال الكتب هداية الناس
وتبصيرهم، وإخراجهم من ظلمات الشرك
إلی نور الإيمان.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
يُخْرِجُهُم مِّنَ اَلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:
٢٥٧].
فالله تعالى يتولى عباده المؤمنين
ويخرجهم من ظلمات الكفر والشرك إلى
نور الإيمان والتوحيد، بإرسال الرسل
وإنزال الكتب.
وأنبياء الله تعالى جاءوا بالحجج النيرات
والآيات الواضحات مؤيدين بالكتب التي
تنير الطريق لهم ولمن اتبعهم.
قال تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ
رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَهُو بِالْبَغْنَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ
اَلْمُنِيرِ (﴾ [آل عمران: ١٨٤].
وبين تعالى أن غاية رسالة موسى عليه
السلام إخراج قومه من ظلمات الكفر
والجهل والظلم إلى نور الإيمان والعلم
والعدل.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
◌ِثَايَتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ
اُلْظُلُّمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّنِ الَّهِّ
إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
[إبراهيم: ٥].
قال الماتريدي: ((وعلى ذلك بعث جميع
الرسل والأنبياء، بعثوا ليخرجوا قومهم من
الظلمات إلى النور))(١).
إن وظيفة الرسل وغاية إنزال الكتب
إخراج الناس من الظلمات التي تغشاهم
(١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٦/ ٣٦٣.
www. modoee.com
١٢١
حرفالكاف
وتحيط بهم إلى النور الذي يضيء لهم عاش حياته متخبطا في الظلمات ﴿وَمَنْ لَّ
يَجْعَلِاللّهُ لَهُنُورًا فَمَا لَهُمِن نُودٍ﴾ [النور: ٤٠].
دروبهم ويهديهم سبلهم. قال تعالى: ﴿وَمَا
قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِهِ إِذْ قَالُواْمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرِيِّن
شَىْ ءٌّ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا
وَهُدَى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١].
وفي القرآن الکریم آیات کثیرةٌ تبین لنا
أن أعظم مقاصد القرآن إخراج الناس من
الظلمات المدلهمة إلى النور السافر.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ.
ءَايَتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَإِنَّ
اَللَّهَ بِكُوْلَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحديد: ٩].
﴿رَسُولًا يَثْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ مُبَيِّنَتْ لِيُخْرِجَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى
اُلتُّورِ ﴾ [الطلاق: ١١].
﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ
النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى
صِرَّطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إبراهيم: ١].
ألا ما أحوج الإنسانية لهذا النور الذي
يضيء لهم دروب حياتهم المتشعبة،
ویبصرهم حین یمشون بین الناس، ویکشف
لهم ظلام الشك والشهوات.
قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ.
فِي الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فلا يستغني الناس عن النور الذي يضيء
لهم سبلهم، ومن حرم من النور الرباني
قال ابن القيم: ((فالظلمات: جمع ظلمة،
وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة
ظلم النفس بالتقليد واتباع الهوى، وظلمة
الشك والريب، وظلمة الإعراض عن الحق
الذي بعث الله تعالى به رسله صلوات
الله وسلامه عليهم. والنور الذي أنزله
معهم ليخرجوا به الناس من الظلمات إلى
النور»(١).
ثانيًا: التفريق بين الحق والباطل وإقامة
العدل في حياة الناس:
من مقاصد إنزال الكتب إحقاق الحق
وإبطال الباطل، فالكتب هي الفارقة بين
الحق والباطل، والكتب هي الداعية إلى
إقامة موازين العدل بين الناس.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ
وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، وَرُسُلَهُ.
بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾ [الحديد: ٢٥].
عن مجاهدٍ، وقتادة: ((الميزان هو
العدل)»(٢).
وقال القشيري: «أي: أرسلناهم مؤیدین
بالحجج اللائحة والبراهين الواضحة،
(١) التفسير القيم، ابن القيم ص ٤٠٠.
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٨٩.
١٢٢
مَوالَرُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
الكتب المنزلة
وأزحنا العلة لمن أراد سلوك الحجة المثلى،
ويسرنا السبيل على من آثر اتباع الهدى
والدليل، وأنزلنا معهم الكتب المنزلة،
والميزان أي: الحكم بالقرآن، واعتبار العدل
والتسوية بين الناس)) (١).
وقال السعدي: («الميزان: العدل والاعتبار
بالقياس الصحيح والعقل الرجيح، فكل
الدلائل العقلية من الآيات الآفاقية والنفسية
والاعتبارات الشرعية والمناسبات والعلل
والأحكام والحكم داخلةٌ في الميزان الذي
أنزله الله تعالى ووضعه بين عباده، ليزنوا
به ما اشتبه من الأمور، ویعرفوا به صدق ما
أخبر به وأخبرت رسله»(٢).
فكما أنزل الله الكتاب أنزل الميزان.
قال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِىّ أَنزَلَ الْكِنَبَ بِالْحَقّ
وَالْمِيزَانُ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
١٧
[الشورى: ١٧].
وسميت التوراة بالفرقان لكونها فارقة
بين الحق والباطل قال تعالى: ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا
مُوسَى الْكِتَبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لـ
٥٣
[البقرة: ٥٣].
﴿وَلَقَدْ مَتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ اٌلْفُرْقَانَ
وَضِيَّةُ وَذِكْرَالْمُنَّقِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٨].
كذلك سمي القرآن بالفرقان قال تعالى:
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
(١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٣٩٣/٧.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٥٦.
مِن قَبْلُ هُدَى لِلنَّاسِ
٣
وَأَنْزَّلَ التَّوْرَّةَ وَالْإِنجِيلَ
وَأَنْزَلَ الْقُرْقَانُّ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ
شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُوْ اْنِقَاءٍ ﴾ [آل عمران:
٣ - ٤].
﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِه لِيَكُونَ
لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: ١].
فالفرقان: «ما يفرق بين الحق والباطل،
وبين المشتبه والواضح، وبين ما يؤتى
ويتقى، وبين ما عليهم ولهم))(٣).
ثالثًا: بيان تكاليف العباد من العبادات
والمعاملات وغيرها:
خلق الإنسان لعبادة ربه جل وعلا قال
تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ
﴾ [الذاريات: ٥٦].
ولم تترك عبادة الله تعالى الاجتهادات
الناس وأفكارهم، وإلا لذهب الناس فيها
كل مذهب، وصارت لهم فيها فنونٌ؛ بل
كانت العبادات وفق ما جاء به الرسل ونزلت
به الكتب قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلّ
أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَّ
فَمِنْهُمٍ مَنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
الضَّلَلَةُ فَسِيرُوا فِ اَلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ
[النحل:
كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِیِنَ ﴾﴾
٣٦].
فأرسل الله رسله کما أنزل کتبه لأسمى
(٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٣٥٠/٧.
www. modoee.com
١٢٣
حرفالكاف
الغايات وهي عبادته تعالى وتنظيم حياة
الناس وإصلاح معاملاتهم. فجميع ما جاء
به الأنبياء عليهم السلام خرج من مشكاة
واحدة وقصد إلى غاية واحدة هي: هداية
البشرية وإمدادها بالزاد الروحي والقبس
الإيماني الذي يضيء دروب الحياة، ويصلح
المعاش والمعاد.
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِينِ مَا
قال تعالى:
وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَاْ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا
بِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىنَّ أَنْ أَقِيمُواْ أَلِّينَ وَلَا
نَشَفَرَّقُواْ فِيَةٍ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ
إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ
مَنْ يُنِيبُ (٣)﴾ [الشورى: ١٣].
عن قتادة (شرع لكم من الدين ما وصى
به نوحًا) قال: الحلال والحرام (١).
وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبيا إلا
أوصاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والإقرار
(٢)
لله بالطاعة. فذلك دينه الذي شرع لهم.
٠
فأصول الدين واحدة، لا تختلف في
جميع الشرائع، وأما الفروع فمختلفة.
(١) جامع البيان، الطبري ٥١٣/٢١.
(٢) الكشف والبيان، الثعلبي ٣٠٦/٨.
الكتب المنزلة وخصائصها
تحدث القرآن الكريم عن الكتب
المنزلة حديثا شافيا، وبين ما جاء فيها من
الهدى والحق، وتحدث القرآن عن نزولها
ومقاصدها، كما بين أوصافها وفضائلها،
وتحکیمها والعمل بها، وتصديق القرآن لها
وهيمنته عليها.
ومن الكتب المنزلة التي تحدث القرآن
عنها: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن،
وصحف إبراهيم وموسى.
أولًا: التوراة:
التوراة: کتاب الله تعالى الذي أنزله على
نبيه موسى عليه السلام (٣).
(٣) ذكر الفراء أنها: من ورى الزنديري إذا خرجت
ناره وأوريته يريد أنها ضياء، وقال أبو إسحق
الزجاج: قال البصريون: توراةٌ أصلها فوعلة،
وفوعلة كثيرٌ في الكلام مثل الحوصلة، وفي
تاج العروس: وقد تعقب المحققون كلامهم
بأسره وقالوا هو لفظُ غير عربي، بل هو عبراني
اتفاقًا، وإذا لم يكن عربيًا فلا يعرف له أصل
من غيره، إلا أن يقال إنهم أجروه بعد التعريب
مجرى الكلم العربية وتصرفوا فيه بما تصرفوا
فيها، والله أعلم.
انظر: غريب الحديث، ابن قتيبة ١ /٢٤٥، تاج
العروس، الزبيدي ٤٠ / ١٩١.
يقول الأستاذ عزة دروزة رحمه الله في التفسير
الحديث ٤٧٨/٢: ((والذي يسمى التوراة و
يسمى أيضا باسم العهد القديم هو مجموعة
ضخمة من أسفار عديدة منفصل بعضها عن
بعض بأسماء متنوعة، وعددها عند فريق من
الكتابيين الطبعة البروتستانتية تسعة وثلاثون،
١٢٤
جَوَسُولَة التفتتـ
القرآن الكريمِ
الكتب المنزلة
ولقد تحدث القرآن عنها حديثا مسهبًا، قبل هدى للناس، فالكتب الثلاثة خرجت
مما يدل على منزلتها، حدثنا القرآن عن من مشكاةٍ واحدةٍ؛ ومن ثم فهي متفقةٌ
نزولها وكتابتها، وعن مقاصدها، وما تضمنته
من أوامر وأخبارٍ، ودعانا إلى الإيمان بها
وينزولها على موسى عليه السلام، وأنها
نزلت بالخير والهدى.
تحدث القرآن عن نزولها في مواضع
كثيرة.
قال تعالى: ﴿زَّلَ عَلَيْكَ الْكِلَبَ بِالْحَقِّ
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَّلَ التَّوْرَيَّةَ وَالْإِنجِيلَ
مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْمُؤْقَانَ ﴾ [آل عمران:
٣].
فكما أنزل الله تعالى القرآن على نبيه
محمدٍ صلى الله عليه وسلم مصدقا لما
بين يديه، فقد أنزل التوراة والإنجيل من
و عند فريق آخر الطبعة الكاثوليكية ستة
وأربعون ... )).
