Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الفطرة
ط
عناصر الموضوع
مفهوم الفطرة
٣٢٨
الفطرة في الاستعمال القرآني
٣٢٩
الألفاظ ذات الصلة
٣٣٠
الله تعالى فاطر الموجودات
٣٣٢
٣٣٧
الفطرة والإيمان بالله
٣٤٤
الانحراف عن الفطرة
٣٥٤
الاستقامة على الفطرة
المُجَلَّ السَّادِسْ وَالعشْرُونْ

حرف الفاء
مفهوم الفطرة
أولًا: المعنى اللغوي:
يدل أصل مادة (فطر) على فتح شيء وإبرازه، من ذلك الفطر من الصوم. يقال: أفطر
إفطارًا. وقومٌ فطرٌ أي مفطرون. ومنه الفطر، بفتح الفاء، وهو مصدر فطرت الشاة فطرًا، إذا
حلبتها(١).
والفطرة: الاستقامة على التوحيد(٢).
وفطر: اخترع وأنشأ(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الفطرة: ((الجبلة المتهيئة لقبول الدين)) (٤).
وقيل: ((الخلقة؛ لأن من معاني الفطرة الخلقة (٥)، التي خلق الله عباده عليها وجعلهم
مفطورين عليها: على محبة الخير وإيثاره، وكراهية الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين
لقبول الخير والإخلاص لله، والتقرب إليه)) (٦).
قال النبي صلى الله عليه وسلم (٧): (ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو
ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء)، ثم يقول
أبو هريرة رضي الله عنه: ﴿فِظَّرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠])(٨).
وولادة المولود في سياق هذا الخطاب النبوي يكون معناها ((أي على الجبلة القابلة لدين
الحق»(٩).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٥١٠.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٦/ ٢٥٤.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١٩٥/٣.
(٤) التعريفات، علي بن محمد الجرجاني ص ١٦٨.
(٥) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، د.أحمد مختار ٤٦/٣.
(٦) بهجة قلوب الأبرار، السعدي ص ٥٩.
(٧) شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين ٣/ ٣١٠.
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه، وهل
يعرض على الصبي الإسلام، ٩٤/٢، رقم ١٣٥٨.
(٩) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٤/ ٢٠٠.
٣٢٨
القرآن الكريمِ

الفطرة
الفطرة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (فطر) في القرآن الكريم (١٩) مرة، ويخص موضوع البحث منها (١٥)
مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٨
﴿إِنِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩]
اسم الفاعل
٦
[الأنعام: ١٤]
﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاً لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
المصدر
١
[الروم:٣٠]
ووردت الفطرة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: إيجاده الشيء وإبداعه (٢). ولم تخرج
في الاستعمال القرآني عن معناها اللغوي.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الفاء، ص ٨٨٠-٨٨١.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٦٤٠.
www. modoee.com
٣٢٩
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَشَّخِذُ وَلِيَّا فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾

حرف الفاء
الألفاظ ذات الصلة
١
النشأة:
النشأة لغة:
أصل مادة (نشأ) يدل على ارتفاع في شيءٍ وسموٍ. ونشأ السحاب: ارتفع. وأنشأه الله:
رفعه (١)، ويقال: ((أنشأه الله: خلقه. وأنشأ الله الخلق أي: ابتدأ خلقهم(٢).
النشأة اصطلاحًا:
الدلالة الاصطلاحية لمصطلح الإنشاء هي (الابتكار).
الصلة بين النشأة والفطرة:
دلالة مصطلح النشأة على الابتكار لها صلة بإحدى معاني الفطرة وهي (الإبداع)؛ لأن
الله عز وجل ينشأ الفطرة في الإنسان ويبدعها من العدم.
الغريزة:
٢
الغريزة لغة:
أصل مادة (غرز) على الإدخال والقرب والحبس (٣). وأقرب المعاني اللغوية لدلالة
لفظة (الغريزة) اصطلاحًا نفسيًا هو معنى (الحبس) فكأن الغريزة محبوسة في الإنسان
کحبس اللبن في جسم الناقة فغرز ولم يخرج.
الغريزة اصطلاحًا:
(سجية، فطرة، طبيعة من خير أو شرٍ تصدر عنها صفات ذاتية)) أنقاد لغريزته- مكافحة
الغرائز البهيمية)) (٤)، ((هي ملكة تصدر عنها صفات ذاتية)) (٥) ومن معانيها الطبيعة (٦).
الصلة بين الغريزة والفطرة:
الغريزة أخص من الفطرة فبينهما عموم وخصوص، فالغريزة إحدى جوانب الفطرة.
(١) انظر: قاييس اللغة، ابن فارس ٤٢٨/٥ - ٤٢٩.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ١/ ١٧٠.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٤١٦.
(٤) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ٢/ ١٦٠٧.
(٥) الكليات، الكفوي ص ٦٧١.
(٦) انظر: شمس العلوم، الحميرى ٤٩٣١/٨.
٣٣٠
جوسين
القرآن الكريم

الفطرة
الجبلة:
٣
الجبلة لغة:
الفطرة. جبل الله عز وجل الخلق يجبلهم ويجبلهم. وهذه جبلة فلان أي خليقته التي
خلق عليها (١)، ((وجبلة الوجه: بشرته)) (٢).
الجبلة اصطلاحًا:
إن الجبلة تعني الخلق (٣) و((الجبلة: الطبيعة والخلقة المركوزة في أصل الخلقة)) (٤).
الصلة بين الجبلة والفطرة:
الجبلة تعطي معنى من معاني الفطرة (الخلقة).
(١) جمهرة اللغة، ابن دريد ٢٦٩/١.
(٢) العين، الفراهيدي ٦/ ١٣٦.
(٣) انظر: الكليات، الكفوي ص ٣٥٨.
