Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
القَسَمِ
عناصر الموضوع
مفهوم القسم
٣٦٤
القسم في الاستعمال القرآني
٣٦٥
الألفاظ ذات الصلة
٣٦٦
٣٦٩
أنواع القسم في القرآن
٣٧٦
صيغ القسم
٣٨٢
أركان القسم
٣٩٤
أغراض القسم في القرآن
٣٩٦
كفارة القسم
المُجَلَدَ السَّابِعِ وَالعشْرُونْ
حرف القاف
مفهوم القسم
أولًا: المعنى اللغوي:
بالنظر في المعاجم اللغوية يظهر أن مادة (القاف والسين والميم) تشمل عدة معانٍ، إلا
أن القسم بالتحريك يرادف الحلف واليمين، قال ابن فارس: ((القاف والسين والميم أصلان
صحيحان، يدل أحدهما على جمالٍ وحسن والآخر على تجزئة شيء. فالأول القسام، وهو
الحسن والجمال، وفلانٌ مقسم الوجه، أي: ذو جمالٍ. والقسمة: الوجه، وهو أحسن ما في
الإنسان والأصل الآخر القسم: مصدر قسمت الشيء قسمًا. والنصيب قسمٌ بكسر القاف.
فأما اليمين فالقسم. قال أهل اللغة: أصل ذلك من القسامة، وهي الأيمان تقسم على أولياء
المقتول إذا ادعوا دم مقتولهم على ناسٍ اتهموهم به))(١).
فالقسم، وهو المصدر، والجمع أقسام، وقد أقسم بالله واستقسم به وقاسمه: حلف له،
وتقاسم القوم تحالفوا، والقسامة: الذين يحلفون على حقهم ويأخذونه، ويمين القسامة
منسوبة إليهم، والمقسم: القسم، والمقسم: الموضع الذي حلف فيه، والمقسم: الرجل
الحالف، أقسم يقسم إقسامًا (٢)، فالعلاقة بين القسامة والقسم وطيدة.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
هو: ((ربط العقد بالامتناع والترك أو بالإقدام على فعلٍ بمعنى معظم حقيقةً أو اعتقادًا))(٣).
أو هو: ((ربط النفس، بالامتناع عن شيء أو الإقدام عليه، بمعنى معظم عند الحالف
حقيقة أو اعتقادًا. وسمي الحلف یمینًا؛ لأن العرب كان أحدهم يأخذ بیمین صاحبه عند
التحالف)» (٤).
فالمعنى الاصطلاحي لا يختلف عن المعنى اللغوي كثيرًا إلا أنه قيد بتقييدات معينة.
(١) مقاييس اللغة ٨٦/٥.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ٢/ ٢٤٢، لسان العرب، ابن منظور ٤٧٨/١٢.
(٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٢١٦/٣.
(٤) مباحث في علوم القرآن، مناع القطان ص٣٠١.
٣٦٤
مَوسُو ◌َر النفسية
الْقُرْآن الكَرِيمِ
القسم
القسم في الاستعمال القرآني
وردت مادة (أقسم) في القرآن الكريم (٢٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾
فعل الماضي
٩
[الأعراف: ٤٩]
فعل المضارع
١٣
فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ
﴾ [الواقعة: ٧٥]
٧٥
فعل الأمر
١
قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ﴾ [النمل : ٤٩]
اسم مصدر
٢
هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لَّذِى حَمْرٍ ﴾ [الفجر: ٥]
وجاء القسم في القرآن بمعناه في اللغة وهو: الحلف، وأصله من (القسامة) وهي الأيمان
تقسم على الأولياء في الدم (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٥٤٥.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٨٦/٤.
www. modoee.com
٣٦٥
حرف القاف
الألفاظ ذات الصلة
١
الحلف :
الحلف لغةً:
قال ابن فارس: ((الحاء واللام والفاء أصلٌ واحد، وهو الملازمة. يقال: حالف فلانٌ فلانًا،
إذا لازمه))(١).
الحلف اصطلاحًا:
هو ((العهد بين القوم، والمحالفة المعاهدة والملازمة))(٢).
الصلة بين الحلف والقسم:
قال أبو هلال العسكري: ((الصلة بين القسم والحلف: أن القسم أبلغ من الحلف؛ لأن
معنى قولنا: أقسم بالله أنه صار ذا قسم بالله والمراد أن الذي أقسم عليه من المال وغيره
قد أحرزه ودفع عنه الخصم بالله، والحلف من قولك: سيفٌ حليف، أي: قاطع ماضٍ، فإذا
قلت: حلف بالله، فكأنك قلت: قطع المخاصمة بالله، فالأول أبلغ؛ لأنه يتضمن معنى الآخر
مع دفع الخصم، ففيه معنيان. وقولنا: (حلف) يفيد معنى واحدًا، وهو قطع المخاصمة فقط،
وذلك أن من أحرز الشيء باستحقاق في الظاهر فلا خصومة بينه وبين أحد فیه، ولیس کل
من دفع الخصومة في الشيء فقد أحرزه)) (٣). وعلى هذا فالقسم أعم من الحلف.
اليمين:
٢
اليمين لغةً:
القسم، يقال: سمي بذلك؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل منهم يمين صاحبه (٤).
اليمين اصطلاحًا:
هو ((عقد يقوى به عزم الحالف على الفعل والترك)) (٥).
الصلة بين اليمين والقسم:
يظهر أنهما مترادفان في المعنى.
(١) مقاييس اللغة ٧٨/٢.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص١٤٦.
(٣) الفروق اللغوية، العسكري ص٤٢٩.
(٤) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٢٢١.
(٥) الكليات، الكفوي ص٩٨٥.
٣٦٦
جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
القسم
الميثاق:
٣
الميثاق لغةً:
قال ابن فارس: ((الواو والثاء والقاف كلمةٌ تدل على عقدٍ وإحكام. ووثقت الشيء:
أحكمته، وناقةٌ موثقة الخلق. والميثاق: العهد المحكم. وهو ثقةٌ، وقد وثقت به))(١).
الميثاق اصطلاحًا:
(هو العقد المؤكد إما بوعيدٍ أو بيمينٍ))(٢). قال صاحب المنار: ((العهد ما يتفق رجلان
أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضي
زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقًا)»(٣).
