Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
فرعون
د
عناصر الموضوع
التعريف بفرعون
٢٥٢
وصف القرآن لفرعون
٢٥٤
فرعون وموسى عليه السلام
٢٦٥
أساليب فرعون في مواجهة دعوة موسى
٢٦٩
دعائم ملك فرعون
٢٧٢
امرأة فرعون
٢٧٧
مؤمن آل فرعون
٢٨٠
٢٨٥
العقوبات الإلهية لفرعون
٢٨٨
الدروس المستفادة من قصة فرعون
المُجَلَّ السَّادِسْ وَالعشْرُونْ

حرف الفاء
التعريف بفرعون
أولا : اسمه ونسبه:
لقد اختلف في اسم فرعون اختلافًا کثیرًا، وسنتعرض لبعض أقوال المفسرين في ذلك،
ثم نستعرض النظريات التي تحدثت عن حقيقة فرعون واسمه، لنستخلص أصح الأقوال في
ذلك.
قال ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَّنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَّكُمْ سُوءً
الْعَذَابِ يُذَّتِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمَّ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة : ٤٩].
((واسم فرعون يومئذ أبو فيس أو أبيبي وأهل القصص ومن تلقف كلامهم من المفسرين
سموه ريان بن الوليد وهذا من أوهامهم وكان ذلك في حدود سنة ١٧٣٩ قبل ميلاد المسيح))
(١).
وقال الرازي: ((واختلفوا في فرعون من وجهين، أحدهما: أنهم اختلفوا في اسمه فحكى
ابن جريج عن قوم أنهم قالوا: مصعب بن ريان، وقال ابن إسحق: هو الوليد بن مصعب،
وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا: إن اسم فرعون كان قابوس وكان من القبط،
الثاني: قال ابن وهب: إن فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون موسى وهذا غير صحيح،
إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة، وقال محمد بن
إسحق: هو غير فرعون يوسف وأن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد)»(٢).
ولسيد قطب كلامٌ نفيس حيث يقول: ((ولا يعرف على وجه التحديد من هو الفرعون
الذي تجري حوادث القصة في عهده، فالتحديد التاريخي ليس هدفًا من أهداف القصة
القرآنية ولا يزيد في دلالتها شيئًا، ويكفي أن نعلم أن هذا كان بعد زمان يوسف عليه السلام
الذي استقدم أباه وإخوته، وأبوه يعقوب هو إسرائيل، وهؤلاء كانوا ذريته. وقد تكاثروا في
مصر وأصبحوا شعبا کبیرًا»(٣). وهذه ما يميل إليه الباحث.
ثانيًا: زمانه ومكانه:
قال ابن عاشور: ((جاء في التاريخ أن مبدأ استقرار بني إسرائيل بمصر كان سببه دخول
(١) التحرير والتنوير ١ /٤٩٠
(٢) مفاتيح الغيب ٣/ ٥٠٥.
(٣) في ظلال القرآن ٢٦٧٧/٥.
٢٥٢
القرآن الكريم

فعون
يوسف عليه السلام في تربية العزيز طيفار كبير شرط فرعون، وكانت مصر منقسمة إلى
قسمين مصر العليا الجنوبية المعروفة اليوم بالصعيد لحكم فراعنة من القبط وقاعدتها طيوة،
ومصر السفلى وهي الشمالية وقاعدتها منفيس وهي القاعدة الكبرى التي هي مقر الفراعنة
وهذه قد تغلب عليها العمالقة من الساميين أبناء عم ثمود وهم الذين يلقبون في التاريخ
المصري بالرعاة الرحالين والهكسوس في سنة ٣٣٠٠ أو سنة ١٩٠٠ قبل المسيح على
خلاف ناشىء عن الاختلاف في مدة بقائهم بمصر الذي انتهى سنة ١٧٠٠ ق م عند ظهور
العائلة الثامنة عشرة، فكان يوسف عند رئيس شرط فرعون العمليقي وكان ذلك في حدود
سنة ١٧٣٩ قبل ميلاد المسيح، ثم كانت سكنى بني إسرائيل مصر بسبب تنقل يعقوب وأبنائه
إلى مصر حين ظهر أمر يوسف وصار بيده حكم المملكة المصرية السفلى. وكانت معاشرة
الإسرائيليين للمصريين حسنة زمنا طويلا غير أن الإسرائيليين قد حافظوا على دينهم ولغتهم
وعاداتهم فلم يعبدوا آلهة المصريين وسكنوا جميعا بجهة يقال لها أرض (جاسان) ومكث
الإسرائيليون على ذلك نحوا من أربعمائة سنة تغلب في خلالها ملوك المصريين على ملوك