ويقول في كتابه القرآن والمبشرون ص
١٨-٢١، والذي يرد فيه على كتابات أحد
القساوسة: ((كلمة التوراة عبرانية تعني
التعليم أو الشريعة، وهي معربة، والمتبادر
أن التعريب سابق لنزول القرآن، وأن اللفظ
القرآني جاء كما كان مستعملا قبل نزول
القرآن ... والمقصود القرآني من كلمة التوراة:
هو الكتاب المنزل من عند الله على موسى
عليه السلام المحتوي للمبادئ والتعليمات
والتشريعات والأحكام والحدود الربانية. في
حين أن المتداول عند الكتابيين أن التوراة
هي: مجموعة ضخمة من الأسفار منفصل
بعضها عن بعض، تعرف بالعهد القديم ... ))
بتصرف واختصار ..
في مصدرها ومقاصدها، ومن هنا ندرك
حكمة اقترانها في مواضع كثيرةٍ من القرآن،
لأنها يصدق بعضها بعضا، ويكمل سابقها
لاحقها، وهي كلها كلام رب العالمين،
فضلا عن توافقها وتناسبها.
وقد جاء الحديث عن نزول التوراة في
مواضع أخرى.
* كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّاً
قال تعالى:
لِبَنِىَ إِسْرَّهِيَ إِلَّا مَاحَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن
قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَنَّةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَاتْلُوهَا
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٣].
فتحدثت الآية عن توراتين، التوراة
المنزلة من عند الله تعالى، والتوراة
الموجودة في أيدي اليهود والتي فيها ما
فيها من تحريفٍ وزيفٍ، لكنها لا تزال
حجةً عليهم بما بقي فيها من حقائق تعضد
ما جاء به القرآن، وتنقض ما هم عليه من
أباطيل. ولو كانت توراةً واحدةً لناسب ذلك
الإضمار تحاشيًا للتكرار، لكن الحدیث عن
توراتین.
قال تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَكَةُ قُلْ
فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثةِ
ويأتي الحديث عن التوراة الحقيقية وعن
نزولها ومضمونها وثمراتها الطيبة في سورة
المائدة.
www. modoee.com
١٢٥
حرفالكاف
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدًى
وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ
هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ
مِنْ كِتَبٍ اَللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءً فَلَا
تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا
◌ِكَايَتِى ثَمَنَا قَلِيلًاً وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤].
فالتوراة منزلةٌ من عند الله تعالى بالهدى
والنور، وهي شريعة الله تعالى التي حكم
بها موسى عليه السلام ومن بعده من الأنبياء
عليهم السلام، وعلی نهجهم سار الربانيون
والأحبار، فأضاءوا بها دروب الحياة،
ونعموا في ظلالها بحلاوة العدل وروح
الإنصاف. وفي تكرار الحديث عن إنزالها:
تو کیدٌ و تقریر بأنها نزلت من عند الله تعالى،
وبيانٌ لشرفها وعظمتها، وبيانٌ لمقاصد
نزولها، وهي الهداية والبيان.
أسماؤها وأوصافها وفضائلها:
تحدث القرآن عن أسمائها فهي التوراة،
والفرقان، والكتاب، والألواح، والصحف.
١. التوراة.
وردت بهذا الاسم في القرآن في ستة
عشر موضعا، وفي هذا ما يدل على تعظيم
شأنها، فهي كلام رب العالمين.
٢. الكتاب.
أما التعبير عنها بالکتاب فقد ورد في أکثر
من ثلاثين موضعا لكونها مكتوبة وكونها
جامعة، وفي كل هذه المواضع يقرر السياق
أنه كتاب موسى عليه السلام.
٣. صحف موسی.
وردت في موضعين، في سورة النجم
والأعلى، وفي هذا كله ما يدل على عظمة
أَمْ لَمْ
التوراة ورفعتها وجلال قدرها،
يُنْبَأ
بِمَا فِي صُحُفٍ مُوسَى ﴾ [النجم: ٣٦].
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُوْلَىِ ، مُعُفٍ
إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى ﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩].
فهي كلام الله تعالى الذي أنزله على نبيه
موسی الکلیم، واصطفاه به على سائر الناس
في زمانه.
قال تعالى: ﴿قَالَ يَمُوسَىَ إِنِى أَصْطَفَيْتُكَ
عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِى وَبِكَلَمِى فَخُذْ مَآءَاتَيْتُكَ وَّكُنْ
مِنَ الشَّكِرِينَ
[الأعراف: ١٤٤].
أنزلها الله تعالى ضياء وذكرى للمتقين
الذین ینتفعون بهدیھا، ویستنیرون بضیائها.
٤. الفرقان.
لأن الله تعالى فرق بها بين الهدى
والضلال، والحق والباطل.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ
اَلْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرَالْمُنَّقِينَ ﴾ [الأنبياء:
٤٨].
٥. الألواح.
وقد وردت في ثلاثة مواضع من سورة
الأعراف.
قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاجِ
١٢٦
جوبيع
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
الكتب المنزلة
مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَنَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ
فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَاً
سَأُوْرِيكُمْدَارَ الْفَسِقِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٤٥].
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ
◌ِلْسَمَا خَلَفْتُونِ مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمَ رَبِّكُمّ
وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهٍ قَالَ
أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِ وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى
فَلَ تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَآءَ وَلَا تَّتْعَلْنِى مَعَ اَلْقَوْمِ
اٌلَّلمِينَ {١٥٠﴾﴾ [الأعراف: ١٥٠].
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن ◌ُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ
اَلْأَلْوَاحٌ وَفِي نُشْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ
لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥)﴾ [الأعراف: ١٥٤].