الصلة بين الميثاق والقسم:
أن الميثاق عهدٌ مؤكدٌ بالقسم، فالقسم أعم من الميثاق؛ إذ يشمل العهد المؤكد به، ويشمل
القسم ما ليس بعهد، وقد نص ابن هشام على أن أخذ الميثاق قسم (٤)، أي: جزء من القسم.
٤ الحنث:
الحنث لغةً:
هو الإثم والحرج. يقال: حنث فلانٌ في كذا، أي: أثم. ومن ذلك قولهم: بلغ الغلام
الحنث، أي: بلغ مبلغًا جرى عليه القلم بالطاعة والمعصية، وأثبتت عليه ذنوبه(٥).
الحنث اصطلاحًا:
هو ((الذنب المؤثم، وسمي اليمين الغموس حنثًا لذلك))(٦).
الصلة بين الحنث والقسم:
هما نقيضان فلا يجتمعان، فالقسم إلزام النفس بفعل شيء أو تركه، والحنث نقض ذلك
القسم.
(١) مقاييس اللغة ٦ / ٦٣.
(٢) أحكام القرآن، الجصاص ٤٧/١.
(٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٦٧/١٠.
(٤) مغني اللبيب، ابن هشام ص٥٣٢.
(٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠٨/٢.
(٦) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٤٨.
www. modoee.com
٣٦٧
حرف القاف
النقض:
٥
النقض لغةً:
من نقضت البناء نقضًا، والنقض اسم البناء المنقوض إذا هدم، ونقضت الحبل نقضًا:
حللت برمه، وانتقضت الطهارة: بطلت، وانتقض الجرح بعد برئه، والأمر بعد التئامه: فسد،
وتناقض الكلامان: تدافعا كأن كل واحد نقض الآخر، وفي كلامه تناقضٌ إذا كان بعضه
يقتضي إيطال بعض (١).
النقض اصطلاحًا:
((الفسخ وفك التركيب))(٢).
الصلة بين النقض والقسم:
إذا كان القسم في إلزام النفس على فعل شيء أو تركه، فإن النقض هو فك ذلك الإلزام،
وعدم الوفاء به، فكل منهما مناقض للآخر.
٦ النكث:
النكث لغةً:
نكث العهد، والحبل، ينكثه وينكثه: نقضه فانتكث، ونكث السواك: تشعث رأسه(٣).
النکث اصطلاحًا:
(هو ما نقض من غزل الشعر وغيره)) (٤).
الصلة بين النكث والقسم:
هما ضدان، فالقسم في إلزام، والنكث نقض ذلك الإلزام.
(١) انظر: المصباح المنير، الفيومي ص ٣٢٠.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٣٢٩.
(٣) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ١٧٧/١.
(٤) الكليات، الكفوي ص٢٠١.
٣٦٨
حَوْنُور
القرآن الكريمِ
القسم
أنواع القسم في القرآن
ذكر العلماء أن للقسم أنواعًا ثلاثة: (لغو،
ومنعقدة، وغموس) وذهب البعض إلى
أنهما نوعان فقط (لغو ومنعقدة) وفيما يلي
نستجلي حقيقته، ونبين أحكامه المذكورة
في القرآن الكريم:
أولًا: اليمين اللغو:
ذكر المولى سبحانه أنه لا يؤاخذنا باللغو
في اليمين في قوله: ﴿لَّا يُؤَاخِذُ كُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِّ
أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ
[البقرة: ٢٢٥].
عمور حلي
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِنْ
يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَ﴾ [المائدة: ٨٩].
(«اللغو: سقط الكلام الذي لا حکم له،
ويستعمل في الهجر والرفث وما لا حكم
له من الأيمان تشبيهًا بالسقط من القول،
واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو:
فقال ابن عباس وعائشة وعامر الشعبي
وأبو صالح ومجاهد رضي الله عنهم:
«لغو اليمين: قول الرجل في درج كلامه
واستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى
والله دون قصد للیمین».
وقال أبو هريرة وابن عباس أيضًا
والحسن ومالك رضي الله عنهم وجماعة
من العلماء: ((لغو اليمين: ما حلف به الرجل
علی یقینہ فکشف الغیب خلاف ذلك». قال
ابن عطية: ((وهذا اليقين هو غلبة ظن أطلق
الفقهاء عليه لفظة اليقين تجوزًا».
وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن
عبد الرحمن وعبد الله وعروة ابنا الزبير
رضي الله عنهم: ((لغو اليمين: الحلف في
المعاصي كالذي يحلف ليشربن الخمر أو
ليقطعن الرحم، فبره ترك ذلك الفعل ولا
كفارة عليه)).
وقال ابن عباس أيضًا وطاووس رضي
الله عنهما: ((لغو اليمين: الحلف في حال
الغضب)».
وقال مكحول الدمشقي رضي الله عنه
وجماعة من العلماء: «لغو اليمين: أن يحرم
الرجل على نفسه ما أحل الله فيقول: مالي
علي حرام إن فعلت كذا أو الحلال علي
حرام)».
وقال زيد بن أسلم وابنه رحمهما الله:
«لغو اليمين: دعاء الرجل على نفسه؛ أعمى
الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي هو
مشرك إن فعل كذا».
وقال ابن عباس رضي الله عنه أيضًا
والضحاك رحمه الله: ((لغو اليمين: هو
المكفرة، أي: إذا كفرت اليمين فحينئذ
سقطت وصارت لغوًا ولا يؤاخذ الله
بتکفیرها والرجوع إلى الذي هو خیرا.
وقال إبراهيم النخعي رحمه الله: («لغو
اليمين: ما حنث فيه الرجل ناسيًا».
www. modoee.com
٣٦٩
حرف القاف
وقيل: ((اللغو: أيمان المكره)) (١).
الأقوال السابقة: ((وطريقة النظر أن يتأمل
هذه أقوال تسعة في تفسير لغو اليمين، إلا لفظة: (اللغو) ولفظة: (الكسب) ويحكم
أننا إذا نظرنا في الآية الكريمة نجدها تصرح
بأن اليمين اللغو هي التي لا كفارة فيها، فنص
الآية: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ فِي أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن
يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُّهُ: إِطْعَامُ
عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ
أَوْكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِیرُ رَقَبَةٍ﴾ فقابل بين اليمين
اللغو واليمين التي فيها كفارة، وهذا يسقط
بعض الأقوال، فيسقط القول بأنها الحلف
في المعاصي؛ لأنها -على فرض أنها لا
كفارة فيها- فيها مؤاخذة.
