Indexed OCR Text
Pages 21-40
القدوة
أحد أو الاقتداء به. ومن الظروف التي تهب حاز إعجابه فراح يحاكيه في كل شيء. فإذا
ارتقى الوعي عند المقلد، عرف الهدف من
التقليد، فأصبح هذا التقليد عملية فكرية،
يمزج فيها بين الوعي والانتماء، والمحاكاة
والاعتزاز، ويصبح لهذا بصيرة أي: معرفة
بالغاية والأسلوب، وفي هذا المعنى يقول
الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُوّا
إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِىٌّ وَسُبْحَنَّ اللَّهِ
وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: ١٠٨].
الناس عموما استعدادا للتقليد، والأزمات
والآلام الاجتماعية والكوارث، هناك
يخرج المجتمع مهيض الجناح، فيفتقد
القائد القدوة ليجد فيه أبا عطوفا، وبطلا
منقذا یحاکیه الناس في كل سلوك من حياته
النفسية والاجتماعية، وفي آرائه وأفكاره
ومن تلك الأسباب: الشعور بالضعف أمام
القوة، فالمغلوب يقلد غالبه بعد أن يستكين
ويخضع لحكمه، والمرؤوس يقلد رئيسه
والطفل يقلد أباه، وقد نبه ابن خلدون على
هذا المبدأ في مقدمته، وذكر أدلة ووقائع
تاريخية على ذلك، بيد أن الرسول صلى
الله عليه وسلم حذرنا من مغبة هذا التقليد
إذا كان بغیر هدف، و کأنه انکشف له حجب
الغيب، فتوقع الضعف الذي سينزل بهذه
الأمة، فقال: (لتتبعن سنن من قبلکم شبرًا
بشبر وذراعًا بذراع).
الثالث: الهدف. لكل تقليد هدف قد
يكون معروفا لدى المقلد وقد لا يكون،
والهدف الحيوي ((الغامض)) الأول من
غريزة التقليد، والانقياد لدى الأطفال،
والجماعات هو غرض دفاعي، إنه الدفاع
عن الكيان الفردي وكأنه انضواء في ظل
الشخص القوي المرموق، يقلده شخص
أضعف منه، لعله يستمد من هذا التقليد
قوة وبأسا، من جنس قوة الشخص الذي
إن غياب القدوة الحسنة مدعاة لظهور
الفساد والانحلال والبعد عن المنهج
الحق. إن القدوة ترجمة عملية واقعية
المبادئ والأفكار تستطيع أن تجمع الناس
حول المثل الأعلى، ولذا حين تفتقد المثل
الأعلى، ويصبح الناس فرقا وجماعات
ومذاهب، فيفقدون إرادة الفعل ويغرقون
في التناطح، ويتترسون خلف متاريس
الفكر، كل يحاول الانتصار لفكرته بالكلام
والتراشق بالاتهامات، والتعصب الأعمى
القائم على التقليد الأعمى(١).
إن مجتمعاتنا تشكو من فقر خلقي
وعلمي وحضاري، وما ذلك إلا نتيجة
لافتقادها للقدوة الصالحة ولو صحت
عزائم الناس والعلماء منهم خاصة لأصبح
كل واحد منهم قدوة حسنة في مجاله-
فهو يملك مقوماتها- ولتحولت الأفكار
(١) نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين ١٤٩/١.
www. modoee.com
٢٤١
حرف القاف
والمبادئ إلی فعالیات سلوكية صحيحة،
وهذا ما نحتاجه فعلا، ولکن- وللأسف- ما
زلنا نعيش مرحلة اجترار المبادئ والأفكار
بدون فعالية، فنحن في أمس الحاجة إلى
القدوة الصالحة بكافة أشكالها وبشروطها
السابقة، ويوم أن توجد تلك القدوة نستطيع
أن نمتلك الفعالية، وننتج الحضارة، ویکون
لنا مكاننا العالمي عطاء وإبداعاً (١).
فنحن فى هذا الزمان بحاجة ماسة إلى
دعاة مخلصين صادقين يغلبون هم الدين
على المصالح الشخصية والأهواء. فأمثال
هؤلاء الذين يوافق قولهم فعلهم طريقهم
سهلة إلى قلوب الناس، وهم على اقتدار أن
يحدثوا فيها التغير.
٢. مقومات القدوة الحسنة المؤثرة.
وهي تشمل:
· الأخلاق الحسنة، وهي تشمل كل
أخلاق القرآن الكريم تأسيا برسول الله
عليه الصلاة والسلام الذي كان خلقه
القرآن، ولا يقتصر على خلق دون
خلق.
: أن تكون هذه الأخلاق الحسنة
مستمدة من الشرع، فربما كانت أخلاق
مستحسنة عند أقوام وفيها مخالفة
للشرع.
الموافقة التامة بين الأقوال والأفعال،
(١) المصدر السابق ١٤٩/١.
وإتباع القول العمل.
التضحية وحب الآخرين.
الإخلاص في الأقوال والأفعال.
٠
الآثار التربوية للقدوة الصالحة على
الفرد والمجتمع:
وتتمثل أهم آثار القدوة الصالحة على
الفرد في الآتي (٢):
١. إن القدوة الصالحة تجعل المسلم على
اتصال دائم بالخالق عز وجل؛ لأنه
يذكره بالطاعة والإخلاص في النية
والعمل، وإذا تمكن الإخلاص من
القلب أصبح الإنسان يبتغي مرضاة الله
ورضوانه في کل عمل يقوم به، ويجعل
الله رقيبًا عليه في حركاته وسكناته،
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسَنَ وَنَعْلَُّ
مَا تُوَسَّوِسُ بِه نَفْسُهُ، وَغَْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ
الْوَرِيدِ ﴾ [ق: ١٦].
٢. القدوة الصالحة تربي الشخصية
المسلمة القوية ذات الشكيمة والإرادة
الحديدية؛ لأنها تنشئ في روح
الفرد العزة والكرامة ورفض الظلم
والاحتلال، فلا تلين له قناة أمام الطغاة
والمتجبرين؛ لأنه يعتز بقدوته التي
جاءت بكل ما تملك من أجل تحقيق
معاني الخیر للمجتمع، فقدمت النفس
(٢) انظر: القدوة الصالحة وأثرها على الفرد
والمجتمع، عصام العبد زهد، ص ١١ - ١٢.
صَوَسُو ◌َرَ النَّقِين
القرآن الكريم
٢٤٢
القدوة
والمال والنفيس في سبيل الله.
٣. تنمي القدوة الحسنة الفضائل
والأخلاق الحميدة في نفوس الأفراد،
ويتضح ذلك من خلال حديثنا عن
صفات القدوة الحسنة حيث وجدناها
تتصف بصفات أخلاقية وقيم عليا إذا
تحققت في الفرد المسلم أصبح في
قمة سامقة ينظر نظرة إنسانية إلى جميع
القضايا التي تواجه الناس جميعًا.
٤. القدوة الحسنة تشحن الأفراد بالتقوى
ومعرفة الله وتعزز في نفوسهم الثقة
والأمل بالمستقل المستمد من نصر
الله وثوابه للمؤمنين، فينطلق المؤمن
بشحنات إيمانية مستمدة من قادته
وقدواته يدفعه إلى فعل الخير والبر
والإحسان وبالمقابل محاربة الفساد
والمنكر وكل ضارِّ في المجتمع.