في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم في
محاجة آدم وموسى، وفيه: (فقال آدم: أنت
موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه
وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيءٍ، وقربك
نجیًا، فېکم وجدت الله کتب التوراة قبل أن
أخلق ؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم
فھل وجدت فيها (وعصی آدم ربه فغوى)
؟ قال نعم، قال أفتلومني على أن عملت
عملًا کتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني
بأربعين سنةً؟ قال رسول الله صلی الله علیه
وسلم: (فحج آدم موسی) (١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء،
باب وفاة موسی، وذكره بعد حدیث ٣٢٢٨،
وأخرجه مسلم في صحيحه، واللفظ له،
وقال ابن عباس رضي الله عنهما:
قوله: (وكتبنا له في الألواح): يريد ألواح
التوراة (٢).
مقاصدها:
نزلت التوراة هدايةً ورحمةً، ونورا
وحکمةً، وضياء وذكرا، وتفصيلا وبيانا،
وتبصرةً وفرقانا، نزلت بيانًا لأركان الإيمان
وثمراته، كما نزلت مفصلةً للأحكام
والآداب، والقصص والأمثال، والوصايا
والبشارات.
نزلت هداية لبني إسرائيل، وإصلاحًا
لعقيدتهم.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِىَ إِسْرَِّ يلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ
وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
لَعَلَّهُمْ يَنَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩].
كما نزلت تبصرة لهم ورحمةً بهم
لعلهم ينتفعون بها، ويتذكرون بأحكامها
ومواعظها.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى
الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ
اُلْأُوْلَى بَصَلِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣].
کتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما
السلام، ٤ /٢٠٤٢، رقم ٢٦٥٢.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٣٣/٢.
www. modoee.com
١٢٧
حرفالكاف
فبين تعالى أن التوراة هدى ونورٌ، في الكلام، وأن إيتاء موسى كتابه نعمةٌ من
الله عليه ومنة عظيمة. فأخبر جل ثناؤه أنه
أنعم بذلك علیه لما سلف له من صالح عمل
وحسن طاعة (١).
وشرعةٌ ومنهاجٌ، وأنها بصائر للحق، وميزانٌ
له، حکم بها الأنبياء، وقضی بها الربانيون
والأحبار، وامتثل لها الصالحون، فهي
بصائر بما اشتملت علیه من حجج وبینات،
بصائر بما حوته من حکم وأحكام، بصائر
بما اشتملت عليه من مواعظ ورقائق،
وقصص وأمثالٍ، وبشارات ونبوءات، بصائر
بما حوته من علوم ومعارف تضيء الطريق
وترشد إلى سبل الهدى.
ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى
وقال جل وعلا:
اُلْكِتَبَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَنَفْصِيلًا
لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُم ◌ِلِقَِّ رَبِّهِمْ
يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥٤].
فمن مقاصد التوراة، نزولها تماما
منهاج
وتفصیلا، وهدى ورحمة، فھی
تام،
وشريعةٌ كاملةٌ، وهدايةٌ جامعةٌ، ورحمةٌ
عامةٌ، آتاها الله موسى جزاءً لإحسانه في
الطاعة والعبادة وتبليغ الرسالة، ومثوبةً لمن
أحسن من قومه؛ فهي من تمام الامتنان على
أهل الإحسان، من الأنبياء والصالحين أي:
أتممنا فضلنا عليهم بالكتاب.
قال الطبري بعد سرده لأقوال السلف:
«وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول
من قال: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا
لنعمنا عنده، على الذي أحسن موسی في
قيامه بأمرنا ونهينا؛ لأن ذلك أظهر معانيه
ومن مقاصد نزولها كما في الآية:
دعوتهم للإيمان باليوم الآخر وترسيخه في
قلوبهم ﴿لَعَلَّهُمْ يِلِقَّوْرَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ فآتاه الله
التوراة هدايةً ورحمةً وتماما وتفصيلا ووفاءً
لجميع ما يحتاج إليه في شريعته، كما قال:
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ
مَّوْعِظَةٌ وَتَفْصِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأُمُرْ
قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَاَ سَأُوْرِكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ
﴾ [الأعراف: ١٤٥].
وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلًاً لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾:
((عامٌّ في بابه، أي: مفصلًا لكل شيءٍ من
أحكام الشريعة كالعبادات والمعاملات»
(٢).
﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَّهِ رَيْهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ فالتوراة
جامعةٌ للأحكام الشرعية والعقدية.
وبين تعالى من مقاصد التوراة: التفرقة
بين الحق والضلال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
◌َتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءُ وَذِكْرًا
لِلْمُنَّقِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٨].
فالتوراة هي الفرقان، لأنها منهاجٌ للتفرقة
بين الهدى والضلال، وهي ضياء وذكرى
(١) جامع البيان ١٢/ ٢٣٦.
(٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ١٨٠.
١٢٨
جوب
القرآن الكريمِ
الكتب المنزلة
للمتقين الذين ينتفعون بهديها، ويستنيرون
بضیائھا.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَئِنَةٍ مِّن رَّبِّهِ،
وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِ كِنَبُ مُوسَى إِمَامًا
وَرَحْمَةٌ﴾ [هود: ١٧].
فالتوراة شاهدٌ وبرهانٌ وسائقٌ ودليل
إلى الإيمان بالقرآن، أنزله الذي أنزل التوراة
على موسى إماما للمتقين ومنارة للسائرين
ورحمة للمؤمنين.
قال ابن عاشور: «وعبر عن التوراة بـ
(كتاب موسى) بطريق الإضافة دون الاسم
العلم وهو التوراة لما تؤذن به الإضافة إلى
اسم موسی من التذکیر بأنه كتاب أنزل على
بشر كما أنزل القرآن على محمد صلى الله
عليه وسلم تلميحا إلى مثار نتيجة قياس
القرآن على كتاب موسى بالمشابهة في
جميع الأحوال.)) (١).
وتقديم (إماما) على (رحمة)؛ لأن
الإمامة بمثابة الوسيلة أو الطريقة إلى
الشيء، والرحمة بمثابة الغاية والثمرة،
والغاية تقدم على الوسيلة، فالتوراة تقود إلى
الرحمة، اقتدى بها الأنبياء والصالحون من
بني إسرائيل فنالوا الرحمات.
