Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
القَدِرْ
عناصر الموضوع
مفهوم القدر
١٩٢
القدر في الاستعمال القرآني
١٩٣
الألفاظ ذات الصلة
١٩٤
الإيمان بالقدر
١٩٦
الخلق والقدر
٢٠٩
التعامل مع القدر
٢١٤
المُجَلَدَ السَّابِعِ وَالعشْرُونْ

حرف القاف
مفهوم القدر
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (قدر) تدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، والقدر: قضاء الله تعالى الأشياء
على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها (١).
و((القدر والتقدير: تبيين كمية الشيء، يقال: قدرته وقدرته، وقدره بالتشديد: أعطاه
القدرة، يقال: قدرني الله على كذا وقواني عليه، فتقدير الله الأشياء على وجهين:
أحدهما: بإعطاء القدرة.
والثاني: بأن يجعلها على مقدار مخصوص، ووجه مخصوص، حسبما اقتضت
الحكمة»(٢).
((والقدير: هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة، لا زائدًا علیه، ولا ناقصًا عنه،
ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى))(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف ابن الأثير القدر بأنه: ((عبارةٌ عما قضاه الله وحكم به من الأمور)) (٤).
وقيل: ((هو: تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه -سبحانه- أنها ستقع في أوقات
معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته لها، ووقوعها على
حسب ما قدرها جل وعلا وخلقه لها))(٥).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٦٢/٥.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٥٨.
(٣) المصدر السابق.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٤/ ٢٢.
(٥) الإيمان بالقدر. الصلابي ص ١٣.
جَوَسُولَةُ النَّفنية
القرآن الكريم
١٩٢

القدر
القدر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (قدر) في القرآن الكريم (١٣١) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٠٧)
مرات (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٨
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]
الفعل المضارع
١
﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل: ٢٠]
فعل الأمر
١
﴿أَنِ أَعْمَلْ سَِفَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١]
المصدر
٢٣
﴿وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ قَدَرًّاً مَّقْدُورًا ()﴾ [الأحزاب: ٣٨]
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
اسم الفاعل
١٨
(٣٧) ﴾ [الأنعام: ٣٧]
اسم المفعول
١
﴿وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٣٨]
الصفة المشبهة
٤٥
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٢٠ ﴾ [البقرة: ٢٠]
وجاء القدر في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه(٢):
الأول: العظمة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. أي: ليلة العظمة.
الثاني: التصوير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَدِرُونَ﴾ [المرسلات:٢٣]. أي: صورنا
فنعم المصورون.
الثالث: الجعل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُمَنَازِلَ﴾ [يونس:٥]. أي: جعل له منازل.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٥٣٦ -٥٣٨.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٣٨٣-٣٨٤، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص ٣٩٨-
٣٩٩.
www. modoee.com
١٩٣

حرف القاف
الألفاظ ذات الصلة
١
القضاء:
القضاء لغة:
((أصل كل قضاء أمرٍ: الإحكام، والفراغ منه، ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس: القاضي
بينهم، لفصله القضاء بين الخصوم، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه به))(١).
القضاء اصطلاحًا:
لا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي.
الصلة بين القدر القضاء:
قال الخطابي رحمه الله: ((إنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة
الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه)) (٢).
المشيئة:
٢
المشيئة لغة:
المشيئة مهموزة: الإرادة، وقد شئت الشيء أشاؤه(٣).
المشيئة اصطلاحًا:
هي إرادة الله وأمره.
الصلة بين القدر والمشيئة:
القدر أعم من المشيئة، فالمشيئة جزء من القدر، وما قدره الله فقد شاءه.
الإرادة:
٣
الإرادة لغة:
وهي: نقيض الكراهة، أو هي: المشيئة، والمشهور ترادفهما(٤).
الإرادة اصطلاحًا:
إرادة الله النافذة.
(١) جامع البيان، الطبري ٢/ ٥٤٢ باختصار.
(٢) معالم السنن، الخطابي ٣٢٣/٤.
(٣) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٢/ ٥١٧.
(٤) التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم ص ٦٢.
جوبيع
القرآن الكريم
١٩٤

القدر
الصلة بين القدر والإرادة لغة:
القدر أعم من الإرادة، فالإرادة جزء من القدر، وما قدره الله فقد أراده.
الحكم:
٤
الحكم لغة:
أصله في اللغة: المنع للإصلاح، والحكم بالشيء: أن تقضي بأنه كذا، أو ليس بكذا(١).
الحكم اصطلاحًا:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
الصلة بين القدر والحكم:
الحكم أصله: المنع بهدف الإصلاح، أما القدر: فهو تقدير الله تعالى الأشياء في الأزل.
(١) انظر: المفردات، الراغب ص ٢٤٨.
www. modoee.com
١٩٥