والقول: بأنها دعاء الرجل على نفسه؛
لأن هذا دعاء وليس قسمًا، والقول: بأنها
اليمين المكفرة؛ وذلك لأنه على هذا القول
یکون قابل بين الشيء ونفسه.
وأما القول: بأنها اليمين في غضب فقد
ذکر قائلوه حديثًا لم أقف علیه؛ لذلك تركت
ذكره، ولو صح فليس بنص في أن هذا هو
اليمين اللغو.
وأما القول بأنها: أن يحرم الرجل على
نفسه ما أحل الله، فإن هذا فيه مؤاخذة؛ إذ
فيه مخالفة صريحة لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ
وَلَا تَعْتَدُوَأْ﴾ [المائدة: ٨٧
قال ابن عطية رحمه الله تعليقًا على
(١) المحرر الوجيز: ٣٠٢/١ بتصرف.
موقعهما في اللغة، فكسب المرء ما قصده
ونواه، واللغو: ما لم يتعمده أو ما حقه لهجنته
أن يسقط، فيقوى على هذه الطريقة بعض
الأقوال المتقدمة ويضعف بعضها، وقد رفع
الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في اللغو،
فحقيقته ما لا إثم فيه ولا كفارة، والمؤاخذة
في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في الغموس،
وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة، وبعقوبة
الدنيا في إلزام الكفارة فيضعف القول بأنها
اليمين المكفرة؛ لأن المؤاخذة قد وقعت
فيها، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة
فقط تحکم»(٢).
قلت: وأقوى الأقوال فيها: القول بأنها
قول الرجل: لا والله وبلى والله دون قصد
لليمين. والقول بأنها ما حلف به الرجل على
يقينه فكشف الغيب خلاف ذلك، وذلك
أن الحالف في هاتين الحالتين لم يتعمد
معصية، ففي القول الأول جرى لفظ القسم
على لسانه دون معناه، وهذا أشبه بالساقط
من الكلام؛ إذ اللغو - كما عرفه الراغب-
«ما لا يعتد به، وهو الذي یورد لا عن رويَّة
وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت
العصافير)) (٣).
(٢) المصدر السابق بتصرف.
(٣) المفردات ٣٤٠/٢.
٣٧٠
القرآن الكريمِ
القسم
وفي الثاني: تعمد القسم، ولكن لم مرادين؛ إذ اللغو في اليمين ((الساقط الذي
لا یتعلق به حکم»(٣) ویکون هذا من باب ما
یسمی عند البلاغیین بأسلوب الاستخدام،
يتعمد الكذب.
وأما القول: بأنها ما حنث فيه الرجل
ناسيًا، والقول: بأنها أيمان المكره فلا وما يسمى عند الأصوليين استخدام المشترك
يبعدان عن القولين السابقين، فالحنث ناسيًا في معنييه، ويكون هذا من الإعجاز القرآني؛
إذ يشمل اللفظ القليل المعاني الكثيرة.
غير مؤاخذ به؛ وذلك أن النسيان مرفوع
عن هذه الأمة، وأيمان المكره كذلك لقوله
صلی الله عليه وسلم: (تجاوز الله عن أمتي
الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)(١).
وقد رجح أبو حيان رحمه الله القول
بأنها ما لا يقصد به حقيقة اليمين، وإنما
هو شيء يجري على اللسان عند المحاورة
من غير قصد، قائلًا -بعد ذكره الأقوال -:
((وهذه الأقوال يحتملها لفظ اللغو، إلا أن
الأظهر هو ما فسرناه أولًا؛ لأنه قابله کسب
القلب، وهو تعمده للشيء، فجميع الأقوال
غيره ينطبق عليها أنها كسب القلب؛ لأن
للقلب قصدًا إليها: ونفي الوحدة يدل على
أنه لا إثم ولا كفارة، فيضعف قول من قال:
إنها تختص بالإثم، ويفسر اللغو باليمين
المكفرة»(٢).
قلت: ولا مانع من أن يكون المعنيان
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب، الطلاق،
باب طلاق المكره والناسي، ٢٠١/٣،
رقم ٢٠٤٥، الحاكم في المستدرك، كتاب
الطلاق، ٢١٦/٢ رقم ٢٨٠١.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشیخین، ولم يخرجاه.
(٢) البحر المحيط ٢/ ١٩٠.
وقد ذهب الشيخ أبو زهرة رحمه الله
لأبعد من هذا، فقال: ((وأرى أن كل صور
أيمان اللغو الواردة عن الصحابة تدخل في
معنی یمین اللغو التي کان من فضل الله على
عباده ورحمته بھم أن رفع عنھم إثمها، ولم
يجعلها موضع مؤاخذة ولا اعتداد، فلا إثم
ولا کفارة فيها»(٤).
وأما حكم هذه الیمین فقد وضحت آیتا
سورة البقر وسورة المائدة أنها لا مؤاخذة
فیھا.
ثانيًا: اليمين المنعقدة:
اليمين المنعقدة: هي على المستقبل التي
يصح فيها الحنث والبر (٥).
وعرفها ابن العربي بأنها: «ربط القول
بالقصد القائم بالقلب، يعزم بقلبه أولًا
متواصلاً منتظمًا، ثم يخبر عما انعقد من
ذلك بلسانه))(٦).
(٣) الكشاف، الزمخشري ١/ ٧٠٥.
(٤) زهرة التفاسير ٧٤٦/٢.
(٥) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ١٩١.
(٦) أحكام القرآن، ابن العربي ٢١٢/٣.
www. modoee.com
٣٧١
حرف القاف
ثم إن الأيمان المنعقدة -في نفسها-
تنقسم إلى أقسام، فالأيمان المنعقدة التي
تتكرر كأن تقول: أقسم بالله العظيم. أقسم
بالله العظيم. أقسم بالله العظيم؛ أقوى من
قولك: أقسم بالله -مرة واحدة -.