٥. التربية بالقدوة تعمل عملها في
تكوين الإنسان الصالح الذي يظهر عليه
ملامح التقوى والخشوع والحياء، وهو
المؤمن القوي الذي لا يدخل الوهن
إلى قلبه، الإنسان الذي يحب لأخيه
كما يحب لنفسه الحب الخالص الذي
لا ينتظر جزاء ولا شكورًا ولا یهدف إلا
لكسب الحب في الله سبحانه (١).
(١) منهج التربية الإسلامية، محمد قطب
٢٢٨/١.
٦. الاقتداء بالقدوة الصالحة ينشئ
التوازن والاعتدال في سلوك الأفراد
وشعوره؛ لأن طاقته في ظل المنهج
الرباني كلها تعمل وتأخذ نصيبها من
الحياة بحيث يصبح قوة فاعلة في
المجتمع، فهو إيجابي واجتماعي
حريص على مصلحة مجتمعه (٢).
٧. ومن آثار القدوة الصالحة أنه
يبصرك بعيوبك ويرشدك إلى الأسلوب
الأمثل في التخلص منها، من خلال
مقارنة أعمالك وسلوكك بما عليه
قدوتك الصالح فتتأسى به وتصلح
تلك العيوب.
٨. ومنها أن القدوة الصالح يعلم
الإنسان ويرشده إلى فعل الخيرات،
فيدلك على أمور واجبة كنت غافلًا
عنها أو متكاسلا عن أدائها، ويشجعك
على المشاركة في مشروعات الخير
والبر والإحسان.
٩. إن القدوة الصالحة سببٌ في دخول
الإنسان ضمن الذين لا خوفٌ عليهم
ولا هم يحزنون يوم القيامة، وهي
ضمانٌ لاستمرار الصحبة، قال تعالى:
﴿الْأَخِلَّهُ يَوْمَيِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
يَعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُم
٦٧
إِلَّا الْمُتَّقِينَ لا
(٢) القدوة الصالحة وأثرها على الفرد والمجتمع،
عصام العبد ص ١٢.
www. modoee.com
٢٤٣
حرف القاف
اَلْيَوْمَ وَلَآ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ [الزخرف:
٦٧-٦٨].
وإذا كانت التربية بالقدوة لها الدور
الكبير في إعداد الفرد الصالح، فإن ذلك
يؤدي إلى النجاح في تكوين المجتمع
الصالح؛ لأن الفرد نواة الأسرة، والأسرة
هي نواة المجتمع، وبذلك تستطيع حصر
هذه الآثار في الآتي(١):
إن القدوة الحسنة لا يعيش مشغولًا
بذاته بل يمد يديه بالخير والعون ويعطي
إلى المجتمع ما يزيده أمنًا وسلامًا؛
لأنه يعرف معنى الإنسانية ويدرك
مسئوليات الأخوة في المجتمع، قال
تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىَّ وَلَا
ثَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ
اللَّهَ شَدِيدُ أَلْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
التربية بالقدوة تعمل على توحيد
المجتمع الإسلامي بحيث يعمل
أعضاؤه في بوتقة واحدة متضامنة في
مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية، وهذا مطلب تربوي.
إحياء المنهج الإسلامي من خلال
جعل المسلمين جسمًا واحدًا يشعر
الجميع بشعور واحد، قال تعالى:
( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
(١) المصدر السابق ص ١٣ - ١٤.
جَوَسُ حَرَ التفسير القصوي
القرآن الكريم
الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].
إن التربية بالقدوة تغرس الروح
الجماعية في قلب الفرد المسلم من
خلال أن الجميع يقتدون بقدوتهم
الذي هو المثال الحي في البذل
والعطاء والتضحية والفداء، وعندما
أحب الناس القدوة الأول محمد صلى
الله عليه وسلم قام المجتمع الإسلامي
الفريد، مجتمع البذل والعطاء، مجتمع
کل فرد فيه يشكل أمة؛ لأنه تربى على
الينبوع الأساسي القرآن الكريم وأخذ
منه توجيهاته الربانية.
التربية بالقدوة تعمل على تربية الناس
خلقيًا وروحيًا وتربطهم بالله رب
العالمين، كما أنها تقوي المجتمع من
الناحية الإرادية؛ لأن الجميع تربى على
الصبر والمصابرة وتحمل الصعاب من
أجل المبدأ والفكر الذي آمن به.
وعند النظر في واقع أمتنا، وفي الآيات
التي تحدثت عن الاتباع والقدوة بشقيها،
نجد أن أهم عوامل غياب القدوة الحسنة
يتجلى في الآتي:
١. قلة وجود القدوة الحقيقية الصالحة
القادرة على كسب قلوب الناس في
المجتمع بشكل عام.
٢. الانشغال بلذات الدنيا، ومتاعها الزائل.
٣. طول الأمل وعدم التفكير بالموت
٢٤٤
القدوة
وسنن الحياة في مداولة الأيام بين ١٥. الانبهار بالحضارة الغربية والشعور
الناس، وأن الدوام لله وحده.
٤. الغفلة عن نعيم الجنة لمن اقتدى
بهدي الأنبياء.
٥. الغفلة عن عذاب النار لمن اقتدى ١٦ تولي الرويبضة -الذي ربض عن
بأئمة الكفر والضلال.
٦. غياب الجانب التوعوي في أهمية
القدوة الحسنة على الفرد والمجتمع
في الدنيا.
٧. عدم إدراك مخاطر القدوة السيئة
على الفرد والمجتمع.
٨. غياب الشعور برقابة الله الدائمة
على أعمال الإنسان.
٩. غياب الإعلام الإسلامي الهادف
الذي يؤسس للقدوة الحسنة.
١٠. متابعة الفضائيات والمسلسلات التي
تبث القيم الهابطة.
١١. تعلق الناس كثيرا بالمظاهر والنفاق
الاجتماعي.
١٢. ضعف القدوة في مجالات الحياة
المختلفة، الأب على أبنائه، المعلم
على طلابه، البائع في تجارته، المدير
في دائر ته.
١٣ . انشغال المرء بنفسه، وعدم تنبيه وتبصير
الآخرین بعیوبهم.
١٤. غياب فكرة وحدة الأمة والجسد
الواحد في التآخي والتناصح.
بالدونية، مما يجعل الاقتداء بالغرب
أكثر من التفتيش عن القدوة في
مجتمعاتنا.
المعالي وقعد عن طلبها- في قيادة
المسلمين وتولي أمورهم في كثير من
شؤون حياتهم.
١٧. عدم الإلمام بسيرة الرسول الكريم
عليه الصلاة والسلام، حتى إنني أسأل
طلابي في مدرجات يزيد عدد طلابها
عن المائة والخمسين عن أسرة النبي
عليه السلام عن أبنائه وبناته فلا يكاد
يجيب إلا القليل.
١٨. تشويه صورة التاريخ الإسلامي،
وصورة الخلفاء وقادة الحروب.
www. modoee.com
٢٤٥
حرف القاف
نماذج من القدوة في القرآن
إن النماذج التي عرضها القرآن للقدوة
الحسنة والقدوة السيئة كثيرة، وكان عرض
الصور الحسنة منها للحث على الاقتداء
بها، وفي المقابل كان عرض الصور السيئة
للتحذير من الاقتداء بها والسير على طريقها،
وسيتم عرض الموضوع في النقاط الآتية:
أولًا: نماذج من القدوة الحسنة في
القرآن الكريم ومعالم الاقتداء بهم:
١. إبراهيم عليه السلام.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِزَهِيمَ كَانَ
أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ أَجْتَبَتُهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَطٍ
مُسْتَقِيمٍ ﴿ وَءَاتَيْنَهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِى
الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢].
