Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقْرَآن الْكِرِيْمِ
القَبْل
عناصر الموضوع
مفهوم القتل
١٥٦
القتل في الاستعمال القرآني
١٥٧
الألفاظ ذات الصلة
١٥٨
١٦٠
القتل والقضاء والقدر
١٦٢
أنواع القتل
١٦٨
دوافع القتل
١٧٦
آثار القتل
١٨١
عقوبة القتل بين القرآن والقوانين
١٨٨
الإعجاز التشريعي في القصاص
المُجَلَدَ السَّابِعِ وَالعشْرُونْ
حرف القاف
مفهوم القتل
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (قتل) تدل على إذلالٍ وإماتةٍ. وهما معنيان متقاربان(١).
وقال الراغب الأصفهاني: ((أصل القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إن اعتبر
بفعل المتولي لذلك يقال: قتلٌ، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موتٌ)) (٢).
يقال: قتله يقتله قتلًا وتقتالًا، ورجلٌ قتيل: مقتول، وامرأة قتيل: مقتولة، وقتل فلان فلانًا
أي: أماته(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف القتل بتعريفات عدة منها ما ذكره السيوطي أنه ((فعل في محل يتعقبه زهوق روح
المقتول به)» (٤).
وعرفه المناوي بقوله: ((القتل: أصله إزالة الروح كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي
له، يقال قتل، وإذا اعتبر بفوات الحياة يقال موت)) (٥).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥٦/٥.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٩٣.
(٣) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٦/ ٣٣٢، لسان العرب، ابن منظور ٥٤٧/١١.
(٤) مقاليد العلوم، السيوطي ص٨٥.
(٥) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٦٨، الكليات، الكفوي ص٧٢٩.
جَوَبُو
القرآن الكريمِ
١٥٦
القتل
القتل في الاستعمال القرآني
وردت مادة (قتل) في القرآن الكريم (١٧٠) مرة، يخص موضوع البحث منها (٩٩)
مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
وَمَنْ قَّثَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾
٣٦
[النساء: ٩٢]
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلََّ خَطَا.
٤١
[النساء: ٩٢]
أُقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اْرَحُوهُ أَرْضَا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَيَكُمْ﴾
فعل الأمر
[يوسف:٩]
﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِي الْقَتْلِ
المصدر
١٠
[الإسراء: ٣٣]
﴿مَّلْعُونِينٌَ أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا
٦١
مصدر (قتل)
١
[الأحزاب: ٦١]
◌َّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِ اَلْقَدْلَى﴾
اسم المفعول
١
[البقرة: ١٧٨]
وجاء القتل في القرآن الكريم على وجهين(٢):
الأول: الفعل المميت للنفس: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ [النساء: ٩٣]. يعني: الفعل المؤدي إلى الموت.
الثاني: اللعن: ومنه قوله تعالى: ﴿قُئِلَ الْخَرَّصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]. يعني: لعنوا.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٥٣٣-٥٣٦.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٤٩٥-٤٩٧.
www. modoee.com
١٥٧
المثال
الفعل الماضي
الفعل المضارع
١٠
حرف القاف
الألفاظ ذات الصلة
الموت:
١
الموت لغة:
الميم والواو والتاء أصل صحيح، يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت: خلاف
الحياة(١).
الموت اصطلاحًا:
للموت تعريفات عدة تدور كلها حول معنى زوال الحياة، فهو صفة وجودية خلقت ضدًا
للحياة.
وقيل الموت: انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال
من دار إلى دار (٢).
وقيل الموت: مفارقة الروح للجسد(٣).
الصلة بين القتل والموت:
الموت ينفي الحياة مع سلامة البنية، ولا بد في القتل من انتقاض البنية، ويقال لمن حبس
الإنسان حتى يموت أنه قتله ولم يكن بقاتل في الحقيقة لأنه لم ينقض البنية (٤).
الوفاة :
٢
الوفاة لغة:
جاء في كتب اللغة أن التوفي: الوفاة والمنية والموت، وتوفي فلانًا، وتوفاه الله، إذا قبض
نفسه، أو قبض روحه(٥).
الوفاة اصطلاحًا:
الوفاة معناها: الموت، وأن أصله من توفية الشيء إذا أخذه كله(٦). فالتوفي: الإماتة
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨٣/٥.
(٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي ١١٢/١.
(٣) انظر: المجموع، النووي ١٠٥/٥.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري ص١٠٤.
(٥) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٥٢٦/٦، لسان العرب، ابن منظور ١٥/ ٤٠٠، تاج العروس، الزبيدي
٤٠ /٢٢٠.
(٦) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، ص٣٣٩.
١٥٨
جوبيه
القرآن الكريم
القتل
وقبض الروح(١).
الصلة بين الوفاة والقتل:
الوفاة لا تستعمل إلا في الإنسان فقط، أما القتل فيستعمل في الإنسان وفي غيره من
الكائنات الحية.
والقتل ينسب للقاتل، والوفاة لا تنسب إلا إلى الله تعالى، فيقال: ((فلان قتل فلانًا))، ولا
يقال: (فلان توفی فلانًا».
الذبح:
٣
الذبح لغة:
الذبح لغة قطع الحلقوم من باطنٍ عند النصيل وهو موضع الذبح من الحلق، والذبح
مصدر ذبحت الشاة يقال: ذبحه يذبحه ذبحًا فهو مذبوح وذبيح، والذباح القتل أيًا كان (٢).
الذبح اصطلاحًا:
هو أحد أنواع الذكاة، وعرف بأنه(قطع جميع الحلقوم والودجين بآلة)) (٣) والمراد
بالودجين العرقين (الشريانيين) اللذين يوصلان الدم لمخ الحيوان.
الصلة بين الذبح والقتل:
أن الذبح عمل معلوم، والقتل ضروب مختلفة ولهذا منع الفقهاء عن الإجارة على قتل
رجل قصاصًا ولم يمنعوا من الإجارة على ذبح شاة؛ لأن القتل منه لا يدري أيقتله بضربة أو
بضربتين أو أكثر؛ وليس كذلك الذبح (٤).