حرف القاف
الإيمان بالقدر
الإيمان بالقدر شأنه عظيم، ومنزلته علية
في الدين، وهو ليس على مرتبة واحدة؛ بل
له مراتب، وللإيمان به فضائل وثمرات،
نحاول في مطالب هذا المبحث أن نفصل -
بما يقتضي المقام - هذه المسائل:
أولًا: منزلة الإيمان بالقدر:
قال الله تعالى مادحًا عباده المتقين
بأول صفة من صفاتهم في أول سورة بعد
الفاتحة: ﴿الَِّينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِمُونَ الصَّلْوَةَ وَّا رَزَقْهُمْ
يُفِقُونَ ﴾ [البقرة: ٣].
ومن أعظم الغيب الذي أخفاه الله عن
الخلق هو: القدر سر الله المكتوم، فالإيمان
بالقدر منزلته عظيمة من دين الإسلام؛ فهو
ركن من أركان الإيمان التي يقوم عليها،
ولا يصح إيمان أحدٍ لم يؤمن بالقدر خيره
وشره، وأنه كله من عند الله تعالى، يبين
هذا بوضوح حديث جبريل الطويل، الذي
رواه لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
وفيه: (قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: (أن
تؤمن بالله، وملائكته، و کتبه، ورسله، واليوم
الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، قال:
صدقت)(١).
ومما يشهد لذلك: كثرة ورود (القدر)
في الآيات القرآنية كما مر في مبحث
(١) المفردات، الراغب ص ٨٠٣.
(الاستعمالات القرآنية للفظ القدر)، وفيها
ترسيخ لمعانيه في قلوب المؤمنين به
سبحانه.
قال ابن عباس رضي الله عنه: ((الإيمان
بالقدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب
بالقدر فإن تكذيبه بالقدر نقض للتوحيد»(٢).
فلا ينتظم أمر الدين ويستقيم إلا لمن
آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر ذلك
النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه:
(ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من
النار، ومقعده من الجنة) قالوا: يا رسول الله،
أفلا نتکل علی کتابنا، وندع العمل؟ قال:
(أعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له، أما من كان
من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة،
وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل
أهل الشقاوة)، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَانَقَى )
وَأَمَّا مَنْ
٧
فسنَيَسِّرَهُو لِلْيَسْرَى
وَصَدَّقَ بِالْحُسْفَ (
يَعْلَ وَأَسْتَغْنَى ◌َ
٨
وَكَذَّبَ بِالْصُنْفَ
٩
فسنيسره
لِلْمُسْرَى ﴾ [الليل: ٥-١٠].
ثانيًا: مراتب القدر:
الإيمان بالقدر يقوم على أربعة مراتب،
من أقر بها جميعها فإن إيمانه بالقدر یکون
مكتملًا، ومن انتقص واحدًا منها أو أكثر فقد
اختل إيمانه بالقدر:
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر
وعلامة الساعة، رقم ٨.
١٩٦
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ

القدر
المرتبة الأولى: العلم.
علم الرب سبحانه بالأشياء قبل کونها،
وقد اتفق عليها الرسل من أولهم إلى
خاتمهم، واتفق عليها جميع الصحابة ومن
تبعهم من الأمة، وخالفهم مجوس الأمة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ
إِنِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَّجْعَلُ فِيهَا
مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِمَآءَ وَحْنُ نُسَبِحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا
تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٣٠].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَيُغَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى
نَفْسُ مَّاذَاتَكْسِبُ غَدَّاً وَمَاتَدْرِى نَفْسُ بِآَمِّ ◌َرْضٍ
تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَدُّ هَوَنُهُ
وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمِ﴾ [الجاثية: ٢٣].
((قال أبو إسحاق: (أي على ما سبق في
علمه أنه ضال قبل أن يخلقه)، وهذا الذي
ذكره جمهور المفسرين فالمعنى: أضله
الله عالما به وبأقواله، وما یناسبه ویلیق به،
ولا يصلح له غيره؛ قبل خلقه وبعده، وأنه
أهلٌ للضلال ولیس أهلا أن يهدى، وأنه لو
هدي لكان قد وضع الهدى في غير محله
وعند من لا يستحقه، والرب تعالى حكيم
إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها؛
فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات
القدر والحكمة التي لأجلها قدر عليه
الضلال)»(١).
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم
بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَتُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ
بَيْنِنَأُ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ
or
[الأنعام: ٥٣].
((أي: ابتلينا واختبرنا بعضهم ببعض،
فابتلى الرؤساء والسادة بالأتباع والموالي
والضعفاء، فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى
المولى والضعيف أنفة، وأنف أن يسلم
وقال: هذا يمن الله عليه بالهدى والسعادة
دوني !! قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اَللّهُ بِأَعْلَمَ
بِاَلشَّكِرِينَ﴾؟! وهم الذين يعرفون
النعمة وقدرها، ويشكرون الله عليها
بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية،
فلو كانت قلوبكم مثل قلوبهم تعرفون
قدر نعمتي وتشكروني عليها، وتذكروني
بها وتخضعون لي كخضوعهم، وتحبوني
كحبهم؛ لمننت عليكم كما مننت عليهم،
ولكن لمنني ونعمي محال لا تليق إلا بها،
ولا تحسن إلا عندها))(٢).
المرتبة الثانية: الكتابة.
إن الله تعالی کتب مقادير كل شيء قبل
أن يخلق السماوات والأرض.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتبنَا فِى
الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ
(١) انظر: السنة، عبد الله بن الأمام أحمد
٤٢٢/٢.
(٢) شفاء العليل، ابن القيم ص ٣٠.
www. modoee.com
١٩٧