العمالقة وطردوهم من مصر حتى ظهرت في مصر العائلة التاسعة عشرة وملك ملوكها
جميع البلاد المصرية ونبغ فيهم رمسيس الثاني الملقب بالأكبر في حدود سنة ١٣١١ قبل
المسيح، وكان محاربا باسلا وثارت في وجهه الممالك التي أخضعها أبوه ومنهم الأمم
الكائنة بأطراف جزيرة العرب، وتقول التوراة إنهم بنوا لفرعون مدينة مخازن (فيثوم) ومدينة
(رعمسيس) ثم خشي فرعون أن يكون الإسرائيليون أعوانا لأعدائه عليه فأمر باستئصالهم
فكان يأمر بقتل أبنائهم وسبي نسائهم وتسخير كبارهم ولا بد أن يكون ذلك لما رأى منهم من
التنكر، أو لأن القبط لما أفرطوا في استخدام العبرانيين علم فرعون أنه إن اختلطت جيوشه
في حرب لا يسلم من ثورة الإسرائيليين فأمر باستئصالهم))(١).
ويقول أيضًا: ((والأرض: هي أرض مصر، فالتعريف فيها للعهد؛ لأن ذكر فرعون يجعلها
معهودة عند السامع؛ لأن فرعون اسم ملك مصر)) (٢).
(١) التحرير والتنوير ٤٩٠/١.
(٢) المصدر السابق ٢٠/ ٦٧.
www. modoee.com
٢٥٣

حرف الفاء
وصف القرآن لفرعون
لقد وصف القرآن الكريم فرعون وصفًا
دقيقًا في كثيرٍ من الآيات؛ فقد وصفه
بالعلو والاستكبار، والطغيان، والإفساد،
والإسراف، والكيد، والإضلال، والغرور،
والاستبداد، وفيما يلي بيان ذلك.
أولًا: العلو والاستكبار:
إن فرعون تجبر في أرض مصر وتکبر،
وعلا أهل مصر وقهرهم، حتى أقروا له
بالعبودة (١).
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ
يُدَيِّحُ أَنَآءَ هُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ، كَانَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: ٤].
قال القرطبي: ((أي استكبر وتجبر، قاله
ابن عباس والسدي وقال قتادة: علا في نفسه
عن عبادة ربه بكفره وادعى الربوبية وقيل:
بملكه وسلطانه فصار عاليا على من تحت
يده»(٢).
وفي سورة المؤمنون يصفه الله عز وجل
بالاستكبار والعلو أيضًا، قال تعالى:
أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِشَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ
◌ُبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعُونَ وَمَلَايْهِ، فَاسْتَكْرُواْ
وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ ﴾ [المؤمنون: ٤٥-٤٦].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٥١٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٨/١٣.
قال السمعاني: ((أي: طالبين للعلو بغير
الحق، والاستكبار طلب التكبر، ويقال:
عالين، قاهرين لمن تحتهم بالظلم) (٣).
وفي سورة يونس قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا
مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَّاِيْهِ،
◌َِايَتِنَا فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ ﴾
[يونس: ٧٥].
وكان استكبارهم مجلبة للإثم والوزر
عليهم كما قال الطبري: ((يقول: فاستكبروا
عن الإقرار بما دعاهم إليه موسى وهارون،
وكانوا قومًا مجرمين، يعني: آثمين بربهم؛
بکفرهم بالله» (٤).
وفي سورة الأعراف قوله تعالى:
◌ْ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْقُلُوفَانَ وَاَلْجْرَادَ وَالْقُمَّلَ
وَالضَّفَائِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُواْ
قَوْمًا تُّجْرِمِينَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٣٣].
قال المراغي: ((فاستكبروا عن الإيمان
بها (الآيات التسع) لرسوخهم في الإجرام
والإصرار على الذنوب وإن كانوا يعتقدون
صدق دعوته وصحة رسالته)) (٥).
وقال السعدي: ((فاستكبروا لما رأوا
الآيات وكانوا فى سابق أمرهم قومًا مجرمين
فلذلك عاقبهم الله تعالى، بأن أبقاهم على
الغي والضلال» (٦).