(١) التحرير والتنوير ٢١/٢٦.
مضمونها:
جاءت التوراة بالمواعظ والأحكام
ومن مقاصدها: إمامة الناس للهدى المفصلة، فهي في عمومها هدى ورحمة
والخير.
وبصائر.
قال جل وعلا ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى
اَلْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ
اَلْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [القصص: ٤٣].
وقال سبحانه في سورة المائدة:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَّةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ
بِهَا النَّبِيُّونَ أَلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُواْ
وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبٍ
اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَوْا
النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَايَتِ ثَمَنَا
قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ
﴾ [المائدة: ٤٤].
٤٤
فاشتملت التوراة على الهداية والبيان،
والنور والرحمة، والبصائر والمواعظ. وقد
بين القرآن بيانا مفصلا بعضا مما ورد في
التوراة من عقائد وأحكام، وقصص وأمثال،
وبشارات.
١- العقيدة.
ومن ذلك بیان التوحید.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَِّيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ
وَكِيلًا ﴾ [الإسراء: ٢].
فمن مقاصد ومعاني التوراة الأمر
www. modoee.com
١٢٩
حرفالكاف
بالتوحيد، قال الشنقيطي رحمه الله: ((فجعل مِنَ اللَّهَّ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمُ
[التوبة:
التوراة هدى لبني إسرائيل مفسر بنهيهم عن
اتخاذ وكيل من دون الله ؛ لأن الإخلاص
كله في عبادته هو ثمرة الكتب المنزلة على
الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.»(١).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُكَتَأْبِمَا فِ صُحُفٍ
مُوسَى وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَقَ الَ أَلََّ زِرُ
وَزِرَةٌ وِزْدَ أُغْرَى ﴾ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا
ثُمَّ
٤٠
سَعَى ﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ: سَوْفَ يُرَى لـ
يُجْزِئُ الْجَزَآءَ الْأَوْنَى ﴾ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى
(٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ◌ْ وَأَنَّهُ هُوَأَمَاتَ
وَأَعْيَا وَأَنَّهُ, خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذِّكْرَ وَالأُنثَى ® مِن
تُظْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) وَأَنَّ عَلَيْهِ اَلنَّشْأَةَ الْأَخْرَى وَأَنَّهُ.
هُوَ أَغْنَى وَقَ ®) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ﴾
[النجم: ٣٦ - ٤٩].
فقد اشتملت صحف موسى وهي التوراة
على أصول الإيمان: الإيمان بالله تعالى
وباليوم الآخر، فضلًا عن الإيمان بالرسل
والكتب والملائكة والقدر.
ومن ذلك وعده تعالى لعباده المؤمنين
بالجنة.
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةٌ يُقَئِّلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْنُّلُونَ
وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَكَةِ
وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ،
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ١١/٣
بِدِّ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
١١١].
٢. الأحكام.
إذ جميع الكتب المنزلة متفقة في أصول
التشريع كالصلاة والصيام والزكاة، وإن
اختلفت في فروعها وجاءت شريعة القرآن
مسك الختام وغاية التمام.
تأمل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ تَزََّى ، وَذَّكَرَ
أُسْمَ رَيْهِ، فَصَلَّى ٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا لَ
وَاُلَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ® إِنَّ هَذَا لَفِىِ الصُّحُفِ
الْأُولَى ) مُفٍ إِزَهِيمَ وَمُوسَى ﴾ [الأعلى:
١٤ - ١٩].
ففيها بيان اشتمال صحف إبراهيم
وكذلك صحف موسى أي: التوراة على
الترغيب في الزكاة والصلاة والتحذير من
الافتتان بالدنيا وإيثارها على الآخرة.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة المائدة:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَّبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَنَّهُ.
مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَآ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاْ وَلَقَدْ
جَاءَتُهُمْ رُسُلْنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم
بَعْدَ ذَلِكَ فِىِ الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾
[المائدة: ٣٢].
﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
وَاَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنفِ
١٣٠
القرآن الكريم
الكتب المنزلة
وَاْلْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَاُلْسِنَّ بِأُلْسِنِّ وَاَلْجُرُوحَ
قِصَاصٌُّ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ
لَهُ، وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤ - ٤٥].
فكشف الله تعالى لنا عن شيءٍ مما
تضمنته التوراة، في جانب الأحكام
الشرعية العادلة التي نزلت لحماية الإنسان
وحفظ دينه، وروحه، وعقله، وبدنه، وماله،
وعرضه.
٣. البشارات.
مما تضمنته التوراة كما بين القرآن
البشارة بخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ
الأُقِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ
فيِ التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ
الَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(١٥٧)
[الأعراف: ١٥٧].
فلقد جاءت أوصاف نبينا صلى الله
عليه وسلم مكتوبةً في التوراة والإنجيل
وعلى إثرها وفي ضوئها آمن من آمن من
علماء أهل الكتاب، وكان اليهود والنصارى
يترقبون مجيء هذا النبي الأمي الذي يبعث
بالرحمة ويرفع الله به الحرج ويضع عنهم
الآصار التي أرهقتهم، ويحط الأغلال التي
أثقلتهم، وکانوا یتواصون ويتعاهدون على
نصرته ومؤازرته، فلما بعث آمن منهم من
تجرد للحق وأخلص له، وأعرض من خاب
وخسر.
٤. ضرب الأمثال.
جاءت الكتب الثلاثة بالأمثال التي تقرب
المعاني إلى الأذهان وترسخها في النفوس،
وتصورها في صورٍ حية، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ
رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ
بَيْنَهُمَّ تَرَّهُمْ رَكَّعًا سُبَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَنَاْ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودَّ
ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنْجِلِ كَزَيْعٌ
أَخْرَجَ شَطَْهُ، فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى
سُوقِهِ- يُعْجِبُ الزَُّّعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً
وَأَجْرَا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ٢٩].