حرف القاف
إِنَّ فِي هَذَا لَبَغَّا لِقَوْمِ بعد موتهم، وقوله: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِ
الصََّلِحُونَ
عبدِين ٥
[الأنبياء: ١٠٥- ١٠٦].
((فـ﴿الزَّبُورِ﴾ هنا: جميع الكتب المنزلة
من السماء لا تختص بزبور داود، و﴿الذِّكْرِ﴾
أم الكتاب الذي عند الله، و (الأرضَ﴾ الدنيا،
وعباده الصالحون (١): أمة محمد صلى الله
تعالى عليه وسلم، هذا أصح الأقوال في
هذه الآية، وهي علم من أعلام نبوة رسول
الله صلی الله تعالی علیه وسلم؛ فإنه أخبر
بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار أعداء
له ولأصحابه، والمشركون قد أخرجوهم
من ديارهم ومساكنهم، وشتتوهم في أطراف
الأرض، فأخبرهم ربهم تبارك وتعالى أنه
كتب في الذكر الأول أنهم يرثون الأرض
من الكفار، ثم كتب ذلك في الكتب التي
أنزلها على رسله.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْقَى
وَنَكْتُبُ مَا قَدَعُواْ وَءَاتَرَهُمّ وَكُلَّ شَىْءٍ
أَحْصَيْنَهُ فِيَّ إِمَا مِمُّبِينٍ ﴾ [يس: ١٢].
فجمع بين الكتابين الكتاب السابق
لأعمالهم قبل وجودهم، والكتاب المقارن
لأعمالهم، فأخبر أنه يحييهم بعد ما أماتهم
للبعث، ویجازيهم بأعمالهم، ونبه بکتابته لها
على ذلك فقال: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ﴾ من
خير أو شر فعلوه في حياتهم، ﴿وَءَاتَرَهُمْ﴾
ما سنوا من سنة خير أو شر فاقتدي بهم فيها
(١) المصدر السابق ص ٣١.
جَوَسُولَةُ النَّقتين
القرآن الكريم
إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ، وهو
أم الكتاب، وهو الذکر الذي کتب فیه کل
شيء، و کتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها
والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها
وحفظه لها والإحاطة بعددها وإثباتها
فیه»(٢).
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَامِن دَابَتِفِی
اْأَرْضِ وَلَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَّ أَمْثَالُكُمْ مَّا
فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْ ءٍ ثُمَّ إِلَى رَيْهِمْ يُحْشَرُونَ
[الأنعام: ٣٨].
٣٨
«أي: الجمیع علمهم عند الله، ولا ينسى
واحدًا من جميعها من رزقه وتدبيره، سواء
كان بریًا أو بحريًا، كما قال: ﴿﴾ وَمَا مِن
دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَهُ مُسْتَقَرَّهَا
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ
[هود:٦]أي: مفصح بأسمائها وأعدادها
ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها)) (٣).
وخير مفسر لكتاب الله تعالى هو كلام
نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فلنتأمل
في هذا الحديث بيان رسول الله لمعنى
مرتبة الكتابة؛ عن عبادة بن الوليد بن عبادة،
قال: حدثني أبي قال: (دخلت على عبادة بن
(٢) قال التستري: ((أضافهم إلى نفسه وحلاهم
بحلية الصلاح، معناه: لا يصلح إلا ما كان
خالصًا لي، لا يكون لغيري فيه أثر)) تفسير
التستري ص ١٠٥.
(٣) شفاء العليل ابن القيم ص ٣٩- ٤٠ باختصار.
١٩٨

القدر
الصامت وهو مريض يتخيل فيه الموت -أو
یتبین- فقلت: يا أبتاه، أوصني واجتهد لي،
فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال: يا بني،
إنك لن تطعم طعم الإيمان، ولن تبلغ حق
حقیقة العلم حتی تؤمن بالقدر خيره وشره،
قلت: يا أبتاه، وكيف لي أعلم ما خير القدر
من شره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم یکن
لیصیبك، وما أصابك لم یکن ليخطئك، يا
بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: إن أول ما خلق الله عز وجل
القلم قال: اكتب؛ فجرى في تلك الساعة
بما هو كائن إلى يوم القيامة، يا بني، إن مت
ولست على ذلك دخلت النار)(١).
المرتبة الثالثة: المشيئة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن
يَشَآءَ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا )
[الإنسان: ٣٠]«أي: لا يقدر أحدٌ أن يهدي
نفسه، ولا يدخل في الإيمان ولا يجر
لنفسه نفعا ﴿إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية
فييسرها له، ويقيض له أسبابها، ومن
يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى، وله
الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال
(١) تفسير القرآن العظيم. ابن كثير ٢٥٣/٣.
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾)) (٢)، وقال
سبحانه: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى اَلْهُدَى﴾
[الأنعام: ٣٥].
وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ
كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].
وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةًّ
وَحِدَةً ﴾ [هود:١١٨].
﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾
وقال:
[الأنعام: ١١٢].
وقال: ﴿وَلَوْ بَشَاءُ اللَّهُ لَّأَنْنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِبْلُوَا
بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤].
وهذه الآيات ونحوها تتضمن الرد على
طائفتي الضلال: نفاة المشيئة بالكلية، ونفاة
مشيئة أفعال العباد وحركاتهم وهداهم
إن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، فما وضلالهم، وهو سبحانه تارة يخبر أن كل
شاء کان وما لم يشأ لم یکن.
ما في الكون بمشيئته، وتارة أن ما لم يشأ لم
يكن، وتارة أنه لو شاء لكان خلاف الواقع،
وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره
وكتبه، وأنه لو شاء ما عصي، وأنه لو شاء
لجمع خلقه على الهدى، وجعلهم أمة
واحدة؛ فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته،
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، أول كتاب السنة،
باب في القدر، رقم ٤٧٠٠، والترمذي في
سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة ن
رقم ٣٣١٩ مختصرًا.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
غريب.
وصححه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة
١٧٣/١.
www. modoee.com
١٩٩