والأيمان التي تنشأ ابتداءً أقل رتبة في
العظم من الأيمان المصبورة التي يحبس
عليها صاحبها، والأيمان المصبورة التي
حبس عليها صاحبها أيضًا تتفاوت في
العظم، فمثلًا: إذا حبس شخص بعد الصلاة
كما قال الله سبحانه: ﴿تَحْيِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدٍ
الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
أي: صلاة العصر، فإذا حبس في مسجد
ما ليس ذلك كمن يحبس في مسجد رسول
الله صلی الله عليه وسلم أو عند منبر رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فأقواها رجل
حبس على يمين بعد صلاة العصر عند
منبر رسول الله صلی الله عليه وسلم، فهذه
أعظم من الیمین الأخرى، وإن كانت كلها
أيمانًا منعقدة (١).
والیمین المنعقدة لا تكون إلا باسم من
أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، فلو
حلف بغير الله تعالى لا تعد يميناً منعقدة،
وقد ذكروا لانعقاد اليمين شروطًا:
١. أن يكون الحالف بالغًا عاقلًا؛ فلا
(١) انظر: سلسلة التفسير، مصطفى العدوي
٤/٥٠.
تنعقد يمين الصبي والمجنون؛ لرفع
المؤاخذة عنهما.
٢. ألا تكون اليمين لغوًا.
٣. أن يكون الحلف بذات الله تعالى
مثل: أقسم بالله، أو بأحد أسمائه
تعالى، مثل: أقسم بالرحمن أو برب
العالمين، أو بصفة من صفاته تعالى
مثل: أقسم بعزة الله، أو بعلمه أو
بإرادته أو بقدرته(٢).
ثم إن اليمين المنعقدة أنواعًا:
النوع الأول: اليمين على ما هو متصور
الوجود عادة، إذا كان المحلوف عليه أمرًا
يتصور حدوثه بحسب العادة والإمكان، كأن
يقول: (والله لآكلن هذا الرغيف).
النوع الثاني: اليمين على ما هو مستحيل
غير متصور الوجود أصلًا، وهو المستحيل
عقلًا مثل قول الشخص: (والله لأشربن
الماء الذي في هذا الكوب) وليس في
الكوب ماء.
النوع الثالث: اليمين على ما هو مستحيل
عادة، وذلك إذا كان الأمر المحلوف عليه
متصور الوجود فى نفسه، ولكنه مستحيل
بحسب العادة كالصعود في السماء، و
الطيران في الهواء (٣).
واليمين المنعقدة يجب فيها الكفارة؛
(٢) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي
٠١٨/٤
(٣) انظر: المصدر السابق ٤ /١.
٣٧٢
الْقُرآن الكَرِيْمِ
القسم
لنص الآية الصريح على ذلك: ﴿لَايُؤَاخِذُكُم
اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا
عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ
تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّاءٍ ذَلِكَ
كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
وسيأتي تفصيل الحكم فيها - إن شاء الله -.
ثالثًا: اليمين الغموس:
اليمين الغموس: الحلف على فعلٍ أو
تركٍ ماضٍ كاذبًا، سميت به؛ لأنها تغمس
صاحبها في الإثم (١).
قال الزمخشري: ((اليمين الغموس تدع
الديار بلاقع. هي اليمين الكاذبة تغمس في
المآثم، وتقول العرب للأمر الشديد الغامس
في الشدة والبلاء: غموس)»(٢).
وفي تسميتها بالغموس زيادة في
تقبيحها، فكأنها سبب في إحاطة صاحبها
بالذنوب وغمره بها، فكأنه انغمس فيها، إذ
الغمس («إرساب الشيء في الشيء الندي في
ماءٍ أو صبغٍ حتى اللقمة في الخل)) (٣).
واليمين الغموس وتسمى المصبورة؛
لأن صبرها مغالبة وقوة عليها، كما يصبر
(١) أنيس الفقهاء، القونوي ص ١٧٢.
(٢) الفائق ٧٦/٣
(٣) تهذيب اللغة، الأزهري ٨/ ٧٢.
(٤)
الحيوان للقتل والرمي
واليمين الغموس عادة من عادات
المنافقین، ذمهم الله تعالى عليها في كتابه،
وتوعدهم عليها، فقال سبحانه: ﴿أَلَّتَرَ إِلَى
الَّذِينَ تَوَلَوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ
وَيَعْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ
عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَلَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أَّخَذُوَاْ
أَيْمَهُمْ جُنَّةً فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
٦) لَّنْ تُفِىَ عَنْهُمْ أَمْوَأُمْ وَلَا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِشَيْئَّأَ
أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ ٢ يَوْمَ
يَبْعَثُّهُمُ اللّهُ حَمِيعًا فَحْلِفُونَ لَهُ: كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَتَحْسَبُونَ
أَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكَذِبُونَ﴾ [المجادلة:
١٤ - ١٨].
فهؤلاء المنافقون دأبهم الحلف الكاذب،
وهذا هو اليمين الغموس، فهيأ الله لهم عذابًا
شديدًا مؤلمًا، وكانوا يحلفون هذه الأيمان؛
لیتستروا بها، ولیصدوا عن منهج الله تعالى،
فكان مصيرهم عذاب مذل لهم، ولن ينفعهم
كثرة الأموال والأولاد، وهم أصحاب النار
الملازمون لها يوم القيامة حين يبعثهم الله
ويخبرهم، فيحاولون أن يحلفوا أيمانًا
كاذبة ظانين أن أيمانهم ستروج يوم القيامة
کما کانت تروج في الدنيا، ولکن هیهات
هیهات.
وقد كثرت الأحاديث الصحيحة،
وكذلك الآثار التي تدل على أنها من الكبائر،
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ١٩١/٢.
www. modoee.com
٣٧٣
حرف القاف
فمن ذلك عن عبد الله بن عمرو رضي الله بيده لا يحلف الرجل على مثل جناح بعوضة
إلا كانت كية في قلبه يوم القيامة)(٤).
عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين،
وقتل النفس، واليمين الغموس)(١).
وورد تفسیرها في حديث آخر فعن عبد
الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (جاء
أعرابيٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: (الإشراك
بالله) قال: ثم ماذا؟ قال: (ثم عقوق الوالدين)
قال: ثم ماذا؟ قال: (اليمين الغموس) قلت:
وما اليمين الغموس؟ قال: (الذي يقتطع مال
امرئ مسلم هو فيها كاذبٌ)(٢).