فلم يقتصر الحديث في التوراة والإنجيل
عن أوصاف النبي صلی الله عليه وسلم، بل
ورد الحديث كذلك عن أوصاف أصحابه
ومناقبهم، كما أشارت الآية الكريمة، أن
الله تعالى ضرب لنبيه صلى الله عليه وسلم
وصحابته رضوان الله عليهم أروع الأمثلة
في التوراة والإنجيل، حيث بدأت دعوة
الإسلام غريبةً، ولم تلبث أن قوي عودها
وانتشر عبيرها وأورقت شجرتها وأينعت
www. modoee.com
١٣١
حرفالكاف
ثمارها بجهود الصحابة ومساعيهم.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ
أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَيِّلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَتَّا فِي
التَّوْرَكَةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَ
بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى
بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١)
[التوبة: ١١١].
وعد الله تعالى في كتبه الثلاث
المجاهدين الصادقين الذين نالوا شرف
الجهاد والاستشهاد بأن لهم الجنة.
ثانيًا: الزبور:
أنزل الله الزبور على نبيه داود عليه
السلام فكان من أعظم النعم وأجلها؛ إذ
اشتمل على معانٍ سامية وأحكام راشدة
ومواعظ وبشارات، وقد تحدث القرآن عنه
في عدة مواضع بما عرفه لنا، وكشف لنا عن
شيء مما ورد فيه.
وأصل كلمة الزبور: في اللغة العربية: من
(ز ب ر)، والزبر: الكتابة في الحجر، وقيل:
الزبر أي: الزجر، لأن الزبور والزبر: الكتب
التي اشتملت على زواجر، أي: مواعظ تزجر
عن الباطل، وقيل: هو من الفخامة والعظمة،
ومنه زبر الحديد، أي: قطعه الكبيرة، وقيل:
من الإتقان؛ لأنه کتابٌ محكمٌ (١).
وقد وردت بعض مشتقات هذه المادة
في القرآن الكريم: فجاءت بمعنى: القطعة
من الشيء. قال تعالى: ﴿مَاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدٌّ حَقّ
إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا
قَالَ ءَاتُونيّ أُفْرِعْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾ [الكهف:
٩٦].
وزبر الحديد أي: قطعه الكبيرة. وجاءت
بمعنى: التقطع والتفرق.
قال تعالى في سورة المؤمنون:
﴿فَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرَ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَمحُونَ )﴾، أي: تفرقوا إلى فرقٍ وأحزابٍ
شتى. وجاءت بمعنى: الكتب والمواعظ
والزواجر التي نزلت على الأنبياء (٢).
قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيْنَتِ
وَبِالزُّبْرِ وَ بِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ ﴾.
فالبينات هي: الحجج والمعجزات،
والزبر هي: المواعظ والزواجر، والكتاب
المنير: اسم جنس ((يشمل جميع الكتب
التي أنزلها الله على أنبيائه لهداية الناس
(٣)
وإرشادهم(٣).
(١) انظر: المحيط في اللغة، ابن عباد الطالقاني
٩/ ٤٥، المصباح المنير، الفيومي ١ / ١٣١،
القاموس المحيط، الفيروز آبادي ٥٠٩/١.
(٢) قال الطبري في تفسيره ٢٣١/١٤: ((والزبر:
هي الكتب، وهي جمع زبورٍ، من زبرت
الكتاب إذا كتبته، عن مجاهدٍ: الزبر: الكتب)).
(٣) قال الخازن: ((وسمي الكتاب الذي فيه
١٣٢
جويسير
القرآن الكريمِ
الكتب المنزلة
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ ( عَلَى قَلِكَ لِتَُّونَ
مِنَ الْمُنذِرِينَ
وَإِنَّهُ لَفِى
١٩٥
بِلِسَانٍ عَرَفٍ مُبِينٍ (
زُيُرِ الْأَوَّلِينَ (١٦) أَوْلَمْ يَكُنْ لَّمْ ءَايَةٌ أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَُّّأَ بَقِّ
إِسْرَوَيلَ (١٧)﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٧].
والزبر: الكتب لأنها زبرت أي: رقمت،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُيُرِ الْأَوَّلِينَ﴾:
أي: في كتب المتقدمين من الأنبياء، لأنها
بشرت به، أو لأنه تضمن ما ورد فيها، وجاء
مصدقًا بها.
وجاء الزبر: بمعنى اللوح المحفوظ
أو كتاب الأعمال: قال تعالى: ﴿ وَكُلُّ
شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ
مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢-٥٣].
قال الطبري: «یعني في الكتب التي كتبتها
الحفظة علیهم وقد یحتمل أن یکون مرادًا به
الحكمة زبورا، لأنه يزبر عن الباطل، ويدعو
إلى الحق، والكتاب المنير: أي الواضح
المضيء، وإنما عطف الكتاب المنير على
الزبر لشرفه وفضله)). لباب التأويل، الخازن
٣٢٨/١.
وقال أبو حيان: ((قيل: والكتاب هو الزبر،
وجمع بين اللفظين على سبيل التأكيد، أو
لاختلاف معنيهما، مع أن المراد واحد، ولكن
اختلف معنياهما من حيث الصفة، وقيل:
الكتاب هنا جنسُ التوراة والإنجيل وغيرهما،
ويحتمل أن يراد بقوله: والزبر: الزواجر من
غير أن يراد به الكتب، أي: جاؤوا بالمعجزات
الواضحة والتخويفات والكتب النيرة)». البحر
المحيط، أبو حيان ٤٥٩/٣.
