Indexed OCR Text

Pages 41-57

القلب
وأشربوا من الشراب، ومن عادة العرب عنه من باب، وعلى ذلك نبه سبحانه
أنهم إذا عبروا عن مخامرة حب أو بغض وتعالى بقوله: ﴿إِنَ الْمُنَفِقِينَ هُمُ
الْفَسِقُونَ
استعاروا له اسم الشراب، إذ هو أبلغ منساغ
في البدن؛ ولذا قال الأطباء: الماء مطية
إلى أقطار البدن(١).
أي: الخارجون من الشرع، وجعل
الأغذية والأدوية ومركبها الذي تسافر به الله المنافقين شرًّا من الكافرين. فقال:
﴿إِنَّ الْتَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾
[النساء: ١٤٥] (٣).
وقريب منه ((السلك)) في الآية الأخرى،
في قوله سبحانه وتعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ.
فِي قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الحجر: ١٢].
والسلك: إدخال الشيء في الشيء،
كإدخال الخيط في المخيط.
والمعنى: کذلك نسلکه -أي: الضلال
والكفر والاستهزاء والشرك- في قلوب
المجرمين من قومك، قاله الحسن وقتادة،
أو نسلك القرآن في قلوبهم فیکذبون به.
وأعظم أنواع الكفر: جحود الوحدانية،
أو النبوة، أو الشريعة، وهو ما ينطبق على
الآية التي نحن بصددها، وعلى كلٍ فالكفر
من أحط أمراض القلوب، فليس بعد الكفر
ذنب، أعاذنا الله والمؤمنين منه (٢).
٤ . النفاق.
من الأمراض التى تقضي على القلب
فتؤدي به إلى الموت: النفاق، والنفاق يطلق
على الدخول في الشرع من باب والخروج
(١) روح المعاني، الألوسي ٣٢٦/١.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص٧١٤.
[التوبة: ٦٧].
وقد وصف النفاق في الاستعمال القرآني
بالمرض، والمرض يعرف بأنه: حالة خارجة
عن الطبع ضارة بالفعل، وقد يطلق المرض
لغة على أثره، وهو الألم، وعلى ضعف
القلب وفتوره، وعلى كل ما يعرض للمرء
مما يخل بكمال نفسه، كالبغضاء، والغفلة،
والغل، والحسد، وسوء الاعتقاد والهوى،
وغير ذلك من موانع الكمالات المشابهة
لاختلال البدن المانع عن الملاذ، والمؤدية
إلى الهلاك الروحاني، الذي هو أعظم من
الهلاك الجسماني.
والمنقول عن ابن مسعود وابن عباس
ومجاهد وقتادة وسائر السلف الصالح:
حمل المرض في الآية على ما يخل بكمال
النفس، ولا شك أن قلوب المنافقين كانت
ملأى من تلك الخبائث التي منعتهم مما
منعتهم، وأوصلتهم إلى الدرك الأسفل من
النار (٤).
(٣) المصدر السابق ص٨١٩.
(٤) روح المعاني، الألوسي ١٤٩/١.
www. modoee.com
٤٤١

حرف القاف
فالمرض: إما آفة في الإدراك، كسوء ذكر صنفين من الناس.
الاعتقاد والكفر، وإما الهيئة الباعثة على
ارتكاب الرذائل، كالغل والحسد والبغض،
أو المانعة عن اكتساب الفضائل، كالضعف
والجبن والخور.
وكل ذلك كائن موجود في المنافقين،
حيث تأصل فيهم سوء الاعتقاد الذي أدى
إلى ارتكاب الرذائل، الذي يؤدي بدوره إلى
المنع من اكتساب الفضائل، ففساد اعتقادهم
أدى بهم إلى الحقد والغل والحسد لدرجة
أن صدورهم کانت تغلي علی رسول الله
صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين غلّا
وحنقًا، فهم الذين وصفهم الله سبحانه
وتعالى بقوله: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمْ﴾
[آل عمران: ١٢٠].
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى
صُدُورُهُمْ أَكْبِرٌ﴾ [آل عمران: ١١٨].
ومن أفدح أنواع الأمراض وأخطرها
مرض النفاق، وقد جاء في الاستعمال
القرآني مقترنا بالقلب في آيات منها قوله
تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ بِأَلْيَوْمِ
اْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ ) يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
٥ في قُلُوبِهِم تَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّأَ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌُّ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
[البقرة: ٨-١٠].
هذه الآيات من سورة البقرة جاءت عقب
يقول القاضي البيضاوي: «لما افتتح الله
تعالی بشرح حال الکتاب، وساق بیانه، ذکر
المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله، وواطأت
فيه قلوبهم ألسنتهم، وثنى بأضدادهم
الذين محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا، وثلث
بالمذبذبين بين القسمين، وهم الذين
آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلًا
للتقسيم، وهم أخبث الكفرة، وأبغضهم
إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم موهوا
الكفر وخلطوا به خداعًا واستهزاءً؛ ولذلك
طول في بيان خبثهم وجهلهم واستهزأ بهم،
وتهكم بأفعالهم، وسجل عليهم عمههم
وطغيانهم، وضرب لهم الأمثال، وأنزل
فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ فِي الدَّرّكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ
النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]))(١).
فوائد مهمة متعلقة بالنفاق:
الفائدة الأولى: المرض جاء منونا في
قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].
فما الحكمة من ذلك ؟ قلت: قال
المحقق الألوسي: «جاءت كلمة
بالتنوين: للدلالة على أنه نوع غير ما يتعارفه
الناس من الأمراض)» (٢) وقد زاد الله مرضى
القلوب بآفة النفاق مرضا ﴿فِي قُلُوبِهِم قَرَضُ
فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا﴾ فما سبب هذه الزيادة
(١) أنوار التنزيل ١/ ٤٦١.
(٢) روح المعاني ١٤٩/١.
٤٤٢
صَوْسُو
القرآن الكريمِ