حرف القاف
وأن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته، وهذا حقيقة الخلق، ونظير هذا لفظ: (الأمر) فإنه نوعان:
أمر تكوين، وأمر تشريع، والثاني قد يعصي
الربوبية، وهو معنى كونه رب العالمين،
و کونه القائم بتدبير عباده، فلا خلق ولا رزق،
ولا عطاء ولا منع، ولا قبض ولا بسط، ولا
موت ولا حیاة، ولا إضلال ولا هدی، ولا
سعادة ولا شقاوة؛ إلا بعد إذنه، وكل ذلك
بمشيئته وتکوینه؛ إذ لا مالك غيره، ولا مدبر
سواه، ولا رب غيره، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].
ويخالف، بخلاف الأول، فقوله تعالى:
﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُبْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبَهَا فَفَسَقُواْ
فِيَهَا﴾ [الإسراء: ١٦ ] لا يناقض قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ﴾ [الأعراف: ٢٨ ]ولا حاجة
إلى تكلف تقدير: أمرنا مترفيها فيها بالطاعة
فعصونا وفسقوا فيها، بل الأمر ههنا أمر
تکوین و تقدیر لا أمر تشریع»(٢).
قال الشافعي في رواية الربيع عنه:
((المشيئة إرادة الله، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا
تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
[الإنسان: ٣٠] فأعلم الله خلقه أن
إلا أن يشاء الله))(١).
بقي أن ننبه هنا في آخر هذه المرتبة إلى
أن ((لفظ الإرادة ينقسم إلى: إرادة كونية؛
فتكون هي المشيئة، وإرادة دينية؛ فتكون هي
المحبة، إذا عرفت هذا فقوله تعالى: ﴿وَلَا
يَرَضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ اَلْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾
وقوله:
[البقرة: ١٨٥].
لا يناقض نصوص القدر والمشيئة العامة
الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه
وقدره؛ فإن المحبة غير المشيئة، والأمر غير
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٥/٨.
المرتبة الرابعة: الخلق.
فكل ما سوى الله تعالى فهو مخلوق له
سبحانه، خلقه بعد أن علمه و کتبه وشاءه.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَآَ
المشيئة له دون خلقه وأن مشيئتهم لا تكون إِلَهَ إلَّا هُوَّخَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَآءِ
وَالْأَرْضِّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ )
[فاطر: ٣].
((الاستفهام في قوله: ﴿مَلْمِنْ خَلِقٍ غَيْرٌ
اللَّهِ ﴾ إنكاري فهو مضمن معنى النفي،
والمعنى: لا خالق إلا الله وحده، والخالق
هو المستحق للعبادة وحده))(٣).
((قال ابن الجوزي في (المقتبس):
سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: ﴿أَذَّكُرُوا
(٢) شفاء العليل، ابن القيم ص ٤٤ -٤٥ باختصار.
(٣) المصدر السابق ص ٤٨.
جَوَسُو ◌َبُ النَفسِير
القرآن الكريمِ
٢٠٠

القدر
نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللهِ ﴾ قال:
فطلبت الفكر في المناسبة بين ذكر النعمة
وبين قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾؛
فرأيت أن كل نعمة ينالها العبد فالله خالقها،
فقد أنعم بخلقه لتلك النعمة، ويسوقها إلى
المنعم عليه)»(١).
((فلا خالق إلا الله، وأعمال عباد الله
مخلوقة لله مقدورة له كما قال:
اللَـ
﴾ [الصافات: ٩٦].
مَّلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
والعباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا وهم
يخلقون، كما قال: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾
[فاطر: ٣].
وكما قال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ
يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣].
وكما قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ﴾
[النحل: ١٧].
﴿أَمّ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ
وكما قال:
الْخَلِقُونَ ﴾ [الطور: ٣٥]وهذا في کتاب
الله كثير)»(٢).
قال ابن القيم: ((وبالجملة فكل دليل في
القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر
وخلق أفعال العباد، ولهذا كان إثبات القدر
أساس التوحید، کما قال ابن عباس رضي
الله عنهما: ((الإيمان بالقدر نظام التوحيد،
فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه التوحيد)»(٣).
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٧٨/٦.
(٢) تفسير ابن رجب الحنبلي ٢/ ٩٥.
(٣) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية ٦/ ٦٥٦.
((ولهذا كان من تمام الإيمان بالقدر أن
تؤمن بأن الله تعالى خالقٌ لأفعال العباد
كما قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
﴾ [الصافات: ٩٦].
ووجه ذلك: أن فعل العبد من صفاته،
والعبد مخلوق لله، وخالق الشيء خالق
لصفاته، ووجهٌ آخر: أن فعل العبد حاصل
بإرادة جازمة وقدرة تامة، والإرادة والقدرة
كلتاهما مخلوقتان لله عز وجل، وخالق
السبب التام خالق للمسبب.
فإن قيل: کیف نجمع بين إفراد الله عز
وجل بالخلق مع أن الخلق قد يثبت لغير
الله، كما يدل عليه قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ
اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]؟
فالجواب على ذلك: أن غیر الله تعالی لا
یخلق کخلق الله، فلا يمكنه إیجاد معدوم،
ولا إحياء ميت، وإنما خلق غير الله تعالى
يكون بالتغيير وتحويل الشيء من صفة إلى
صفة أخرى، وهو مخلوق لله عز وجل،
فالمصور مثلا إذا صور صورة فإنه لم
يحدث شيئًا! غاية ما هنالك أنه حول شيئا
إلى شيء، كما يحول الطين إلى صورة طير
أو صورة جمل، وكما يحول بالتلوين الرقعة
البيضاء إلى صورة ملونة، فالمداد من خلق
الله عز وجل، والورقة البيضاء من خلق الله
عز وجل، هذا هو الفرق بين إثبات الخلق
بالنسبة إلى الله عز وجل، وإثبات الخلق
www. modoee.com
٢٠١