في أم الكتاب)) (١).
وفي عدة مواضع تحدث القرآن عن
الزبور: الكتاب الذي أنزله الله تعالى على
داود عليه السلام.
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا
أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِتْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَاً
إِلَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ
[النساء:
١٦٣
وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَّيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا
١٦٣].
أوحى الله تعالى لنبيه صلى الله عليه
وسلم كما أوحى لمن قبله من الأنبياء،
والزبور وحيٌّ من الله تعالى ومنةٌ على نبيه
داود عليه السلام، والذي يؤمن بالزبور
يلزمه الإيمان بالقرآن لأن مصدرهما
واحدٌ، فحريٌّ بأهل الكتاب الذين يؤمنون
بالزبور أن يؤمنوا بالقرآن ختام الكتب وآخر
الرسالات، والذي جاء مصدقا بما قبله.
وقال سبحانه: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعِنَ عَلَى
بَعْضٍ وَءَاتَّيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [الإسراء: ٥٥].
فقد فضل الله داود عليه السلام بهذا
الكتاب العظيم، وفي تكرار هذه العبارة في
سورتين تقريرٌ لها، وتذكيرٌ بها، وبيانٌ لفضل
داود عليه السلام، ودليلٌ على التفاضل بين
الأنبياء، وبرهانٌ على وحي الله لأنبيائه،
(١) جامع البيان ٢٢/ ١٦٤.
www. modoee.com
١٣٣
حرفالكاف
وهنا یکشف لنا المولى جل وعلا قبسا
والزبور الموجود بين يدي أهل الكتاب
المسمى عندهم بمزمور داود يشهد للنبي مما جاء في الزبور، حيث اشتمل على
هذه البشارة العظيمة بالتمكين لعباد الله
الصالحين، الذين يرثون الأرض وينشرون
الرحمة في أرجائها.
محمدٍ صلی الله علیه وسلم وأمته، وهذا ردٌ
على أهل الكتاب الذين ينكرون نبوة النبي
صلی الله علیه وسلم، ببيان أن ذلك فضل
الله يؤتيه من يشاء، كما تفضل الله على
النبیین من قبل عامةً وعلی نبیه داود عليه
السلام خاصةً.
مقاصد الزبور:
أنزل الله الزبور على داود عليه السلام
كما أنزل سائر الكتب على الأنبياء هداية
وتذكرة وبيانا وبشارةً، وحجةً على الخلق.
إِنَّآ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
قال الله تعالى:
كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالتَّبِتْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَاً
إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوُبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ
وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَّيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (﴾ [النساء:
١٦٣].
ويفهم من سياق هذه الآية أيضًا أن نزول
الزبور نعمة وفضيلة لنبي الله داود عليه
السلام.
والبشارة في الزبور كما أخبر القرآن.
قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كَتَنَافِى
الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ
الصََّلِحُونَ ﴿ إِنَّ فِى هَذَا لَبَلَكِغَّا لِّقَوْمٍ
وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً
عيدين
١٠٧) ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٧].
لِلْعَلَمِينَ
والذكر: هو اللوح المحفوظ، وفيه أقدار
الله وسننه، أو التوراة وفيها بشاراتٌ عديدةٌ
لأمة الإسلام، وفي التنويه على وجود هذه
البشارة في اللوح أو في التوراة تقريرٌ لها
وتفخيمٌ لشأنها، والمتأمل في ما يدعى
عند أهل الكتاب بمزامير داود يدرك هذه
المعجزة القرآنية ! وقد جاء في المزمور
السابع والثلاثين من المزامير المنسوبة لداود
عليه السلام ما نصه: ((والذين ينتظرون الرب
هم یرثون الأرض، ١٠ بعد قليل لا يكون
الشرير، تطلع في مكانه فلا يكون، ١١ أما
الودعاء فيرثون الأرض، ويتلذذون في كثرة
السلامة.
وتعقيب هذه البشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
فِي هَذَا لَبَلَغَالِقَوْمِ عَلَبِدِينَ﴾. لفتةٌ بليغةٌ
كي نقف خاشعين أمام إعجازٍ قرآني وبلاغٍ
رہاني.
ثالثًا: الإنجيل:
تحدث القرآن عن الإنجيل بما كشف لنا
عن نزوله ومقاصده وفضائله، وما ورد فيه
من أحكام وبشارات، فالإنجيل كلام الله
١٣٤
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الكتب المنزلة
تعالى الذي نزله على نبيه عيسى عليه السلام
هداية و تذكرة لبني إسرائيل وامتدادا للتوراة
وتصديقا بها ونسخا لبعض ما ورد فيها.
وأما تعريفه: فالإنجيل: علمٌ على الكتاب
الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام(١).
أوصافه ونزوله وفضائله ومقاصده:
وصفه الله تعالى بأنه هدى ونورٌ، ھدی
للناس، ونورٌ يضيء لهم الدروب، وبين
تعالى أنه مصدقٌ لما بين يديه من التوراة،
فنزوله دليلٌ على صدقها، وامتدادٌ لها،
ونسخٌّ لبعض ما ورد فيها من أحكام، كذا
كل نبيٍ وكل كتابٍ يصدق بما قبله.
قال تعالى: ﴿اللّهُلَآ إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُومُ
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَّلَ
(١) جاء في كتب المعاجم: الإنجيل لفظة مشتقة
من نجلت الشيء إذا أخرجته، ومنه قيل لنسل
الرجل: نجله كأنه هو استخرجه. وقيل للماء
الذي يظهر من النز: نجل. يقال: قد استنجل
الوادي، وإنجيل: إفعيل من ذلك كأن الحق
كان قد دثر ودرس كثيرٌ من معالمه وكثر
تحريف أهل الكتاب وخفي على الناس ما
أحدثوه فأظهر الله جل وعز ذلك. مقاييس
اللغة ٣٩٦/٥، مختار الصحاح ص ٣٠٥.