القلب
؟ قلت: الجواب: أنه كلما نزل الوحي على
رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعوه
کفروا به فازدادوا کفرًا إلی کفرهم، أو کلما
نصر الله نبيه صلی الله عليه وسلم ازدادوا
حسدًا وغلا وبغضًا، وازدادت قلوبهم ضعفًا
وخورًا، وهذا زيادة في المرض(١)
الفائدة الثانية: معلوم أن مرض النفاق
مجمع على ظهوره بالمدينة، فكيف تناوله
القرآن المكي ؟
قال سبحانه وتعالى في سورة المدثر
المكية: ﴿وَلَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ قَّرَضْ وَالْكَفِرُونَ مَاذاً
أَرَدَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن
يَشَةُ وَمَا يَعْلَمُ جُدَ رَيْكَ إِلَّهُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
والجواب: أن الله تعالى أخبر في هذه
الآية المكية عما سيقع من المنافقين، وعلى
هذا نعتبر هذه الآية معجزة؛ لأنه إخبار عن
غيب سيقع، وقد وقع على وفق الخبر،
فيكون معجزًا، ويجوز أن يراد بالمرض:
الشك؛ لأن أهل مكة كان أكثرهم شاکین،
وبعضهم کانوا قاطعین بالكذب. (٢) ویمکن
أن یکون المراد بالمرض ما هو مترتب على
عداوة الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم من
كراهية وغل وحقد وحسد وضغينة وحبٌ،
لأن يغلب فكل هذه أمراض لا مانع من
وجودها في القلب مع الكفر.
(١) الكشاف، الزمخشري ١/ ١٧٥.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٢٠٧.
الفائدة الثالثة: كثيرًا ما يفسر النفاق بالشك
في حين أن آية النور يقول منطوقها: ﴿أَفی
قُلُوبِهِم مَّرَضُ أَمِ آَرْتَابُواْ﴾ [النور: ٥٠] ومعروف
أن المرض مرض النفاق، فكيف نوفق بين
حمل القرآن للمرض على أنه النفاق
في
قُلُوبِهِم قَرَضٌ﴾ أي: نفاق، وبين تفسير النفاق
بالشك مع وجود هذه الآية الكريمة؟
يقول الألوسي: ((هذا ترديد لسبب
الإعراض المذكور، فمدار الاستفهام ما
يفهم من الكلام كأنه قيل: أسبب إعراضهم
عن المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم
أنهم مرضى القلوب لكفرهم ونفاقهم، أم
سببه أنهم ارتابوا وشكوا في أمر نبوته صلى
الله عليه وسلم مع ظهور حقيقتها، أم سببه
أنهم يخافون أن يحيف ویجور الله تعالى
شأنه عليهم ورسوله صلی الله عليه وسلم
والاستفهام إنكاري)) (٣).
ويقول الرازي: ﴿أَفِ قُلُوبِهِم قَرَضُ﴾ إشارة
إلی النفاق ﴿ارتابُوا﴾ إشارة إلى أنه حدث
هذا الشك والريب بعد تقرير الإسلام في
القلب (٤).
ففسر المرض بمرض يقوم بأعيانهم،
أو المرض: الكفر، والريب: النفاق، أو
المرض: الكفر، والريب شيء حدث بعد
تقرير الإسلام في القلب.
(٣) روح المعاني، الألوسي ١٨/ ١٩٦.
(٤) مفاتيح الغيب ٢١/٢٤.
www. modoee.com
٤٤٣

حرف القاف
الفائدة الرابعة: ما معنى ذكر النفاق في واحد منهم واحد بالشخص كثير
بالاعتبار (١).
والمرض في موضع واحد ؟
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضَُّ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا
غُرُورًا (٣)﴾ [الأحزاب: ١٢].
* لَيْنِ لَّْ يَلْنَهِ الْمُنَفِقُونَ
وقال أيضًا:
وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ وَالْمُرْجِفُونَ فِى
اٌلْعَدِينَةِ لَنُغْرِيَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا
إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٦٠].
وظاهر العطف أن الذين في قلوبهم
مرض قوم لم يكونوا منافقين، فقيل: هم قوم
كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبهة
عليهم، وقيل: قوم كانوا ضعفاء الاعتقاد
لقرب عهدهم بالإسلام.
وجوز أن يكون المراد بهم المنافقين
أنفسهم، والعطف لتغاير الوصف كقولهم:
((إلى الملك القرم وابن الهمام سواء جعل
العطف تفسيريًا، أو فسر مرض القلوب
بالإحن والعداوات والشك مما هو غير
النفاق، وعلى هذا فهم فريق واحد إلا أن
لهم اعتبارات متعددة: المرض، الإرجاف،
الارتياب، التردد.
وهذا نظير قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ
الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَئِنِينَ وَاَلْقَلِئَاتِ﴾ [الأحزاب:
٣٥].
حیث ذکر أصنافًا عشرة كلهم يوجد
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
خلاصة القول: أن المرض من أعظم
آفات القلوب فتگا بمن تمکن منه، وأكثر ما
يفسر بالنفاق والشك والشهوة، وغير ذلك،
ولكنه غلب على النفاق نسأل الله معافاته.
(١) انظر: الكشاف الزمخشري ١٧٦/١، روح
المعاني الألوسي ١٥٨/٢١.
٤٤٤