(١) الكليات، الكفوي ص٣١٣.
(٢) انظر: لسان العرب ٤٣٦/٢.
(٣) انظر: مواهب الجليل، الخطاب ٢٠٧/٣، المجموع، النووي ٩/ ٩٠، الفروع، المرداوي ٣٩٣/١٠.
(٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ١٠٤، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص ٤٠٢.
www. modoee.com
١٥٩
حرف القاف
القتل والقضاء والقدر
الأصل في كل ما يصيب المرء أنه من
قضاء الله تعالی وقدره، استنادًا إلى العديد
من النصوص القرآنية، منها قول الله تعالى:
﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَّا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ
مَوْلَمْنَأْ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
[التوبة: ٥١].
وقوله جل شأنه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾
[القمر: ٤٩] ونحوهما من الآيات التي تثبت
أن كل ما يصيب المرء إنما هو بقدر الله
تعالی.
وفي معرض القتل خاصة جاءت آية من
كتاب الله تعالى لتفصل في قضية تخلف
المتقاعسين عن الجهاد بحجة الخوف من
القتل، وتبين خطأهم وفساد عقيدتهم في
هذا الجانب.
قال الله تعالى ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنُ
بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نَُّاسًا يَغْشَى طَآيِفَةٌ مِّنْكُمَّ
وَطَآَيِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ
غَيْرَ أَلْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ
اٌلْأَمْرِ مِنْ شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِيّ
أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكٌ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ
اُلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَأُ قُل لَّوْ كُمِْ بُيُوتِكُمْ
لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ
وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا
فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل
عمران: ١٥٤].
قال النيسابوري: ((لما أخبر عن هذه
الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر
ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر
من شيء؛ لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن
كان ظانًا بل شاكا في حقية هذا الدين،
وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر،
فأزال ذلك الظن بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ.
لِلَّهِ﴾ بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء
والسراء والضراء. ثم لما كان سؤالهم ذلك
مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين
لا المعاندین المنکرین، أراد أن یکشف عن
حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون
فقال: ﴿يُخْفُونَ فِىّ أَنْفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكٌ﴾
أي: ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه
الحالة)»(١).
وذكر بعض المفسرين المتأخرين أن ظن
القائلين بذلك هو ظنٌ باطلٌ، ومن التكذيب
بالقدر، وظنهم أن الأمر لو کان إليهم، وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
تبعا لهم، ويسمعون منهم، لما أصابهم
القتل، ويكون النصر والظفر لهم. فأكذبهم
الله عز وجل في هذا الظن الباطل، الذي
هو ظن أهل الجاهلية، الذين يزعمون،
بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم یکن بد
(١) غرائب القرآن ورغائب الفرقان، النيسابوري
٢٨٦/٢-٢٨٧.
١٦٠
جوب
القرآن الكريمِ
القتل
من نفاذه، أنهم كانوا قادرين على دفعه،
وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء،
فأكذبهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾
فلا يكون إلا ما سبق قضائه وقدره، وجرى
به علمه وكتابه السابق، وأن ما جرى عليهم
من الهزيمة والقتل، فبأمره الكوني الذي لا
سبيل إلى دفعه، سواء كان لهم من الأمر
شيء أو لم یکن، وأنهم لو کانوا في بيوتهم،
وقد كتب القتل على بعضهم، لخرج الذین
كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم
ولا بد(١).
ومسألة كون المقتول ميتًا بأجله أم أن
القاتل قد قطع أجله من مسائل العقيدة التي
تناولها المحققون من علماء الأمة وفصلوا
القول فيها على نحو ما هو معروف في
موضعه عند الكلام عن القضاء والقدر،
وخلاصة ما علیه جمهور السلف أن المقتول
ميت بأجله الذي قدره الله تعالى له، خلافاً
للمعتزلة ومن وافقهم الذين يقولون إن
القاتل قد استعجل أجل المقتول.
قال صاحب الدرة المضية في عقد أهل
الفرقة المرضية:
ومن یمت بقتله من البشر
أو غيره فبالقضاء والقدر
ولم يفت من رزقه ولا الأجل
شيء فدع أهل الضلال والخطل
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٤٣٩/٢.
قال السفاريني شارحًا قوله: (ومن يمت
بقتله): ((إن المراد أن المقتول ميت بأجله،
أي: الوقت المقدر لموته، لا كما يزعم
بعض المعتزلة من أن الله تعالى قد قطع عليه
الأجل، والحق عند أهل الحق أن المقتول
ميت في الوقت الذي قدره الله تعالى له
وعلم أنه يموت فيه، لا كما زعمت المعتزلة
أنه قد قطع علیه الأجل، یعني لم یوصله إليه،
وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي
علم الله تعالى موته فيه لولا القتل، فهم
يقطعون بامتداد العمر لولا القتل»(٢).
واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى
(الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا
قُتِلُواْ قُلْ فَادَرَهُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ إِن
كُنْتُمْ صَدِقِينَ (٦)﴾ [آل عمران: ١٦٨] ففي
الآية دليل على أن المقتول يموت بأجله
خلافًا لمن يزعم أن القتل قطع على المقتول
أجله(٣).
والقتل ليس شرًا محضًا، وإن كان الظاهر
في القتل أنه شر للمقتول، ولكنه باعتبار
علم الله تعالی، وقضائه وقدره، قد یشتمل
على خير، والقتل في ذلك داخل في عموم
كل ما يحصل للمرء، وينطبق عليه قول الله
تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُزَّهُ لَّكُمّ
(٢) لوامع الأنوار البهية، السفاريني ٣٤٨/١-
٣٤٩.