(٤) معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي ١/ ١٦٠.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الفاء
الله تعالى فاطر الموجودات
إن من أهم ركائز الفطرة الصحيحة
الإيمان بالله جل وعلا الفاطر أي فاطر
الموجودات كيف لا وهو مبدعها صغيرها
وكبيرها، ومن أسمائه (الفاطر)، وهو فاطر
أعظم شيئين في الكون وهما السموات
والأرض، وهو فاطر الخلق؛ لكن بعض
الناس جحدوا فطرة الله سبحانه وتعالى
وراحوا يؤلفون مناهج أرضية إنسانية
قاصرة بحجة أن الله عاجز عن تدبير شؤون
خلقه، فحول ملاحدة الشيوعية الشهادة لله
بالوحدانية إلى ضلالة.
فبدلوا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)
بكلمة أخرى وهي (لا إله والكون مادة)،
هذا بالنسبة للشيوعية، وأما بالنسبة
لمتزعمي الرأسمالية في أمريكا وأوربا فإنهم
مشركون ووثنيون: يعتقدون بآلهة ثلاثة:
((الأب والإبن وروح القدس))، ويقدسون
الصليب، وعبدوا المادة التي خلقها الله
فضلوا وأضلوا، سنتناول في جو هذا
المبحث المحاور التي ذكرناها وهي (اسم
الله الفاطر ودلالته، والله فاطر السموات
والأرض، والله فاطر الخلق).
أولًا: اسم الله الفاطر ودلالته:
ودليله قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرٍ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٍ
أَجْنِحَةٍ مَّتْفَ وَثُلَثَ وَرُبَعَ يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءٌ إِنَّ
اَللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فاطر: ١].
وتعني لفظة «الفاطر: الخالق، المنشئ
للخلق)) (١).
فأغلب مواضع لفظة (فاطر) في القرآن
الكريم تعني الخالق (٢).
وهي ((المخترع المبتدي، وسوق هذه
الصفة احتجاج على الشاکین یبین التوبيخ،
أي أيشك فيمن هذه صفته؟ فساق الصفة
التي هي منصوبة لرفع الشك» (٣).
وأما اشتقاقه ((فاشتقاقه من الفطر وهو
الشق، ويشبه أن يكون معناه هو الإحداث
دفعةٌ)) (٤).
ودلالة «كونه فاطرًا فهو عبارةٌ عن
الإيجاد والابداع، فكونه تعالى خالقًا إشارةٌ
إلى صفة العلم، وكونه فاطرًا إشارةٌ إلى صفة
القدرة)»(٥).
((فثبت أنه سبحانه هو الفاطر لكل ما
سواه من الموجودات)) (٦).
و((أن لفظ الفاطر قد يظن أنه عبارةٌ عن
تكوين الشيء عن العدم المحض بدليل
الاشتقاق الذي ذكرناه، إلا أن الحق أنه لا
(١) تفسير القرآن، السمعاني ٩١/٢.
(٢) انظر: الكليات، الكفوي ص ٦٧٤.
(٣) المحرر الوجيز ٣٢٧/٣.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ١٢٧.
(٥) المصدر السابق ١٢ / ٤٧٤.
(٦) المصدر السابق ١٢ / ٤٩٢.
٣٣٢
القرآن الكريم

الفطرة
يدل عليه ويدل عليه وجوه:
أحدها: أنه قال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ
وَاْلْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].
ثم بين تعالى أنه إنما خلقها من الدخان
حيث قال: ﴿ثُمَّأَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَلِّ وَهِىَ دُخَانٌ﴾
[فصلت: ١١].
فدل على أن لفظ الفاطر لا يفيد أنه
أحدث ذلك الشيء من العدم المحض.
وثانيها: أنه قال تعالى: ﴿فِطَرَتَ اللَّهِ الَّتِى
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
مع أنه تعالى إنما خلق الناس من التراب.
قال تعالى: ﴿﴿ مِنْهَا خَقْنَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا
تُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [طه: ٥٥].
وثالثها: أن الشيء إنما يكون حاصلًا
عند حصول مادته وصورته مثل الكوز،
فإنه إنما يكون موجودًا إذا صارت المادة
المخصوصة موصوفةً بالصفة المخصوصة،
فعند عدم الصورة ما كان ذلك المجموع
موجودًا، وبإيجاد تلك الصورة صار موجدًا
لا يقتضي کونه موجدًا لمادة الکوز، فثبت
أن لفظ الفاطر لا يفيد كونه تعالى موجدًا
للأجزاء التي منها تركبت السموات
والأرض، وإنما صار إلينا كونه تعالى موجدًا
لها بحسب الدلائل العقلية لا بحسب لفظ
القرآن)» (١).
(١) المصدر السابق ٥١٥/١٨.
وقال آخرون معنى قوله صلى الله عليه
وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) يعني
البدأة التي ابتدأهم عليها يريد أنه مولود
على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم
للحياة والموت والسعادة والشقاء وإلى
ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن
آبائهم اعتقادهم. قالوا والفطرة في كلام
العرب البداءة والفاطر المبدئ والمبتدئ،
فكأنه قال: صلی الله عليه وسلم يولد على
ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة وغير
ذلك مما يصير إليه وقد فطره عليه واحتجوا
بقوله تعالى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ فَرِيقًا
هَدَىْ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ السَّلَلَةُ﴾ [ الأعراف:
٢٩ - ٣٠ ].
وروی بإسناده إلى ابن عباس قال: لم
أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى
أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما:
أنا فطرتها أي: ابتدأتها (٢) ((وكونه تعالى هو
الفاطر للموجودات يستحق إفراده بالعبادة
لذلك الكوز فعلمنا أن كونه موجدًا للكون و﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توقيفٌ على استحالة
الألوهية لغير الفاطر)) (١).
وقال تعالى على لسان الرجل الذي جاء
من أقصا المدينة يدعوهم: ﴿وَمَالِىَ لَآَ أَعْبُدُ
الَّذِى فَطَرَنِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [يس: ٢٢].
((أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع
(٢) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية ٣٨٦/٨
- ٣٨٧.
(٣) البحر المحيط، أبو حيان ١٦٦/٦.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف الفاء
إليهم؛ لأن الفطرة أثر النعمة فكانت عليه
أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر فكان بهم
أليق)» (١).