القلب
سنة الله في أصحاب القلوب
أولًا: سنة الله في أصحاب القلوب
السليمة:
تناولنا فيما سبق صفات القلوب في
الاستعمال القرآني من حيث السلامة
والمرض والموت، ومما لا شك فيه أن
القلوب ليست هي الغايات بل أصحابها
بنص القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا
بَنُونَ ﴿ إِلَّا مَنْ أَفَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (
٨٩
[الشعراء: ٨٨-٨٩].
فالذي يحمل قلبا مخلصا لا شرك فيه
ولا شبهة ينتفع به في الآخرة.
من هنا يجدر بنا أن نبين سنة الله وعادته
في أصحاب القلوب على اختلاف أوصافها
ليعيش المسلم بين الخوف والرجاء، الخوف
من هلاك القلب وخسران صاحبه، والرجاء
في مزيد من الطاعة ليفوز فوزًا عظيمًا.
وبناء على ما تقدم نستطيع استجلاء سنة
الله وعادته مع أصحاب القلوب السليمة،
وكونه سبحانه وتعالى يرزقهم من عطاياه
الجزيل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا
فیھبهم:
٤ الطمأنينة وسكون النفس وراحة البال.
ویرزقهم الله عز وجل الخوف منه، فلا
يقدمون على معصيته، ولا يجترئون
علی منکر.
ويغرس فيهم الرأفة والرحمة والشفقة.
ويمنحهم الله الطهر والنقاء وصفاء
السريرة.
كما يرزقهم الله الإخبات والخشوع
والتذلل لجناب الحق - جل وعلا -
ويغرس في قلوبهم الإيمان غرسًا.
كما يحبوهم الله ألفة، وما أدراك ما
الألفة ؟ إنه سمت المسلم وسمته.
كما يعطيهم الله التقوى والإنابة وكثرة
الرجوع إليه سبحانه.
كذلك الهدى والرشاد، وكفى بهما
ظفرًا لصاحبهما.
كذلك يرزقهم الله القوة في الصدع
بالحق، فلا يخافون من مخلوق البتة.
كذلك يرزقهم الله ليونة وطواعية
تجعل صاحب القلب السليم حيًا يتأثر
بالمواقف وينفعل بها.
كذلك الفقه، ونعمة الفهم، وأجزل
بهما من عطاء لصاحب القلب السليم
المستقیم.
هذه نعم حياتية نستطيع استشفافها من
خلال آيات القرآن الكريم التي تقدم ذكرها
في صفات القلوب السليمة من هذا البحث.
أما في الآخرة: فكفى صاحب القلب
السليم شرفًا وفضلًا أن الله أعد له الجنة،
وأعد له فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت
www. modoee.com
٤٤٥

حرف القاف
ولا خطر على قلب بشر، ومن كان جزاؤه
الجنة فقد رضي الله عنه، وفاز فوزًا عظيمًا،
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِجَعَنِ
النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَيَوَةُ
الدُّنْيَا إِلَّا مَتَنِعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
ولما كان مآل أصحاب القلوب السليمة
مفسرًا واضحًا فلا يحتاج إلى مزيد بيان
وترغيب، اكتفيت بما ذكرته سابقًا مفصلًا،
ولاحقًا مجملًا؛ لأسير على سنن القرآن
وهدیه، حیث إن الله عز وجل لم يفصل
الحلال المباح ولكن فصل ما حرم علينا
فحسب؛ لنتوقاه، وفي توقیه خروج من ضيق
الحرام والمعصية إلى سعة الحلال الطيب.
ثانيًا: سنة الله في أصحاب القلوب
المريضة:
اقتضت حكمة الله تعالی ألا یعاجل من
عصاه بالنقمة، بل يمهله لعله يتوب ويتدارك
أمره.
قال تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل
رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَةُ بَأْسُهُ, عَنِ
اَلْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ ﴾ [الأنعام: ١٤٧].
وفي الصحيحين: (إن الله ليملي للظالم،
حتى إذا أخذه لم يفلته). ثم قرأ رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيْكَ
إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدُ
(١٠٢) ﴾ [هود: ١٠٢] الآية (١).
وقال الله تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ قَرْيَةٍ
أَمْلَيْتُ لَمَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىّ
الْمَصِيرُ ﴾ [الحج: ٤٨] فمن أقلع عما هو
فیه من کفر أو عصیان، ورجع إلى الله وتاب
إليه، تاب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ
سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ
غَفُورًارَّحِيمًا
﴾ [النساء: ١١٠].
ومن أمن العقاب أساء الأدب وكان
جزاؤه ما يستحقه.
ومرضى القلوب إن لم يتداركوا مرضهم
فإن سنة الله تعالى فيهم أن يزيد علتهم عللًا،
وأمراضهم مرضًا، ويطمس على بصيرتهم
بتسليط الرجس، والصرف على قلوبهم مما
يفضي إلى هلاكها.
١. الرجس.
وهو عقاب یصیب به الله تعالى أصحاب
القلوب المريضة ليزيدهم به مرضا على
مرضهم، وقد اقترن بالقلب فى قوله تعالى:
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ
زَادَتْهُ هَذِهِ= إِيمَانًا فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ
إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِ
قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى
وهي ظالمةٌ)، رقم ٤٣١٨، ومسلم في
صحيحه، كتاب القدر، باب تحريم الظلم،
رقم ٢٥٨٣.
٤٤٦
جَوَبي
القرآن الكريمِ