(٣) تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد،
العجيلي ١٣٦/١.
www. modoee.com
١٦١
حرف القاف
وَعَسَى أَنْ تَكْرَ هُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى
أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: ((القتل
هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق اتصال
البدن؛ فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير
وكون الآلة قابلة للتأثير خير وكون المحل
قابلا لذلك خير، وإنما الشر نسبي إضافي؛
وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه
والعدول به عن المحل المؤدي إلى غيره
وهذا بالنسبة إلى الفاعل؛ وأما بالنسبة إلى
المفعول فهو شر إضافي أيضا وهو ما حصل
له من التألم وفاته من الحياة؛ وقديكون ذلك
خيرا له من جهة أخرى وخير لغيره))(١).
أنواع القتل
ينقسم القتل باعتبارين أولهما: باعتبار
موجبه إلى قتل بحق وقتل بغير حق،
وثانيهما: باعتبار صفته إلى قتل عمدٍ وقتل
خطأ، وقتل شبه خطأ على نحو ما هو
معروف لدى العلماء بغض النظر عما في
النوع الثالث من خلاف بينهم في إثباته أو
نفيه، والذي يعنينا هنا هو تقسيم القتل إلى
قتل بحق وقتل بغير حق، على هذا النحو:
أولًا: القتل بحق:
القتل بحق هو القتل المشروع، الذي
جاءت نصوص القرآن الكريم مبيحة له
على سبيل الوجوب؛ ويشمل أنواعًا متعددة
تندرج تحت ثلاث حالات:
الحالة الأولى: القتل قصاصًا:
والكلام فيه مبسوط في عقوبة القتل،
وعمدته من كتاب الله تعالى قوله جل
شأنه ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
وَاَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِآلْأَنْفِ
وَاْلْأُذُنَ يِالْأُذُنِ وَأُلْسِنَّ بِلِسِنِّ وَاَلْجُرُوحَ
قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ
لَّ وَ مَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
قال ابن تيمية: ((فبين سبحانه وتعالى أنه
سوی بین نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسًا
(١) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر
والحكمة والتعليل، ابن القيم ص١٨٢.
١٦٢
القرآن الكريم
القتل
على أخرى، كما كانوا يفعلونه))(١)، وقوله الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].
جل شأنه: ﴿يَنَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ
اَلْقِصَاصُ فِي الْقَنْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقوله جل شأنه: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ آَلَّتِيِ
حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا
◌ِوَلِّهِ، سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ
مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
ولا أتوسع في الكلام عن القصاص هنا الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا
حيث الكلام مستفاض عنه في عقوبة القتل،
وفي حكمة تشريع القصاص في مبحثين
آتیین.
الحالة الثانية: القتل حدا:
شرع الإسلام القتل في أربعة جرائم
من جرائم الحدود، وهي: الحرابة والردة
وزنا المحصن، وفي جرائم أخری کالسحر
والزندقة، وذلك من أجل الحفاظ على
بعض الكليات الشرعية كالدين والنفس
والعرض والمال.
وبعض هذه المشروعية جاء في القرآن
الكريم، وبعضها جاء في السنة النبوية، فمما
جاء في القرآن الكريم حد الحرابة، وذلك
في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى اْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ
يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يِهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِ
ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِىِ
(١) السياسة الشرعية، ابن تيمية ص ١١٧.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في
قطاع الطريق: ((إذا قتلوا وأخذوا المال؛ قتلوا
وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال؛ قتلوا
ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا؛
قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا
هربوا؛ طلبوا حتى يوجدوا، فتقام عليهم
مالًاً؛ نفوا من الأرض)»(٢).
قال الشافعي رحمه الله: ((وبهذا نقول،
وهو موافق معنی کتاب الله تبارك وتعالى،
وذلك أن الحدود إنما نزلت فيمن أسلم،
فأما أهل الشرك فلا حدود فيهم إلا القتل،
أو السباء، أو الجزية، واختلاف حدودهم
باختلاف أفعالهم، على ما قال ابن عباس
رضي الله عنهما)» (٣).
وروي عن قتادة أنه كان يقول في قوله:
﴿ إِنَّمَا جَزَّوُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
إلى قوله: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾ حدودٌ
أربعة أنزلها الله؛ فأما من أصاب الدم والمال
جمیعًا، صلب، وأما من أصاب الدم وكف
عن المال، قتل، ومن أصاب المال وكف
عن الدم، قطع، ومن لم يصب شيئًا من هذا،
(٢) أخرجه الشافعي بسنده في تفسيره ٢/ ٧٣٣،
عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس.
وروي نحوه عن الحسن وقتادة والسدي، كما
في النكت والعيون ٣٣/٢.
(٣) انظر: تفسير الإمام الشافعي ٧٣٣/٢.
www. modoee.com
١٦٣
حرف القاف
نفي))(١).
في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفا
ومما ذكر في القرآن الكريم كذلك حد إلا الخوارج ثم قال: ((وقد ثبت الرجم عن
الرجم، حيث نسخت تلاوته وبقي حكمه، رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله
وهذا ما ذهب إليه أكثر المفسرين (٢).
ويؤيده ما أخرجه البخاري بسنده عن ابن
عباسٍ رضي الله عنهما، قال: قال عمر: لقد
خشيت أن یطول بالناس زمانٌ، حتی یقول
قائلٌ: لا نجد الرجم في کتاب الله، فیضلوا
بترك فريضةٍ أنزلها الله، ألا وإن الرجم حقٌّ
علی من زنی وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو
کان الحبل أو الاعتراف - قال سفيان: کذا
حفظت - ألا وقد (رجم رسول الله صلى
الله عليه وسلم ورجمنا بعده)(٣).
قال القرافي: ((وهو قول منتشر في
الصحابة من غير مخالف فكان إجماعًا،
وفعله عمر بجارية)» (٤).
وقال ابن قدامة: ((وجوب الرجم على
الزاني المحصن، رجلا كان أو امرأة،
وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة،
والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٥٩/١٠.
(٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٩٣/٣،
معالم التنزيل، البغوي ٥٨٥/١، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ١٨٥، السراج
المنير، الشربيني ٢٨٨/١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود،
باب الاعتراف بالزنا، رقم ٦٨٢٩، ومسلم في
صحيحه، كتاب الحدود، باب رجم الثيب في
الزنا، رقم ١٦٩١.
(٤) الذخيرة، القرافي ١٢ / ٦٠.
وفعله، في أخبار تشبه المتواتر، وأجمع عليه
أصحاب رسول الله صلی الله علیه وسلم،
وقد أنزله الله تعالى في كتابه، وإنما نسخ
رسمه دون حکمه» (٥).
وأما ما ذكر في السنة كقتل الساحر
والزنديق فلا يتسع المقام لذكره في هذا
البحث التفسيري، ويمكن الإشارة إلى
حديث جندبٍ رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حد
الساحر ضربةٌ بالسيف)(٦).
الحالة الثالثة: القتل جهادًا في سبيل الله:
شرع الله تعالى القتال جهادًا في سبيله
وإعلاء لكلمته، ونشرًا لدينه، ودفاعًا عن
كليات الشرع من الدين والنفس والمال
والعرض والعقل، وتواترت نصوص القرآن
الكريم الدالة على مشروعية ذلك.
مثل قول الله تعالى: ﴿ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ
اَللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
فهذه الآية دالة على فرضية الجهاد كما
ذكره غير واحد من أهل التفسير والفقه على
(٥) المغني، ابن قدامة ٩/ ٣٥ بتصرف.
(٦) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الحدود،
باب ما جاء في حد الساحر، رقم ١٤٦٠.
وصحح وقفه على جندب.
١٦٤
جوبيه
القرآن الكريم
القتل
خلاف بينهم في كونها منسوخة بسورة براءة المجمع عليها في كل ملة، ثم حكى عن
أو غير منسوخة (١).
وقوله جل شأنه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ
عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اَللَّهِ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ
حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ
أَنْفُسَكُمْ وَقَئِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً
كَمَا يُقَيِّلُونَكُمْ كَافَّةُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].
ثانيًا: القتل بغير حق:
القتل بغير حق هو القتل الذي نهت
عنه نصوص القرآن الكريم، وكذا السنة
المطهرة، وهو ما لا تبيحه شريعة من
الشرائع، ويترتب على ارتكابه عقوبة دنيوية،
أو عذابًا في الآخرة.
وقد تضافرت الملل السماوية على
ضرورة حفظ النفس، لأنها إحدى الكليات
الخمس التي جاءت الشرائع بحفظها، وعلى
حرمة إقدام المرء على قتل نفسه بأية وسيلة
من الوسائل.
قال أبو حيان: ((وتضافرت على تحريم
قتل النفس الملل»(٢).
وقال الشيخ محمد عليش: ((حفظ
النفس مجمع عليه، بل هو من الخمس
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ٥٦١، النكت
والعيون، الماوردي ٢٥١/١.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٤٥٧.
ابن عرفة نقل الأصوليين إجماع الملل على
وجوب حفظ الأديان والنفوس والعقول
والأعراض والأموال (٣).
وقد ورد في الكتاب العزيز آيات صريحة
تنهى عن القتل بغير حق، وتشير إلى صفات
عباد الرحمن الذين لا يقتلون النفس بغير
حق، وتحکي عما أخذ على بني إسرائيل من
العهود بعدم قتلهم النفس بغير حق، ومن
ذلك:
قول تعالى: ﴿وَلَا تَقْنُّلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِ
حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِه لَعَلَّكُوْ
نَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ﴿قُلْ
تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمَّ أَلَّ
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِ
حَرَّمَ اللهُ إِلَّا یالحێ﴾، يعني بالنفس التي حرم
الله قتلها، نفس مؤمن أو معاهد وقوله: ﴿إلَّا
بِأَلْحَقِّ﴾، يعني بما أباح قتلها به: من أن تقتل
نفسًا فتقتل قودًا بها، أو تزني وهي محصنة
فترجم، أو ترتد عن دينها الحق فتقتل.
فذلك ((الحق)) الذي أباح الله جل ثناؤه
قتل النفس التي حرم على المؤمنين قتلها
به ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني: هذه الأمور التي عهد
إلينا فيها ربنا أن لا نأتيها وأن لا ندعها، هي
الأمور التي وصانا والكافرين بها أن نعمل
(٣) شرح منح الجليل، محمد عليش ٩/ ٣.
www. modoee.com
١٦٥
حرف القاف
جميعًا بها ﴿لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ يقول: وصاكم [البقرة : ٨٤].
بذلك لتعقلوا ما وصاكم به ریكم»(١).
وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ
الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ
جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَنَّا فَلَا يُشْرِفِ فِىِ الْقَتْلِ
إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
وقال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ
اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ
أَثَامًا﴾[الفرقان: ٦٨].
وأكثر المفسرين على أن المقصود بالآية
حرمة قتل النفس على جهة العموم نفس
المؤمن والمعاهد إلا بالحق، وأن الحق
المستباح به قتلها نحو ما روي عن النبي
صلی الله عليه وسلم أنه قال: (لا يحل دم
امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني
رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس،
والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك
الجماعة)(٢) (٣)
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ
لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ
مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾
(١) جامع البيان، الطبري ٢٢١/١٢-٢٢٢
بتصرف.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/ ٢٢٠، معاني
القرآن، النحاس ٤ /١٤٨، تفسير السمر قندي
٥١١/١، النكت والعيون، الماوردي
١٥٧/١، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٤٨٦.
وفي معناها يقول الطبري: ((نهوا عن أن
يقتل بعضهم بعضًا، فكان في قتل الرجل
منهم الرجل قتل نفسه، إذ كانت ملتهما
واحدة، فهما بمنزلة رجل واحد)»، وذكر
معنى آخر فقال: أي لا يقتل الرجل منكم
الرجل منکم، فیقاد به قصاصًا، فیکون بذلك
قاتلا نفسه؛ لأنه كان الذي سبب لنفسه ما
استحقت به القتل، فأضیف بذلك إلیه، قتل
ولي المقتول إياه قصاصًا بوليه، كما يقال
للرجل يركب فعلا من الأفعال يستحق به
العقوبة، فيعاقب العقوبة: ((أنت جنيت هذا
على نفسك)» (٤).