ومعنى ((كان أمة))، أي: إمامًا في الخير
يقتدى به، ويتبع عليه (١).
قال ابن قتيبة: ((أي: إماما يقتدي به
الناس، لأنه ومن اتبعه أمة، فسمي أمة لأنه
سبب الاجتماع.
وقد يجوز أن يكون سمي أمة: لأنه
اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مثله
في أمة. ومن هذا يقال: فلان أمة وحده، أي:
هو يقوم مقام أمة)) (٢) .
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤ /٢٧٦.
(٢) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص ٢٤٩.
والأمة من (أم)، أصلها في جميع
تصريفاتها من القصد، يقال: أممت الشيء
إذا قصدته، فمعنى الأمة في القرن من الناس:
الذين يقصدهم مقصدًا واحدًا، ومعنى الأمة
في الدين: إنما هو الشيء الذي يقصده
الخلق ويطلبونه؛ ولذلك سميت النعمة أمة،
ومعنى الأمة في الرجل: الذي لا نظير له: أن
قصده منفرد من قصد سائر الناس (٣).
وهو متمیز ومنفرد عن غيره، وقد جاز
تسمية الواحد باسم الجماعة لاجتماع
أخلاق الخير الذي يكون في الجماعة
المفرقة فيمن سماه بـ ((الأمة))، كما يقال:
«فلان أمة وحده)»، أي: أنه بمفرده يقوم مقام
الأمة (٤).
وقد أمر رسولنا محمد عليه الصلاة
والسلام بالاقتداء بإبراهیم واتباع ملته.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ آَتَبِعْ
مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
(١٢٣) [النحل: ١٢٣].
بل إن الدعوة للاقتداء بإبراهيم عليه
السلام لم تكن لمحمد عليه السلام وحدة
بل كانت للناس جميعا بما فيهم عبدة
الأوثان من العرب، قال الرازي عند قوله
تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةٍ إِبْرَّهِمَ إِلَّ مَن
سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
(٣) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٣٢٠/٣.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤ / ٢٧٧.
٢٤٦
مَوَسُوبَةُ النَّفِيَة
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
القدوة
«فكأنه تعالى قال للعرب إن كنتم مقلدین
لآبائكم على ما هو قولكم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاءَابَآءَنَا
عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَّرِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:
٢٣].
ومعلوم أن أشرف آبائكم وأجلهم قدرا
هو إبراهيم عليه السلام فقلدوه في ترك عبادة
الأوثان وإن كنتم من المستدلين فانظروا في
هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم عليه السلام
لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا
إبراهيم إما تقليدا وإما استدلالا» (١).
ومجالات القدوة بإبراهيم عليه السلام
كثيرة جدا قال الفيروزآبادي: ((وقد ذكر الله
سبحانه إبراهيم بالتعريض والتصريح في
کتابه بخمسین اسمًا)»(٢).
ومن الأسماء التي أوردها مع دلیلها من
القرآن الكريم:
المبتلى بقوله: ﴿وَإِذْ أَبْتَلَّ إِبْرَهَِ رَبُّهُ.
بِكَلِمَةٍ﴾ [البقرة: ١٢٤].
والإمام بقوله: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ
إِمَامًا ﴾ [البقرة: ١٢٤].
بقوله: ﴿وَطَهِّرْ يَنْتِيَ
والمطهر
لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآبِينَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ ﴾ [الحج: ٢٦].
والحنيف والمسلم بقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ
حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٤٢/٢١.
(٢) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٦/ ٣٣.
والصالح بقوله: ﴿وَإِنَّهُ، فِ اْآَخِرَةِ لَمِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].
# والحليم، والأواه، والمنيب بقوله: ﴿إِنَّ
إِتَزَّهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥].
وكثير مما ذكره الفيروزآبادي يصلح
للاقتداء بإبراهيم عليه السلام، أذكر منه أنه
عليه الصلاة والسلام كان:
١. قانتا لله.
وهي الصفة الأولى التي تلت وصفه بأنه
كان أمة، قال تعالى: ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾.
وقانتًا تعني أنه عليه السلام كان مطيعا لله،
أوهو القائم بأوامر الله (٣).
٢. حنيفًا.
أي: ((مائلاً إلى ملة الإسلام ميلًاً لا
یزول عنه، وقیل حنيفًا: مستقیمًا علی دین
الإسلام. وقيل: مخلصًا)) (٤).
٣. شاکرًا لأنعم الله.
قال الله تعالى: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾
يعني: أنه كان شاكرا لله على نعمه العظيمة
التي أنعم بها عليه، فقد اجتباه ربه، أي:
اختاره لنبوته واصطفاه لخلته وهداه إلى
دين الإسلام؛ لأنه الصراط المستقيم والدين
القويم
(٥)
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٠٥/٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٦١١.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٢/ ١٨٣.
(٥) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٠٥/٣.
www. modoee.com
٢٤٧
حرف القاف
٤. أوَّاهَا.
تعددت أقوال المفسرین في معنی الأواه:
فعن ابن مسعودٍ، أن: الأواه: الرحیم، وعن
ابن عباسٍ، ومجاهدٍ، أنه الموقن(١).
وأخرج الطبري عن جماعة أن الأواه
هو کثیر الدعاء(٢) وأخرج عن ابن عباس
قوله: «إن إبراهيم لأواه»، يعني: المؤمن
التواب (٣). وذكر الرازي أنه الخاشع
المتضرع، وقال: ((واعلم أن اشتقاق الأواه
من قول الرجل عند شدة حزنه أوه، والسبب
فيه أن عند الحزن يختنق الروح القلبي في
داخل القلب ويشتد حرقه، فالإنسان يخرج
ذلك النفس المحترق من القلب ليخفف
بعض ما به هذا هو الأصل في اشتقاق هذا
اللفظ)) (٤).
ولخص ابن عاشور المعنى بقوله: إن
الآية ثناء على إبراهيم. ولأواه يرجع إلى
الشفقة إما على النفس فتفيد الضراعة إلى
الله والاستغفار، وإما على الناس فتفيد
الرحمة بهم والدعاء لهم. (٥)
٥. حليمًا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾
(١) انظر: تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٦٩.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٥٢٩.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٢٢٦/٤.
(٣) المصدر السابق.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦/ ١٥٩.
(٥) انظر: التحرير والتنوير ٤٦/١١.
[التوبة: ١١٤].
لله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّهُ
وقال
مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥].
((والحليم: صاحب الحلم. والحلم-
بكسر الحاء -: صفة في النفس وهي رجاحة
العقل وثباتة ورصانة وتباعد عن العدوان.
فهو صفة تقتضي هذه الأمور، ويجمعها
عدم القسوة. ولا تنافي الانتصار للحق لكن
بدون تجاوز للقدر المشروع في الشرائع أو
عند ذوي العقول»(٦).