وقد ورد في الوعيد عليها قوله صلى
الله عليه وسلم: (من حلف على يمين صبر
يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي
الله وهو عليه غضبان)(٣).
وعن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق
الوالدين، واليمين الغموس، والذي نفسي
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان
والنذور، باب اليمين الغموس، ٦/ ٢٤٥٧،
رقم ٦٢٩٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب استتابة
المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إثم
من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة،
٢٥٣٥/٦، رقم ٠٦٥٢٢
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة
بالنار، ١٢٢/١، رقم ٢٢٠.
ومن الآثار في ذلك ما روي عن ابن
مسعود رضي الله عنه: «كنا نعد من الذنب
الذي لا کفارة له الیمین الغموس. فقيل: ما
اليمين الغموس؟ قال: اقتطاع الرجل مال
أخيه باليمين الكاذبة))(٥).
وعن عمران بن حصين رضي الله
عنه قال: «كنا نعد اليمين الغموس من
الكبائر)»(٦).
وقد فسر الشعبي رضي الله عنه الحنث
العظيم في قوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِثِ
اٌلْعَظِيمِ ﴾ [الواقعة: ٤٦].
بأنه اليمين الغموس (٧). ومعنى الآية:
أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا
في ذلك (٨). فعلى هذا تكون هذه اليمين
سببًا لجعل صاحبها من أصحاب الشمال،
ومن ذهب من العلماء إلى أنها لا تكفر - كما
(٤) أخرجه ابن حبان في صححيه، كتاب الحظر
والإباحة، ٣٧٤/١٢، رقم ٥٥٦٣.
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الأيمان
والنذور، ٣٢٩/٤، رقم ٧٨٠٩، والبيهقي في
السنن الكبرى، ٣٨/١٠ رقم ١٩٦٦٨.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه فقد اتفقا على سند قول
الصحابي. ولم يتعقبه الذهبي.
(٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،
١٨/ ١٢٥، رقم ٢٥٦.
(٧) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٤٧/٥،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٣٥٥.
(٨) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٨/٨.
صَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ
٣٧٤
القسم
سیأتی- لیس للتخفيف على صاحبها، بل؛ ورجاء، تؤرقه یمینه، وتنغص عليه حياته،
لأنها ((أعظم من أن تكفر))(١).
وإنما كانت اليمين الغموس بهذه
الدرجة؛ لأن صاحبها امتهن من حلف به؛
إذ الحلف يكون في أمر جد، أما هذا فجعل
الهزل موطن الجد، فكأنه احتقر من حلف
به، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الیمین
یکون الغرض منها تأكید الكلام وتوثیقه، مما
يجعل المخاطب يصدق ما يقال له، ويذعن
لخصمه في الوقت الذي هو كاذب محتال،
فتضيع الحقوق، وتميع الحقائق، ويختلط
الحق بالباطل، وهذه اليمين عادة المنافقين،
وديدن الفاسقين، وعادة المستهترين، فما
أجرأهم على اسم الله تعالى، حتى رأينا
منهم في زماننا هذا من يقفون على أبواب
المحاکم یشهدون زورًا، ويحلفون فجورًا،
يتربحون بذلك، فيشترون الدنيا بالآخرة،
یغدون في صباحهم على الحنث عازمین،
وعلی الكذب مجترئین، ويروحون فرحين
مسرورين، ولا يشعرون أنهم باؤوا بغضب
عظيم، وسخط جسيم، لا يبالون بأن يقتل
إنسان بسبب يمينهم، أو يسجن آخر جراء
إجرامهم؛ لذلك كان رأي الجمهور أنها
أعظم من أن تكفر بكفارة ضئيلة، ودراهم
قليلة، بل أمرها إلى الله، فإذا أراد التوبة لا
بد وأن یحسن توبته، ویظل یعیش بین خوف
(١) تفسير ابن عرفة ٥٢٣/٢.
فهي یمین مکر وخديعة، لا يرضى بها ذو
مروءة، حسبنا الله ونعم الوكيل.
ورغم اتفاق العلماء على حرمة هذه
اليمين، إلا أنهم اختلفوا فيها، هل لها كفارة
أم لا، وسوف يأتي تفصيل القول في ذلك
في موضعه إن شاء الله.
www. modoee.com
٣٧٥
حرف القاف
صيغ القسم
صيغ القسم نوعان:
٠
صريح.
و کنایة.
٠
((فالصريح يكون مع الإتيان بلفظ
الحلف، كقوله: أحلف بالله لأفعلن كذا،
وأقسم بالله لأفعلن کذا، ومع الإتيان بحرف
من حروف القسم، وهي الواو، كما في قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِرَيِّنَا
مَاكُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
وبالتاء المثناة، كما في قوله تعالى حكاية
عن الخليل عليه السلام: ﴿وَقَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ
أَسْتَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلَّأْ مُدْبِرِينَ ﴾ [الأنبياء: ٥٧].
إلى غير ذلك من الأدوات القسم -التي
سيأتي ذكرها-، فإذا أتى باليمين بصيغة من
هذه الصیغ انعقدت یمینه، نوی الیمین أو لم
ینو.
والكناية كقوله: بالله -بحرف القسم-
وتالله، ولعمر الله، وايم الله، وأشهد بالله،
وأعزم بالله. فإذا أتى بصيغة من هذه الصيغ
ونوی الیمین انعقدت، وإلا فلا.
وفي معنى ذلك تعليق التزام فعل أو تركه،
بشرط أن يكون ذلك قربة، كقوله: إن فعلت
کذا فعلي نذر کذا، أو یکون کفارة یمین، مثل
أن يقول: إن فعلت كذا فعلي كفارة يمين (١).
(١) صبح الأعشى، القلقشندي ٢٠٩/١٣.
جوسين
لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ
والقسم إما ظاهر، وإما مضمر:
فالظاهر: هو ما صرح فيه بفعل القسم،
وصرح فيه بالمقسم به، ومنه ما حذف فيه
فعل القسم كما هو الغالب اكتفاء بالجار من
الباء أو الواو أو التاء.