وصور القتل بغير حق التي نهت عنها
آيات القرآن كثيرة، أبرزها حرمة قتل أي
نفس على جهة العموم على سبيل الاعتداء،
كما هو مستفاد من الآيات السابق ذكرها،
وهناك حالات أخرى منصوص عليها بعينها
منها:
١. قتل الأنبياء والرسل.
ذم الله تعالى اليهود بسبب ارتكابهم
جرائم عدة منها قتل الأنبياء والرسل،
وألبسهم سبحانه وتعالى ثوب الذلة
والصغار لهذه الأفعال، وقد جاء هذا الذم
في مواضع عدة منها قوله تعالى: ﴿ضُرِيَتْ
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَّا بِحِبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ٢٠٠.
جوسين
القرآن الكريم
١٦٦
القتل
مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ
اُلْمَسْكِنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِقَايَتِ
اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَثِيَآءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ
وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: ١١٢].
قال الرازي: ((الله تعالى ألصق باليهود
ثلاثة أنواع من المكروهات أولها: جعل
الذلة لازمة لهم، وثانيًا: جعل غضب الله
لازمًا لهم، وثالثها: جعل المسكنة لازمة
لهم، ثم بين في هذه الآية أن العلة لإلصاق
هذه الأشياء المكروهة بهم هي: أنهم كانوا
يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير
حق))(١).
وقوله: ﴿فَبِّمَا نَقْضِهِم مِّتَقَهُمْ وَكُفْرِهِم
بِثَايَتِ اللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا
غُلّفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا
قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥].
وقوله جل شأنه: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ
أُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَثَحْنُ أَغْنِيَاُ سَنَكْتُبُ
مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقِّ وَنَقُولُ
ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [آل عمران: ١٨١].
ومن اللطائف التي يشير إليها البيضاوي
في تقييد القتل بغير حق قوله: ((والتقييد بغير
حق مع أنه كذلك في نفس الأمر للدلالة على
أنه لم يكن حقا بحسب اعتقادهم أيضا)»(٢).
وقال الألوسي: ((قوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠٨/٨.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٧٩/١.
الْأَنْبِيَاءُ بِغَيْرِ حَقٍ﴾ إيذانًا بأنهما في العظم
إخوان؛ وتنبيها على أنه ليس بأول جريمة
ارتكبوها ومعصية استباحوها، وأن من
أجترأ على قتل الأنبياء بغير حق في اعتقاده
أيضا كما هو في نفس الأمر لم يستبعد منه
أمثال هذا القول، ونسبة القتل إلى هؤلاء
القائلين باعتبار الرضا بفعل القاتلين من
أسلافهم)»(٣).
٢. الانتحار.
والانتحار: ((قيام الإنسان بقتل نفسه
بوعيه أو بدون وعي، أو هو الفعل المقصود
لقتل النفس أو زهق الروح عن سابق
تصمیمم)» (٤).
والانتحار محرم في الشريعة الإسلامية
على جهة العموم، حيث لا يحل للمرء أن
يقتل نفسه بأي حال من الأحوال، إذ هو قتل
للنفس بغير حق، والدليل على ذلك ما يلي:
قول الله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَِّىِ
حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣].
حيث دلت الآية على حرمة قتل النفس
على جهة العموم إلا بالحق، فيشمل ذلك
قتل المرء نفسه وقتله غيره.
وقوله جل شأنه: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ
اَللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
فهذه نصوص صريحة تحرم قتل النفس
(٣) روح المعاني، الألوسي ٤/ ١٤١.
(٤) معجم اللغة العربية المعاصرة، د أحمد مختار
عبد الحميد ٢١٧٦/٣.
www. modoee.com
١٦٧
حرف القاف
أو التسبب في إهلاكها، على تفصيل معروف
لدی المفسرين.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تردى
من جبلٍ فقتل نفسه، فهو في نار جهنم یتردى
فیه خالدا مخلدا فيها أبدًا، ومن تحسی سمًا
فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار
جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه
بحديدة، فحدیدته في يده یجأ بها في بطنه في
نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا)(١).
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه (الذي
يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها
يطعنها في النار)(٢).
دوافع القتل
أولًا: اختلاف الدين:
من دوافع القتل اختلاف الدین، فالمسلم
شرع له قتل غير المسلم دفاعا عن دين الله
عز وجل بعد أن يقيم عليه الحجة بالدعوة
إلى الإسلام ثم الجزية، وقد نصت آيات
القرآن الكريم على ذلك، على هذا النحو:
قال تعالى: ﴿قَئِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
◌ِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ أَلْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْعُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ
وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وقال جل شأنه: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَئِلُواْ
الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُوا فِيَكُمْ
[التوبة:
غِلْفَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ ﴾
١٢٣].
وللمفسرين في معنى ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾
أقوال: أحدها: أنهم الروم قاله ابن عمر،
الثاني: أنهم الديلم، قاله الحسن. الثالث:
أنهم العرب، قاله ابن زيد. الرابع: أنه على
العموم في قتال الأقرب فالأقرب والأدنى
فالأدنى، قاله قتادة، الخامس: أن المقصود
قتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار
والنسب، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما:
مثل بني قريظة والنضير وخيبر ونحوها (٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب،
باب شرب السم والدواء به، رقم ٥٧٧٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب
غلظ تحریم قتل الإنسان نفسه، رقم ١٠٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب ما جاء في قاتل النفس، رقم ١٣٦٥.
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤١٥/٢ -
١٦٨
جوبيه
الْقُرآن الكَرِيمِ
القتل
وقال تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ الَّذِينَ
يُقَتِلُونَكُ: وَلَا تَفْتَدُوَاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَّفِفْئُهُمْ
الْمُعْتَدِينَ {
وَأَخْرجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِّ
وَلَا تُقَئِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيةٍ
فَإِن قَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ
[البقرة: ١٩٠-١٩١].