ومن أوائل من اقتدى بحلمه ابنه
إسماعيل عليه السلام، وأي حلم يكون
أعظم من ولد حين عرض عليه أبوه الذبح
﴿قَالَ بَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُفِ إِن شَآءَ اللَّهُ
مِنَ الصَُّّبِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
ثم استسلم لذلك، فتبين أن ولده
موصوف بالحلم، وأنه قائم مقامه في صفات
الشرف والفضيلة (٧).
وقد ذكر أهل التفسير في إتباع (لأواه)
بوصف (حليم) والعكس، أي التقديم
والتأخير بين اللفظين
أنه لموافقة الفواصل، أو للروي في
السورتين (٨).
(٦) المصدر السابق.
(٧) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٤٥/٢٦.
(٨) انظر: أسرار التكرار في القرآن، الكرماني
ص ١٤٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي
٢٥١/١.
موسوعة النفسية
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٢٤٨
القدوة
٦. کریمًا.
قال تعالى: ﴿وَنَبِئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ ﴾
[الحجر: ٥١].
وقال تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفٍ
إِبْرَهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤].
التي هي من أعظم وأشرف الآداب، وقد
توسع الإمام ابن القيم رحمه الله في الكلام
على آداب الضيافة لإبراهيم في هذه الآيات،
فذكر لإبراهيم خمس عشرة منقبة في كرم
الضيافة، وتابعه ابن كثير في إيراد معظمها،
وهي تدل على آداب الضيافة؛ فإنه عليه
السلام جاء بطعامه من حيث لا يشعرون
بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال: ((نأتيكم
بطعام؟)) بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى
بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي
سمين مشوي، فقربه إليهم، ولم يقربهم
إلیه، بل وضعه بین أیدیھم، ولم يأمرهم أمرا
يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال:
(ألا تأكلون) على سبيل العرض والتلطف،
كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل
وتحسن وتتصدق، فافعل(١).
٧. صابرًا.
لقد ابتلي إبراهيم عليه السلام ابتلاءات
عظيمة فصبر وشكر.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢١/٧،
جلاء الأفهام، ابن القيم ص ٢٧٣.
وَإِذٍ أَبْتَلَّ إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ.
قال تعالى:
بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنّ قَالَ إِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَّا قَالَ
وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى اَلظَّالِمِينَ
١٢٤
[البقرة: ١٢٤].
قال ابن جرير: ((وكان اختبار الله
جمعت هذه الآيات آداب وكرم الضيافة تعالى ذكره إبراهيم، اختبارا بفرائض
فرضها عليه، وأمر أمره به. وذلك
هو (الكلمات)) التي أوحاهن إليه، وكلفه
العمل بهن، امتحانا منه له واختبار))(٢).
وقال الحسن: «ابتلاہ بذبح ولده، وبالنار،
والكواكب، والشمس والقمر)) (٣).
وقد كان إبراهيم عليه السلام معلما
للصابرين ومنارا للمقتدين، ولأجل ذلك
أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بالاقتداء به
في مجال الصبر، قال تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ
أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
٨. متلطفا وبارا بوالده المشرك.
قص القرآن الكريم تلطف إبراهيم مع
أبيه المشرك ومحاولاته المتكررة لهدايته
إلى سواء السبيل رغم قسوة قلب أبيه
وغلظته، وكان يخاطبه بأسلوب فيه تحبب
وشفقة ومحبة: ﴿يَأَبَتِ إِنِّ قَدْ جَاءَفِى مِنَ
اَلْعِلْمِ مَا لَمَّ يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِيًا﴾
[مريم: ٤٣ ].
ومع إظهار إبراهيم الخوف على أبيه
(٢) جامع البيان، الطبري ٢/ ٧.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٨٩/١.
www. modoee.com
٢٤٩
حرف القاف
من النار إلا أنه لم يجد من أبيه إلا القسوة
والغلظة، فكان جواب والده له: ﴿لپن
لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا ﴾ قَالَ
سَلَمُ عَلَكَ سَأَسْتَغْفِرْلَكَ رَبِّ إِنَّهُ،كَانَ بِى
حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٦ -٤٧].
وکان إبراهيم عليه السلام يستغفر له ما
دام أبوه حیًا، وكان يرجو أن يهديه الله عز
وجل، فلما مات كافرًا، ترك الاستغفار له(١).
وكذا شأن المؤمن فعليه أن يقتدي
بإبراهيم عليه السلام في الحرص على دعوة
أهل بيته وعشيرته الأقربين، فهم أولی الناس
بدعوته.
٩. سليم القلب.
إن صفاء القلب وسلامة السريرة من أهم
المعالم في الاقتداء، و کذا کان إبراهيم عليه
السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَيْهِ، لَإِبَزَهِيمَ
(٣) إِذَاجَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣ -
٨٤ ].
الشيعة من معنى المشايعة، يعنى: وإن
ممن شایع نوحا على دينه وتقواه حین جاء
ربه بقلب سليم لإبراهيم(٢).
وقوله بقلبٍ سليمٍ: أي خالص من الشرك
والمعاصي، وعلق الدنيا المتروكة وإن كانت
مباحة كالمال والبنين (٣)
(١) تفسير السمر قندي ٢/ ٣٧٦.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤٨/٤.
١٠. محاورًا ومربيًا لأبنائه.
ساق القرآن الكريم حوار إبراهيم مع ابنه
إسماعيل في أحلك الظروف، إنه يعرض
ـَيَبُنَىَّ
عليه همه بذبحه بأسلوب فيه تلطف:
إِّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىّ
قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌّ سَتَجِدُنٌ إِن شَآءَ اللّهُ مِنَ
الصَّبِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
أراد إبراهيم أن يشرك ولده معه في تنفيذ
أمر الله تعالى، قائلا له: (فانظر ماذا ترى)
(الم يشاوره ليرجع إلى رأيه وإنما شاوره
ليعلم ما عنده فیما نزل به من بلاء الله تعالی
وليعلم صبره على أمر الله وعزيمته على
طاعته ويثبت قدمه ويصبره إن جزع ويراجع
نفسه ویوطنها ویلقی البلاء وهو كالمستأنس
به ویکتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله تعالى
قبل نزوله)) (٤).
وحري بالآباء أن يقتدوا بإبراهيم في
محاورة أبنائهم في شؤون حياتهم، وأن
تكون العلاقة بينهم وبين أبنائهم قائمة على
الحوار البناء.
قال ثم إن إبراهيم عليه السلام دائم
الدعاء لربه أن يحفظ له ذريته من الغواية
والضلال.
قال تعالى: ﴿قَالَ إِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًاً
قَالَ وَمِن ذُرِيَّتٌ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ
أنوار التنزيل، البيضاوي ١٣/٥.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٣٥/٤، (٤) لباب التأويل، الخازن ٢٣/٤.
٢٥٠
القرآن الكريمِ
القدوة
[البقرة: ١٢٤].
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنّ أَسْكُنتُ مِن
ذُرِّيَّقِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمَ رَبَّنَا
لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ
تَهْوِىٌ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ
يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
ليقيموا الصلاة يعني: وفقهم ليتموا
الصلاة، وإنما ذكر الصلاة خاصة؛ لأن
الصلاة أولى العبادات وأفضلها (١).
وقال تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوةِ
وَمِنْ ذُرِّيَّقِيَّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:
٤٠].
وعلى الآباء في هذا المقام أن يتعلموا
من إبراهيم دوام الدعاء لأبنائهم في كل
فرصة وخلوة.