والمضمر: هو ما لم يصرح فيه بفعل
القسم، ولا بالمقسم به، وإنما تدل عليه
اللام المؤكدة التي تدخل على جواب القسم
كقوله تعالى: ﴿لَتُبْلُوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
أي: والله لتبلون(٢).
والمضمر قسمان:
قسم دلت عليه لام القسم، كقوله:
فِىّ أَمْوَلِكُمْ
﴿كَتُبْلَوُنَ
وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
وقسم دل علیه المعنى، کقوله: ﴿ وَإِن
﴾ [مريم: ٧١]. تقديره:
منكم إلا واردُهَا
والله(٣).
وبما أن معرفة التقسيمين السابقين يترتب
على معرفة أشياء منها أدوات القسم، فلا بد
من معرفة هذه الأدوات:
قال ابن سيده رحمه الله: ((وللقسم
والمقسم به أدوات في حروف الجر فأكثرها
(٢) انظر: مباحث في علوم القرآن، القطان ص
٣٠٤.
(٣) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي
٤٣/٣، الإتقان في علوم القرآن، السيوطي
٤/ ٥٥.
٣٧٦
القسم
الواو ثم التاء وتدخل فيه اللام وأصل هذه [يس: ٢]. كما لا يظهر مع التاء واللام(٤).
الحروف الباء، والباء صلة للفعل المقدر
أحلف أو أقسم أو ما جرى مجری ذلك،
فإذا قال: بالله لأضربن زيدًا، فكأنه قال
أحلف بالله))(١).
وكانت الباء أصل هذه الأدوات («لأنها
للإلصاق، فهي تلصق فعل القسم بالمقسم
به)»(٢).
وجعلوا الواو بدلًا من الباء، وخصوا بها
القسم؛ لأنها من مخرج الباء، واستعملوا
الواو أكثر من استعمالهم الباء؛ لأن الباء
تدخل في صلة الأفعال في القسم وغيرها،
فاختاروا الواو في الاستعمال؛ لانفرادها
بالقسم، وقد تدخل الباء في ثلاثة مواضع
من القسم لا تدخلها الواو ولا غيرها:
أحدها: أن تضمر المقسم به کقولك إذا
أضمرت اسم الله: (بك لاجتهدن يا رب)،
وإذا ذكر اسم الله فأردت أن تکني عنه قلت:
به لألزمن المسجد، کما نقول: بالله لألزمن
المسجد.
والموضع الثاني: أن تحلف على إنسان
كقولك إذا حملت عليه: بالله إلا زرتني،
وبالله لما زرتني، ولا تدخل الواوههنا (٣).
والواو لا يظهر معها فعل القسم، بل
- وجوبًا، نحو: ﴿وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ﴾
(١) المخصص ٤ /٧١.
(٢) همع الهوامع، السيوطي ٢/ ٤٧٧.
(٣) المخصص، ابن سيده ٤ / ٧١.
وأما الباء فلا يحذف معها الفعل إلا
قليلًا، مثل قوله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْمَِهِمْ لَيِن جََّ هُمْ نَذِيرٌ لََّكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى
الْأَمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢].
وقد ذكر الزركشي رحمه الله أن من
هذا القليل قوله: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
على قول من ذهب إلى أن الباء للقسم،
وليست متعلقة بـ ﴿تُشْرِكْ﴾ وكأنه قال:
﴿يَبْنَىَّلَا تُشْرِكٌ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ِاللَّهِ﴾ لا
تشرك، وحذف شبه الجملة المتعلقة ب ﴿لا
تُشْرِك﴾؛ لدلالة الكلام عليه(٥).
وقد ذكر ابن عاشور رحمه الله أن
((القسم بالتاء يختص بما يكون المقسم عليه
أمرًا عجيبًا ومستغربًا، كما في قوله تعالى:
﴿وَتَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]،
فالإتيان في القسم هنا بحرف التاء مؤذن
بأنهم يسألون سؤالًا عجيبًا بمقدار غرابة
الجرم المسئول عنه» (٦).
ومن أدوات القسم أيضًا: ايم وايمن،
ولن نفصل فيهما؛ لأنهما لم يذكرا في القرآن
الکریم.
وهناك ألفاظ جارية مجرى القسم، قال
أبو علي الفارسي: الألفاظ التي جرت في
(٤) انظر: همع الهوامع، السيوطي ١٧٩/٢.
(٥) انظر: البرهان في علوم القرآن ٤٣/٣.
(٦) انظر: التحرير والتنوير ١٤٦/١٣.
www. modoee.com
٣٧٧
حرف القاف
كلامهم مجری القسم، حتى أجیبت بجوابه
تستعمل على ضربين:
أحدهما: أن يكون كسائر الأخبار التي
لیست بقسم، فلا یجاب كما لا يجاب.
والآخر: أن يجري مجرى القسم فيجاب
كما يجاب القسم. فمما لم يجب بأجوبة
القسم قوله: ﴿وَقَدْأَ خَذَ مِشَقَكُتْ لِنْ كُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[الحديد: ٨].
ومنه قوله: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا
فَوْقَكُمُ الُوَرَ خُذُّواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:
٦٣].
فما جاء بعد من ذلك فيه ذكر الأول
مما يجوز أن يكون حالًا احتمل ضربين:
أحدهما: أن يكون حالًا، والآخر - أن يكون
قسمًا، وإنما جاز أن تحمله على الحال دون
جواب القسم؛ لأنه قد جاز أن یکون معری
من الجواب، وإذا جعلت ما يجوز أن يكون
حالًا، فقد عريتها من الجواب. فمما يجوز
أن يكون حالًا قوله تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا
مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْتُوَرَ خُذُواْ﴾ [البقرة:
٦٣].
فقوله: ﴿وَرَفَعْنَا﴾ يجوز أن يكون حالًا
وتريد فيه (قد). وإن شئت لم تقدر فيه
الحال (١).
ومن القسم الظاهر قوله تعالى:
﴿ ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:
٦٢].
﴿وَأَقْسَمُواْ بِلّهِ جَهْدَ أَيْمَتِهِمْ لَبِن جَاءَ تُهُمْ
ءَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَأَ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِنْدَ اللَّهِ
وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَآَ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[الأنعام: ١٠٩].
: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضَّا قَرِبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا
لَّأَتَبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ
وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أَسْتَطَعْنَا لَفَرَجْنَا
مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ
تَكَذِبُونَ ﴾ [التوبة: ٤٢].
