Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِي لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ صر القُرْآن الكريـ 7 عناصر الموضوع مفهوم القرآن ٢٧٠ القرآن الكريم في الاستعمال القرآني ٢٧٢ الألفاظ ذات الصلة ٢٧٣ القرآن الكريم آية وهداية ٢٧٥ حفظ الله للقرآن ٢٨٤ القرآن حجة الله على الناس ٢٩٦ ٣٠٣ حديث القرآن عن مواقف الناس منه ٣٠٩ الأدب مع القرآن ٣١٩ أثر القرآن على المكلفين والجمادات المُجَلَدَ السَّابِعِ وَالعشْرُونْ حرف القاف مفهوم القرآن أولًا: المعنى اللغوي: القاف والراء والياء أصل صحيح يدل على الشيء المجموع، ومن هذا المعنى تطلق كلمة قرءٍ على الحيض وعلى الطهر، فهي من الأضداد، يقال: قرأت المرأة حيضةً أو حيضتين. والقُرْءُ انقضاء الحيض، على قول البعض، وقال بعضهم: ما بين الحيضتين، والقارئ: الوقت، تقول: أَقْرَأَتِ الرِّيحُ: إذا دخلت في وقتها. واستقرأ الجمل الناقة: إذا تاركها؛ لينظر ألقحت أم لا، وقرأت الشيء قرآنًا: جمعته، وضممت بعضه على بعض، وقرأت الكتاب قراءةً وقرآنًا، ومنه سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور فيضمها (١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: حاصل ما تم دراسته من تعريفات مصطلح القرآن الكريم هو أنه: كلام الله تعالى القديم، المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام، وهو غير مخلوق؛ إذ أنه جزء من صفة الذات العلية، وهو معجزٌ ببيانه، متعبدٌ بتلاوته، منقولٌ إلینا بالتواتر، مقروءٌ في المصاحف، مبدوء بسورة الفاتحة ومنتهٍ بسورة الناس (٢). وهذا التعريف شرحه على النحو الآتي: (كلام الله تعالى القديم): خرج منه أي كلام غير كلام الله تعالى من قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو غير ذلك، وهو قديم؛ إذ إنه أصيل من عند الله تعالى لا يعتريه نقص ولا مشكلة. (المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم): خرج منه أية شبهة تقول بأنه أنزل جملة واحدة، أو أنه مخلوق؛ لأنه نزل من الله تعالی إلی قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم. (بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام): ووساطة سيدنا جبريل عليه السلام تعني أن الكلمات القرآنية نزلت بأمر الله تعالى على لسان سيدنا جبريل عليه السلام، كما علمه الله تعالى. (وهو غير مخلوق؛ إذ أنه جزء من صفة الذات العلية): بيان سبب أنه غير مخلوق، وهو أن (١) انظر: الصحاح، الجوهري ١/ ٦٤، مجمل اللغة، ابن فارس ١/ ٧٥٠. (٢) انظر: التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية، صالح الفوزان ص ٦٦، بحوث منهجية في علوم القرآن، موسى إبراهيم الإبراهيم ص ١٤ . ٢٧٠ جَوْنُوحَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ القرآن الكريم الكلام القرآني جزء من صفة الخالق، وليس منفكًا عنه، وبالتالي فإن ما كان جزءًا من الخالق ليس مخلوقًا. (وهو معجز ببیانه، متحدى به، متعبدٌ بتلاوته): خرج منه الحديث القدسي، أو أي قولٍ لله تعالى غير القرآن؛ لأن القرآن -وحده- هو المعجز والمتحدی به، وبالذات في وجهه الأصيل وهو البيان، والقرآن - وحده - دون غيره يتعبد به في التلاوة. (منقول إلينا بالتواتر): إن القرآن - وحده- دون غيره، هو الذي لا يقبل منه أية كلمة منه إلا إذا سمعتها الأمة عبر تواتر أجيال السند؛ إذ لا يكفي خبر الآحاد في النقل، ولو بوجه من وجوه أحكامه. (مقروء في المصاحف): من هذه الفقرة يتبين أن هناك فرقًا بين القرآن الذي هو كلام الله تعالى، وبين المصحف الذي هو الأوراق المكتوب فيها كلام الله تعالى، أي: القرآن، وعلى هذا فإنه لا يجوز أن يجمع القرآن؛ لأنه واحد، وفي المقابل فإنه يجوز أن يجمع المصحف؛ لأنه أوراق بداخلها القرآن. (مبدوءٌ بسورة الفاتحة، ومنتهٍ بسورة الناس): وفي هذا إشارة إلى أن القرآن الكريم يتكون من (١١٤) سورة، تبدأ من سورة الفاتحة، وتنتهي إلى سورة الناس، وترتيب السور القرآنية على الراجح توقيفي، أما ترتيب الآيات فإنه بالإجماع توقيفي. ويظهر أن معنى الجمع والضم في اللغة يتناسب مع ما سمي به القرآن؛ لأنه يجمع السور فيضمها، وهذه السور هي كلام الله عز وجل، بالتالي فالمعنى الاصطلاحي خص بأحد المعاني اللغوية للقرآن. www. modoee.com ٢٧١ حرف القاف القرآن الكريم في الاستعمال القرآني وردت مادة (قرأ) في القرآن الكريم (٨٨) مرة، يخص موضوع البحث منها (٦٨) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الاسم ٦٨ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وجاء القرآن في الاستعمال القرآني بمعنى: الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب القاف ١، ص ٩٣٧- ٩٣٨. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٦٦٩. ٢٧٢ جوبيبو القرآن الكريم القرآن الكريم الألفاظ ذات الصلة الكتاب ١ الكتاب لغةً: الحكم، ومنه قوله: كتاب الله، أي: حكم الله، وكتاب الله: القرآن (١). الكتاب اصطلاحًا: (الحجة الثابتة من جهة الله تعالى))(٢)، وقد وردت في القرآن بمعنى التوراة واللوح المحفوظ، والقرآن. الصلة بين الكتاب والقرآن: الكتاب هو كلمة تشمل القرآن الكريم وغيره، أما القرآن فهو تلك المعجزة الخالدة، أما إذا عرف الكتاب بـ(ال) التعريف، فإنها تكون معهودةً على القرآن الكريم. الكلام: ٢ الكلام لغةً: اسم جنسٍ يقع على القليل والكثير من الحديث (٣). الكلام اصطلاحًا: ((إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك بنحو من أنحاء الإظهار)) (٤). الصلة بين الكلام والقرآن: الكلام الذي ورد في الاصطلاح لا ينطبق على القرآن؛ لأن القرآن ليس مخلوقًا مع أنه كلام؛ ولذلك فإن كلام الله تعالى ليس ككلام البشر، فهو جزء من صفة الذات العلية، كما أن القرآن الكريم هو محل التدبر والاتعاظ، ولا يكون هذا في كلام البشر. الذكر: ٣ الذكر لغة: مصدر ذكر الشيء يذكره ذِكرًا وذَكرًا، وأصل الذكر في اللغة التنبيه على الشيء، ومن (١) انظر: مشارق الأنوار، القاضي عياض ٣٣٥/١. (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٧٩. (٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٢٧٢. (٤) التوقيف على مهمات التعاريف، المنّاوي ص٢٨٣. www. modoee.com ٢٧٣ حرف القاف ذکرك شیئا فقد نبهك علیه، وإذا ذگّرته فقد نبهته علیه(١). الذكر اصطلاحًا: قال ابن علان: ((أصل وضع الذكر هو ما تعبدنا الشارع بلفظه مما يتعلق بتعظيم الحق والثناء عليه))(٢). الصلة بين الذكر والقرآن: القرآن الكريم جزء من الذكر، وهو أشمل من الذكر في جزئية الإعجاز، والذكر أشمل من القرآن في جزئية أن كل ما تعبدنا الشارع بلفظه مما يتعلق بتعظيم الحق والثناء عليه، فيدخل فيه ما ورد في السنة المطهرة من النصوص الصحيحة الثابتة. (١) تهذيب الأسماء واللغات، النووي ١١١/٣. (٢) الفتوحات الربانية شرح الأذكار النووية ٣٩٦/١. ٢٧٤ ◌ُ البَشِيَّة جوب القرآن الكريمِ القرآن الكريم القرآن الكريم آية وهداية اختصاص الله سبحانه وتعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بآية من آياته كاف في الدلالة على نبوته قائم مقام معجزات من سواه من الأنبياء، جعله الله هداية لخلقه إلى كل خير، وهذا ما ستتناوله بالبيان فيما يأتي: أولًا: القرآن الآية الشاهدة بالنبوة: لما ابتعث الله رسله عليهم السلام إلى الناس يدعونهم إلى الحق ويهدونهم إلیه أيدهم بآيات تدل على صدقهم كعصا موسى التي تنقلب حية، أو ناقة صالح التي أخرجت من الصخر (١)، غير أن هذه الآيات المصدقات كانت محدودة بالزمان والمكان، والسبب في ذلك أن رسالات هؤلاء الأنبياء كانت رسالات لقومهم خاصة، وأن الحجة تقوم عليهم بمعاينتها ثم بنقل خبرها إليهم نقلا لا يدع مجالا للشك فيها عمن عاينها، على قرب عهدهم بها. ثم إن هذه المعجزات تتناسب مع ما برع فیه کل قوم؛ لتكون الحجة أبين وأقوم. قال الباقلاني: ((جرت سنة الله في ابتعاث رسله إلى خلقه؛ لتبصيرهم بعظمته وجمعهم على عبادته، أن يؤيدهم بأمور حسية تخالف السنن الكونية، وتشذ عن النواميس الطبيعية، وتكون من قبيل ما (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٢٥. استحکم في زمانهم، وغلب على خاصتهم، وعظم في نفوس عامتهم؛ لتكون معجزة الرسول المرسل إليهم مفحمة لأعجب الأمور في أنظارهم، ومبطلة لأقوى الأشياء في حسبانهم؛ ولئلا يجد المبطلون متعلقا يتشبثون به، ولا سبيلا يتخذونه إلى اختداع الضعفاء؛ فقد أيد الله -جل جلاله- موسى -عليه السلام- وكان عصره عصر سحر، بقلق البحر، وانقلاب العصا حية تسعى، وانبجاس الحجر الصلد بعيون الماء الرواء. وأيد عيسى -عليه السلام- وكان عهده عهد طب، بإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين، وإحياء الموتى بإذنه))(٢). ولما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، جعله الدرة الأخيرة في عقد النبوة، واللبنة المتممة لبنيانها؛ فهو النبي الخاتم الذي لا نبي بعده: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبْنُ وَكَانَ اَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ولذلك وجب حفظ كتاب نبوته من التبديل، وهو الرسول الذي تعم رسالته الناس جميعًا: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ولذلك وجب أن تظل معجزته الدالة (٢) إعجاز القرآن، الباقلاني ص ٥. www. modoee.com ٢٧٥ حرف القاف على صدقه قائمة بينهم يعاينونها ويشهدونها أنه سيكون يدل على صحة دعواه. فتقوم عليهم الحجة بها. وهذا الأمر نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبيٌ إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)(١). فكانت معجزته صلى الله عليه وسلم عقلية لا حسية، ومستمرة لا آنية، ولذلك يبقى مفعولها دائمًا وتبقى الاستجابة لها مستمرة، قال السيوطي: ((هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة العقلية الباقية؛ ليراها ذوو البصائر، کما أنه صلی الله علیه وسلم قال: (ما من الأنبياء نبيٌ إلا أعطي ما مثله آمن علیه البشر، وإنما كان الذي أوتیت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة). قيل: إن معناه أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغیبات، فلا یمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي إلى النبي صلى الله عليه، ٦/ ١٨٢، رقم ٤٩٨١. وقيل: المعنى أن المعجزات الواضحة الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة، فیکون من يتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرًّا))(٢). وتجدر الإشارة إلى أنه عليه - الصلاة والسلام- قد جرت على يديه معجزات وخوارق كثيرة، غير أن الآية الوحيدة التي جعلت شاهدًا على صدقه ودليلًا على نبوته هي القرآن الكريم، فإنه سبحانه ((لما أرسل رسوله محمدًا، صلى الله