القلب
(١٢٥) ) [التوبة ١٢٤- ضلالًا.
وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ
١٢٥].
وقد اقترن الصرف بالقلوب في قوله
في حق المنافقين نزلت هذه الآية وما تعالى: ﴿وَ إِذَا مَآ أَنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ
بعدها، والمعنى: فإذا أنزلت سورة من إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَنِكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ أَنصَرَفُواْ
صَرَفَ اَللّهُ قُلُوبُهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ
(١٢٧) ﴾ [التوبة: ١٢٧].
سور القرآن فمن هؤلاء المنافقين من يقول
استهزاءً: أیکم زادته هذه إيمانًا، فأما الذين
آمنوا فزادتهم تصديقًا على ما فيهم من
تصديق، وذلك بزيادة الأدلة والبراهين،
وأما الذين في قلوبهم مرض النفاق والشك
فزادتهم نفاقًا إلی نفاقهم و کفرًا إلى كفرهم،
وماتوا على ذلك.
والقذر هنا فى الاعتقاد الفاسد؛ لذا فسر
الرجس في الآية بالعقائد الفاسدة الباطلة،
أو الأخلاق المذمومة.
والآية تخبر أن المنافقين كانوا إذا
أنزلت سورة تفضح النفاق والمنافقين،
وهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ينظر بعضهم إلى بعض مستقرئين
حال الجالسين، متحينين الفرصة للهرب
والانصراف، فهم لا يطيقون سماع مذمتهم
وفضيحتهم، فإذا وجدوا الأمر على ما
وَصَرَفََ اللَّهُ
يريدون انصرفوا وقاموا
قُلُوبَهُم ﴾ وهذه جملة دعائية، أي: صرفها
عن الهدى والإيمان ﴿يَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾
الحق ولا يتدبرون.
فإذا كان الأول كان المعنى: أنهم كانوا
مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك، والآن
صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة، فقد
انضم مرض عقدي إلى مرض عقدي.
فالصرف هنا: دعاء عليهم بالخذلان
وبصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان
وإن کان الثاني کان المراد أنهم كانوا
في الحسد والعداوة واستبطان وجوه المکر
والكيد، والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة
بسبب نزول هذه السورة الجديدة(١).
من الانشراح بسبب أنهم قوم لا يفقهون (٢).
وهو خذلان وإضلال للمنافقين ومن
على شاكلتهم من أصحاب القلوب
وكفى بالقذر نهاية للقلوب المريضة المريضة.
والعياذ بالله.
٢. الصرف.
الصرف مرض يصيب القلب ليزداد
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣٧/١٦.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢٢٣.
www. modoee.com
٤٤٧

حرف القاف
ثالثًا: سنة الله في أصحاب القلوب والنصر ﴿فَشَفِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ثبتوا
الميتة:
سنة الله في أصحاب القلوب الميتة أنه
سبحانه وتعالى يذيقها من صفات العذاب ما
يزيدها عزلة واحتجابًا، حتى أصحابها فمن
الإرعاب إلى الطبع إلى الختم إلى القفل و
الكنان.
١. الرعب.
الرعب: أصله التقطيع، من قولهم:
رعبت السنام ترعيبًا إذا قطعته مستطيلًا،
كأن الخوف يقطع الفؤاد، أو يقطع السرور
بضده، ورعب السيل الوادي إذا ملأه، كأن
السيل قطع السلوك فيه، أو لأنه انقطع إليه
من كل الجهات (١).
وقد ورد الإرعاب مقترنا بالقلب كعقوبة
لأصحاب القلوب الميتة في قوله تعالى:
﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلْفِى فِي قُلُوبٍ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ
الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُواْ اللَّهُ
١٢
كُلَّ بَنَانٍ
وَرَسُولَهُ، وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ
١٣ ٢﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٣].
شَدِيدُ الْعِقَابِ
والمعنى: اذكر يا محمد وقت إيحاء
الله للملائكة بقوله: ﴿أَنِّ مَعَكُمْ﴾ بالعون
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص١٩٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٣٢/٤.
المؤمنين وقووهم، سأقذف في قلوب
الكافرين الخوف والفزع حتى ينهزموا،
فاضربوهم على الأعناق واضربوا منهم كل
بنان، وهذا في غزوة بدر الكبرى.
والمعنى عليه: سنملاً قلوب المشركين
خوفًا ورعبًا، هذا الخوف والرعب يكاد
يقطعهم عن الحياة لقسوته.
يقول الفخر الرازي مبينًا وجه الربط بين
سابق هذه الآية واللاحق: ((وهذا من النعم
الجليلة؛ وذلك لأن أمير النفس هو القلب،
فلما بين الله سبحانه وتعالى أنه ربط قلوب
المؤمنين بمعنى أنه قواها وأزال الخوف
عنها، ذكر أنه ألقى الرعب والخوف في
قلوب الكافرين، فكان ذلك من أعظم نعم
الله تعالى على المؤمنين(٢).
ومن فضل الله سبحانه وتعالى علينا
جعله سبحانه الرعب في قلب كل من لا
يسلم وجهه لله.
يقول الفخر: ((وظاهر قوله: ﴿سَنَلقى
[آل
فِي قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾
عمران: ١٥١].
يقتضي وقوع الرعب في جميع الكفار،
فذهب العلماء إلى إجراء هذا العموم على
ظاهره؛ لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا
وفي قلبه ضرب من الرعب من المسلمين،
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٣٩/١٥.
٤٤٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