حرف القاف
بالنسبة إلى المخلوق، وعلى هذا يكون الله علي هذا المرض! فإن الله سبحانه لم ولن
سبحانه وتعالى منفردًا بالخلق الذي يختص يكلف أحدًا من خلقه ما لا طاقة له به، كما
قال سبحانه: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
به))(١).
[البقرة: ٢٣٣].
ثالثًا: الاحتجاج بالقدر:
يجب على كل مؤمن بالله تعالى أن
يوقن أنه سبحانه له الحكمة البالغة في كل
خلقه، وأنه سبحانه ﴿لَا يُسْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْتَلُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
فهو عز وجل: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءٌ وَهُوَ الْعَلِيمُ
اَلْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].
و﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ إِنَثًا وَبَهَبُ لِمَنِ
يَشَآءُ الذُّكُرَ آ أَوْ يُزُوِّجُهُمْ ذَكْرَانًا وَإِنَقاً
وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمَاْ إِنَّهُ, عَلِيٌ قَدِيدٌ ﴾
[الشورى: ٤٩ -٥٠].
و﴿يُؤْتِي مُلْكَهُ, مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة:
٢٤٧].
و﴿يُؤْتِي أَلْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة:
٢٦٩].
و﴿وَزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
عمران: ٣٧].
[آل
إذا عرف هذا فنقول:
إنه يحرم الاحتجاج على الله تعالى
بالقدر؛ كأن يقول الزاني مثلًا: ما زنيت من
تلقاء نفسي! وإنما قدر الله علي الزنا! أو
يقول المريض مثلًا: لماذا يا رب قدرت
﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وقال:
وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فقد أرشدنا القرآن إلى أن المؤمن إن
أصابه بلاء أو مصيبة صبر وقال: ﴿إِنَّاللَّهِ وَإِنَّاَ
إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].
وإن وقع في معصية لله تعالى قال: ﴿قَالَ
رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْلِ﴾ [القصص: ١٦].
وأما الاحتجاج على الله تعالى بالقدر
فإنما هو من سنن إبليس اللعين، حيث قال
لله جل وعلا: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ
صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١)﴾ [الأعراف: ١٦].
مع أنه هو الذي أبى أن يسجد لآدم -
مختارًا - كما أمره الله! وهذا الاحتجاج
بالقدر هو أيضًا من سنن المشركين الذين
حكى الله نبأهم أنهم قالو: ﴿لَوَشَآءَ اللَّهُ
مَا أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَخْرٍّ
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَقَّ ذَاقُواْ
بَأْسَنَاقُلْ هَلْ عِندَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّاً
إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَّخْرُصُونَ
[الأنعام: ١٤٨].
١٤٨)
وهذه شبهة تشبث بها المشركون في
شرکهم وتحريم ما حرموا؛ فإن الله مطلع
على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما
(١) شفاء العليل، ابن القيم ص ٦٥.
مَوَسُورَةُ النَّفِيَّ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٢٠٢

القدر
الإیمان، أو یحول بیننا وبین الكفر، فلم یغيره،
فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا
ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لَوَ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا
وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَهْرٍ﴾ كما في قوله
تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ مَّا
لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلَّمِ﴾ [الزخرف: ٢٠].
وكذلك الآية التي في ((النحل)) مثل هذه
سواء، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ
اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: بهذه الشبهة ضل من
ضل قبل هؤلاء، وهي حجة داحضة باطلة؛
لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه،
ودمر عليهم، وأدال(١) عليهم رسله الكرام،
وأذاق المشركين من أليم الانتقام، ﴿قُلّ هَلْ
عِندَكُممِّن عِلمٍ﴾ أي: بأن الله تعالى راض
عنكم فيما أنتم فيه ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ أي:
فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه، ﴿إِن تَنَِّمُونَ
إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: الوهم والخيال، والمراد
وَإِنْ أَنْتُمْ
بالظن هاهنا: الاعتقاد الفاسد
إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ أي: تكذبون على الله فيما
ادعیتموه(٢).
لقد قال الله سبحانه عن أمثال هذا
الصنف: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
وَفِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥].
فبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه
(١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١ /١٨.
(٢) أدال الشيء: جعله مداولة، أي: تارة لهؤلاء
وتارة للآخرين.
حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا جعل على قلوب الكفار أكنة -وهو ما يستر
الشيء ويغطيه ويكنه- لئلا يفقهوا القرآن،
أو كراهة أن يفقهوه، لحيلولة تلك الأكنة
بين قلوبهم وبين فقه القرآن؛ أي: فهم معانيه
فهمًا ينتفع به صاحبه، وأنه جعل في آذانهم
وقرًا؛ أي صممًا وثقلًا لئلا يسمعوه سماع
قبول وانتفاع.
وحتى لا يكون لهؤلاء الضلال حجة
على الله في إضلالهم؛ بين سبحانه في
مواضع أخر سبب الحيلولة بين القلوب
وبين الانتفاع به، وأنه هو كفرهم، فجازاهم
الله على كفرهم بطمس البصائر، وإزاغة
القلوب، والطبع والختم والأكنة المانعة
من وصول الخير إليها، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا
زَاعُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
﴿بَلَّ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾
وقوله:
[النساء: ١٥٥].
وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَوْ
يُؤْمِنُواْبِهِ، أَوَّلَ مَرَّةِ﴾ [الأنعام: ١١٠].
وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ تَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ
مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠].
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
وقوله:
مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ
(١٢٥)﴾ [التوبة: ١٢٥].
وَهُمْ كَفِرُونَ ﴿٥
إلى غير ذلك من الآيات (٣).
إن الاحتجاج بالقدر يتضمن تنزيه
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٧/٣.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف القاف
الجاني نفسه، وتنزيه ساحته، وهو الظالم ثم جعل له سمعًا وبصرًا، ونصب الأدلة على
الجاهل! ولو علم هذا الظالم الجاهل أن
بلاءه من نفسه ومصابه منها، وأنها أولی
بكل ذم وظلم، وأنها مأوى كل سوء، و﴿ إِنَّ
اُلْإِنسَنَ لِرَبِّهِ، لَكُنُودٌ ﴾ [العادیات: ٦].
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: كفور
جحود لنعم الله. وقال الحسن: هو الذي
يعد المصائب، وینسی النعم.
فهو الغیم المانع لإشراق شمس الهدى
على القلب، فما عليه أضر منه، ولا له أعداء
أبلغ في نکایته وعداوته منه.
يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده
وامرأته وأمته إذا احتجوا به عليه في التهاون
في بعض أمره، فلو أمر أحدهم بأمر ففرط
فيه، أو نهاه عن شيء فارتكبه، وقال: القدر
ساقني إلى ذلك؛ لما قبل منه هذه الحجة،
ولبادر إلى عقوبته.
فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم
الجاهل في ترك حق ربك؛ فهلا كان حجة
لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك؟! بل إذا
أساء إليك مسيء، وجنی علیك جاٍ، واحتج
بالقدر لاشتد غضبك عليه، وتضاعف جرمه
عندك، ورأيت حجته داحضة، ثم تحتج على
ربك به، وتراه عذرا لنفسك؟! فمن أولى
بالظلم والجهل ممن هذه حاله؟!))(١).
وبعد: فإن («الله خلق الإنسان من نطفة
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٣/ ١٦٠.
وجوده وقدرته على بعث الموتى، ومن ثم
مجازاتهم على أعمالهم، وأرسل إليه رسله،
وهداه النجدین، ثم هو بعد ذلك إما شاكر
وإما کفورٌ، ولو احتج إنسانٌ في الدنيا بالقدر
لقيل له: هل عندك علم بما سبق في علم الله
عليك؟))(٢).
فإن قال: نعم! فقد كذب، وإن قال: لا،
قيل له: إذن فابذل الأسباب التي تجعلك من
الفائزين بالجنة الناجين من النار.
ولا يعني ما سبق أن الاحتجاج بالقدر
محرمٌ مطلقًا؛ بل المحرم ما کان فيه اعتراض
على قدر الله تعالى، أو فيه دعوة للعاصي
لیستمر في معصيته، لذا قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (احتج آدم وموسى، فقال له
موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك
من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي
اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني
على أمرٍ قدر علي قبل أن أخلق)! فقال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (فحج آدم
موسی) مرتین(٣).
قال ابن عثيمين رحمه الله: «لهذا فإن
(٢) المصدر السابق ١٩٨/٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب وفاة موسى، وذكره بعد رقم
٣٤٠٩، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر،
باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، رقم
٢٦٥٢.
◌َةُ النَّسِية
جَوَسُو
القرآن الكريم
٢٠٤