وقد ذكر الطبري اختلاف المفسرين فيها
على قولين:
القول الأول: أن هذه الآية هي أول آية
نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك.
وقالوا: أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم
من المشركين، والكف عمن كف عنهم، ثم
نسخت بـ«براءة»، وهذا قول الربيع، وابن
زید.
القول الثاني: أن ذلك أمر من الله تعالى
ذكره للمسلمين بقتال الكفار، لم ينسخ.
وإنما الاعتداء الذي نهاهم الله عنه، هو نهيه
عن قتل النساء والذراري. قالوا: والنهي عن
قتلهم ثابتٌ حكمه اليوم. قالوا: فلا شيء
نسخ من حكم هذه الآية، وهذا قول ابن
عباس وعمر بن عبد العزيز، ورجح الطبري
أنها ليست منسوخة (١).
ولا ينبغي أن يفهم من هذه الآية أن
اختلاف الدين يبيح للمسلم قتل غير المسلم
٤١٦، معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١١٣.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣ / ٥٦٢ - ٥٦٣.
هكذا بإطلاق بل الأمر له أحكامه وضوابطه
المعروفة في بابها من كتاب الجنايات
والجهاد.
ثانيًا: خوف الفقر:
اعتادت بعض قبائل العرب قتل أولادهم
خشية الإملاق أي: الفقر، وجاءت آيات
القرآن الكريم تنهى عن قتل الأولاد خشية
الفقر، أو قتلهم بسبب الفقر، ومن ذلك ما
يلي:
قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ
مِّنْ إِمْلَقِّ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمْ﴾
[الأنعام: ١٥١].
قال ابن كثير: ((والمراد النهي عن قتلهم
بسبب حصول الفقر، قال ابن عباس، وقتادة،
والسدي: هو الفقر، أي: ولا تقتلوهم من
فقركم الحاصل، وقال في سورة ((سبحان))
-أي الإسراء -: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةً
إِمْلَقِ﴾ [الإسراء: ٣١].
أي: خشية حصول فقر، في الآجل؛
ولهذا قال هناك: ﴿فَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فبدأ
برزقهم للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من
فقركم بسببهم، فرزقهم على الله. وأما في
هذه الآية فلما كان الفقر حاصلا قال: ﴿فَحْنُ
www. modoee.com
١٦٩
حرف القاف
نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمْ﴾ لأنه الأهم هاهنا)»(١).
وقال تعالى: ﴿وَلَ نَّقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةً
إِمْلَقِّ نَّحْنُ نَزُقُّهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ
خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١].
قال الجصاص: «هو کلام یتضمن ذکر
السبب الخارج عليه، وذلك لأن من العرب
من كان يقتل بناته خشية الفقر؛ لئلا يحتاج
إلى النفقة عليهن وليوفر ما يريد إنفاقه
عليهن على نفسه وعلى بيته، وكان ذلك
مستفيضاً شائعا فيهم)) (٢).
ثالثًا: خوف العار:
انتشر في العرب قبل الإسلام قتل
البنات، أو وأدهن أحياء خشية الوقوع في
السبي، مما يلحق العار بالآباء، ولما كان
ذلك مرضًا عضالًا منتشرًا لديهم فقد جاء
القرآن الكريم بتحريمه في آيات عدة.
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِآلْأُنَى ظَلَّ
وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن
سُوَّةٍ مَا بُشِّرَ بِّدْ أَيُمْسِكُ, عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى
التَّابٌ أَلَا سَآءُ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨-٥٩].
فقد ورد في تفسريها: ((إن مضر وخزاعة
وتميمًا كانوا يدفنون البنات أحياء، والسبب
في ذلك إما خوف الفقر وكثرة العيال ولزوم
النفقة أو الحمية فيخافون عليهن من الأسر
ونحوه، أو طمع غير الأكفاء فيهن فكان
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٢/٣.
(٢) أحكام القرآن، الجصاص ٢٣/٥.
الرجل من العرب في الجاهلية، إذا ولدت له
بنت أراد أن يستحييها تركها حتى إذا كبرت
ألبسها جبة من صوف أو شعر، وجعلها
ترعى الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن
يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية، قال
لأمها: زینیھا حتی أُذهب بها إلى أحمائها
ويكون فد حفر لها حفرة في الصحراء، فإذا
بلغ بها تلك الحفرة قال لها: انظري إلى هذه
البئر فإذا نظرت إليها دفعها من خلفها في
تلك البئر، ثم یھیل التراب على رأسها وكان
صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من
ذلك وجه بابل إلی والد البنت حتى يحييها
بذلك فقال الفرزدق يفتخر بذلك:
وعمي الذي منع الوائدات
فأحيا الوئيد فلم يوأد(٣).
٨
وقال جل شأنه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُبِلَتْ
بِأَِّ ذَنٍْ قُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨-٩].
قال الماوردي: ((قال عز وجل توبيخًا
لقاتلها وزجرًا لمن قتل مثلها ﴿وَإِذَا
الْمَوْهُردَةُ سُئِلَتْ﴾ واختلف هل هي السائلة
أو المسئولة، على قولين: أحدهما: وهو
قول الأكثرين أنها هي المسئولة: ﴿پأَيِّ ذَنٍْ
قُئِلَتْ﴾ فتقول: لا ذنب لي، فیکون ذلك أبلغ
في توبيخ قاتلها وزجره، الثاني: أنها هي
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٣٣/١٩، معالم التنزيل، البغوي ٨٣/٣،
لباب التأويل، الخازن ٤ / ٩٧.
١٧٠
جوبيه
القرآن الكريمِ
القتل
السائلة لقاتلها لم قتلت))(١).