ثانيًا: الله تعالى فاطر السماء والأرض:
من خلال البحث في القرآن الكريم
لغرض معرفة مواضع ورود لفظ ﴿فَاطِرِ﴾
مقترنًا بلفظي ﴿السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ﴾ نجده
في عدة مواضع ترد في سياق بيان القدرة
الباهرة لله عز وجل من ذلك قوله تعالى:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَنَّهُ وَلِيَّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ
يُعْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ
مَنْ أَسْلَّمٌ وَلَا تَكُوَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[الأنعام: ١٤].
وفاطر السماوات أي: ((مبتدئهما))(٢)،
و((يعني خلقكم خالق السمـ
والأرض»(٣).
كذلك نجد موضعًا آخر في سياق سورة
يوسف عليه السلام لبيان النعم الإلهية في
﴿ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِي
قوله - جل وعلا:
مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَإِ، فِ الذُّنْيَا
وَالْآخِرَةَ تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلَّحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ
﴾ [يوسف: ١٠١ ].
(١) السراج المنير، الشربيني ٣٤٥/٣.
(٢) غريب القرآن، ابن قتيبة ص ١٥١.
(٣) التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، الملطي
ص ٧٣.
﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى
وقال تعالى:
اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَدْعُوكُمْ
لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ
إِلَى أَجَلٍ مُسَمََّّ قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا
تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا
فَأَتُونَا بِسُلْطَنِ سُّبِينٍ ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وقال تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِ أَجْنِحَةٍ مَّثْفَى
وَثُلَكَ وَرُبَعْ يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فاطر: ١].
(يعني أنه بدأ خلقها فقوله صلى الله
عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة)
يعني على تلك البداية التي ابتدأ الله - عز
وجل خلقه بها، وأخذ مواثيقهم عليها من
الاقرار له بالربوبية، ثم یعرب عنه لسانه بما
يلقنه أبواه من الشرائع والأديان، فیعرب بها،
وینسب إليها)» (٤).
وفطر السموات والارض توسل إلى الله
بهذا الوصف في الهداية للفطرة التي ابتدأ
الخلق عليها، فذكر كونه فاطر السموات
والأرض، والمطلوب تعليم الحق والتوفيق
له، فذكر علمه سبحانه وتعالى بالغيب
والشهادة، وإن من هو بكل شيء عليم
جدیر أن يطلب منه عبده أن يعلمه ويرشده
ويهديه، وهو بمنزلة التوسل إلى الغني بغناه
(٤) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، ابن بطة
العكبري ٧٢/٢.
٣٣٤
جوسين
القرآن الكريمِ

الفطرة
وسعة كرمه أن يعطى عبده شيئا من ماله
((١)، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اَللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ
بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٦)﴾
[الزمر: ٤٦ ].
وقال تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ
جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ
أَزْوَجَا يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: ١١].
ثالثًا: الله تعالى فاطر الخلق:
إن الإنسان بكل إدراكاته الحسية والعقلية
يؤمن بأن له خالقًا عظيمًا بالفطرة، فالله
تبارك وتعالى - فاطر الخلق، وقد وردت
عدة آيات كريمات بهذا الخصوص تبين بأن
الله سبحانه وتعالى هو فاطر الخلق. وهاهنا
وضمن هذا السياق يعني مفهوم الفطرة:
(البداية)؛ فالله هو الذي يبدئ الأشياء
بدلالة قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَبِكُ مَّن يَبْدَؤُأ
الْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُهُ، قُلِ اللّهُ يَبْدَؤُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، فَأَنَ
تُؤْفَّكُونَ ﴾ [يونس: ٣٤].
((وهذا مقام تقرير وتعديد الاستدلال،
وهو من دواعي التکریر وهو احتجاج عليهم
بأن حال آلهتهم على الضد من صفات الله
تعالى؛ فبعد أن أقام عليهم الدليل على
انفراد الله تعالى بالرزق وخلق الحواس
(١) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ٨٤.
وخلق الأجناس وتدبير جميع الأمور، وأنه
المستحق للإلهية بسبب ذلك الانفراد، بين
هنا أن آلهتهم مسلوبة من صفات الكمال،
وأن الله متصف بها))(٢)؛ فهو قادر على
إعادتهم لأنه هو الفاطر المبدع (٣).
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿رَّبُّ
السََّوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اَللَّهُ قُلْ أَفَتَّخِذْتُم مِّن دُونِ:
أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِ نَفْعًا وَلَا ضَرَّأْ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى
اْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الْقُلْمَتُ وَالنُّورِّ أَمّ
جَمَلُوا لِلَّهِ شُرَكَةُ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ
اللَّهُ خَلِقٌ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ الْقَهَّرُ ﴾ [الرعد:
١٦].
ونجد بأن ((المعنى أنهم لم يجعلوا لله
تعالى ﴿شُرّكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَشَبَّهَ اْخَلْقُّ عَلَيْهِمْ﴾
بسبب ذلك، وقالوا: هؤلاء خلقوا كخلق الله
تعالى، واستحقوا بذلك العبادة كما استحقها
سبحانه؛ لیکون ذلك منشأ لخطئهم، بل إنما
جعلوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على
ما يقدر عليه الخلق، فضلًا عما يقدر عليه
الخالق، والمقصود هو الإنكار والنفي هو
والمقيد على ما نص عليه غير واحد من
المحققين، وفي الانتصاف أن ﴿خَلَقُواْ
گخلقِهِ﴾ في سياق الإنكار جيء به للتهکم؛
فإن غير الله تعالى لا يخلق شيئًا ولا مساويًا
ولا منحطًا، وقد كان يكفي في الإنكار لولا
(٢) التحرير والتنوير ١٦٠/١١ - ١٦١.