القدر
الاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس
به، أرأيت لو أنك سافرت سفرًا وحصل لك
حادث، وقال لك إنسان: لماذا تسافر؟! لو
أنك بقيت في بيتك ما حصل لك شيء!
فستجیبه: إن هذا قضاء الله وقدره، أنا ما
خرجت لأجل أن أصاب بالحادث، وإنما
خرجت لمصلحة، فأصبت بالحادث))(١).
رابعًا: ثمرات الإيمان بالقدر:
من تأمل في عقيدة القدر التي جاء بها
الإسلام وجد لها ثمارًا كبيرة طيبة، كانت
ولازالت سببًا في صلاح الفرد والأمة،
وسأحاول أن أذكر هنا بعض ثماره التي
ظهرت خلال آيات القرآن الكريم:
١. تجنب الأسى والفرح المذمومين.
فالإيمان بالقدر يري الإنسان أن كل
شيء في الوجود إنما يسير وفق حكمة عليا،
فإذا مسه الضر فإنه لا يجزع، وإذا حالفه
التوفيق والنجاح فإنه لا يفرح فرحًا يوصله
للبطر والفخر.
وهذا هو معنى قول الله سبحانه:
وما
أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِيّ أَنْفُسِكُمْ
إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ
عَلَى اللَّهِ يَسِيْرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنكُمْ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ
◌ُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: ٢٢-٢٣].
(١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١٠٦/٢.
قال السعدي رحمه الله: ((وهذا شامل
لعموم المصائب التي تصيب الخلق،
من خير وشر، فكلها قد كتبت في اللوح
المحفوظ، صغيرها وكبيرها، وهذا أمرٌ
عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنده
أفئدة أولي الألباب، ولکنه علی الله یسیر.
وأخبر الله عباده بذلك لأجل أن تتقرر
هذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم
من الخير والشر، فلا يأسوا ويحزنوا على
ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم وتشوفوا
إليه، لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح
المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا
سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله
فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه
بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله
ومنه، فيشتغلوا بشكر من أولى النعم ودفع
النقم، ولهذا قال: ﴿وَاَللَّهُلَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ
فَخُورٍ﴾ أي: متكبر فظٍ غليظٍ، معجب
بنفسه، فخور بنعم الله، ینسبها إلى نفسه،
وتطغيه وتلهيه، كما قال تبارك وتعالى:
إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوِْتُّهُ عَلَى عِلَّمْ
ج
بَلَ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٤٩
[الزمر: ٤٩]))(٢).
وهذا لا يعني أن الفرح بالنعم والحزن
على المصائب محرم بإطلاق! بل يفرح
بنعم الله فرحًا يقوده لشکر ربه، ويحزن على
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٤٢.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف القاف
المصائب حزنًا لا يخرجه إلى الاعتراض بالقدر خيره وشره)) (٤).
على القدر أو سب الدهر.
٢. طمأنينة القلب.
قال الله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن تُصِيبَةٍ
إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهُّ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾
[التغابن: ١١].
قال ابن جني: قرأ عكرمة وعمرو بن
دينار: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ مهموزًا(١) عن علقمة في
هذه الآية قال: ((هو الرجل تصيبه المصيبة
فیعلم أنها من عند الله فیرضی ویسلم))(٢).
((وقوله: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أي: للتسليم لأمر
الله، ونظيره قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ
100
الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ
أُوْلََّكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ
١٥٦
رَجِعُونَ
وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
١٥٧
[البقرة: ١٥٥ -١٥٧].
الرخاء والصبر عند البلاء)) (٣).
وفي ضوء هذه الآية يقول شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله: ((اليقين عند المصائب
بعد العلم بأن الله قدرها سكينة القلب
وطمأنينته وتسليمه، وهذا من تمام الإيمان
(١) المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات،
ابن جني ٣٢٣/٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٢١/٢٣، الدر
المنثور، السيوطي ١٨٣/٨.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٥٥/٣٠.
جوسي
القرآن الكريم
٣. طريقٌ لشكر الله تعالى.
فحينما يعلم المسلم أن النعم التي
يتقلب فيها هي من فضل الله تعالى قدرها
وبسطها له؛ يدعوه ذلك لشكر ربه على تلك
النعم، كما حكى الله تعالى عن عبده الملك
الصالح ذي القرنين بعد أن وفقه الله لبناية
سد عظيم على يأجوج ومأجوج فقال: ﴿قَالَ
هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبٍِ﴾ [الكهف: ٩٨].
((فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر
الجليل؛ أضاف النعمة إلى موليها وقال:
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رٍَّ﴾ أي: من فضله
وإحسانه علي، وهذه حال الخلفاء
الصالحين إذا من الله عليهم بالنعم الجليلة،
ازداد شكرهم وإقرارهم، واعترافهم بنعمة
الله كما قال سليمان عليه السلام، لما حضر
قال أهل المعاني: يهد قلبه للشكر عند عنده عرش ملكة سبأ مع البعد العظيم، قال:
﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبٍِّ لِيَبْلُوَبِيِّ ◌َأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾
[النمل: ٤٠ ] بخلاف أهل التجبر والتكبر
والعلو في الأرض؛ فإن النعم الكبار تزيدهم
أشرًا وبطرًا.
كما قال قارون -لما آتاه الله من
الكنوز، ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي
القوة- قال: ﴿إِنَّمَا أُوِّتُهُ عَلَ عِلْمٍ عِندِىّ
[القصص: ٧٨]))(٥).
(٤) الإيمان، ابن تيمية ص ١٨٢.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٨٦.
٢٠٦