عليه وسلم، إلى الناس أجمعين، وجعله خاتم النبيين أيده بمعجزات حسية كمعجزات من سبقه من المرسلين، وخصه بمعجزة عقلية خالدة، وهى إنزال القرآن الكريم، الذى لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يستطيعوا ولم يقاربوا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)) (٣). وقد وقع التحدي بهذا القرآن للخلق جميعًا، وما زال قائمًا إلى يوم القيامة، لا یجد الناس له معارضًا، ولو بالجزء الأيسر منه (سورة لا تجاوز ثلاث آيات قصيرات (٢) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ٤/ ٣. (٣) إعجاز القرآن، الباقلاني ص ٥. ٢٧٦ لِلْقُرآن الكَرِيمِ القرآن الكريم من مثل سورتي العصر والكوثر)). ولقد نصت الآيات نصًّا صريحًا على أن القرآن الكريم كاف في الدلالة وحده على صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَتُ مِّن رَّبِّهٌِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَنتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠-٥١]. فقوله: ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ اُلْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ .. جواب لقولهم ﴿لَوْلاً أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَايَتٌ مِّن رَّبِّهٍ﴾ أي: أو لم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحدیتهم بأن یأتوا بمثله، أو بسورة منه فعجزوا، ولوا أتيتهم بآيات موسى وعيسى لقالوا: سحر، ونحن لا نعرف السحر (١)، وفي الآية إخبار: ((بأن الكتاب آية من آياته كاف في الدلالة قائم مقام معجزات غيره وآيات من سواه من الأنبياء)»(٢). ويلاحظ أن التحدي بالقرآن الكريم تدرج بصفة تنازلية على مستويات: فتحدوا أولًا أن يأتوا بمثله: ﴿ فَلْيَأْتُوا تَحَدِيثٍ مِثْلِهِ: إِن كَانُواْ صَدِقِينَ﴾ (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥٥/١٣. (٢) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ٣/٤. [الطور: ٣٤]. ((وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا)) (٣). * ثم تحدوا أن يأتوا بعشر سور من مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [هود: ١٣]. ثم تحدوا أن يأتوا بسورة من عند أُمِّيّ مثله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ. وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]. ثم تحدوا أن يأتوا بسورة مثله: ﴿ أَمَ يَقُولُونَ أَقْتَرَنَةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةِ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]. قال الخازن: ((أي: قل لهم يا محمد إن كان الأمر كما تقولون: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَوِ مِثْلِهِ﴾ يعني بسورة شبيهة به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم، فأنتم عرب مثلي في الفصاحة والبلاغة. فإن قلت: قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ﴾ وقال سبحانه وتعالى هنا: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَوِ مِثْلِهِ،﴾ فما فائدة ذلك وما الفرق بينهما؟ (٣) المصدر السابق ٣/٤. www. modoee.com ٢٧٧ حرف القاف وسلم أميًّا لم يقرأ ولم يكتب وأتى بهذا القرآن العظیم کان معجزًا في نفسه، فقیل لهم فأتوا بسورة من مثله يعني: مع إنسان أُميّ مثل محمد صلى الله عليه وسلم يساويه في عدم الكتابة والقراءة(١). وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أي: فأتوا بسورة تساوي سور القرآن في الفصاحة والبلاغة، وهو المراد بقوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ يعني: أن السورة في نفسها معجزة، فإن الخلق لو اجتمعوا على ذلك لم يقدروا عليه، وهو المراد من قوله: ﴿وَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ ﴾ يعني: وادعوا للاستعانة على ذلك من استطعتم من خلقه ﴿إِن كُمُ صَدِقِينَ﴾ (٢). وهذا التدرج في التحدي مبني على أن الآيات نزلت بهذا الترتيب، قال في الإتقان: «لما جاء به النبي صلی الله عليه وسلم إليهم وكانوا أفصح الفصحاء ومصافع الخطباء، وتحداهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين، فلم يقدروا كما قال تعالى: فَلْيَأْتُواْ بَحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُواْ صَدِقِينَ ﴾ (١) قال ابن عاشور رحمه الله: ((فالتحدي على صدق القرآن هو مجموع مماثلة القرآن في ألفاظه وتراكيبه، ومماثلة الرسول المنزل عليه في أنه أمي لم يسبق له تعليم ولا يعلم الكتب السالفة)). (٢) لباب التأويل، الخازن ٢ /٤٤٤. قلت: لما كان محمد صلى الله عليه ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَقْتَرَنَةٌ قُلْ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَّدٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم فَإِلَّ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٣) يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمٍ﴾ ثم تحداهم بسورة في قوله: ﴿أَمَّ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ الآية ثم كرر في قوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ،﴾، الآية، فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن فقال: قُل لَِّ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. هذا وهم الفصحاء