١١. محاورًا في دعوة الكفار إلى الإله
الحق.
ذكر القرآن الكريم نماذج من حوار
إبراهيم عليه السلام مع المشرکین من قومه،
وفيها دروس وعبر لمن أراد أن يسلك طريق
الدعاة في كل عصر وزمان، ومن ذلك:
حواره مع قومه بشأن الإله الحق.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِبْرَهِمَ
فِ رَبِّهِءَ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ، قَالَ أَتُحَجُّوْنِي
فِ اَللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ
(١) تفسير السمر قندي ٢٤٦/٢.
إِلَّ أَن يَشَآءُ رَّ شَيْئًا وَسِعَ رَّ كُلَّ شَىْءٍ
عِلَّمَا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام: ٨٠].
وحواره معهم بشأن تحطيم الأصنام،
قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيُرُهُمْ هَذَا
فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:
٦٣].
١٢. شجاعًا ومفاصلًا في العقيدة.
لم يكن إبراهيم عليه السلام جبانا ولا
خوافا بل اتصف بالشجاعة رغم انعدام
النصیر من الناس، فقد خذله في دعوته أقرب
المقربين إليه، وكان يتحدى بمفرده ويعلن
البراء من الشرك وعبادة الأوثان، ويعلنه
لقومه بكل صراحة ووضوح: ﴿أَنَّ لَّكُـ
وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
[الأنبياء: ٦٧ ].
وأعلن البراء من الأوثان: ﴿وَإِذْ قَالَ
إِبَهِيُمْ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ
[الزخرف: ٢٦ ].
وتجاوز القول إلى الفعل فكان فردا
عن أمة يتهدد ويتوعد أصنامهم: ﴿وَتَاَللَّهِ
لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّأْ مُدْبِرِينَ
Ov
[الأنبياء: ٥٧ ].
إنها دروس في الشجاعة وقول الحق بلا
خوف ولا وجل.
ومعالم الاقتداء بإبراهيم عليه السلام
كثيرة جدا، وهي تتجلی بنبينا محمد صلى
الله عليه وسلم الذي أمر بالاقتداء بأبيه
www. modoee.com
٢٥١
حرف القاف
إبراهيم، فكان نعم المقتدي لخير مقتدى، مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًّا فَأَبَعَ سَبَبًّا حَّى إِذَا بَلَغَ
مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُّبُ فِ عَيْنٍ حَمِنَّةٍ وَوَجَدَ
فحاز أخلاق القرآن كلها.
٢. ذو القرنين.
عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَنْذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَنْ
نَتَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا ﴾ [الكهف: ٨٤ - ٨٦].
ورد في شأن ذي القرنين روايات
إسرائيلية كثيرة، والأصح الذي عليه
الأكثرون أنه كان ملكا قويا صالحا عادلا،
وأن ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق
والشمال والجنوب، وهذا هو القدر
المعمور من الأرض(١).
قال مجاهد: ((ملك الأرض أربعة:
اثنان مؤمنان واثنان کافران. أما المؤمنان:
فسليمان بن داود وذو القرنين، وأما
الكافران: فالنمرود بن كنعان ويختنصر)» (٢).
إن ذا القرنين مثال للشباب المثابر في
الجد والاجتهاد، في الصبر والمصابرة، في
الجلد والقوة، في العلم والحكمة، فقد ذكر
بعض المفسرين أنه كان في حدود العشرين
من عمره (٣).
مجالات الاقتداء بذي القرنين كثيرة،
منها:
١. عدم الفتنة بالملك.
فقد أنعم الله تعالى على ذي القرنين
بملك عظيم.
﴿إِنَّا مَكَّنَا لَهُ فِ الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ
قال تعالى:
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٧٥/٣.
(٢) تفسير السمر قندي ٢/ ٣٦٠.
(٣) تفسير القاسمي ٦٨/٧.
فظاهر الآية يشير إلى أن الله تعالی مکن
له في الأرض، فأعطاه سلطانا وطيد الدعائم
ويسر له أسباب الحكم والفتح. وأسباب
البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع
وسائر ما هو من شأن البشر أن يمكنوا فيه في
هذه الحياة (٤). وهو مع ذلك لم يفتتن بملكه
ولم يصب بالبطر والغرور وسائر أمراض
القلوب، بل ظل متذكرا للآخرة راجيا رحمة
ربه.
٢. إقامة العدل بين الناس.
كان عادلًا بين الناس بما يحقق لهم
الأمن والاستقرار.
قال تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ.
ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُهُ, عَذَابًا تُكْرًا () وَأَمَّا مَنْ
ءَامَنَ وَعَمِلَ صَدِحًا فَلَهُ جَزَآءَ اْحُسْنِىّ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ
أَمْرِ نَا يُسْرًا ﴾ [الكهف: ٨٧ - ٨٨].
لقد أعلن أن للمعتدين الظالمين عذابه
الدنيوي وعقابه، ثم ذكرهم بعذاب الله الذي
لا نظير له فيما يعرفه البشر. أما المؤمنون
الصالحون فلهم الجزاء الحسن، والمعاملة
الطيبة، والتكريم والمعونة والتيسير (٥).
(٤) انظر: في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٩٠.
(٥) انظر: في ظلال القرآن ٢٢٩١/٤.
٢٥٢
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريمِ
القدوة
لقد كان ذو القرنين يعامل المحسن والقول اليسر أي: الخير، أو المعروف، أو
القول الجميل (٣).
بإحسانه والمسيء بقدر إساءته فما حكي
نهاية في العدل وغاية الإنصاف(١).
وهذا هو دستور الحكم الصالح.
فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة
والتيسير والجزاء الحسن عند الحاكم.
والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب
والإيذاء، وحين يجد المحسن في الجماعة
جزاء إحسانه جزاءً حسنًا ومكانًا كريمًا
وعونًا وتیسیرًا، ويجد المعتدي جزاء إفساده
عقوبة وإهانة وجفوة عندئذ يجد الناس
أن عدل الحاكم يحفز الرعية إلى الصلاح
والإنتاج. أما حين يضطرب ميزان الحكم
فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى
ولرفع الهمم یذکر ذو القرنين المحسنين
بجزاءين: أخروي: ﴿فَلُ جزآءً امُسنى﴾ وهو
بذلك يربطهم بالعقيدة. ودنيوي: ﴿وَسَنَقُولُ
لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ وهو بذلك يقيم فيهم
الشريعة، وهذا تمام العدل.
وقد ذكر المفسرون أن الحسنى: الجنة،
(١) انظر: تفسير القاسمي ٦٨/٧.
(٢) انظر: في ظلال القرآن ٢٢٩١/٤.
٣. التواضع وعدم التكبر.
إن مجرد خطاب الناس له بـ ﴿يَذَا
اٌلْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٤].
يشير إلى تواضعه بين الناس، وأنه لا
يفرض عليهم ألقابًا يحبها كل من ملك.
فذو القرنين يعد النموذج الطيب للحاكم
الصالح الذي یمکنه الله في الأرض، وييسر
له الأسباب فيجتاح الأرض شرقا وغربا
ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا
يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم
المادي، واستغلال الأفراد والجماعات
والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة
الحاكم مقدمون في الدولة، وإذا العاملون معاملة الرقيق ولا يسخر أهلها في أغراضه
وأطماعه إنما ینشر العدل في کل مکان یحل
الصالحون منبوذون أو محاربون.