النفس والمحارب- مفسدان في الأرض،
والمعنى على الثاني: سألت الموؤودة الأول إفساده خاص بمن قتله تعديًا، والثاني
الوائدين: بأي ذنب قتلوها. وهو مروي عن إفساده عام يشمل المال والعرض والنفس.
ابن عباس ومسلم بن صبيح (٢).
رابعًا: الطغيان والفساد:
الطغيان والفساد دافعان من دوافع القتل
على مر العصور، فالذي يقتل امرأ بدون
وجه حق، يعتبر متعديًا عليه، ومفسدًا في
الأرض، وبالتالي يستحق العقوبة الرادعة
وهي القصاص، وهذا الذي ورد في كتاب
الله تعالى عقيب قصة قابيل وهابيل في
قوله جل شأنه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى
بَنِىَّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ
أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآَ أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُنَا بِأَلْبَيْنَتِ
ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِىِ الْأَرْضِ
لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢].
فأبانت الآية أن الفساد في الأرض وقتل
النفس البريئة سببان موجبان للقتل، وما
سوى ذلك لا يجيز قتل المرء، فقاتل النفس
يستحق القصاص، والمفسد في الأرض
يستحق العقوبة التي شرعت في الحرابة في
الآية التي تلي هذه الآية، وكلاهما -أي: قاتل
(١) النكت والعيون، الماوردي ٢١٤/٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٦/٢٤، النكت
والعيون، الماوردي ٢١٤/٦.
قال القرطبي: ((حرم الله القتل في جميع
الشرائع إلا بثلاث خصال:کفر بعد إیمان،
أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس ظلما
وتعديا))(٣).
وقال ابن کثیر في معناها: ((من قتل نفسا
بغیر سبب من قصاص، أو فساد في الأرض،
واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما
قتل الناس جميعا؛ لأنه لا فرق عنده بين
نفس ونفس ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: حرم
قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه
بهذا الاعتبار؛ ولهذا قال: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا
النَّاسَ جَمِيعًاً﴾ (٤).
خامسًا: مقاومة الاعتداء:
قد يضطر الإنسان إلى قتل غيره مقاومة
لعدوانه، ودفاعًا عن نفسه أو عرضه أو ماله،
وهذا نوع من القتل المشروع عند الضرورة،
فإذا تعرض إنسان لاعتداء وجب دفعه،
ولكن مع مراعاة أن لا يلجأ إلى الأشد إلا
بعد استنفاذ ما هو دونه من وسائل الدفاع،
وهذا مستفاد من نصوص قرآنية وأخرى
نبوية.
فمن نصوص القرآن الكريم قوله تعالى:
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبى ١٤٦/٦.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨٣/٣.
www. modoee.com
١٧١
حرف القاف
﴿ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اَللَّهِ الَّذِينَ یُقَتِلُونَگُ« وَلَا
تَفْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[البقرة: ١٩٠].
والآية وإن كانت واردة في القتال في
سبيل الله، إلا أن عموم لفظها يجيز مقاومة
الاعتداء.
ومن النصوص النبوية ما أخرجه مسلم
عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى رسول
الله صلی الله عليه وسلم، فقال: يا رسول
الله، أرأيت إن جاء رجلٌ يريد أخذ مالي؟
قال: (فلا تعطه مالك) قال: أرأيت إن
قاتلني؟ قال: (قاتله) قال: أرأيت إن قتلني؟
قال: (فأنت شهيدٌ)، قال: أرأيت إن قتلته؟
قال: (هو في النار)(١).
ومن نصوص السنة کذلك حديث عبد
الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: سمعت
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل
دون ماله فهو شهيدٌ)(٢).
الحديث فى هذه الأبواب ليريك أن للإنسان
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره
بغير حقٍ، كان القاصد مهدر الدم في حقه،
وإن قتل كان في النار، وأن من قتل دون ماله
فهو شھیدٌ، رقم ٢٢٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم،
باب من قاتل دون ماله، رقم ٢٤٨٠، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على
أنّ من قصد أخذ مال غيره، رقم ١٤١.
أن يدفع عن نفسه وماله، فإذا كان شهيدا
إذا قتل فى ذلك، كان إذا قتل من أراده فى
مدافعته له عن نفسه لا دیة علیه فیه، ولا قود.
قال المهلب: وكذلك كل من قاتل على ما
یحل له القتال علیه من أهل أو دین فهو کمن
قاتل دون نفسه وماله فلا دیة علیه ولا تبعة،
ومن أخذ فى ذلك بالرخصة وأسلم المال أو
الأهل أو النفس فأمره إلى الله، والله يعذره
ويأجره، ومن أخذ فى ذلك بالشدة وقتل
كانت له الشهادة بهذا الحديث))(٣)
و((لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية
الدفاع عن كل ما ذكرنا، ولكن هل يجب
على الإنسان هذا الدفاع بحيث يكون آثما
إذا تركه؛ لأن هذا الدفاع أمر يمليه الشرع
ویفرضه، أم أنه يجوز له ولا يجب عليه،
فیکون من حقه المدافعة، إن شاء قام بها
وإن شاء تركها؛ لأنه حق من حقوق العبد،
ومن خصائص حق العبد حريته في الانتفاع
قال ابن بطال شارحًا له: «إنما أدخل هذا به واختياره، أو بعبارة أخرى: هل مدافعة
المعتدين هي من قبيل الواجبات أم قبيل
الحقوق، أو من قبيل حق الله أو من قبيل
حق العبد؟)) (٤)
وللفقهاء خلاف في حكم الدفاع عن
النفس ضد الصائل عليها مداره على ثلاثة
آراء:
(٣) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٦/ ٦٠٧.
(٤) الجنايات في الفقه الإسلامي، الشاذلي
ص٢٥٨ بتصرف یسیر.
١٧٢
جوبي
القرآن الكريم
القتل
واجب،وهو ظاهر مذهب الحنفية، ومشهور
المالكية والشافعية(١).