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ
وَمَا هُم مِّنكُ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾
[التوبة: ٥٦].
﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ
اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:
٣٨].
﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِنْ أَمَّرْتَهُمْ
لَيَخْرُجُنُّ قُل لَّا نُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللّهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٥٣].
إلى غير ذلك، فهذا صرح فيه بلفظ القسم
أو الحلف، وذكر المقسم به، وأداة القسم.
أما ما حذف فيه فعل القسم - كما هو
(١) الحجة للقراء السبعة، أبو علي الفارسي الغالب- اكتفاء بالجار من الباء أو الواو أو
١٢١/٢.
٣٧٨
مُقَبْ دَرُ النَّقِينَ
القرآن الكريم
القسم
التاء، فهو أکثر من أن یحصی، ومنه:
﴿ ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].
﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا
بِالْحَقّ قَالُواْبَ وَرَيْنَا﴾ [الأنعام: ٣٠].
﴿وَيَسْتَنْتُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ
لَحَقٌ﴾ [يونس: ٥٣].
﴿ قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ
فِ الْأَرْضِ ﴾ [يوسف: ٧٣].
لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
فَوَرَبِّكَ
[الحجر: ٩٢].
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ
فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ
اَلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣].
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾
[مريم: ٦٨].
٠١٠١٠٠٣
﴿وَثَاَللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلَّأْ
مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧].
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَة قُلْ
بَلَى وَرَبِى لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
﴿يَسْ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ) إِنَّكَ لَمِنَ
الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١-٣].
فَالزَّجِرَتِ زَحْرً
﴿وَالصَّفَّتِ صَفًّا )
فَلَِّيَتِ ذِكْا ◌ْ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾
O
[الصافات: ١ - ٤].
﴿ ﴿قَالَ تَاَللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُدِينِ ﴾﴾ [الصافات:
٥٦].
﴿ ﴿َصَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ [ص: ١].
﴿وَالْكِتَبِ أَلْمُبِينِ ن إِنَّا جَعَلْتَهُ قُرْءَانًا
٠
عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:
٢-٣].
: ﴿وَالْكِتَبِ الْمُّبِينِ ) إِنَّا أَنزَلْنَهُ
فِي لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّامُنذِرِينَ ﴾ [الدخان:
٢ - ٣].
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا
بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَ وَرَيْنَاً قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ
بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤].
﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١].
﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًّاً فَادْخَيِلَتِ وِقًا ))
فَالْجَزِيَتِ يُسْرَ فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًّاً ) إِنَّا
تُوعَدُونَ لَصَادِقَ﴾ [الذاريات: ١ - ٥].
﴿ ﴿وَاَلنَّجْمِ إِذَا هَوَى ) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا
غَوَى﴾
[النجم: ١- ٢].
﴿َعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُوَ قُلْ بَى وَرَبِّ لَبُّعَثُّنَّ
ثُمّ ◌َنُّكَبُوُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧].
﴿ ﴿نَّ وَالْقَلَمِوَمَا يَسْطُرُونَ ) مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةٍ
رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ١- ٢].
﴿ ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ
رَيِّكَ بِمَجْنُونٍ ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) فَسَنْصِرُ
مَمْصُرُونَ { بِأَيَتِكُمُ الْمَقْتُونُ
إِنَّ
رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [المرسلات: ١-٧].
﴿وَالشَّمْسِ وَشُحَنَاتِ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَهَا ))
www. modoee.com
٣٧٩
حرف القاف
٤
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلََّهَا وَأَلَيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا
وَالسَّمَلِ وَمَا بَنَتَهَا وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَتَهَا ( ١)
وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ، فَأَحَمَهَا ◌ُورَهَا وَتَقْوَنُهَا
٥ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّتَهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن
دَسَّنَهَا ﴾ [الشمس: ١ - ١٠].
﴿وَالضُّحَى ، وَالَيْلِ إِذَا سَجَى ) مَا وَدَّعَكَ
رَبُّكَ وَمَاقَلَى﴾﴾ [الضحى: ١-٣].
وأما القسم المضمر فهو كثير جدًا
ويصعب حصره لأمرين: الأول: أنه من
الكثرة بمكان بحيث يجعل حصره شاقًا.
والثاني: أن هناك مواطن كثيرة فيها اختلاف
هل هي قسم أو غير قسم، ولكن عند التأمل
نجد أن من المواطن المتفق عليها المواطن
التي ذكر فيها (لقد) و (لئن) وهي من أکثر
المواطن ورودًا في القرآن الكريم، ومن
ذلك:
﴿وَلَقَدْ عَلِيْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْ مِنْكُمْ فِىِ
السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾
[البقرة: ٦٥].
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ أَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ
تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران: ١٤٣].
فِىّ أَمْوَلِكُمْ
﴿لَتُبْلُونَ
وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
وَلَقَدْ مَكَّنَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمّ
فِيهَا مَعَِّشَ﴾ [الأعراف: ١٠].
﴿لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَبِهِ: ◌َإِيَتُّ
لِلسَّآئِلِينَ﴾ [يوسف: ٧].
﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلََّ وَارِدُهَا ﴾ [ مريم: ٧١].
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى مَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ
◌َجِدْ لَهُ, عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾
[الصافات: ١٧١].
وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣].
﴿لَيْنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَيْنِ قُوِلُواْ
لَا يَصُرُونَهُمْ وَلَيْن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَأُنَّ
اَلْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢].
﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ
لَيُخْرِجَنَ اْأَعَزُّمِنْهَا الْأَذَلَ﴾ [المنافقون:
٨].
﴿ ﴿كَلَّ لَبِن ◌َّرْ بَنْتَِّ لَنَشْفَمَّا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥].
ومن هذه الصيغ (لعمرك): ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ
لَفِى سَكْرَفَهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢].
فكلمة ﴿لَعَمْرُكَ﴾ صيغة قسم، واللام
الداخلة على لفظ: (عمر) لام القسم.