(٣) انظر: فتح القدير ٦/ ٤٦٠.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الفاء
ذلك أن الآلهة التي اتخذوها لا تخلق.)) (١). صَدِقِينَ ﴾ [النمل: ٦٤] ﴿أُوَلَمْ يَرَوَأ
كَيْفَ يُبْدِىُّ اللَّهُ الْخَلْقَ تُوَّ يُعِيدٌُ إِنَّ ذَلِكَ
ففي ذلك دلالة واضحة جد الوضوح
على القدرة الباهرة لله تبارك وتعالى.
عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ
• [العنكبوت: ١٩].
﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ
وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ
سَبْعَ طَرَّْقَ وَمَا كُنَا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ ))
[المؤمنون: ١٧ ].
بَدَأَ الْخَلْقَّ ثُمَّ اَللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [العنكبوت: ٢٠]
اللَّهُ يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْحَعُونَ
[الروم: ١١].
١١
ففي ذلك انتقال من الاستدلال بخلق
الإنسان في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن
سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ (٢﴾ [المؤمنون: ١٢ ].
﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ
أَهْوَتُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَ فِي السَّمَوَّتِ
وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الروم:
٢٧ ].
إلى الاستدلال بخلق العوالم العلوية؛
لأن أمرها أعجب وأغرب، وإن كان خلق
الإنسان إلى نظره أقرب؛ وذلك للتنبيه على
أن الذي خلق هذا العالم العلوي ما خلقه
إلا لحكمة بالغة، وأن الحكيم لا يهمل
ثواب الصالحين على حسناتهم، ولا جزاء
المسيئين على سيئاتهم، وأن جعله تلك
الطرائق فوقنا بحيث نراها ليدلنا على أن
لها صلة بنا؛ لأن عالم الجزاء كائن فيها،
ومخلوقاته مستقرة فيها، والمراد بها هنا
طرائق سير الكواكب السبعة وهي أفلاكها،
أي الخطوط الفرضية التي ضبط الناس بها
سموت سير الكواكب (٢).
ومن ذلك أيضًا قوله جل وعلا: ﴿أَمَّن
يَبْدَؤُّأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَمَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِّ أَوَهُ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ
(١) روح المعاني، الألوسي ١٢٢/٧.
(٢) انظر: التحرير والتنوير ٢٦/١٨ - ٢٧.
٣٣٦
القرآن الكريم

الفطرة
الفطرة والإيمان بالله
يعالج هذا المحور إحدى القضايا
الجوهرية، وهي قضية دور الفطرة وما حققته
من مكتسبات في بنية الإنسان؛ فبعد ما آمن
الإنسان بأن الله عز وجل فاطر الموجودات
وأقر إقرارًا يقينيًا بذلك لا يشوبه غبار الشرك
والالحاد، وإن لهذا الفاطر سبحانه حقوقًا
وواجبات يؤديها المخلوق، يأتي الإنسان
وقد وصل إلى الدرجة القصوى من الإيمان
بذلك، فينعكس عليه ويكون موثرًا في بنائه
الكلي الحسي والمعنوي، فنجد هاهنا دور
الفطرة في الإيمان بالله تبارك وتعالى واقعًا
سلو کیًا ملموسًا.
أولًا: الفطرة والإيمان بالله:
إن صاحب الفطرة السليمة يجب أن
يكون مؤمنا بالله - سبحانه وتعالى بوصفه
الخالق لكل شيء؛ لذلك نجد بأن «كل
مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من
غیر سبق تفکیر أو تعلیم، ولا ینصرف عن
مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما
یصرفه عنها)) (١).
و ((أنه إذا ثبت أن في الفطرة قوة تقتضي
طلب معرفة الحق وإيثاره على ما سواه
فلقد ركز في فطرته الإقرار بالخالق، وهو
التوحيد، ومحبة القصاص وهو العدل،
(١) شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين ص ٨٠.
وإذا ثبت ذلك ثبت أن الفطرة نفسها مقتضية
لمعرفته سبحانه ومحبته وإجلاله وتعظيمه
والخضوع له من غير تعليم ولا دعاء إلى
ذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة
بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير منهم إلى
سبب معين للفطرة مقوٍ لها، وقد بينا أن
هذا السبب لا يحدث في الفطرة ما لم يكن
فيها، بل يعينها ويذكرها ويقويها، فبعث الله
النبيين مبشرين ومنذرين يدعون العباد إلى
موجب هذه الفطرة.
فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة عن
مقتضاها استجابت لدعوة الرسل، ولا بد بما
فيها من المقتضي لذلك، كمن دعا جائعًا أو
ظمانًا إلى شراب أو طعام لذيذ نافع، لا تبعة
فیه علیه، ولا یکلفه ثمنه، فإنه ما لم يحصل
هناك مانع فإنه یجیبه ولا بد ومن المعلوم إن
كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة الخير،
ومجرد التعليم لا يوجب تلك القابلية،
فلولا أن في النفس قوة تقبل ذلك لم يحصل
لها القبول، فإن لحصوله في المحل شروطًا
مقبولة، وذلك القبول هو کونه مستعدًا مهيئًا
له مستعدًا لحصوله فيه»(٢).
وأما بالنسبة لقضية ((دلالة الفطرة على
ثبوت صفات الكمال لله؛ فلأن النفوس
السليمة مجبولة ومفطورة على محبة الله،
(٢) الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان
بالله، الجربوع ٣٢٣/٢ - ٣٢٤.
www. modoee.com
٣٣٧

حرف الفاء
وتعظيمه، وعبادته، وهل تحب وتعظم المؤمنين الصادقين العاملين المستجيبين
لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم؛
وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات
الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته» (١).
لأنه نداء الفطرة، ويحمل أعظم رسالة،
ويؤدي أفضل وظيفة، إنه الداعي إلى
الله تبارك وتعالى وإلى الخير كله، وإلى
النور والطمأنينة، والحياة السعيدة في
الدنيا، ويبشر بالحياة الكريمة الأبدية في
الآخرة)»(٥).
و((الله تعالى فطر الخلق كلهم: العرب،
والعجم حتى البهائم على الإيمان به وبعلوه،
فما من عبد يتوجه إلى ربه بدعاء أو عبادة إلا
وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، وارتفاع
قلبه إلى السماء لا يلتفت إلی غیرہ یمینًا، ولا
شمالًا، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة
إلا من اجتالته الشياطين والأهواء))(٢).