اللد، وقد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره وإخفاء أمره، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها؛ قطعًا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه، بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: (سحر) وتارة قالوا: (شعر) وتارة قالوا: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ كل ذلك من التحير والانقطاع، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم، وسبي ذراريهم وحرمهم واستباحة أموالهم، وقد كانوا آنف شيء وأشده حمية، انظر: التحرير والتنوير ٣٣٩/١. فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم ٢٧٨ جوية القرآن الكْرِيْمِ القرآن الكريم لبادروا إلیه؛ لأنه كان أهون عليهم»(١). أما ابن عطية فعنده أن التحدي بالعشر مبني على التوسيع عليهم في كونها يصح أن تكون السورة الواحدة إلا مفتراة، وآية سورة يونس في تكليف سورة متركبة على قولهم: افتراه، وكذلك آية البقرة وإنما ریبهم بأن القرآن مفترى. مفتريات؛ بمعنى المضاهاة في اللفظ من غير الالتفات إلى المعنى، وعليه فلا حاجة لکون التحدي بالعشر وقع قبل التحدي بالسورة. قال: ((ووقع التحدي في هذه الآية -آية سورة هود- ﴿يَعَشْرِ﴾؛ لأنه قيدها بالافتراء، فوسع عليهم في القدر؛ لتقوم الحجة غاية القيام، إذ قد عجزهم في غير هذه الآية ﴿يِعَشْرِ سُورٍ مِثْلِهِ﴾ دون تقييد، فهذه مماثلة تامة في غيوب القرآن ومعانيه الحجة، ونظمه ووعده ووعيده وعجزوا في هذه الآية، بل قيل لهم: عارضوا القدر منه بعشر أمثاله في التقدير والغرض واحد، واجعلوه مفترى لا يبقى لكم إلا نظمه، فهذه غاية التوسعة، وليس المعنى عارضوا عشر سور بعشر؛ لأن هذه إنما كانت تجيء معارضة سورة بسورة مفتراة، ولا تبالي عن تقديم نزول هذه على هذه، ويؤيد هذا النظر أن التكليف في آية البقرة إنما هو بسبب الريب، ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم لا يقدرون على المماثلة التامة، وفي هذه الآية إنما التكليف بسبب قولهم: ﴿اقْتَرَنَهُ﴾ فكلفوا نحو ما قالوا، ولا يطرد هذا في آية يونس. وقال بعض الناس: هذه مقدمة في (١) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ٣/٤. النزول على تلك، ولا يصح أن يعجزوا في واحدة فيكلفوا عشرًا، والتكليفان سواء، ولا قال: وقائل هذا القول لم يلحظ الفرق بين التكليفين في كمال المماثلة مرة، ووقوفها على النظم مرة)»(٢). والحاصل أن القرآن الكريم قد أعلن أن معجزته الشاهدة بصدقه قائمة فيه، وقال للمعارضين: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. وأعلن أن إعجازه للخلق جميعا سيظل قائمًا مستمرًّا: ﴿قُل لَّيْنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَأَلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. ولا تعرف حجة أبلغ من هذه، ولا يعرف كتاب تحدى الناس على مر الزمن معلنًا عجزهم عن مضاهاته، بل مضاهاة الجزء اليسير منه. ومن أعظم دلائل عظمته استغناؤه بذاته في الدلالة على صدقه من غير حاجة إلى شهادة غيره، ورغم أن التواتر حجة عقلية (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ١٥٥/٣. www. modoee.com ٢٧٩ حرف القاف قاطعة عند العقلاء، إلا أن القرآن الكريم غير بقطع النظر عن استجابة الناس لذلك أم لا. محتاج إليها في إثبات صدقه، وأنه تنزيل من وقد وقعت الهداية في القرآن الكريم بأربعة معان: حکیم حمید. أولًا: هدايات القرآن الكريم: القرآن الكريم كتاب الله الهادي إلى كل خير، وقد وصفته آياته بأن ﴿فِهِ هُدَى لِلْمِلَّقِينَ قال الرازي: ((الهدى عبارة عن الدلالة، وقال صاحب الكشاف: الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية، وقال آخرون: الهدى هو الاهتداء والعلم. والذي يدل على صحة القول الأول وفساد القول الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرًا في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء؛ لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهتداء محال، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى الْمُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. أثبت الهدى مع عدم الاهتداء؛ ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال: هديته فلم يهتد، وذلك يدل على قولنا))(١). وعليه فالهداية بيان طريق الهدى بقطع النظر عن سلوك المهدي له أم لا، وتضمن القرآن الكريم لهدى واتصافه به ثابت له ((الأول: الهداية التى عم الله بها كل مكلف من العقل والفطنة والمعارف الضرورية، بل عم بها كل شيء حسب احتماله، كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ, ثُمَ هَدَى﴾. الثاني: الهداية التى جعلت للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. الثالث: التوفيق الذى يختص به من اهتدى، وهو المعني بقوله: ﴿وَأَِّنَ أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدِّى﴾، وقوله: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. الرابع: الهداية فى الآخرة إلى الجنة، وهو المعنى بقوله: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا﴾ . وهذه الهدايات الأربع مترتبة، فإن من لم تحصل له الأولی لا تحصل له الثانیة، بل لا يصح تكليفه. ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة» (٢). هذا والقرآن الكريم هاد: «أنزله الله تعالى علی محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبب اهتداء للبشرية قاطبة، يرشدها لأقوم الطرق، (٢) بصائر ذوي التمييز، للفيروزآبادي ٣١٤/٥. (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦٦/٢. جوُوحَرَ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٢٨٠ القرآن الكريم وأصح المناهج، وأعدل المسالك، وهي جهة ومن التفخيم من جهة أخرى ما رجح الحذف على الذكر. توحيد الله والإيمان برسله، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، وأفضل مناهج الحياة))(١). وقد ورد ذلك صريحًا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًّا كَبِيرًا () وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ٩-١٠]. ((والمعنى: إن هذا القرآن الكريم، الذي أنزله الله تعالى عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم، يرشد الناس ويدلهم ويهديهم -في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية- إلى الملة التي هي أقوم الملل وأعدلها، وهي ملة الإسلام. فمنهم من يستجيب لهذه الهداية فيظفر بالسعادة، ومنهم من يعرض عنها فيبوء بالشقاء» (٢). وقد وقع المهدي إليه في الآية مضمرًا موصوفًا بأنه الأقوم من بين سائر ما يهدي إليه. قال ابن عاشور: ((و﴿لِلَِّ هِىَ أَقْوَمُ﴾ صفة لمحذوف دل عليه ﴿يَهْدِى﴾ أي: للطريق التي هي أقوم؛ لأن الهداية من ملازمات السير والطريق، أو للملة الأقوم، وفي حذف الموصوف من الإيجاز من (١) التفسير المنير، الزحيلي ٢٩/١٥. (٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٠٣/٨. والأقوم: تفضيل القويم. والمعنى: إنه يهدي للتي هي أقوم من هدي كتاب بني إسرائيل الذي في قوله: ﴿وَجَعَلْنَهُ هُدَى لِّبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ﴾ [الإسراء: ٢]. ففيه إيماء إلى ضمان سلامة أمة القرآن من الحيدة عن الطريق الأقوم؛ لأن القرآن جاء بأسلوب من الإرشاد قويم ذي أفنان لا يحول دونه ودون الولوج إلى العقول حائل، ولا يغادر مسلكًا إلى ناحية من نواحي الأخلاق والطبائع إلا سلكه إليها تحريضًا أو تحذيرًا، بحيث لا يعدم المتدبر في معانيه اجتناء ثمار أفنانه، وبتلك الأساليب التي لم تبلغها الكتب السابقة كانت الطريقة التي يهدي إلى سلوكها أقوم من الطرائق الأخرى، وإن كانت الغاية المقصود الوصول إليها واحدة)» (٣). وهذا الإضمار -كما يشير إليه ابن عاشور- أبلغ من التصريح، وذلك أنه لو وقع التصريح به لکان قصرًا لهدايته على بعض معانيها دون البعض الآخر، وذلك أن («هذا وصف إجمالي لمعنى هدايته إلى التي هي أقوم لو أريد تفصيله لاقتضى أسفارًا، وحسبك مثالًا لذلك أساليب القرآن في سد مسالك الشرك، بحيث سلمت هذه الآية في (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ٤٠. www. modoee.com ٢٨١ حرف القاف جميع أطوارها من التخليط بين التقديس البشري وبين التمجيد الإلهي، فلم تنزل إلى حضيض الشرك بحال، فمحل التفضيل هو وسائل الوصول إلى الغاية من الحق والصدق، وليس محل التفضيل تلك الغاية حتى يقال: إن الحق لا يتفاوت))(١). على أن صاحب التحرير يميل في كلامه هذا إلى أن السعة في أساليب الدلالة على الهداية لا في الغاية المهدي إليها، وهو ما قد لا نوافقه علیه؛ لأن التفضيل في قوله سبحانه: ﴿لِلَتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ واقع على المهدي إليه لا على أساليب الهداية، والأقرب أن نقول -والله أعلم -: إن هذا القرآن يهدي للأقوم من الأقوال والأفعال والمعتقدات، والتصورات والنظم، والأحكام والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وطرق فض النزاعات وإيصال الحقوق إلى أهلها، وحماية الضعفاء والرحمة بالمستضعفين من اليتامى والنساء والولدان، وغير ذلك مما لا سبيل إلى حصره. ولذلك شواهد يمكن التمثيل بها من سورة الإسراء نفسها التي وردت فيها هذه الآية؛ فإن السورة قد تضمنت هداية للناس جماعة كما تضمنت هدايتهم لأقوم السبل أفرادًا، وشملت هداياتها العلاقة بالوالدين، كما شملت أصول الأخلاق، والسبيل الأفضل في التصرف في المال، وما يجب وما يجتنب في العلاقات الأسرية، وأحكام الدماء رابطة لذلك كله بالحبل الأعظم: توحيد الله وقصد وجهه وطلب رضوانه، والحذر من عقابه: فأما هداية الناس جماعة فشواهدها في السورة مخاطبة الجماعة في نحو: وَلا وَلَا نَقْرَبُواْ الزَِّ﴾، نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ ﴾ ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ ﴾ وأما هدايتهم أفرادًا فشواهدها خطاب الواحد خاصة في الأحكام المتعلقة بما يتفرع عن شيء في النفس كالكبر في نحو قوله: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيِّسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْقُولًا (٦) وَلَا تَمْشِ فِ اَلْأَرْضِ مَرَحَّاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ اْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ اَلْجِبَالَ عُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦ -٣٧]. وأما الهداية لأقوم السبل في العلاقة بالوالدين فدل عليها قوله سبحانه: ﴿وَقَضَی رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ اَلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَا تَقُل لَُّمَآ أَنّ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبٍّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبََّانِى صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣-٢٤]. وفي الإحسان إلى الأقارب وأهل الحاجة: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾. ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءُ (١) المصدر السابق. ـَالنَّسَةْ جوببية القرآن الكريم ٢٨٢ القرآن الكريم رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا ﴾ [ الإسراء: ٢٨]. ولأصول الأخلاق دل عليها: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَنِيمِ إِلَّا بِأَِّ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُواْ بِلْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤]. وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ اَلْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٥]. ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦]. ﴿وَلَا تَّمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحَّاً إِنَّكَ لَنْ تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ لَلْجِبَالَ عُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]. كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ( عِنْدَ رَيْكَ مَكْرُوهَا﴾ [الإسراء: ٣٨]. [الإسراء: ١٠٧ - وللسبيل الأفضل في التصرف في المال: يَتْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ١٠٩]. ﴿وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]. ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ كَانُّوَاْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧]. ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. ولما يجب وما يجتنب في العلاقات الأسرية: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٌّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُنْ إِنَّ قَنْلَهُمْ كَانَ خِْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]. وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢]. وأحكام الدماء: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِىِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. ويرتبط كل ذلك من قبل ومن بعد برباط عظيم: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّاهُ﴾، ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَىَ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةُ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِىِ جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ﴾ [الإسراء: ٣٩]. ومن الهداية بيان صفات الموفقين؛ ليقتدى بهم: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ: أَوْلَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيِّنَآ إِن ١٠٧ للأذقانِ سُجّدًا وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ ١٠٨ كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا ومن الهداية بيان سبيل الشر وعاقبة أهله؛ ليجتنب: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِىّ إِسْرَاهِيلَ فِي الْكِنَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوَّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]. ﴿ مَّنِ أَهْتَدَىْ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ" وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُّ وَمَا كُنَّا مُعَذِِّينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. www. modoee.com ٢٨٣ حرف القاف وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تَُّلِكَ قَرْيَةً أَمْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِبَهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُبٍ عِبَادِهِ، خَيْرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]. وبالجملة فقد حاولنا التمثيل لسعة أبواب الهداية التي تضمنها القرآن الكريم من سورة الإسراء التي ورد النص فيها على أنه يهدي للتي هي أقوم؛ للدلالة على کثرتها وسعتها وتعذر إحصائها، وأنه تضمن الإرشاد لكل خير. وتجدر الإشارة في ختام هذا الموضع إلى أن أغلب ما ذكر من الهدايات استنادًا إلى نصوص القرآن الكريم السابقة مرتبط بأمور الدنيا، وذلك يدحض فكرة سائدة تجعل الدين قسيمًا للدنيا، ويرسخ حقيقة أن العبادة الصحيحة هي إقامة الحياة وتقويمها وفق منهج القرآن وفي ذلك السعادة في الدنيا والآخرة. حفظ الله للقرآن عهد الله بحفظ الكتب السابقة إلى البشر فحرفوا فيها وانحرفوا عن تعليماتها، وتكفل سبحانه وتعالى بحفظ القرآن من التبديل والتغيير فبقي كما أنزل من عنده، وسيبقى إلى أن يرث الأرض ومن عليها، وسوف نتناول حفظ القرآن عن سائر الكتب فيما يأتي: أولًا: صفة حفظ الكتب السابقة: نص القرآن الكريم على أن الكتب السابقة، خلافًا له، قد عهد بحفظها إلى البشر، وهم عرضة للغلط والهوى والانحراف. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَكَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَوْا النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِكَايَتِ ثَمَنَا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤]. فنصت الآية على أن حفظ التوراة أوكل للربانيين والأحبار ﴿بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءٌ ﴾، قال ابن عاشور: ((والاستحفاظ: الاستثمان، واستحفاظ الکتاب أمانة فهمه حق الفهم بما ٢٨٤ قَضوري جوي القرآن الكريمِ القرآن الكريم دلت عليه آياته. استعير الاستحفاظ الذي هو طلب الحفظ لمعنى الأمر بإجادة الفهم والتبليغ للأمة على ما هو عليه. فالباء في قوله: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ﴾ للملابسة، أي: حكمًا ملابسًا للحق متصلًا به غیر مبدل ولا مغير، ولا مؤوَّل تأويلاً لأجل الهوى)) (١). فالاستحفاظ -وفقًا لرأيه- هو في الأساس ائتمان على بيان المعاني الصحيحة، المرتبط والمتفرع عن كونهم متميزين عن عموم الناس بعلم الكتاب وتعليمه، ولكنه يعطف عليه أيضًا حفظ حرفه من التبديل فيقول: ((ويدخل في الاستحفاظ بالكتاب الأمر بحفظ ألفاظه من التغيير والكتمان. ومن لطائف القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد ما حكاه عياض في (المدارك) (٢)، عن أبي الحسن بن المنتاب، قال: کنت عند إسماعیل یوما فسئل: لم جاز التبديل على أهل التوراة ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال: لأن الله تعالى قال في أهل التوراة: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِنَبٍ اَللَّهِ﴾ فوكل الحفظ إليهم. وقال في القرآن: ﴿إِنَّا ◌َحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُّه ◌َخَفِظُونَ﴾ فتعهد الله بحفظه، فلم يجز التبديل على أهل القرآن. قال: فذكرت ذلك للمحاملي، فقال: (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٩/٦. (٢) انظر ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض ٢٨٣/٤ لا أحسن من هذا الكلام)) (٣) وعليه فالاستحفاظ كما كان على تبيين المعاني وترك تحريفها، كان على اللفظ وترك تبديله، والمستحفظون هم الربانيون والأحبار. و((الربانيون: هم الذين يسوسون الناس بالعلم ویربونهم بصغاره قبل کباره، عن ابن عباس وغيره. وقال أبو رزين: الربانيون: العلماء الحكماء. وقال مجاهد: الربانيون: فوق العلماء. والألف واللام للمبالغة. والأحبار: قال ابن عباس: هم الفقهاء: والحبر والحبر الرجل العالم، وهو مأخوذ من التحبير وهو التحسين، فهم يحبرون العلم، أي: يبينونه ويزينونه، وهو محبر في صدورهم. قال الجوهري: والحبر والحبر واحد أحبار اليهود، وبالكسر أفصح: لأنه يجمع على أفعال دون الفعول، قال الفراء: هو حبر بالكسر، يقال ذلك للعالم. وقال الثوري: سألت الفراء لم سمي الحبر حبرًا؟ فقال: يقال للعالم حبر وحبر فالمعنى: مداد حبر ثم حذف كما قال: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ ﴾ [يوسف: ٨٢ ]. أي: أهل القرية. قال: فسألت الأصمعي فقال: ليس هذا بشيء، إنما سمي حبرًا؛ لتأثيره، یقال: على أسنانه حبر أي: صفرة أو سواد. وقال أبو العباس: سمي الحبر الذي (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٩/٦. www. modoee.com ٢٨٥ حرف القاف یکتب به حبرًا؛ لأنه يحبر به، أي: یحقق کتابي»(٣). ثم روی بسنده عن السدي قال: (يقول: لا تخشوا الناس فتكتموا ما أنزلت)» به. وقال أبو عبيد: والذي عندي في واحد الأحبار: الحبر -بالفتح-، ومعناه: العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه. قال: وهكذا یرویه المحدثون کلهم بالفتح)»(١). (٤). ولذلك عقب النص على استحفاظ الأحبار والرهبان على الكتاب (بجملة) ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ المتفرعة بالفاء على قوله: ﴿وَكَانُواْ وكل من الأحبار والرهبان: ((كانوا حفظة على كتاب الله وحراسا له من سوء الفهم وسوء التأويل، ويحملون أتباعه على حق فهمه وحق العمل به» (٢)، ولکنھم بدلوه. عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾؛ إذ الحفيظ على الشيء الأمين حق الأمانة لا يخشى أحداً في القيام بوجه أمانته ولکنه یخشی الذي استأمنه»(٥). قال ابن جرير: «وأما قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ وأما دافع هذا التبديل فهو الخوف والطمع، وقد تضمنت الآية الإشارة إلى ذلك في قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِكَايَتِي ثَّمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَكَ ﴾. هُمُ الْكَفِرُونَ بِئَايَتِى ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الذي أنزلته على موسى، أيها الأحبار، عوضًا خسيسًا، وذلك هو (الثمن القليل)، وإنما أراد تعالى ذكره، نهیهم عن أکل السحت علی تحریفهم کتاب الله، وتغييرهم حكمه عما حكم به في الزانيين المحصنين، وغير ذلك من الأحكام التي بدلوها طلبًا منهم للرشى، كما قال ابن زيد: لا تأكلوا السحت على كتابي، وقال مرة أخرى: لا تأخذوا به رشوة. وعن السدي: ولا تأخذوا طمعًا قليلًا على أن تکتموا ما أنزلت))(٦). قال ابن جرير في سياق بيان معناها: «یقول تعالی ذکره لعلماء اليهود وأحبارهم: لا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي الذي حكمت به على عبادي، وإمضائه عليهم على ما أمرت، فإنهم لا يقدرون لكم على ضر ولا نفع إلا بإذني، ولا تكتموا الرجم الذي جعلته حكمًا في التوراة على الزانيين المحصنین، ولکن اخشوني دون کل احدٍ من خلقي، فإن النفع والضر بيدي، وخافوا عقابي في كتمانكم ما استحفظتم من (١) انظر الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨٩/٦ بتصرف يسير. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٠/٦. والخطاب في الآية متردد بين أن يكون موجهًا لليهود الذين كانوا معاصرين للنبي (٣) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٣٤٤. (٤) المصدر السابق. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ٢١٠. (٦) جامع البيان، الطبري ٣٤٥/١٠. ٢٨٦ صَوَسُو ◌َرَ النَّقِين القرآن الكريمِ القرآن الكريم صلى الله عليه وسلم أو الذين كانوا قبلهم، إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمٌّ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]. قال في التحرير: ((فيجوز أن يكون الخطاب بقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُاْ أَلنَّاسَ﴾ ليهود وأصبح کثیر منهم طلاب دنيا؛ يصدون زمان نزول الآية، والفاء للتفريع عما حكي عن سبيل الله حفاظا على مناصبهم ومصالحهم وما ينالهم من أموال الجهلة عن فعل سلف الأنبياء والمؤمنين؛ ليكونوا قدوة لخلفهم من الفريقين، والجملة على هذا الوجه معترضة، ويجوز أن يكون الخطاب للنبيئین والربانيين والأحبار، فهي على تقدير القول، أي: قلنا لهم: فلا تخشوا الناس. والتفريع ناشیء عن مضمون قوله: بما استحفظوا من كتاب الله؛ لأن تمام الاستحفاظ يظهر في عدم المبالاة بالناس رضوا أم سخطوا، وفي قصر الاعتداد على رضا الله تعالى))(١). والدهماء الذين اتخذوهم أربابا من دون الله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ اْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكِْزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمّ هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ [التوبة ٣٤-٣٥]. وفي كلتا الحالتين ففي الآية وصية للصالحين، وهي حجة على المحرفين، وفيها بیان للدوافع التي حملت من حرف منهم على الجرأة عليه. هذا ومع تطاول العهد، فقد نشأت منهم فئة فاجرة اشترت بآيات الله ثمنا قليلا ووطأتها لكل ظالم خوفًا أو طمعًا، بل إنهم استطابوا ذلك واستمرؤوه بما خالج قلوبهم من القسوة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَظًا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِدٍّ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَابِنَةٍ مِّنْهُمْ (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٠/٦. هذا و کانت حكمته سبحانه قد قضت أن يعهد إليهم بحفظ كتب علم أنهم مبدلوها، ابتلاء لهم و امتحانًا، وقد سبق في علمه جل وعلا أن رسلًا آخرين سيأتونهم من بعد ذلك بالوحي من عنده، ولما تختم رسالته بعد. وهناك أمور قد وطأت لهذا التحريف وسهلته. ثانيًا: أسباب التحريف في الكتب السابقة: تقدم أن الله سبحانه وتعالى قد أوكل حفظ الكتب السابقة إلى الأحبار والرهبان www. modoee.com ٢٨٧ حرف القاف واستحفظهم عليها، على خلاف القرآن وابن جبير: من ياقوتة حمراء. وأبو العالية: الذي تولى هو جل وعلا حفظه. ويلاحظ من ناحية الأسباب فرق أساس ميز الكتب السابقة عن القرآن الكريم؛ ففي الوقت الذي نزل هو منجما نزلت هي جملة واحدة، وكان نزوله منجمًا على أمة أمية تعتمد على الحفظ سببًا في وجوده عند عمومهم وجمیعهم كما يأتي، فلا قدرة لأحد منهم على أن يستأثر به من دونهم فیزید فیہ أو پنقص دون أن يتنبهوا لذلك ويعلموا به، وأن يكونوا حجة على تحريفه، بينما كان ذلك الاستئثار في مقدور الأحبار والرهبان الذين كان الكتاب موجودًا عندهم من دون سائر الناس. ولئن لم ينص نصًّا صريحًا على أن الكتب السابقة قد نزلت جملة واحدة، فقد وقع في نصوص القرآن ما يوحي بشيء من ذلك، كقوله تعالى في شأن ألواح موسى: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَاً سَأُوِْيِكُهُ دَارَ الْفَسِقِينَ ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. والألواح: ((التوراة. وروي في الخبر أنه قبض عليه جبريل -عليه السلام - بجناحه فمر به في العلا حتى أدناه حتى سمع صريف القلم حين كتب الله له الألواح. وقال مجاهد: كانت الألواح من زمردة خضراء. من زبرجد. والحسن: من خشب، نزلت من السماء. وقيل: من صخرة صماء، لينها الله لموسى عليه السلام فقطعها بيده ثم شقها بأصابعه، فأطاعته کالحدید لداود»(١). قال الرازي: ((واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح، وعلى كيفية تلك الكتابة، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه. وأما قوله: ﴿لَكُلِّ شَىْءٍ﴾ فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح))(٢). ويهمنا في هذا المقام أن الآية دلت على أن التوراة نزلت جملة واحدة مكتوبة، ولازم ذلك أن النبي المنزلة علیه قارئ کاتب، وكذا من استحفظوا عليها من بعده. ، وَقَالَ وقد استنبط من قوله الله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلًا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةً كَذَلِكَ لِتُغَيْتَ بِ فُؤَادَكَ وَرَقَلْنَهُ تَرْبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٣٢]. أن الكتب السابقة نزلت جملة واحدة، قال ابن جرير: ((يقول تعالى ذكره: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْءَانُ ﴾ يقول: هلا نزل على محمد صلى الله عليه (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨١/٧. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣٦٠. ٢٨٨ جويـ القرآن الكريمِ