به، ثم هو بعد ذلك يرجع كل خير يحققه
فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم
سوط عذاب وأداة إفساد. ويصير نظام
الجماعة إلى الفوضى والفساد (٢).
الله على يديه إلى رحمة الله وفضل الله،
ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة الله
وجبروته، وأنه راجع إلى الله(٤).
٤. الاستعفاف عما في أيدي الناس.
فعندما عرض القوم على ذي القرنين
المال مقابل حمايتهم من بطش يأجوج
ومأجوج لم يستغل ضعفهم وحاجتهم، بل
استغنى بما آتاه الله.
(٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ٦٠٠،
التفسير البسيط، الواحدي ١٤ / ١٣٧.
(٤) انظر: في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٩٣.
www. modoee.com
٢٥٣
حرف القاف
قال تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَن ولكن علمهم كيف يصنعون الردم، وذلك
تَجْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ سَدَّا قَالَ مَا مَكَّنِى فِيهِ رَبِى حتى لا يعيشوا مع الإحساس بالعجز(٤).
[الكهف: ٩٤ - ٩٥ ].
أي: ما قواني به ربي خير من جعلكم
﴿فآعِينُوني﴾ يعني: لا أريد منكم المال، بل
أعينوني بأبدانكم وقوتكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَتْنَهُمْ
رَدْمًا ﴾ أي: سدًّا(١).
قال السعدي: ((فلم يكن ذو القرنين
ذا طمع، ولا رغبة في الدنيا، ولا تاركًا
لإصلاح أحوال الرعية، بل كان قصده
الإصلاح؛ فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من
المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، وشكر ربه
على تمكينه واقتداره)) (٢).
إن من يستغني عما في أيد الناس يحبه
الناس، وحتما سیکونون له عونًا وسندًا.
٥. إشراك الناس معه في القيام
بالأعمال.
قال تعالى: ﴿قَالَ مَامَكَّنِى فِيهِرَبِ خَيْرٌ فَاعِینُونِ
بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴾ [الكهف: ٩٥].
أي: ما قواني علیه ربي خير من جعلكم،
فأعينوني بأبدانكم وقوتكم، أجعل بينكم
وبينهم ردما، والقوة التي طلبها منهم: فعلة
وصناع يحسنون البناء والعمل(٣).
فلم یعمل ذو القرنين لهم ذلك الردم،
(١) لباب التأويل، الخازن ١٧٨/٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٨٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٢/١٨، معالم
التنزيل، البغوي ٢١٧/٣.
٦. العلم،
والإصلاح،
والقوة،
والإشراف على العمل بنفسه، وعدم
الاتكال على الغير.
تظهر قوته من تمكين الله له في الأرض،
ويتجلى إصلاحه بين الناس في إقامة الحق،
ومحاربة المفسدين، وبناء السد، وأما العلم
فتجليه الآية الكريمة: ﴿مَاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَقَّى
إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَقَّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا
قَالَ ءَاتُونِ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦].
إن صناعة الفولاذ الذي أشارت إليه
عمل فريد أشرف عليه ذو القرنين بنفسه
فقد ((قال للعملة: انفخوا بالكيران فى زبر
الحديد التي وضعت بين الصدفين ففعلوا،
ومازالوا كذلك حتى صارت كالنار اشتعالا
وتوهجا، فصب النحاس المذاب على
الحديد المحمى فالتصق بعضه ببعض،
وسد الفجوات التى بين الحديد وصار جبلا
صلدًا)»(٥).
((وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا
في تقوية الحديد فوجد أن إضافة نسبة من
النحاس إليه تضاعف مقاومته وصلابته.
وكان هذا الذي هدى الله إليه ذا القرنين،
وسجله في كتابه الخالد سبقا للعلم البشري
(٤) انظر: تفسير الشعراوي ٣١١٨/٥.
(٥) تفسير المراغي ١٩/١٦.
جَوَسُولَةُ النَّقتي
القرآن الكريم
٢٥٤
القدوة
الحدیث بقرون لا يعلم عددها إلا الله»(١).
وتظهر حكمة ذي القرنين في التعامل مع
متطلبات المرحلة، فمن العجيب أن القرآن
عندما یحکي أمرًا فهو لا یحکیه إلا لهدف،
فهم طلبوا من ذي القرنین أن یپني سدًّا، لكنه
اقترح أن يجعل لهم ردمًا، وثمة فرق بين
الردم والسد، لقد تبين من العلم الحديث
أن السد قد تحدث له هزة من أي جانب
فینهدم کله، أما الردم فإن حدثت له هزة يزدد
تماسگًا(٢).
٧. الشكر لأنعم الله.
یعترف ذو القرنين بالفضل لله عز وجل
قائلا: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِ﴾ [الكهف: ٩٨].
أي: هذا السد والاقتدار والتمكين من
تسويته نعمة من الله ورحمة على عباده(٣).
ويتعلم المرء من هذا الشكر لأنعم الله،
فبالشكر تدوم النعم، وبالجحود والكفران
تنزل النقم.
٣. امرأة فرعون.
ضرب الله تعالی بها مثلا للذين آمنوا،
وما ضرب المثل بالصالحين في القرآن
الكريم إلا لأخذ العبرة والعظة والتأسي
والاقتداء الحسن ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ
(١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٩٣.
(٢) تفسير الشعراوي ٣١١٨/٥.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٧٨/٣، مدارك
التنزيل، النسفي ٣٢٠/٢.
أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِىِ الْجَنَّةِ وَبِىِ مِن فِرْعَوْنَ
وَعَمَلِهِ، وَنَجْنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
[التحريم: ١١].
وامرأة فرعون هي آسية بنت مزاحم
ذكرها الله في مجال القدوة والأسوة لغيرها:
((قال يحيى بن سلام: قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ
مثلاً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ مثل ضربه الله يحذر
به عائشة وحفصة في المخالفة حين تظاهرتا
علی رسول الله صلی الله عليه وسلم، ثم
ضرب لهما مثلا بامرأة فرعون ومريم ابنة
عمران؛ ترغيبًا في التمسك بالطاعة والثبات
علی الدین)» (٤).
ومن معالم الاقتداء بها:
١. الصبر على البلاء، والثبات على
المنهج.
قال المفسرون: كانت تعذب في الله
لأجل إيمانها (٥).
٢. التضرع إلى الله وقت الشدائد.
فقد وصفها الله بالإيمان والتضرع لربها،
وكان سؤالها لربها من أجل المطالب، وهو
دخول الجنة، ومجاورة الرب الكريم،
وسؤالها أن ينجيها الله من فتنة فرعون
وأعماله الخبيثة، ومن فتنة كل ظالم،
فاستجاب الله لها، فعاشت في إيمان كامل،
وثبات تام، ونجاة من الفتن(٦).
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٢/١٨.
(٥) التفسير البسيط، الواحدي ٢٩/٢٢.
(٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
www. modoee.com
٢٥٥
حرف القاف
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (کمل من الرجال کثیرٌ، ولم یکمل
من النساء: إلا آسية امرأة فرعون، ومريم
بنت عمران)(١). وقولها: ﴿رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ
بَيْتًافِى الْجَنَّةِ﴾«قال العلماء: اختارت الجار
قبل الدار))(٢).
٣. إنكار المنكر والتبرؤ من الكفر استعلت على هذا بالإيمان. ولم تعرض عن
والضلال.