والإيمان بالله تعالى يتضمن الإيمان
بوحدانيته، واستحقاقه للعبادة أيضًا؛ لأن
وجوده جل وعلا لا شك فيه ولا ريب، وقد
دلت على وجوده سبحانه وتعالى: الفطرة،
والعقل، والشرع، والحس (٣).
وإن ((أمر الدين غاية ما يجتنيه العقل
من ثمرات بحثه المستقل فيه، بعد معاونة
الفطرة السليمة له، هو أن يعلم أن فوق هذا
العالم إلهًا قاهرًا دبره، وأنه لم يخلقه باطلًا،
بل وضعه على مقتضى الحكمة والعدالة.
فلابد أن یعیدہ کرة أخری لینال کل عامل
جزاء عمله إن خيرًا وإن شرًا)» (٤).
وإن «نداء الإيمان محبب إلى قلوب والمقصود بهذا أن كل إنسان يولد على
(١) فتح رب البرية، ابن عثيمين ص٢٦.
(٢) المصدر السابق ٤٢.
(٣) انظر: الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه،
عبدالله الأثري ١/ ١١٤.
(٤) النبأ العظيم، محمد عبد الله دراز ص ٤٠.
جوبي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
فله جزاء عاجل (دنيوي) وجزاء آجل
(أخروي)؛ فالإيمان بالله - سبحانه وتعالى
إلهًا يستحق الخضوع أمر ثابت مستقر في
النفوس في أصل الفطرة الإنسانية؛ ذلك
لأن من الفطرة الإيمان بالله تبارك وتعالى،
فالفطرة فطرتان، فطرة تتعلق بالقلب وهي
معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه
من الموجودات، وفطرة عملية عبارة عن
مجموعة خصال أخلاقية، فالأولى تزكي
الروح وتطهر القلب بالإيمان بالله، والثانية
تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى
وتقويها (٦).
وفي حال استعمل الإنسان عقله وحسه
يدرك بأن معرفة الله - جل وعلا - فطرية،
صفة تقتضي إقراره بأن له خالقًا مدبرًا،
وتستوجب إيمانه المطلق به، وهي صفة
(٥) المصدر السابق ص١٧٦.
(٦) تحفة المودود، ابن القيم ص١٦١.
٣٣٨

الفطرة
اعتقاده للحق دون الباطل، وإرادته للنافع
دون الضار، وفي الوقت الذي يعلم فيه علم
اليقين بالبراهين القاطعة أن وجود الخالق
هو أعظم الحقائق والتأله له أعظم المنافع،
يتعين بذلك أن يكون في الفطرة ما يقتضيه
معرفة الصانع والإيمان به (١).
وقال في ذلك ابن أبي العز الحنفي في
معرض تعليقه على حديث الرسول صلى
الله عليه وسلم (كل مولود يولد على
الفطرة) («وهذا الذي أخبر به صلى الله عليه
وسلم هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه.
منها، أن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يحصل
له من الاعتقادات والإرادات ما یکون حقًا،
وتارةً ما یکون باطلًا، وهو حساسُ متحركٌ
بالإرادات، ولا بد له من أحدهما، ولا بد له
من مرجح لأحدهما.
يصدق وينتفع وأن يكذب ويتضرر، مال
بفطرته إلى أن يصدق وينتفع، وحينئذ
فالاعتراف بوجود الصانع الإيمان به هو
الحق أو نقيضه، والثاني فاسدٌ قطعًا، فتعين
الأول، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي
معرفة الصانع والإيمان به)) (٢).
وأدلة ذلك كثيرة في الخطاب القرآني
(١) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية ٤٥٨/٨.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز ١/ ٣٤.
في حد ذاتها مغروزة في الإنسان، تقتضي منه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ
مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبَّكُمْ قَالُواْ بَىّ شَهِدَنْ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ ﴿ أَوْ نَقُولُواْ إِنَّ
أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ
[الأعراف:
١٧٣)
أَفَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
١٧٢ - ١٧٣ ].
«أي: ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب
في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها
حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فنزل تمکینھم من العلم بها
وتمكنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف
على طريقة التمثيل.
ويدل عليه قوله: ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ
أي كراهة أن تقولوا. ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
غَفِلِينَ﴾ لم ننبه عليه بدليل)) (٣).
لذا فإن «الفطرة هي العهد الذي أخذ
ونعلم أنه إذا عرض على كل أحدٍ أن عليهم بقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا
بَ﴾، وكلٌّ مقرٌ بأن له صانعًا مدبرًا، وإن
عبد ما سواه ظنًا منه أنه يقربه إليه، قال الله
تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
[الزخرف: ٨٧].
وقالوا: أي الذين اتخذوا من دونه أولياء
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر:
٣].
وكل مولودٍ في العالم على ذلك الإقرار،
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤١/٣.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف الفاء
وهو الحنيفية التي وقعت الخلقة عليها))(١).
فقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٤].
و((المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه
القرآن من أوامر ونواهي، ففيه الحياة
الأبدية، والنعمة السرمدية)) (٢).
وكذلك ((الإشهاد على الأنفس يطلق
على ما يساوي الإقرار أو الحمل عليه، وهو
هنا الحمل على الإقرار، واستعير لحالة مغيبة
تتضمن هذا الإقرار يعلمها الله لاستقرار
معنى هذا الاعتراف في فطرتهم»(٣).
وقال تعالى: ﴿﴿ وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ
الْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًّا
حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُّ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ، لَا إِلَهَ
إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
﴾ [يونس: ٩٠ ].
٩٠
أي: صدقت والإیمان لا ينفع حينئذٍ،
والتوبة مقبولةٌ قبل رؤية البأس (٤).
و («هو أنه إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل
بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة والمحنة
الناجزة، فما كان مقصوده من هذه الكلمة
الإقرار بوحدانية الله تعالى، والاعتراف بعزة
(١) شرح السنة، البغوي ١٥٨/١.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨٩/٧.