(٣) تفسير القرآن ٣/ ٤٧٦.
(٤) جامع البيان ١٥/ ١٥٥.
(٥) تفسير المراغي ٤٣/٩.
(٦) تيسير الكريم الرحمن ص ٣٠١.
٢٥٤
جَوَنُوالَهُ النَّفْسِيَّة
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

فعون
وأكد هذا المعنى الزمخشري في ثانيًا: الطغيان:
تفسیرہ: فاستکبروا عن قبول الآيات التسع،
وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة
ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن تقبلها وكانوا
قومًا مجرمین کفارًا ذوى آثام عظام، فلذلك
استكبروا عنها واجترءوا على ردها(١).
وقال تعالى: ﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ
وَهَمَنَّ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ قُوسَى ◌ِلْبَيِّنَتِ
فَأَسْتَكْبَرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَِقِينَ
[العنكبوت: ٣٩].
قال الرازي: ((فاستكبروا أي عن عبادة
الله و قوله: في الأرض إشارة إلى ما يوضح
قلة عقلهم في استكبارهم، وذلك لأن من
في الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن
في السماء أقواهم، ثم إن من في السماء لا
یستکبر على الله وعن عبادته، فکیف یستکبر
من في الأرض))(٢).
ولم يكن استكبارهم عن جهل ولكن
كانوا على علم وفهم؛ قال ابن عاشور:
((وأومأ قوله تعالى فاستكبروا في الأرض
إلى أنهم کفروا عن عناد و کبریاء لا عن جهل
وغلواء كما قال تعالى ﴿وَأَضَلَّهُ اللّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾
[الجاثية: ٢٣]»(٣).
(١) انظر: الكشاف ٢/ ٣٦١.
(٢) مفاتيح الغيب ٢٥/ ٥٦.
(٣) التحرير والتنوير ٢٥٠/٢٠.
ومن صفات فرعون الطغيان؛ حيث
قال تعالى: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىُ
٢٤
[طه: ٢٤].
يقول الطبري: «إنه تجاوز قدره، وتمرد
علی ربه))(٤).
ويقول الزمخشري: «لما أمره بالذهاب
إلى فرعون الطاغي لعنه الله عرف أنه كلف
أمرًا عظيمًا وخطبًا جسيمًا يحتاج معه إلى
احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط
وصدر فسيح»(٥).
قال المراغي: ((أي اذهب إليه بما رأيته
من آياتنا الکبری، وادعه إلى عبادتي، وحذره
نقمتي، فإنه قد تجاوز قدره، وتمرد على ربه،
حتى تجاسر على دعوى الربوبية، وقال: أنا
ربكم الأعلى»(٦).
وقد ذهب إلى هذا المعنى ابن كثير
ومدعمًا كلامه بقول وهب بن منبه فقال:
((وقوله ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعُونَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي:
اذهب إلى فرعون ملك مصر، الذي خرجت
فارا منه هاربًا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا
شريك له، ومره فليحسن إلى بني إسرائيل
ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبغى، وآثر الحياة
الدنيا، ونسي الرب الأعلى)»(٧).
(٤) جامع البيان ٢٩٩/١٨.
(٥) الكشاف ٣/ ٦٠.
(٦) تفسير المراغي ١٠٥/١٦
(٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٢٨٠.
www. modoee.com
٢٥٥

حرف الفاء
قال وهب بن منبه: قال الله لموسى: المعاصي وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين
ثم فسر طغیانھم بقوله تعالى: فأكثروا فيها
الفساد ضد الصلاح فكما أن الصلاح يتناول
جميع أقسام البر، فالفساد يتناول جميع
أقسام الإثم، فمن عمل بغير أمر الله وحكم
في عباده بالظلم فهو مفسد))(٢).
انطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي، وإني
معك أيدي ونصري، وإني قد ألبستك جنة
من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري،
فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى
خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن
مكري، وغرته الدنيا عني، حتى جحد حقي،
وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني، فإني
أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني
وبین خلقي، لبطشت به بطشة جبار، يغضب
لغضبه السموات والأرض، والجبال
والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن
أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال
دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان
علي، وسقط من عيني، ووسعه حلمي،
واستغنيت بما عندي، وحقي إني أنا الغني
لا غني غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى
عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكره أيامي
وحذره نقمتي وبآسي، وأخبره أنه لا يقوم
شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولا لينا
لعله يتذكر أو يخشى)»(١).
قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْنَاءِ الَّذِينَ
طَغَوْاْ فِ الْبِلَدِ ) فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ
[الفجر: ١٠- ١٢].
قال الرازي: ((طغوا في البلاد أي عملوا
(١) التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، محمد
بن أحمد الملطي ص ١٢٢ .
(٢) مفاتيح الغيب ١٥٤/٣١.
(٣) جامع البيان ٢٤/ ٤١٠.
(٤) لباب التأويل ٤ /٤٢٦.
٢٥٦
مُوسُو ◌َرَا
القرآن الكريمِ
وقال الطبري: ((وقوله: ﴿اَلَِّينَ طَغَوْاْ فِ
اَلْبِلَادِ﴾ يعني بقوله جل ثناؤه ﴿الَّذِينَ﴾:
عادًا وثمود وفرعون وجنده، ويعني بقوله
﴿طَفَوْاْ﴾: تجاوزوا ما أباحه لهم ربهم،
وعتوا على ربهم إلى ما حظره عليهم من
الكفر به. وقوله: ﴿فِ الْبِلَدِ﴾: التي كانوا
فیھا)»(٣).
وقد تناول طغيانهم في البلاد جميع
أنواع الإثم كما قال الخازن: ((الذين طغوا
في البلاد یعني عادًا وثمودًا وفرعون عملوا
بالمعاصي، وتجبروا، ثم فسر ذلك الطغيان
بقوله فأكثروا فيها الفساد يعني القتل والفساد
ضد الصلاح، فکما أن الصلاح يتناول جميع
أقسام البر فكذلك الفساد يتناول جميع
أقسام الإثم)» (٤).
ومما سبق يتضح أن فرعون تجاوز الحد
في الظلم حتی تعدی حده.

فعون
ثالثًا: الإفساد:
وصف الله فرعون وقومه بالفساد
والإفساد في كثيرٍ من الآيات؛ قال تعالى:
﴿ُثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُوسَى بِثَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَمَلَيْهِ، فَظَلَمُواْ بِهَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَثِقِبَةُ
[الأعراف: ١٠٣].
الْمُفْسِدِينَ {
فلقد حل بهم العذاب نتيجة حتمية
لفسادهم في الأرض قال ابن كثير: ((وذلك
لما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم
على معاصي الله وتكذيب رسله))(١).
وكان لورد تلك الفاصلة القرآنية
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وقعٌ
شديد وبلاغة رفيعة، قال البقاعي: ((ولما
كان للتعميم بعد التخصيص والتفصيل
بعد الإجمال من الموقع في النفوس ما لا
يخفى، وكان النهي عن الإفساد بالصد عن
سبيل الله هو المقصود بالذات لأنه ينهى عن
كل فساد، خصه بالذكر إشارة إلى أنه زبدة
المراد بعد التعمیم»(٢).
وقد عد الشوكاني تكذيب الرسل من
أشد أنواع الفساد؛ وهذا ما وقع فيه فرعون
وقومه، قال الشوكاني: ((فانظر كيف كان
عاقبة المفسدين أي: المكذبين بالآيات
الكافرين بها وجعلهم مفسدين لأن تكذيبهم
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٧/٣.
(٢) نظم الدرر ٧/ ٤٦١.
وكفرهم من أقبح أنواع الفساد))(٣).
وقال تعالى مخاطبًا فرعون: ﴿ءَاْثَنَ وَقَدْ
عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[يونس: ٩١].
قال الطبري: يقول تعالى ذكره، معرفًا
فرعون قبح صنيعه أيام حياته وإساءته
إلی نفسه أيام صحته، بتمادیه في طغيانه،
ومعصیته ربه، حین فزع إليه في حال حلول
سخطه به ونزول عقابه، مستجيرًا به من عذابه
الواقع به، لما ناداه وقد علته أمواج البحر،
وغشيته كرب الموت: ﴿مَامَنْتُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ
إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
له، المنقادين بالذلة له، المعترفين بالعبودية:
الآن تقر لله بالعبودية، وتستسلم له بالذلة،
وتخلص له الألوهة، وقد عصیته قبل نزول
نقمته بك، فأسخطته على نفسك، وكنت من
المفسدين في الأرض، الصادين عن سبيله؟
فهلا وأنت في مهلٍ، وباب التوبة لك منفتح،
أقررت بما أنت به الآن مقرّ (٤).