إن امرأة فرعون، لم یصدها طوفان الكفر
الذي تعيش فيه في قصر فرعون وحدها عن
التبرؤ من قصر فرعون طالبة إلى ربها بيتا في
الجنة. وتبرأت من صلتها بفرعون فسألت
٤. الترفع عن متاع الدنيا.
ودعاء امرأة فرعون وموقفها مثل
للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في
أزهى صوره. فقد كان فرعون أعظم ملوك
الأرض يومئذ، و کانت امرأته في قصر هو
أمتع مکان تجد فيه امرأة ما تشتهي، ولکنها
هذا العرض فحسب، بل اعتبرته شرا ودنسا
وبلاء تستعيذ بالله منه، وتتفلت من عقابيله،
وتطلب النجاة منه(٥).
٥. قوة شخصية المرأة.
وهي امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية
ربها النجاة منه. وتبرأت من عمله مخافة أن وهذا فضل آخر عظيم. فالمرأة أشد شعورا
يلحقها من عمله شيء وهي ألصق الناس وحساسية بوطأة المجتمع وتصوراته.
ولكن هذه المرأة وحدها في وسط ضغط
به: ﴿وَجِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ وتبرأت من
قوم فرعون وهي تعيش بينهم: ﴿وَتَجِِّ مِنَ
اَلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾(٣).
المجتمع، وضغط القصر، وضغط الملك،
وضغط الحاشية، والمقام الملوكي، في
وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء
قال ابن كثير: ﴿وَبِ مِن فِرْعَوْنَ
وَعَمَلِهِ﴾ ((أي: خلصني منه، فإني أبرأ إليك
من عمله)» (٤).
وحدها في خضم هذا الكفر الطاغي، وهي
نموذج عال في التجرد لله من كل هذه
المؤثرات وكل هذه الأواصر، وكل هذه
المعوقات، وكل هذه الهواتف. ومن ثم
٨٧٥.
استحقت هذه الإشارة فى كتاب الله الخالد.
الذي تتردد كلماته في جنبات الكون وهي
تتنزل من الملأ الأعلى (٦).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وضرب الله
مثلًا للذين آمنوا امرأة فرعون)، رقم ٣٤١١،
١٥٨/٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٢/٨.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٦٢١/٦.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٢/٨.
(٥) انظر: في ظلال القرآن ٦/ ٣٦٢٢.
(٦) انظر: المصدر السابق ٦/ ٣٦٢٢.
٢٥٦
جوبيبو
القرآن الكريم
القدوة
٦. العطف والرحمة.
﴿وَقَالَتِ أَمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِ وَلَكٌ
لَا نَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآَ أَوْ نَتَّخِذَهُ, وَلَدًا وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ ))
﴾ [القصص: ٩].
عن قتادة ﴿لَا نَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآ أَوْ
نَتَّخِذَهُوَلَدًا﴾ قال: ألقيت عليه رحمتها حين
أبصرته (١).
٧. الإخلاص والتوقير للزوج.
ففي قولها لزوجها: ﴿لَا نَقْتُلُوهُ﴾
فخاطبت المفرد بلفظ الجمع تعظيم لزوجها
ولمقامه الملكي. ويستفاد إخلاص آسية بنت
مزاحم لزوجها من قولها له: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَآَ
أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ فهي لم تنظر لمصلحتها
فحسب في رعاية الطفل بل نظرت لمصلحة
زوجها أيضا، وكان هذا قبل إيمانها وقبل أن
تتبرأ من زوجها وعمله.
وذكر بعض المفسرين(٢) أن التي قالت:
(لا تقتلوه) غير امرأة فرعون التي آمنت
بموسى عليه السلام، غير أن الطبري أورد
روايات متعددة أن التي أشارت إلى تبنيه مي
آسية بنت مزاحم (٣).
(١) جامع البيان، الطبري ٥٢٥/١٩.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٧٦/٢٨.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٥٢٥.
ثانيًا: نماذج من القدوة السيئة في القرآن
الكريم ومعالم الاقتداء بهم:
١. فرعون.
ورد ذكر فرعون في القرآن الكريم
أربعا وسبعين مرة، ولم يكن ذكره لمجرد
سرد القصص بل كان لأخذ العبرة والعظة
والتحذير من السير على طريقه في الظلم
والاستبداد والكبر والغرور، وللإشارة إلى
أن السير في هذا الدرب مصيره الهلاك
والخسران، حتى إن الله تعالى نجى بدنه
بعد إهلاكه ليكون عبرة لکل من اقتدى به،
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ تُنَجِيَكَ بِبَدَنِكَ لِتَّكُونَ
لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ مَايَئِنَا
لَغَفِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢].
يعني: عبرة وموعظة، فأظهره الله لهم
حتى يشاهدوه وهو ميت فيعتبروا به؛ لأنه
كان في غاية العظمة فصار إلى نهاية الخسة
والذلة ملقى على الأرض لا يهابه أحد (٤).
وذكر بعض المفسرين عند قوله تعالى:
﴿لِتَّكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ لمن وراءك
من الناس علامة، وهم بنو إسرائيل، أو لمن
يأتي بعدك من القرون، ومعنى كونه آية أن
يظهر للناس عبوديته، وأن ما كان يدعيه
من الربوبية محال، وأنه مع ما کان علیه من
عظيم الملك آل أمره إلى ما ترون لعصيانه
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٦٣/٢.
www. modoee.com
٢٥٧
حرف القاف
ربه، فما الظن بغيره؟!(١).
قال أبو حيان: ((وقرئ: لمن خلفك بفتح
اللام أي: من الجبابرة والفراعنة ليتعظوا
بذلك، ويحذروا أن يصيبهم ما أصابك إذا
فعلوا فعلك))(٢).
لقد حذر القرآن الکریم أشد تحذير من
اتخاذ فرعون وأمثاله قدوة وأسوة، وبین ان
الاقتداء بهم مصيره الوبال والخسران، وكان
هذا التحذير صراحة في آيات مخصوصة
تحذر من اتباعه، وجاء التحذير من السير
وفق منهجه أيضا عقب ذکر قصته: ﴿إِنَّفِ
ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْتَقَ﴾، ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾، ﴿مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا
الْقُرُونَ الْأُوْلَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ﴾، وسيأتي
عرض هذه الآيات بعد قليل في مجالات
القدوة بفرعون.
ومن الآيات التي جاء التحذير فيها
صراحة من الاقتداء بفرعون قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَِنَا وَسُلْطَانٍ تُِّينٍ
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَأَنَبَّهُوْ أَمَ فِرْعَوْنَ
٩٦
وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ { يَقْدُمُ قَوْمَهُ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ
الْمَوْرُودُ ، وَأَتْبِعُواْ فِ هَذِهِ، لَغَنَةٌ وَيَوْمَ
الْقِيَةَ بِئْسَ الْرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾[هود: ٩٦
(١) انظر: البحر المحيط ١٠٤/٦، مدارك التنزيل،
النسفي ٣٩/٢-٤٠.
(٢) البحر المحيط ١٠٤/٦.
-٩٩].