(٣) التحرير والتنوير ١٦٧/٩.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣٧٧/٨.
جوببية
القرآن الكريمِ
الربوبية وذلة العبودية، وعلى هذا التقدير
فما كان ذكر هذه الكلمة مقرونًا بالإخلاص،
فلهذا السبب ما كان مقبولًا)) (٥).
و ((أن ذلك الإقرار كان مبنيا على محض
التقليد، ألا ترى أنه قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ
ءَأَمَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرََّيلَ﴾ فكأنه اعترف بأنه لا
یعرف الله، إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن
للعالم إلهًا، فهو أقر بذلك الإله الذي سمع
من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده، فكان
هذا محض التقليد.
فلهذا السبب لم تصر الكلمة مقبولةٌ
منه، ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما
بيناه في سورة طه كان من الدهرية، وكان
من المنكرين لوجود الصانع تعالى، ومثل
هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته، إلا
بنور الحجج القطعية، والدلائل اليقينية،
وأما بالتقليد المحض فهو لا يفيد، لأنه
يكون ضمًا لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل
السابق)» (٦).
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿أُسْتَجِيبُوا
لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ
مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَبِذٍ وَمَا لَكُمْ مِن نَّكِيرِ
﴾ [الشورى: ٤٧ ].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ
الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
(٥) مفاتيح الغيب ٢٩٦/١٧.
(٦) المصدر السابق ١١ / ١٣٨.
٣٤٠

الفطرة
[البقرة: ٢١].
فإن ((معنی ﴿اعْبُدُواْ رَبُّكُمْ﴾: وحدوا
ربكم أن معنى العبادة: الخضوع لله
بالطاعة)) (١).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْأَرْ سَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ.
فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُرُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ
نَتَّقُونَ ﴾ [المؤمنون:
أي: «ذلوا يا قوم لله بالطاعة ﴿مَالَكُمِنْ
إِلَهٍ غَيْرُمُ﴾ يقول: ما لكم من معبود يجوز
لكم أن تعبدوه غيره، ﴿أفلاننَّقُونَ﴾ یقول:
أفلا تخشون بعبادتکم غيره عقابه أن يحل
بکم»(٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾[ الذاريات: ٥٦].
الفطرة المركزي
حياة
في
ویاتی دور
الإنسان ويتضح مدى إيمانه بربه إذا ما نزل
به کرب أو حلت به مصيبة، فيلجأ مؤمنا بالله
تبارك وتعالى بقلب منکسر خاشع سائلًا ربه
أن ینجیه ويخلصه من هذا الكرب أو تلك
المصيبة، بدلالة قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ
الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ
◌ُلَفَآءَ اْأَرْضُِّ أَعِلَهُ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا
نَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: ٦٢].
وتعني («أمن يجيب المكروب المجهود
الذي مسه الضر فيستجيب دعاءه ويلبي
(١) جامع البيان، الطبري ١/ ٣٦٢.
(٢) المصدر السابق ١٩/ ٢٥.
نداءه؟
﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أي ويكشف عنه
الضر والبأساء؟
﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ اْأَرْضِ﴾ أي:
ويجعلكم سكان الأرض تعمرونها جيلًا
بعد جيل، وأمةً بعد أمة.
﴿أعلنهُ مَعَاللَّهِ﴾؟ أي: أإله مع الله يفعل
ذلك حتى تعبدوه؟
﴿قَلِيلًاً مَّا نَذَكَرُونَ﴾ أي: ما أقل
تذکر کم واعتبارکم فیما تشاهدون؟
﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِ ظُلْمَتِ أَلْبَرِّ
وَالْبَحْرِ﴾؟
برهان رابع أي أم من يرشدكم إلى
مقاصدكم في أسفاركم في الظلام الدامس،
في البراري، والقفار، والبحار؟ والبلاد التي
تتوجهون إليها بالليل والنهار؟
﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ
رَحْمَتِهِ﴾﴾؟ أي: ومن الذي يسوق الرياح
مبشرةً بنزول المطر الذي هو رحمة للبلاد
والعباد؟ ﴿أَِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟ أي أإلهٌ مع
الله يقدر على شيءٍ من ذلك؟ ﴿تَعَلَى اللهُ
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعظم وتمجد
الله القادر الخالق عن مشاركة العاجز
المخلوق))(٣).
((فيلمس وجدانهم، وهو يذكرهم
بخوالج أنفسهم، وواقع أحوالهم، فالمضطر
(٣) صفوة التفاسير، الصابوني ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١.
www. modoee.com
٣٤١

حرف الفاء
إلا الله، يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء،
ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة،
وتتخاذل القوى، وتتهاوى الأسناد، وينظر
الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من
وسائل النصرة وأسباب الخلاص لا قوته،
ولا قوة في الأرض تنجده. وكل ما كان يعده
لساعة الشدة قد زاغ عنه، أو تخلى، وكل
من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى
في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة، فتلجأ إلى
القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة،
ويتجه الإنسان إلى الله، ولو كان قد نسيه من
قبل في ساعات الرخاء، فهو الذي يجيب
المضطر إذا دعاه.
هو وحده دون سواه يجيبه ويكشف
عنه السوء، ويرده إلى الأمن والسلامة،
وینجیه من الضیقة الآخذة بالخناق، والناس
يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء،
وفترات الغفلة، يغفلون عنها، فيلتمسون
القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى
الأرض الهزيلة.
فأما حين تلجئهم الشدة، ويضطرهم
الكرب، فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة،
ويرجعون إلى ربهم منيبين، مهما يكونوا
من قبل غافلين، أو مكابرين، والقرآن يرد
المكابرين الجاحدين إلى هذه الحقيقة
الكامنة في فطرتهم، ويسوقها لهم في مجال
في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ الحقائق الكونية التي ساقها من قبل، حقائق
خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من
السماء، وإنبات الحدائق البهيجة، وجعل
الأرض قرارا، والجبال رواسي، وإجراء
الأنهار، والحاجزين البحرين. فالتجاء
المضطر إلى الله، واستجابة الله له دون
سواه حقيقة كهذه الحقائق. هذه في الآفاق
وتلك في الأنفس سواء بسواء)) (١).