الرأي الأول: أن دفع الصائل عن النفس محتاج إليه يخاف على نفسه، فمنعه صاحب
البئر عن البئر جاز له أن يقاتله بالسلاح،
والفرق أن الطعام ملك له، وله أن يدفع عن
ملكه ويقاتل، ولو قتل كان شهيدا، بدليل ما
روي عن رسول الله صلی الله علیه وسلم
الرأي الثاني: أن دفع الصائل عن النفس
جائز ولیس واجبًا، وهو الرأي المرجوح
في مذهبي مالك والشافعي، والراجح عند أنه قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد)(٣).
الحنابلة.
الرأي الثالث: التفرقة بين حالة الفتنة
وغیرها، فیکون الدفاع جائزًا مطلقًا في حالة
الفتنة، أما في غير حالة الفتنة فهو واجب
مطلقًا، وهو رأي بعض الشافعية والمالكية،
وبعض الحنابلة (٢)
٠
ولكل رأي من هذه الآراء حجته ودليله، كان له أن يقاتله بالسلاح، كما لو قاتله على
مال)»(٤).
مما لا يتسع المقام لذكره هنا.
وللدفاع عن النفس مراتب، نص عليها
بعض الفقهاء في القواعد الفقهية، حیث لا
يلجأ للدفع الأقوى إلا بعد العجز عما هو
دونه.
قال أبو المظفر الكرابيسي: ((إذا خاف
على نفسه من الجوع، ومع رفيقه طعام، فأبى
أن يعطيه لا يحل له قتاله بالسلاح، ويقاتله
بغير سلاح، وإن كان في البئر ماء، وهو
(١) انظر: حاشية ابن عابدين ٤٨١/٥، تحفة
المحتاج، ابن حجر الهيتمي ١٢٤/٤،
مواهب الجليل، الحطاب ٦/ ٣٢٣.
(٢) حاشية الرملي على نهاية المحتاج ١٦٨/٤،
أسنى المطالب، زكريا الأنصاري ١٦٨/٤،
الروض المربع، البهوتي ٢/ ٢٥٣.
وإذا كان هو شهيدا كان ذاك ظالما له،
فکره له أن یقاتله بالسلاح، وقد اضطر في
إحياء نفسه إلى ماله، فكان له أن يقاتله بغير
السلاح، وأما الماء فليس بمملوك له، فإذا
منعه كان متعدياً في المنع، فكان له أن يقاتله
بالسلاح، لأن هذا حقه، فإذا منع عن حقه
وتفريعًا على قاعدة (الضرورات تبيح
المحظورات) يجوز للمضطر أن يأكل
من مال الغير ما يدفع به الهلاك عن نفسه
جوعًا، ويدفع الصائل بما أمكن ولو بالقتل،
ويضمن في المحلين، وإن كان مضطرًا،
فإن الاضطرار يظهر في حل الإقدام، لا
في رفع الضمان وإبطال حق الغير، ولو لم
يضمن لكان من قبيل إزالة الضرر بالضرر،
وهذا منافٍ وغير جائز، ويتعارض مع قاعدة
«الضرر لا یزال بمثله» (٥).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) الفروق، الكرابيسي ٢٨٣/٢-٢٨٤.
(٥) انظر: القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب
الأربعة، محمد الزحيلي ص٢٨٦.
www. modoee.com
١٧٣
حرف القاف
سادسًا: الحسد:
قد يلجأ المرء إلى قتل غيره ظلمًا وعدوانًا
بسبب الحسد له على نعمة أوتيها، أو منزلة
بلغها، أو فضل تحصل عليه، وهذا من
قبح الصنيع وسوء الطوية، ولقد كانت أول
جريمة قتل باء بها أحد من بني آدم على ظهر
الأرض بسبب الحسد، ألا وهي جريمة قتل
قابیل لهابيل التي وردت في القرآن الكريم.
قال تعالى ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ
بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ
يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
لَيْنُ بَسَطَتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِىِ
اَللَّهُ مِنَ الْمُنْقِينَ
مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ إِى أَخَافُ اللّهَ
رَبَّ الْعَلَمِينَ ) إِنّ أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِئْسِى وَإِثْكَ
فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَّوُاْ القَِّلِينَ
﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، قَتْلَ أَخِيدٍ فَقَتَلَهُ، فَأَصْبَحَ
مِنَ الْخَسِرِينَ ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى
اُلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ
يَوَّيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرابِ
فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىٌّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ
٣١
مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ كَتَّبْنَا عَلَى بَنِّيّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ
مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَآ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ
جَآءَ تَّهُمْ رُسُلْنَا بِالْبَيْنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم
بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾
[المائدة: ٢٧ - ٣٢ ].
وخلاصة القصة ما نصت عليه آيات
القرآن الکریم، أن ابني آدم قدم كل واحد
منهما قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل
من الآخر، فحسد المرفوض قربانه أخاه
المقبول فقتله(١).
ولذلك فإن فرط الحسد قد يدفع
بالحاسد إلى إيقاع الشر بالمحسود فإنه يتبع
المساوىء ويطلب العثرات، وقد قيل إن
الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء
والأرض فحسد إبليس آدم حتى أخرجه من
الجنة، وأما في الأرض فحسد قابيل بن آدم
لأخيه هابیل حتى قتله((٢).
وبناء عليه فهذه كانت أول جريمة سفك
دم على ظهر الأرض، ولهذا يتحمل القاتل
جزءًا من كل جريمة قتل تقع على الأرض
بعد ذلك، ویصدق هذا حديث عن عبد الله
رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
وسلم، قال: (لا تقتل نفس إلا كان على ابن
آدم الأول كفلٌ منها)(٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٢/١٠-٢٠٤،
تفسير السرقندي ٣٨٣/١-٣٨٤، الكشف
والبيان، الثعلبي ٤٨/٤، النكت والعيون،
الماوردي ٢٨/٢-٢٩، المحرر الوجيز، ابن
عطية ١٧٨/٢.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٧٧/٦،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٩/٢٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدیات،
باب ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا،
رقم ٦٨٦٧.
١٧٤
جَوَسُو
القرآن الكريم