قال ابن كثير: ((يقول تعالى مخبرا عن
إرسال موسى، عليه السلام، بآياته وبيناته،
وحججه ودلائله الباهرة القاطعة إلى
فرعون لعنه الله، وهو ملك ديار مصر على
أمة القبط ﴿فَهُوَاْأَقْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: مسلكه
ومنهجه وطريقته فى الغى والضلال
أُمُفرعون پرشيد ﴾أي: ليس فيه رشد ولا
هدی، وإنما هو جھل وضلال، و کفر وعناد،
وكما أنهم اتبعوه في الدنيا، وكان مقدمهم
ورئيسهم، كذلك هو يقدمهم يوم القيامة
إلی نار جهنم، فأوردهم إياها، وشربوا من
حياض رداها، وله في ذلك الحظ الأوفر،
من العذاب الأكبر))(٣).
أما نماذج القدوة السيئة في شخصية
فرعون فکثیرة جدا أُذکر منها:
١. العلو.
العلو (٤): ضد السفل، والعلوي والسفلي
المنسوب إليهما، والعلو: الارتفاع، وقد
علا يعلو علوًا وهو عالٍ، و(علا) يقال في
المحمود والمذموم، و (علي) لا يقال إلا
في المحمود، والوارد بشأن فرعون هو من
الأول، ومنه: ﴿إِنَّفِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾
[القصص: ٤].
وقوله: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِ الْأَرْضِ وَإِنَّهُ.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٨/٤.
(٤) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٥٨٢-
٥٨٣.
٢٥٨
جَوَسُورَة النفسية
القرآن الكريمِ
القدوة
لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣].
﴿إِلَى فِرْعُوْنَ وَمَلَاِيْهِ.
وقوله:
فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦].
أي: إن فرعون تجبر في أرض مصر
وتكبر، وعلا أهلها وقهرهم، حتى أقروا له
بالعبودية (١).
١٧
وقال تعالى: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى
فَقُلٌ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزََّّه ◌ِ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِكَ فَنَخْشَى
(٢) فَأَنَّهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَىِ ، فَكَذَّبَ وَعَصَى (١) ثُمَّ
أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبِّكُمُ الْأَعْلَى
٢٤
فَأَخَذَهُ اَللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُوْلَّ (٥) إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ١٧ - ٢٦].
لقد أعلن فرعون عن نفسه أنه إله من دون
الله علوًا واستكبارًا في الأرض، فأهلكه الله
(عبرةً لمن يخشى) أي: عظة لمن يريد أن
یعتبر، ویسلم(٢).
بوار.
٢. الإسراف والغرور.
(«السرف: تجاوز الحد في كل فعل
يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق
أشهر))(٣).
و(«الغرور: هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥١٦.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ٣/ ٥٤٣، تفسير
السمعاني ١٥٠/٦.
(٣) المفردات، الأصفهاني ص ٤٠٧.
صواب)) (٤).
قال تعالى: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ، كَانَ عَالِيًا مِّنَ
الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الدخان: ٣١].
أي: إن فرعون («مرتفعا على العالم، أو
متكبرا مسرفا من المسرفين)»(٥)، أي: من
المتجاوزين الحق إلى الباطل، وذلك كفره
بالله، وتركه الإيمان به، وجحوده وحدانية
الله، وادعاؤه لنفسه الألوهة، وسفكه الدماء
بغير حلها (٦).
وذکر المفسرون: أنه كان مسرفا لأنه كان
من أخس العبيد فادعى الإلهية(٧).
٣. الإفراط والطغيان.
والإفراط: أن يسرف في التقدم، ومنه
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ, فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
أي: إسرافًا وتضييعًا (٨).
طغوت وطغيت طغوانًا وطغيانًا، وأطغاه
كذا: حمله على الطغيان، وذلك تجاوز الحد
وفيه تبصرة للمقتدين بأمثال فرعون
والمتمسكين بعراهم أن هذه القدوة إلى في العصيان(٩).
قال تعالى: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْهَوْنَ إِنَّهُ طَنَى﴾
[النازعات: ١٧].
(٤) الكليات، الكفوي ص ٦٧٢.
(٥) البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٤٠٤.
(٦) جامع البيان، الطبري ١٥/ ١٦٧.
(٧) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ١١/ ٢٨٥،
مفاتيح الغيب، الرازي ١٧/ ٢٨٩.
(٨) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٦٣١.
(٩) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٥٢٠،
التعريفات، الجرجاني ص ١٤١، الكليات،
الكفوي ص ٥٨٤.
www. modoee.com
٢٥٩
حرف القاف
وقال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا غَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ
عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٥)﴾ [طه: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْاْ فِي أَلْبِلَدِ ﴾
[الفجر: ١١ ].
وأما الإفراط: ((فهو الإسراف والإشطاط
والتعدي، يقال منه: أفرطت في قولك: إذا
أسرف فیه وتعدی)»(١).
ومعنى ﴿أَنْ يَفْرُطَ﴾ هنا: ((أن يبادر
بعقوبتنا))(٢) أو ((أن يطغى يتكبر ويستعصي
علينا))(٣).
قال الرازي: ((يفرط علينا بأن لا يسمع
منا: أو أن يطغى بأن يقتلنا)»(٤).
وقال سيد قطب: ((والفرط هو التسرع
بالأذى للوهلة الأولى، والطغيان أشمل من
التسرع وأشمل من الأذى. وفرعون الجبار
يومئذ لا يتحرج من أحدهما أو كليهما))(٥).
٤. الاستكبار.
والتكبر: هو أن يرى المرء نفسه أكبر
من غيره، والاستكبار: طلب ذلك بالتشبع
وهو التزين بأكثر ما عنده، وإنما يستعمل
الاستكبار حيث لا استخفاف، بخلاف
التکبر فإنه قد يكون باستخفاف(٦).
والكبر والتكبر والاستكبار تتقارب،
(١) جامع البيان، الطبري ٣١٤/١٨.
(٢) تفسير السمر قندي ٢/ ٤٠١.
(٣) الكشف والبيان، الثعلبي ٢٤٦/٦.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/ ٥٤.
(٥) في ظلال القرآن ٢٣٣٦/٤.
(٦) الكليات، الكفوي ص ٢٨
فالكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان
من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان
نفسه أكبر من غيره. وأعظم التكبر التكبر
على الله بالامتناع من قبول الحق والإذعان
له بالعبادة. والاستكبار المذموم، أن يتشبع
فيظهر من نفسه ما ليس له، (٧) وبالنظر في
أحوال فرعون فإننا نجده قد تمثل الأنواع
الثلاثة.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ.
فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا
فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَّهُ,
٣٩
لَا يُرْجَعُونَ
فَنَبَذْنَهُمْ فِ الْبَوِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً
عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٥)
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ لَا
يُصَرُونَ ﴾ [القصص: ٣٩-٤١].
وكان استكبار فرعون وجنوده بامتناعهم
عن قبول الإيمان ترفعًا وتكبرًا(٨).
وكان استكبارهم في أرض مصر بالباطل
والظلم، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون إلى الله
بالبعث للجزاء.
وقد جعلهم الله قدوة وأئمةً وقادة في
الكفر يأتم بهم العتاة يدعون إلى النار، لأن
من أطاعهم دخلها (٩).
إن الاستكبار بالحق لا يكون إلا لله
(٧) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٦٩٧
(٨) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٧٢/٣، مدارك
التنزيل، النسفي ٤٧٠/٢.
(٩) زاد المسير ٣٨٥/٣.
جَوَبُور
القرآن الكريم
٢٦٠