و ((﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ معناه بشرط إن شاء
على المعتقد في الإجابة، لكن المضطر لا
يجيبه متى أجيب إلا الله عز وجل، والسوء
عام في كل ضر يكشفه الله تعالى عن
عباده))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ الضُّرُّ
دَعَانَا لِجَنْسِهِ: أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ
ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّ مَسَّةٌّ كَذَلِكَ
زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٢
[يونس: ١٢].
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ
فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا
عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَنَّعْنَهُمْ إِلَى
﴾ [يونس: ٩٨].
حِينٍ
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا
هُمْ يَنْكُثُونَ ﴾ [الزخرف: ٥٠].
لذلك أثبت ((في الفطرة حسن العدل
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥ / ٢٦٥٨.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣١٧/٤.
٣٤٢
جوبير
القرآن الكريم

الفطرة
والانصاف، والصدق والبر، والاحسان
والوفاء بالعهد، والنصيحة للخلق، ورحمة
المسكين، ونصر المظلوم، ومواساة اهل
الحاجة والفاقة، وأداء الامانات، ومقابلة
الاحسان بالإحسان، والاساءة بالعفو
والصفح، والصبر في مواطن الصبر،
والبذل في مواطن البذل، والانتقام في
موضع الانتقام، والحلم في موضع الحلم،
والسكينة والوقار، والرأفة والرفق، والتؤدة،
وحسن الاخلاق، وجميل المعاشرة مع
الاقارب والاباعد، وستر العورات، وإقالة
العثرات، والايثار عند الحاجات، واغاثة
اللهفات، وتفريج الكربات، والتعاون على
أنواع الخير والبر، والشجاعة والسماحة،
والبصيرة والثبات، والعزيمة، والقوة في
الحق، واللين لأهله، والشدة على أهل
الباطل والغلظة عليهم، والاصلاح بين
الناس، والسعي في إصلاح ذات البين،
وتعظيم من يستحق التعظيم، وإهانة من
يستحق الاهانة، وتنزيل الناس منازلهم،
وإعطاء كل ذي حق حقه، وأخذ ما سهل
عليهم، وطوعت به أنفسهم، من الأعمال
والأموال والأخلاق، ولإرشاد ضالهم،
وتعليم جاهلهم، واحتمال جفوتهم،
واستواء قريبهم وبعيدهم في الحق، فأقربهم
إليه أولّاهم بالحق، وإن كان بعيدًا، وأبعدهم
عنه أبعدهم من الحق وإن کان حبيبًا قريبًا.
إلى غير ذلك من معرفة العقل الذي
وضعه بينهم في المعاملات، والمناکحات،
والجنايات، وما اودع في فطرهم من حسن
شكره وعبادته وحده لا شريك له وإن نعمه
عليهم توجب بذل قدرتهم وطاقتهم في
شكره والتقرب إليه وإيثاره على ما سواه
وأثبت في الفطر علمها بقبيح اضداد ذلك
ثم بعث رسله في الأمر بما اثبت في الفطر
حسنه وكماله والنهي عما اثبت فيها قبحه
وعيبه وذمه فطابقت الشريعة المنزلة للفطرة
المكلمة مطابقة التفصيل بجملته، وقامت
شواهد دينه في الفطرة تنادي للإيمان)) (١).
وإن لأهمية الفطرة ودورها الإيماني
کان رسول الله صلی الله علیه وسلم يقول
إذا أصبح أو أمسى: (أصبحنا على فطرة
الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد
صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم حنيفًا
مسلمًا وما كان من المشركين)(٢).
تقريرًا لمكانة الفطرة وأنه لا یمکن لها
إذا كانت صحيحة نقية أن تشوبها عوارض
الأهواء ونوازع ووساوس الشيطان
(«فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها
مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١ / ٢٨١.
(١)
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٤/ ٧٧، رقم
١٥٣٦٠، والنسائي في الكبرى، ٥/٩، رقم
٩٧٤٣.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١٩٠/٧.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الفاء
وتأليهه. فصرف ذلك التآله والمحبة إلى
غيره تغيير للفطرة، ولما تغيرت فطر الناس
بعث الله الرسل بصلاحها، وردها إلى
حالتها، التي خلقت عليها، فمن استجاب
لهم رجع إلى أصل الفطرة، ومن لم يستجب
لهم استمر على تغيير الفطرة وفسادها)) (١).
الانحراف عن الفطرة
عند التأمل في قضية الفطرة الإنسانية
التي فطر الله تبارك وتعالى العباد عليها
نجدها متكاملة، ترتقي بالإنسان إلى أعلى
مراتب الرقي والتقدم؛ ولكن في حال سار
عليها، ولم يعكر صفوها بالانحرافات
والضلالات الشيطانية، ولهذا الانحراف
بالفطرة عن مسارها الإلهي أسباب. وقد
وردت هذه الأسباب في الخطاب القرآني
في عدة مواضع بشكل أو بآخر، وبعد ذلك
يشعر الإنسان بنتائج الانحراف الذي مارسه
على الفطرة؛ لذا يكون له آثار جوهرية في
حياة الإنسان.
أولًا: أسباب الانحراف عن الفطرة:
إن من أهم أسباب الانحراف عن
الفطرة («القلق الناتج عن مخالفة الفطرة
بالعصيان لقد خلق الله عباده على فطرة
سوية، قال تعالى:
ونَفْسِ وَمَا سَوَّنُهَا
[الشمس: ٧](٢).
قال ابن كثير رحمه الله: «أي خلقها سوية
مستقيمة على الفطرة القويمة)) (٣).
وفي ذلك إشارة لصفة التسوية في مقادير
تكوين الفطرة الإنسانية التي أودعها الله -
(١) إغاثة اللهفان، ابن القيم ١٥٨/٢.