القلب
إما في الحرب وإما عند المحاجة))(١).
ومن الملاحظ أن الإلقاء في آية آل
عمران ﴿سَنُلْقِ﴾ وآية الأنفال ﴿سَأُلِّقِى﴾
مفسر بالقذف في سورة الأحزاب، قال
تعالى في معرض حديثه سبحانه عن غزوة
الأحزاب: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَمْ
يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ
قَوِيًّا عَزِزًا ﴾ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ
الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا )﴾
[الأحزاب: ٢٥- ٢٦].
وأصل القذف: الرمي بقوة، أو من بعد،
وعليه يكون المعنى: وأنزل الله الرعب في
قلوب بني قريظة إنزالًا شديدًا کأنه قد قذف
الحجارة فيها، وهذا ما حدث فعلًا عندما
قذف الله الرعب في قلوب اليهود حتى
أسلموا أنفسهم للقتل، وأهليهم وأولادهم
للأسر حسبما نطق القرآن العزيز:
يقًا
تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: ٢٦].
وما في سورة الأحزاب هو ما ازداد
وضوحًا وبيانًا في سورة الحشر: ﴿هُوَ
الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِجْ
◌ِأَوَّلِ الْخَشْرِّ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُم
مَانِعَتُهُمْ حُصُوْنُهُم مِّنَ اَللَّهِ فَأَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ
حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِيُونَ
بُيُوتَهُم بِأَيْدِهِمْ وَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوا يَتَأُوْلِىِ
(١) المصدر السابق ٩/ ٣٣.
اَلْأَبْصَرِ ﴾ [الحشر: ٢].
وقد كان هذا الإرعاب لليهود بقتل
سیدهم کعب بن الأشرف، وكان مقتله في
ربيع الأول من السنة الثالثة، وكانت غزوة
بني النضير في ربيع الأول من السنة الرابعة،
وسبب قتله أنه لما رأى ما وقع في غزوة بدر
من عز الإسلام والمسلمين ازداد اللعين
غيظًا وحسدًا، وكان شاعرًا فصار يهجو
الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين
بشعره، وذهب إلى مكة محرضًا قريشًا
على حرب المسلمين وحزبهم، فجاؤوا في
وقعة أحد، فلما ظهر أمره للنبي صلى الله
عليه وسلم أرسل له محمد بن مسلمة ومعه
أربعة، وكلهم من الأوس، فقتلوه في حصنه
غيلة وخديعة، فألقى الله الرعب في قلوب
بني النضير، وخافوا من رسول الله صلى
الله عليه وسلم خوفًا شديدًا، فغزاهم صلى
الله عليه وسلم وأمكنه الله منهم.
وكان الإشراك سببًا لإلقاء الرعب وقذفه
في قلوبهم، أليس الشرك من موجبات
الخذلان، كما أن الإيمان من موجبات
التوفيق والنصر؟! (٢).
والخلاصة أن الرعب يقذفه الله تعالى
غالبا في قلوب أصحاب القلوب الميتة
جزاءًا وفاقًا.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٤١/٢٨.
www. modoee.com
٤٤٩

حرف القاف
٢. الحسرة.
من سنن الله في أصحاب القلوب
الميتة أن يجعل الحسرة والندامة صفة لهم
تلازمهم، وذلك حين لا ينفع التحسر أو
الندم، والحسرة: الغم على ما فاته، والندم
عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله
على ما ارتكبه، أو انحسر قواه من فرط غم،
أو أدركه إعياء من تدارك ما فرط منه (١).
وقد وردت الحسرة مقترنة بالقلب في
قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ
كَذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى
اُلْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا
قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ
يُحِ، وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٥)﴾ [آل
عمران: ١٥٦].
معنى الآية: لما كان من طبيعة المنافقين
تعيير المؤمنين على جهادهم مع الكفار
بقولهم: ﴿أَوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَاقُتِلُواْ ﴾ ثم
إنه لما ظهر عند بعض المؤمنين فتور وفشل
في الجهاد حتى وقع يوم أحد ما وقع، وعفا
الله-بفضله۔عنهم، ذکر في هذه الآية ما يدل
على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين
مثل مقالتهم، فقال: يا أيها الذين آمنوا لا
تقولوا لمن يريد الخروج إلى الجهاد: لو
لم تخرجوا لما متم، وما قتلتم، فإن الله هو
المحي والمميت، فمن قدر له البقاء لم يقتل
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٣٥.
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
في الجهاد، ومن قدر له الموت لم يبق، وإن
لم يجاهد، وهو المراد من قوله: ﴿وَاُلّهُ يُچيء
وَيُمِيتُ﴾ وأيضًا الذي قتل في الجهاد حتى
يستوجب الثواب العظيم كان ذلك خيرًا له
من أن يموت من غير فائدة.
وَلَيْن قَتِلْتُمْ فِي
وهو المراد من قوله:
سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ
مِمَّا يَجْمَعُونَ
﴾ [آل عمران: ١٥٧](٢).
وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا
فيها لإرادة التمكن والإيذان بعدم الزوال (٣).
أو الاهتمام على فائت لم يقدر بلوغه
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ
بَحَسْرَ فَ عَلَى مَا فَرَّتُ فِ جَنْبٍ اَللَّهِ وَإِن كُنتُ
لَمِنَ السَّخِرِينَ ﴾ [الزمر: ٥٦].
وإسناد الفعل إلى الله تعالى ﴿لِيَجْعَلَ
اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ له نكتة، وهي كما
یقول جار الله الزمخشري رحمه الله: ((فإن
قلتَ: ما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى؟
قلتُ: معناه: أن الله عز وجل عند
اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم
والحسرة في قلوبهم ويضيق صدورهم
عقوبة، فاعتقادهم فعلتهم وما يكون عنده
من الغم والحسرة وضيق الصدور فعل الله
عز وجل كقوله: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا
كَأَنَّمَا يَضَّغَّدُفِي السَّمَلَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٥٩.
(٣) روح المعاني، الألوسي ٤ /١٠١.
٤٥٠