والذي أراه أنها معربة لا اشتقاق لها.
وفي المعجم الوسيط ٢٩/١: الإنجيل: كتاب
الله المنزل على عيسى عليه السلام، وهي
كلمة يونانية معناها البشارة.
والموجود لدى النصارى الآن الأناجيل
الأربعة وعدد من الرسائل والرؤى يطلق
على مجموعها العهد الجديد، كما في نسخة
الإنجيل.
انظر: كتاب الحياة.
ـا مِن قَبْلُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ
٣
التَّوْرَنَّةَ وَالإِنجِيلَ
اُلْفُوْقَانَ ﴾ [آل عمران: ١ -٤].
فالتوراة والإنجيل كلاهما نزل من عند
الله هدايةً للناس، وكذلك الفرقان.
وبینما صرح القرآن وأكد نزول الإنجيل
من عند الله تعالى؛ لم أعثر في الأناجيل
الأربعة على عبارةٍ واحدةٍ تصرح بنزولها من
عند الله ! فمن فضائل عيسى عليه السلام
ومناقبه الجليلة أن أنزل الله عليه الإنجيل
هدى وموعظة وحياة للقلوب.
قال تعالى: ﴿وَقَفَيْنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِعِيسَى أَبْنِ
مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَةِ وَءَاتَّيْنَهُ
آلْإِنِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
مِنَ التَّوْرَةِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:
٤٦].
وهذه الآية تصرح بأن الإنجيل وحي
من الله تعالى أكرم به عيسى عليه السلام،
وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّتِنَا عَلَى ءَاثَرِهِم
بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَهُ
اَلْإِنْجِيلَ﴾ [الحديد: ٢٧].
فالإنجیل من أشرف الكتب التي أنزلها
الله تعالى بدليل حديث القرآن عنه في
مواضع كثيرة، واقتران ذكره بأوصاف جليلة
ومقاصد عظيمة، فهو هدايةٌ ونورٌ، وموعظةٌ
وذکری، وقد ورد ذكره في اثني عشر موضعا
من كتاب الله تعالى، وفي هذا أعظم دليلٍ
على مزيته، سيما إذا قارنا ذلك بعدد ورود
www. modoee.com
١٣٥
حرفالكاف
الإنجيل في الأناجيل الأربعة، حيث لم ترد
كلمة الإنجيل إلا في سبعة مواضع: مرة
في إنجيل متى، والباقي في إنجيل مرقص،
بينما لم ترد في إنجيل يوحنا، ولا لوقا، ومع
ذلك لم يقترن ذكره بالحديث عن مصدره
أو فضائله أو مقاصد نزوله، أو الدعوة إلى
تحکیمه، أو انتظامه في سلك ما سبقه من
کتب.
والإنجيل نعمةٌ عظيمةٌ أنعم الله
تعالى به على عيسى عليه السلام ومن
آمن به قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَحِيسَى أَبْنَ
مَرْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ
أَيَّدَتُكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ
وَكَهْلَا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتَّوْرَةَ وَاُلْإِنجِيلَ ﴾ [المائدة: ١١٠].
فالإنجيل نعمةٌ ومنحةٌ جليلةٌ من الله
﴿ثُمَّ قَفَّيِّنَا عَلَى
تعالی، وقال سبحانه:
ءَاتَّرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ
وَءَاتَيْنَهُ اَلْإِنجِيلَ﴾ [الحديد: ٢٧].
وفي ذكر الإنجيل خاصةً في هذا السياق؛
تنویةٌ بشرفه وتذکیرٌ بعظمته، وبيان كونه
حلقةً في سلسلة الكتب التي أنزلها الله على
رسله لهداية الإنسانية. نزل الإنجيل هدايةً
للحائرين ونورًا للسائرین.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدَّى
وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّهِ مِنَ الثَّوْرَنَةِ وَهُدِّى
﴾ [المائدة: ٤٦].
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
فالإنجیل ھدی ونورٌ، ومصدقٌ لما بين
يديه من التوراة، وموعظةٌ للمتقين، وتكرار
وصفه بالهدی، لتقرير هذا المعنى، ولبيان
کونه هدایةً عامةً لبني إسرائيل، هدایة بیانٍ
وإرشادٍ، فوق أنه هدايةٌ خاصةٌ لمن انتفع
به من المتقين، كذلك قال أولا: ﴿وَءَاتَيْنَهُ
آلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدِّى وَنُورٌ﴾ أي: اشتمل على
الهداية والنور، ثم وصفه ثانيةً، بأنه كله هدى
﴿وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ لأنهم وحدهم
هم الذين ينتفعون بهديه ویعتبرون بمواعظه.
قال الرازي: معنى: ((أن الإنجيل هدى
أنه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد
والتنزيه، وبراءة الله تعالى عن الصاحبة
والولد والمثل والضد، وعلى النبوة وعلى
المعاد، فهذا هو المراد بکونه ھدی، وأما
كونه نورًا: فالمراد به كونه بيانًا للأحكام
الشرعية ولتفاصيل التكاليف، وأما كونه
مصدقا لما بین یدیه: فیمکن حمله على كونه
مبشرًا بمبعث محمدٍ صلی الله عليه وسلم،
وبمقدمه، وأما كونه هدّی مرةً أخرى: فلأن
اشتماله على البشارة بمجيء محمدٍ صلى
الله عليه وسلم سببٌ لاهتداء الناس إلى
نبوته)»(١).
وقال ابن كثير: ((أي: هدّى إلى الحق
ونورٌ يستضاء به في إزالة الشبهات، وحل
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٦٩/١٢.
١٣٦
جوبيير
القرآن الكريم