(٢) انظر: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية،
الجربوع ٤٥٩/٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٣٩٩/٨.
٣٤٤
القرآن الكريمِ

الفطرة
عز وجل في النفس الإنسانية؛ فعندما يتدخل
الإنسان بتغيير هذه الصفة أي: صفة التسوية
القويمة، يعصي خالقه ويعرض نفسه
لمخاطر غضب الله تعالى عليه في الدنيا
والآخرة. لقد أرشد الله تبارك وتعالى هذه
النفس إلى فجورها وتقواها وبين لها ذلك
وهداها إلى ما قدر لها (١).
والأصل في الإنسان هو التوحيد ((وإذا
كان الفقه هو معرفة الرخصة عن دليل فإن
التوحيد هو الفطرة من غير تبديل» (٢).
ومن أنكر وجحد الله تعالى فإنما
أنكره لفساد فطرته بطارئ ما، حال بينها
وبين مقتضاها، وقد جاء التصريح بذلك
في الخطاب القرآني بأن الكفار في قرارة
أنفسهم يعرفون الحق، وإن لم يذعنوا له،
كما قال تعالى في شأن فرعون: ﴿ قَالَ لَقَدْ
عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ
بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا
(١٠٢)
[الإسراء: ١٠٢].
((والمقصود: أننا آتينا موسى عليه السلام
تسع آيات بينات الدلالة على صدقه فلم
يهتد فرعون وقومه وزعموا ذلك سحرًا،
ففي ذلك مثلٌ للمكابرين كلهم وما قريش
إلا منهم. ففي هذا مثل للمعاندين وتسلية
للرسول» (٣).
(١) انظر: المصدر السابق ٣٩٩/٨.
(٢) معارج القبول، الحكمي ١/ ٧.
(٣) التحرير والتنوير ٢٢٥/١٥.
وقال في أهل النار: ﴿بَلْ بَدَا لَهُ مَّا كَانُواْ
يُخْفُّونَ مِن قَبْلُ وَلَوَ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَهُمْ
لَكَذِبُونَ ﴾ [الأنعام: ٢٨].
وقال عن كفار قريش: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ
لَيَحْرُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإنَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ
[الأنعام:
الَّالِمِينَ بِثَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ ()﴾
٣٣].
بل إن كلمة (كفر) مأخوذة من الستر
والتغطية، وهذا أصل معناها في لسان
العرب؛ لأنه يستر ويغطي مقتضيات فطرته
بحجب الشبهات والشهوات. ومن أهم
أسباب انحراف الفطرة في القرآن الكريم (٤):
١ . الغفلة والنسيان.
وقد بينت النصوص القرآنية ذلك بأن
حالتي الغفلة والنسيان من أهم ما يطرأ
على الفطرة، حتى يترك العبد الميثاق الأول
والآخر بينه وبين ربه بدلالة قوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
ذُرِيِّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا
بَلَىْ شَهِدْنَاْ أَنْ تَقُولُواْ﴾ ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
غَفِلِينَ
[الأعراف: ١٧٢].
(١٧٢)
((أن هناك عهدًا من الله على فطرة البشر
أن توحده، وأن حقيقة التوحيد مركوزة
في هذه الفطرة، يخرج بها كل مولود
إلى الوجود، فلا يميل عنها إلا أن يفسد
(٤) انظر: إعجاز القرآن في دلالة الفطرة على
الإيمان، الشهراني ص ٢٥ - ٢٧.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف الفاء
فطرته عامل خارجي عنها! عامل يستغل من قبل وجودهم ومن قبل أن نتوعدهم،
الاستعداد البشري الهدى والضلال. وهو فخالف إلى ما نهى عنه، وتوعد في ارتكابه
استعداد كذلك كامن تخرجه إلى حيز
مخالفتهم، ولم يلتفت إلى الوعيد كما لا
يلتفتون، كأنه يقول: إن أساس أمر بني آدم
علی ذلك، وعرقهم راسخ فیه. فإن قلت: ما
المراد بالنسيان ؟
الوجود ملابسات وظروف. إن حقيقة
التوحيد ليست مركوزة في فطرة ((الإنسان)»
وحده ولكنها كذلك مركوزة في فطرة هذا
الوجود من حوله- وما الفطرة البشرية إلا
قطاع من فطرة الوجود کله، موصولة به غير
منقطعة عنه، محكومة بذات الناموس الذي
يحكمه- بينما هي تتلقى كذلك أصداءه
وإيقاعاته المعبرة عن تأثره واعترافه بتلك
الحقيقة الكونية الكبيرة» (١).
قلت: يجوز أن يراد النسيان الذي هو
نقيض الذكر، وأنه لم يعن بالوصية العناية
الصادقة، ولم يستوثق منها بعقد القلب
عليها وضبط النفس، حتى تولد من ذلك
النسيان. وأن يراد الترك وأنه ترك ما وصى به
من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها(٣).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ
ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم إِنَّا نَصَدَرَى أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ حَظّا
مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةً
وَاَلْبَغْضَآءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوْفَ
يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
١٤)﴾ [ المائدة: ١٤].
ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على
وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة
بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على
أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست بربكم؟
وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا، شهدنا على
أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك(٢).
((فنسوا حظًا مما في التوراة قاله مجاهد.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن وقيل: أنساهم نصيبًا من الكتاب بسبب
قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ، عَزْمًا (١)﴾﴾ [طه:
١١٥].
معاصيهم، وعن ابن مسعود: قد ينسى المرء
بعض العلم بالمعصية)» (٤).
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْبِهِ،
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ
بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾
والمعنى: وأقسم قسمًا لقد أمرنا أباهم
آدم ووصيناه أن لا يقرب الشجرة، وتوعدناه
بالدخول في جملة الظالمين إن قربها، وذلك
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣ / ١٣٩٤.
(٢) الكشاف، الزمخشري ١٦٦/٢.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٩١.
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ٣/ ٤٦٢.
٣٤٦
مُوسُون
القرآن الكريم