القلب
ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل لتكون عاقبة أمرهم إضلال الناس عن
دینك، ومنعهم عن طاعتك وتوحيدك، ربنا
أهلك أموالهم وأزلها وبددها.
عليه النهي، أي: «لا تكونوا مثلهم ليجعل
الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم؛
لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون
ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم)) (١).
فالحسرة والندامة عقوبة لازمة لمن مات وقسها حتى لا تنشرح للإيمان فلا يؤمنوا
قلبه.
٣. الشد.
الشد على القلب عقاب لمن مرض قلبه
حتی أجهز علیه فمات.
ومعنى الشد على القلوب: الاستيثاق
منها حتى لا يدخلها الإيمان(٢).
وقد جاء الشد مقرونًا بالقلب في
الاستعمال القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ
مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَّهُ زِينَةٌ
وَأَمْوَلَا فِى الْخَيَّوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ
رَبَّنَا أْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ا﴾ قَالَ قَدْ
أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا فَأَسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّبِعَانٍ سَبِيلَ
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(
﴾ [يونس: ٨٨-٨٩].
٨٩
والمعنى: قال موسى يا ربنا إنك أعطيت
فرعون وكبراء قومه زينة من متاع الدنيا
وأنواعًا كثيرة من المال.
﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾: اللام:
للعاقبة، أي: آتيتهم تلك الأموال الكثيرة
(١) الكشاف، الزمخشري ١/ ٤٧٤.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٥٠.
والطمس: إزالة أثر الشيء بالمحو.
وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: اطبع عليها
حتى يروا العذاب الأليم، وهذا دعاء عليهم
بلفظ النفي، أي: اللهم فلا يؤمنوا حتى
یذوقوا العذاب المؤلم، ویوقنوا به حیث
لا ينفعهم ذلك، وإنما دعا عليهم موسى
الطغيانهم ولعلمه بالوحي أنهم لن يؤمنوا.
قَدْ أَجِيبَت
قال الله سبحانه وتعالى:
دَّعْوَتُكُمَا﴾ على فرعون وأشراف قومه
فكان الغرق لفرعون وقومه، وثبت الله
موسى وأخاه هارون (٣).
قال الجمل: ﴿وَأَشْدُدْ عَ قُلُوبِهِمْ﴾: أي:
اربط على قلوبهم واطبع عليها وقسها حتى
لا تلين ولا تنشرح للإيمان (٤).
وقال ابن عباس: ﴿وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
امنعهم الإيمان.
وقيل: اطبع عليها حتى لا تنشرح
للإيمان (٥).
وكل هذه المعاني مختلفة اختلاف تنوع
لا اختلاف تعارض بینھا.
(٣) صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ٥٩٥.
(٤) الفتوحات ٤٠٤/٣-٤٠٥.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٧٤/٨.
www. modoee.com
٤٥١

حرف القاف
٤. الطبع.
من سنة الله في أصحاب القلوب الميتة
أنه سبحانه یطبع عليها.
والطبع: يطلق على تأثير الشيء بنقش
الطابع، وعلى الأثر الحاصل عن النقش،
يقول الراغب: الطبع: أن تصور الشيء
بصورة ما، كطبع السكة وطبع الدراهم،
وهو أعم من الختم وأخص من النقش،
والأكثرون على تفسيره بالختم مرادًا به
المنع.
وجاء الطبع بمعنی: الدنس، ومنه طبع
السيف لصدئه ودنسه(١).
وقد سوى بعض العلماء بين الطبع
والختم والرين كما يقول الفخر: ((الطبع،
والختم، والرين، والكنان، والغشاوة،
والصد، والمنع، واحد)) (٢).
قلت: لعله أراد التوحد من حيث انتظام
هذه الأوصاف تحت شيء واحد، ألا وهو
العقاب لأصحاب القلوب الميتة، أما من
حيث دلالات الألفاظ وما تحمله، فمن
المقطوع به أن كل لفظ له دلالته وظلاله
التي اختص بها.
وقد ترتب على الطبع عدة آفات، منها:
عدم السمع: قال سبحانه وتعالى:
﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٠١.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢/ ٥٧.
يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٠].
عدم الفقه: قال سبحانه وتعالى:
لا
﴿وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ
يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧].
عدم العلم: قال سبحانه وتعالى:
﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[التوبة: ٩٣].
وبالتأمل وجدنا أن عدم السمع وعدم
الفقه، وعدم العلم يعني: اتباع الهوى
والغفلة التامة، والاعتداء على حدود الله،
وذلك كله مردود إلى الطبع.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أُوْلَكَ
الَّذِينَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَّعَوْ أَهْوَاءَ هُمْ﴾
[محمد: ١٦].
وقال سبحانه وتعالى في الغافلين:
﴿أُوْلَبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
(١٠٨) ﴾ [النحل: ١٠٨].
الْفَفِلُونَ
وقال سبحانه وتعالى في المعتدين:
﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ اَلْمُعْتَدِينَ﴾
[يونس: ٧٤].
وكل ذلك كائن عند الكافرين الذين
استجمعوا كل صفات المهانة والقبح، فقال
عز من قائل: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى قُلُوپٍ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١].
وقد ورد الطبع في الاستعمال القرآني
في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿أَوَلَرْ
٤٥٢
جَوَُّور
القرآن الكريمِ

القلب
يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَن
أَّوْنَشَآءُ أَصَبْنَهُم ◌ِذُنُوبِهِمَّ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ
١٠٠
فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَابِهَاً وَلَقَدْ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ
فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُّ
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى قُلُوبِ اَلْكَفِرِينَ
١٠١
[الأعراف: ١٠٠- ١٠١].
يخاطب الله سبحانه وتعالى كفار مكة
وكل من يصلح له هذا الخطاب محذرًا
بقوله: ﴿أُولَمْيَهْدِ﴾ أي: أولم يتضح ویتبین
للذين يخلفون الأرض من بعد هلاك أهلها
الذين عمروها قبلهم أن لو أردنا إهلاكهم
لأهلكناهم بسبب ذنوبهم كما أهلكنا من
كان قبلهم، ونطبع: أي نختم ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
فلا يقبلون موعظة ولا تذكيرًا لتعطلها.
تلك القری نقص علیك یا محمد صلى
الله عليه وسلم من أخبارها وما حصل
لأهلها من صنوف النكال والعذاب ليعتبر
بذلك من يسمع، ولقد جاءتهم رسلهم
بالحجج البينات ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا
كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ما كانوا ليؤمنوا
بما جاءتهم به الرسل؛ لتكذيبهم إياهم قبل
مجيئهم بالمعجزات، وبعد مجيئهم بها،
فحالهم واحد في العتو والضلال.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى قُلُوبِ اَلْكَفِرِينَ﴾
أي: مثل ذلك الطبع الشديد المحكم نطبع
على قلوب الكافرين، فلا تكاد تؤثر فيهم
النذر والآيات.
أعاذنا الله بفضله وكرمه من الطبع ومن
کل ما یقرب إليه من قول أو عمل.
[انظر: الطبع على القلوب: أسباب الطبع -
نتائج الطبع على القلوب]
٥. الختم.
من سنة الله تعالى في أصحاب القلوب
الميتة ((الختم عليها)).
تناول المفسر القرطبي الختم تناولا
لغويا فقال: ((مصدر ختمت الشيء ختمًا
فهو مختوم، ومختم» شدد للمبالغة «ومعناه:
التغطية على الشيء بطابع ونحوه للاستيثاق
منه حتى لا يدخله شيء، ومنه: ختم الکتاب
والباب، وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما
فیه، ولا یوضع فيه غیر ما فيه، والختم يكون
محسوسًا، ویکون معنويًا.
وكما يكون الختم على القلوب الذي
يعني: عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم
مخاطباته والفكر في آياته، يكون على
السمع: فیفسر بعدم السماع للحق، ويكون
على الأبصار: ويفسر بعدم هدايتها للنظر في
مخلوقات الله وعجائب مصنوعاته (١).
وسبب الختم استمراء المعاصي والولوغ
فيها واستحسانها.
يقول الراغب: أجرى الله العادة أن
الإنسان إذا تناهى في اعتقاد باطل وارتكاب
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ١٨٦.
www. modoee.com
٤٥٣