و ((العمر بفتح العين وسكون اللام أصله:
لغة في العمر - بضم العين-، فخص
المفتوح بصيغة القسم؛ لخفته بالفتح؛ لأن
القسم كثير الدوران في الكلام. فهو قسم
بحياة المخاطب به. وهو في الاستعمال إذا
دخلت عليه لام القسم رفعوه على الابتداء
محذوف الخبر وجوبًا. والتقدير: لعمرك
قسمي)) (١).
وذكر الطاهر رحمه الله أن من صيغ
(١) التحرير والتنوير ٥٤/١٣.
٣٨٠
القرآن الكريمِ
القسم
القسم: (أشهد الله) فقال: «لفظ (أشهد الله)
من صيغ القسم، إلا أنه إن لم یکن معه معنی
الإشهاد يكون مجازًا مرسلًا، وإن كان معه
معنى الإشهاد -كما هنا- يقصد آية النور
وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَتِ بِاللَّهِ
إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [النور: ٨].
فهو كناية عن القسم مراد منه معنى
إشهاد الله عليهم، وبذلك يظهر موقع قوله:
﴿اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: أشهده علیکم.
وقریب منه ما حكاه الله عن هود: ﴿إِنِّ أُشْهِدُ
اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤])) (١)
دخول حرف النفي على القسم:
وهو من صيغ القسم الواردة في القرآن،
وقد ذكرت في القرآن تسع مرات:
فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَلْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].
﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:
٧٥].
﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَانُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨].
﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِرَبِّ الَْشَرِقِ وَالْغَرِبِ إِنَّا لَقَدِرُونَ﴾
[المعارج: ٤٠].
﴿لَّ أُقْسِمُ بَوْمِ الْقِيَمَةِ ) وَلَا أُقِمُ بِالنَّفْسِ
اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ١ - ٢].
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَسِ﴾ [التكوير: ١٥].
[الانشقاق: ١٦].
فَلَا أَقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾
﴿لَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١].
(١) المصدر السابق ٦ /٤٦.
وقد اختلف العلماء فيها، هل هي قسم أم
نفي للقسم، على قولين:
الأول: أنها نفي للقسم. والمعنى: لا
أقسم؛ إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى
قسم(٢) واعترض على هذا القول بأنه «یأباه
تعيين المقسم به وتفخيم شأن القسم به))(٣).
الثاني: أنها قسم، واختلف في توجيهها،
فقیل: إن (لا) زائدة، وقيل: على بابها ونفى
بها كلامًا تقدم منهم، كأنه قال: ليس الأمر
كما قلتم من إنكار القيامة فـ ﴿أَقْسِمُ﴾
جواب لما حكي من جحدهم (البعث)؛ لأن
القرآن يجري مجرى السورة الواحدة. قال
الزركشي: وهذا أولى من دعوى الزيادة؛
لأنها تقتضي الإلغاء وكونها صدر الكلام
يقتضي الاعتناء بها وهما متنافيان (٤).
قال الطاهر رحمه الله: ((﴿لَا أُقْسِمُ﴾
صيغة تحقيق قسم، وأصلها أنها امتناع من
القسم امتناع تحرج من أن يحلف بالمقسم
به خشية الحنث، فشاع استعمال ذلك في
كل قسم يراد تحقيقه، واعتبر حرف (لا)
في هذا القسم إبطالًا لكلام سابق وأن فعل:
﴿أَقْسِمُ﴾ بعدها مستأنف)»(٥).
وذهب بعضهم إلى أنها نفي لما بعد
(٢) أنوار التنزيل، البغوي ٢٩٢/٥.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٨/ ١٩٩.
(٤) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي
٣٥٩/٤.
(٥) التحرير والتنوير ٢٩/ ١٣٠.
www. modoee.com
٣٨١
حرف القاف
القسم، أتى بالنافي قبل القسم للإشعار
ابتداء بأن جوابه منفي. ولكن هذا القول
فیه تكلف، ورده ابن هشام رحمه الله في
المغني، فقال: ((ورد بقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ
◌ِهَذَا الْبَلَدِ﴾ الآيات، فإن جوابه مثبت، وهو:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ﴾ ومثله: ﴿فَلَآَ
أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾(١).
وقيل: ((هي مؤكدة تعطي في القسم مبالغةً
ما، وهي كاستفتاح كلام شبهه في القسم، إلا
في شائع الكلام القسم وغيره))(٢).
وهذا القول يؤول إلى القول بزيادتها،
وهو ضعيف؛ إذ القول بالزيادة فيه اختلاف
كبير، والراجح: أنه لا يوجد في القرآن شيء
يصح أن يسمى زائدًا، ثم إنه من القواعد
المعمول بها عند العلماء أن التأسيس خير
من التأکید.
وقيل: «إنها لام أشبعت فتحتها، فتولدت
منها ألف فالمعنى: فلأقسم، ويؤيده قراءة
الحسن وعيسى -رحمهما الله -: فلأقسم
ورجحه أبو حيان»(٣).
قلت: وما ذهب إليه الزركشي رحمه
الله أولى؛ لأنه في سورة الواقعة قال بعده:
﴿وَإِنَّهُ، لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:
٧٦].
(١) مغني اللبيب ص ٣٢٩.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥ /٢٥٠.
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢١٢/٨.
أركان القسم
للقسم أركان أربعة: مقسم، ومقسم به،
ومقسم عليه، وأداة القسم، وسوف نتناول
كل ركن منها بالدراسة المفصلة فيما يأتي:
أولًا: المقسم:
بالنظر في القرآن الكريم نجد أن الأقسام
المذكورة إما أن تكون صادرة من الله تعالی
أو صادرة من غيره، والأقسام الصادرة عن
غيره تعالى إما أن تكون صادرة من رسول
من رسل الله عليهم السلام، وإما أن تكون
صادرة من المؤمنين، وإما أن تكون صادرة
عن الشهود، أو المتلاعنين، وإما أن تكون
صادرة عن غير المؤمنين كالمشركين،
والمنافقین، وإیلیس.
ومعظم أقسام القرآن صادرة من الله عز
وجل ومن المقرر أن لله تعالى أن يقسم
بما شاء على ما شاء، فأقسم بذاته المعظمة
فقال سبحانه: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَقَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[الحجر: ٩٢].
وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا
رَزَقْتَهُمُّ تَاللَّهِ لَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَغْتَرُونَ﴾
[النحل: ٥٦].
٣٨٢
جوسيس
القرآن الكريم