القدر
وشكرهم هذا لله تعالى إنما هو نابع عن أو حرمان.
إيمانهم الراسخ بأن الله تعالى هو الذي قدر
لهم تلك النعم وأقدرهم عليها، ومعلوم أن
الشكر هو طريق المزيد، كما قال تعالى:
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيْنِ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
٤. معرفة سعة علم الله تعالى وعظيم
قدرته.
فإن الله تعالی کثیرًا ما یختم آيات الخلق
والقدر والمشيئة باسميه: العليم والقدير،
من ذلك على سبيل المثال:
قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِّ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ إِنَفًا
وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ الذُّكُرَ ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا
وَإِنَشَّا وَبَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمَاً إِنَّهُ عَلِيٌ فَبِيرٌ
[الشورى: ٤٩ -٥٠].
((والذرية مظهر من مظاهر المنح والمنع
والعطاء والحرمان، وهي قريبة من نفس
الإنسان، والنفس شديدة الحساسية بها،
فلمسها من هذا الجانب أقوى وأعمق.
والتقديم بأن لله ملك السماوات
والأرض هو التقديم المناسب لكل جزئية
بعد ذلك من توابع هذا الملك العام،
وكذلك ذکر: ﴿یخلُقُ مَايَشَآءُ ﴾ فهي توکید
للإحياء النفسي المطلوب في هذا الموضع.
ورد الإنسان، المحب للخير، إلى الله الذي
يخلق ما يشاء مما يسر وما يسوء ومن عطاء
ثم يفصل حالات العطاء والحرمان: فهو
﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَثًا﴾ وهم كانوا يكرهون
الإناث، ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ﴾، ويهب
لمن يشاء أزواجا من هؤلاء وهؤلاء، ويحرم
من يشاء فيجعله عقيما - والعقم یکرهہ کل
الناس-، وكل هذه الأحوال خاضعة لمشيئة
الله، لا يتدخل فيها أحد سواه، وهو يقدرها
وفق علمه وينفذها بقدرته: ﴿إِنَّهُ عَلِيدٌ
قَبِيرٌ﴾))(١).
وقوله سبحانه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ
اُلَيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [الأنعام: ٩٦].
قال الرازي: ((والعزيز إشارة إلى كمال
قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه،
ومعناه أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها
المخصوصة وهيئاتها المحدودة، وحر كاتها
المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء
والسرعة لا یمکن تحصيله إلا بقدرة كاملة
متعلقة بجميع الممكنات وعلم نافذ))(٢).
وقوله جل وعلا: ﴿﴿ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ
مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ
جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَآَةٌ
وَهُوَ الْعَلِيمُ اَلْقَدِيرُ ﴾ [الروم: ٥٤].
قال السعدي: ((يخبر تعالى عن سعة
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣١٦٩/٥.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٧٩/١٣.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف القاف
علمه وعظيم اقتداره وكمال حكمته، ابتدأ يصيبه من بلاء، ويحزنون لما يصيبه من
إِن تُصِبُّك
نصر وخير، فقال سبحانه:
حَسَنَّةُ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ
وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: ٥٠].
خلق الآدميين من ضعف؛ وهو الأطوار
الأول من خلقه من نطفة إلى علقة إلى
مضغة، إلى أن صار حيوانًا في الأرحام إلى
أن ولد، وهو في سن الطفولية وهو إذ ذاك
في غاية الضعف وعدم القوة والقدرة، ثم ما
زال الله یزید في قوته شيئًا فشيئًا حتى بلغ
سن الشباب، واستوت قوته، وکملت قواه
الظاهرة والباطنة، ثم انتقل من هذا الطور
ورجع إلى الضعف والشيبة والهرم.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ بحسب حكمته، ومن
حكمته أن يري العبد ضعفه وأن قوته
محفوفة بضعفين، وأنه ليس له من نفسه إلا
النقص، ولولا تقوية الله له لما وصل إلى
قوة وقدرة، ولو استمرت قوته في الزيادة
لطغى وبغى وعتا.
وليعلم العباد كمال قدرة الله التي لا تزال
مستمرة يخلق بها الأشياء، ويدبر بها الأمور
ولا يلحقها إعیاء ولا ضعف ولا نقص بوجه
من الوجوه))(١).
٥. مواجهة الصعاب والأخطار بقلب
ثابت(٢).
يبين هذه الثمرة بجلاء: ما حكى الله
تعالى من حال المنافقين مع النبي صلى
الله عليه وسلم، وأنهم كانوا يفرحون بما
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٤٤.
(٢) القضاء والقدر، الأشقر ص ١١٠.
وهنا يدل الله تعالى نبيه -وهو تعليم
لجميع أمته- للتصرف الأمثل مع هؤلاء
وأمثالهم فيقول سبحانه: ﴿قُل لَّنِ يُصِيبَنَاً
إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَأْ وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَ كَلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: ٥١].
((أي: قدره وأجراه في اللوح
المحفوظ»(٣).
قال ابن الجوزي في (المقتبس):
سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: ﴿قُل
◌َّنْ يُصِيبَنَّا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، قال:
إنما لم يقل: ((ما كتب علينا)) لأنه أمرٌ يتعلق
بالمؤمن، ولا يصيب المؤمن شيءٌ إلا وهو
له، إن کان خيرًا، فهو له في العاجل، وإن
كان شرا فهو ثواب في الآجل (٤).
ويشير سيد قطب رحمه الله للفتة أخرى
فيقول في قوله تعالى: ﴿إِلَّمَا كَتَبَ
اللَّهُ لَنَا﴾: والله قد كتب للمؤمنين النصر،
ووعدهم به في النهاية، فمهما يصبهم من
شدة، ومهما يلاقوا من ابتلاء؛ فهو إعداد
للنصر الموعود، ليناله المؤمنون عن بينة،
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٣٩.
(٤) انظر: تفسير ابن رجب الحنبلي ١/ ٥٢٥.
٢٠٨
القرآن الكريمِ