حرف القاف
محظور فلا يكون منه تلفت بوجه إلى
الحق يورثه ذلك هيئة تمرنه على استحسان
المعاصي، وكأنما يختم بذلك على قلبه،
أَوْلَبَكَ
وعلى ذلك قوله سبحانه وتعالى:
الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَيْعِهِمْ
١٠٨
وَأَبْصَرِهِمْ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ (
[النحل: ١٠٨].
إطلاقات الختم:
يطلق الختم على: المنع، والطبع،
والحفظ، وبلوغ الآخر.
٤. المنع: وذلك بالاستيثاق من الشيء
والمنع منه اعتبارًا بما يحصل من
المنع بالختم على الكتب والأبواب،
كقوله سبحانه وتعالى: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ
عَلَى أَفْوَهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]. أي: نمنع
أفواههم من الكلام.
٥. الطبع: الحفظ: كقوله تعالى: ﴿فَإِن يَشَلِ
اَللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]. أي:
يربط على قلبك ويحفظه وهذا المعنى
لیس مرادًا هنا.
٦. بلوغ الآخر: ومنه ختمت القرآن،
ومنه قوله تعالى: ﴿خِتَمُهُ مِسْكٌ﴾
[المطففين: ٢٦]. أي: آخره(١).
وقد فسر الختم في آية الأنعام، في
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَّكُمْ
وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦].
(١) انظر: الوجوه والنظائر ٣٢٠/١.
بالطبع، فقال: طبع على قلوبهم فلم
يعقلوا الهدى، أو أزال عقولكم حتى تصيروا
كالمجانين، أو المراد بالختم الإماتة، أي:
یمیت قلوبکم، و کله في معنى الطبع(٢).
وقد وردت صفة الختم في آیات متعددة
من القرآن الكريم مقترنة بالقلب، من ذلك
قوله تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءُ عَلَيْهِمْ
ءَأَنْذَّرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللهُ
عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَدِهِمْ غِشَوَةٌ
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: ٦-٧].
والمعنى: إن الذين جحدوا بآيات الله
سبحانه وكذبوا برسالة محمد صلى الله
عليه وسلم يتساوى عندهم تحذيرك يا
محمد إياهم من عذاب الله وتخويفك
وعدم تحذیرك، فهم لا يصدقون بما جئتهم
به، فلا تطمع في إیمانهم، ولا تذهب نفسك
عليهم حسرات، وقد جاء هذا على سبيل
التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن
تکذیب قومه له.
ولما حكم سبحانه وتعالى عليهم بأنهم
لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى العلة
الموجبة له، فقال سبحانه وتعالى: ﴿خَتَمَ
اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: طبع على قلوبهم فلا
يدخلها نور ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمٌ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ
غِشَوَةٌ﴾ وغطاء فلا يبصرون الهدى ولا
يسمعون ولا يفقهون؛ لذلك يرون الحق فلا
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٩/١٢.
٤٥٤
ـالعضوي
القرآن الكريمِ

القلب
يتبعونه، ويسمعونه فلا يعونه، ولهم عذاب عقوبة لصاحبه الذي أهمل قلبه حتى مات
ثم استمرا ذلك.
شديد لا ينقطع في الآخرة.
وقد شنع الإمام القرطبي على الفرق
الضالة التي حادت عن الحق منتصرًا لأهل
السنة والجماعة فيقول: ((في هذه الآية أول
دليل على أن الله سبحانه وتعالى خالق
الهدى والضلال والكفر والإيمان، فاعتبروا
أيها السامعون، وتعجبوا أيها المفكرون
من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم
وهداهم، فإن الختم هو الطبع، فمن أين
لهم بالإيمان ولو جهدوا؟! وقد طبع على
قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم
غشاوة. فمتى يهتدون؟! أو من يهديهم
من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى
أبصارهم؟! ﴿وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ هَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾
[الرعد: ٣٣].
وکان فعل الله ذلك عدلًا فيمن أضله
وخذله، إذ لم يمنعه حقًّا وجب له فتزول صفة
العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به
عليهم لا ما وجب لهم؛ ولأن الأمة مجمعة
على أن الله سبحانه وتعالى قد وصف نفسه
بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة
لكفرهم، كما قال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا
بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]))(١).
وبناءً على ما تقدم نستطيع الجزم بأن
الختم كما هو للحفظ والمنع يكون للطبع؛
(١) المصدر السابق ١٨٦/١.
أعاذنا الله من الختم وما يقرب إليه من
قول وعمل. آمين.
٦. الكنان.
من سنن الله سبحانه وتعالى في أصحاب
القلوب الميتة أنه يضع الأغطية والأغلفة
على هذه القلوب فلا تعي شيئًا من الخير
البتة.
والأكنة: الأغطية، جمع كنان، مثل:
الأسنة والسنان، يقال كنت الشيء في
کنه إذا صنته فيه، وأكننت الشيء أخفیته،
والكنانة: معروفة جعبة السهام، والكنان
للقلب كالجنة للنبل(٢).
وقد ورد الكنان مقترنا بالقلب في قوله
تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ
مَاذَائِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ، وَلَّوْاْ
عَلَى أَدْبَرِ هِمْ تُفُورًا ﴾ [الإسراء: ٤٦].
المعنى: وجعلنا على قلوب الكافرين
أغطية وأغلفة؛ لئلا يفهموا القرآن مجازاة لهم
على كفرهم، وجعلنا في آذانهم صمما، وإذا
وحدت الله وأنت تتلو القرآن فر المشركون
من ذلك هربًا من استماع التوحيد.
فكأن الكتان الذي كان على قلوبهم هو
في الحقيقة كنان العناد والمكابرة مع تهيؤ
نفوسهم للإسلام، وإلا لو غطى الله عليها
(٢) انظر: المصدر السابق ٣٣٩/١٥، ٤٠٤/٦.
www. modoee.com
٤٥٥

حرف القاف
بغطاء الطبع أو الختم فقد لا يؤمنون البتة
ويموتون على الكفر كما حدث لغير من آمن
في الوارد ذكرهم في هذا السبب.
وأمرهم هنا - كما قال بعض المحققين-
تمثيلات معربة عن کمال جهلهم بشؤون
النبي صلى الله عليه وسلم وفرط نبو قلوبهم
عن فهم القرآن الكريم ومج أسماعهم له
جيء بها بيانًا لعدم فقههم فصيح المقال(١).
والأكنة التي هي الأغطية هي هي الأغلفة
التي ورد لها ذكر في موضعين من القرآن،
منهما قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُواْقُلُوبُنَا
غُلْفُ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ
[البقرة: ٨٨].
والغلف: جمع أغلف، وهو الشيء
المستور المغشی، قالها اليهود وقصدوا أننا
جبلت قلوبنا على ذلك فلا يتوصل إليها بما
جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فقلوبنا
لا تفقهه، مستعار من الأغلف، وهو الذي لم
يختن (٢)
قال مجاهد: غلفٌ: عليها غشاوة. وقال
عكرمة: عليها طابع (٣).
وقد يكون قول اليهود تعاليًا على النبي
صلى الله عليه وسلم؛ ليظهروا أنهم ليسوا
في حاجة إلى علمه صلى الله عليه وسلم،
(١) روح المعاني، الألوسي ٨٧/١٥.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٩٥/١.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٥/٢.
ويؤيد هذا المعنى قراءة ﴿عَلَفَ ﴾ بضم
اللام(٤).
قال ابن عباس رضي الله عنه: أي: قلوبنا
ممتلئة علمًا لا تحتاج إلى علم محمد صلى
الله عليه وسلم ولا غيره(٥).
وهذه الكلمة ﴿عُلْفٌ﴾ كقول المشرکین:
﴿قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَاْ إِلَيْهِ ﴾ [فصلت:
٥].
قصد بنو إسرائيل إقناط النبي صلى الله
عليه وسلم عن الإجابة، وقطع طمعه عنهم
بالكلية.
﴿بَلِ لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ لما قالوه،
وتكذيب لهم فيما زعموه.
والمعنى: أنها خلقت على فطرة التمكن
من النظر الصحيح الموصل إلى الحق،
لكن الله سبحانه وتعالى أبعدهم وأبطل
استعدادهم الخلقي للنظر الصحيح بسبب
اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة
الراسخة في قلوبهم (٢)، فالأكنة والأغلفة
جعلها الله عز وجل لمن مات قلبه، كما
رأينا في المشرکین واليهود.
٧. القفل.
جعل الله القفل واليبس والصلابة عقوبة
(٤) قراءة اللؤلؤي عن أبي عمرو.
انظر: شواذ القرآن ص١٥.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٥/٢.
(٦) روح المعاني، الألوسي ٣١٨/١.
٤٥٦
جوسين
القرآن الكريمِ

القلب
لأصحاب القلوب الميتة بالكفر
وأصل القفل: اليبس والصلابة، يقال لما
ييس من الشجر: القفل، وأقفله الصوم: أي:
أيسه.
وفي الاستعمال القرآني ورد القفل
مقترنا بالقلب في قوله تعالى:
أَفَلاَ
يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (
[محمد: ٢٤].
المعنى: أفلا يتفهمون القرآن فیعلمون ما
أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام أم على
قلوب أقفالها، أي: بل على قلوب أقفال
أقفلها الله عز وجل علیهم فهم لا يعقلون.
فالأقفال هنا: إشارة إلى ارتتاج القلب
وخلوه عن الإيمان، أي: لا يدخل قلوبهم
ولا يخرج منها الكفر؛ لأن الله طبع على
قلوبهم.
وقال: ﴿أَمْ عَلَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ بالتنكير؛
لتهويل حالها وتفظيع شأنها وأمرها في
القساوة والجهالة، كأنه قيل: على قلوب
منكرةٍ لا يعرف حالها، ولا يقادر قدرها في
القساوة.
ولأنه لو قال: ((على قلوبهم)) لم يدخل
قلب غيرهم في هذه الجملة.
والمراد: أم على قلوب هؤلاء، وقلوب
من كانوا بهذه الصفة أقفالها(١).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٤٦/١٦-٢٤٧.
وإضافة الأقفال إليها ﴿أَقْفَالُهَا﴾ للدلالة
على أنها أقفال مخصوصة بها مناسبة لها غير
مجانسة لسائر الأقفال المعهودة، وهي أقفال
الكفر والعناد(٢).
موضوعات ذات صلة:
التدبر، التفكر، الحياة، الذكر، الطبع على
العقل، القلوب، الموت، الوحي
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٥٣٦/٤، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٨/ ٦٦.
www. modoee.com
٤٥٧