القدر
وبعد تمحيص، وبوسائله التي اقتضتها سنة
الله، نصرًا عزيزًا لا رخيصًا، وعزة تحميها
نفوس عزيزة مستعدة لكل ابتلاء، صابرة
على كل تضحية))(١).
فانظر كيف علمهم الله أن يواجهوا
الأزمات والمحن والصعاب بذلك الإيمان
الراسخ العظيم بقدر الله تعالى وقضائه،
وهكذا فليكن أهل الإيمان في كل زمان
ومكان.
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٦٦٤/٣.
الخلق والقدر
الخلق هو المرتبة الرابعة من مراتب
القدر، والخلق صفة من صفات الله تعالى
الفعلية، فهو سبحانه يقول للشيء: (كن)
فیکون کما يريده الله سبحانه، وفي الزمن
الذي يريده، وبالكيفية التي يريدها، لا
يتخلف عن قدرته سبحانه شيء في الأرض
ولا في السماء.
أولًا: القدر سرٌّ من أسرار الله تعالى:
قضية القدر من أخطر القضايا وأغمضها،
قال الله سبحانه: ﴿لَا يُسْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْتَلُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
قال الطحاوي: ((فويل لمن صار لله
تعالى في القدر خصيمًا، وأحضر للنظر فيه
قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص
الغيب سرًا كتيمًا))(٢) أي: طلب بوهمه في
البحث عن الغيب سرًا مكتومًا، إذ القدر
سر الله في خلقه، فهو يروم ببحثه الاطلاع
على الغيب، وقد قال تعالى: ﴿قُل لَا يَعْلَمُ مَن
فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
وصح عن نبينا الكريم صلى الله عليه
وسلم قوله: (إذا ذكر القدر فأمسكوا)(٣).
(٢) العقيدة الطحاوية، الطحاوي ص ٥٣.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،
١٩٨/١٠، رقم ١٠٤٤٨.
وحسن إسناده العراقي في المغني عن حمل
الأسفار. العراقي ص ٣٩.
www. modoee.com
٢٠٩

حرف القاف
قال طاووس رحمه الله لرجل: ((القدر سر ثانيًا: شمولية القدر لجميع
الله تعالى، فلا تدخلن فيه»(١).
ولكن على المسلم النظر فيما بينه
الله تعالى في كتابه ورسوله عليه الصلاة
والسلام في سنته في شأن القدر، ولا
يسترسل مع عقله في هذا الباب العظيم،
ولا يطلق لنفسه العنان بالقراءة في كتب أهل
الكلام أو غيرهم ممن لم يلتزموا الوحي في
حديثهم عن القدر.
قال الطحاوي رحمه الله: ((وأصل القدر
سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك
ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، والتعمق والنظر
في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان،
ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من
ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى
طوى علم القدر عن أنامه(٢)، ونهاهم عن
مرامه (٣)، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْئَلُ
عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
فمن سأل - سؤال تكذيب وتعنت -: لم
فعل؟ فقد رد حکم الکتاب، ومن رد حکم
الكتاب كان من الكافرين)»(٤)، أما من سأل
سؤال راغبٍ في المعرفة طالبٍ للحق فنعم
ما صنع؛ فقد أمر الله سبحانه بسؤال أهل
العلم.
(١) الشريعة، الآجري ٢ / ٩٤٠.
(٢) خَلْقه.
(٣) طَلَبه.
(٤) شرح الطحاوية، ابن أبي العز ص ٢٤٩.
المخلوقات:
قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ
قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].
((وهذا نص صريح أنه تعالى قد جعل
لكل شيء من الأشياء -أيًا كان هو- قدرًا
لا يتعداه لا بزيادة ولا بنقص، ولفظ (شيء)
أعم العمومات.
وقد جاءت آيات كثيرة دالة على هذا
العموم عامة وخاصة:
فمن الآيات العامة قوله تعالى: ﴿إِنَّاكُلَّ
شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: ٤٩])).
وهذا شامل للمخلوقات والعوالم
العلوية والسفلية، أن الله تعالى وحده خلقها
لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في خلقها،
وخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به
قلمه، بوقتها ومقدارها، وجميع ما اشتملت
عليه من الأوصاف، وذلك على الله يسير،
فلهذا قال بعدها: ﴿وَمَآ أَمْرُنَّ إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْيج
بِالْبَصَرِ ﴾ [القمر: ٥٠])(٥).
﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾
و قوله:
[الرعد: ٨].
وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا﴾
[الفرقان: ٢].
((قدر حجمه وشكله، وقدر وظيفته
وعمله، وقدر زمانه ومكانه، وقدر تناسقه
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٢٨.
٢١٠
القرآن الكريم