وقال تعالى أيضًا: ﴿إِنَّفِرْعَوْنَ عَلَا فِ
اَلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِبَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآِفَةً
مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِيِ نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: ٤].
وقد خص الزمخشري الإفساد بالقتل
فقال: ((وقوله ﴿إِنَّهُ كَانَمِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ بيان
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٢٦٣/٢.
(٤) انظر: جامع البيان ١٥/ ١٩٤.
www. modoee.com
٢٥٧

حرف الفاء
أن القتل ما كان إلا فعل المفسدين فحسب،
لأنه فعل لا طائل تحته(١).
بينما أجمل الطبري كيف كان إفساد
فرعون فقال: ((وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ
المُفْسِدِينَ ﴾ يقول: إنه كان ممن يفسد في
الأرض بقتله من لا يستحق منه القتل،
واستعباده من ليس له استعباده، وتجبره
في الأرض على أهلها، وتكبره على عبادة
ربه)» (٢).
قال تعالى: ﴿وَفِرْعُوْنَ ذِى الْأَوْثَارِ الَّذِينَ
طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ ) فَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَاءَ ( ١)
[الفجر: ١٠- ١٢].
وقد تناول طغيانهم في البلاد جميع أنواع
الإثم والفساد والإفساد قال الخازن: (ثم
فسر ذلك الطغيان بقوله فأكثروا فيها الفساد
يعني القتل والفساد ضد الصلاح، فكما أن
الصلاح يتناول جميع أقسام البر فكذلك
الفساد يتناول جميع أقسام الإثم)»(٣).
رابعًا: الإسراف:
لقد أسرف فرعون؛ فادعى الربوبية، قال
تعالى: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىَّ إِلَّا ذُرِيَّةٌ مِن قَوْمِهِ،
عَلَى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِمْ أَنْ يَفْنِنَهُمّ
وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
﴾ [يونس: ٨٣].
٨٣
(١) الكشاف ٣٩٢/٣.
(٢) جامع البيان ١٩ /٥١٧.
(٣) لباب التأويل ٤ /٤٢٦.
وقد عد الواحدي ادعاء الربوبية هو
الإسراف حيث قال: ((وإنه لمن المسرفين:
حیث کان عبدًا فادعى الربوبية)» (٤).
بينما النسفي فقد أضاف الظلم والكبر
لادعائه الروبية فقال: ((وإنه لمن المسرفين
في الظلم والفساد وفي الكبر والعتو بادعائه
الربوبية)) (٥).
بينما اعتبر الشيخ الشعراوي الإسراف
تجاوز الحد بادعاء الألوهية فقال:
اوالمسرف: هو الذي یتجاوز الحدود، وهو
قد تجاوز في إسرافه وادعى الألوهية، وقد
قال الحق سبحانه ما جاء على لسان فرعون:
﴿أَنَا رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].
وقال الحق سبحانه أيضًا:
وَقَالَ فِرْعَوْنَ
يَتَأَيُّهَا أَلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَّهِ
غَيْرِء
﴾ [القصص: ٣٨].
وعلا فرعون في الأرض علو طاغية من
البشر على غيره من البشر المستضعفين،
وقال الحق سبحانه على لسان فرعون:
﴿أَلَيْسَ لِ مُلَّكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اَلْأَنْهَرُ تَّجْرِى
مِن تَحْتِىِ﴾ [الزخرف: ٥١].
إذن: فقد كان فرعون مسرفًا أشد
الإسراف)» (٦).
أما الطبري فقد فصل كيف كان إسراف
فرعون فقال: ((﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾، وإنه
(٤) الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز ص٥٠٥.
(٥) مدارك التنزيل وحقائق التأويل ٣٦/٢.
(٦) تفسير الشعراوي ١٠/ ٦١٥١.
٢٥٨
جُوسُو ◌َر النفسية
القرآن الكريم

فرعون
لمن المتجاوزين الحق إلى الباطل، وذلك العقل كما قال محمود حجازي: ((وإن
فرعون لمن المسرفين المتجاوزين حدود
كفره بالله وترکه الإیمان به، وجحوده
وحدانية الله، وادعاؤه لنفسه الألوهة،
وسفكه الدماء بغير حلها))(١).
العقل والإنسانية، وهکذا کل جبار عتيد)) (٦).
خامسًا: الکید:
وقال تعالى: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ، كَانَ حَالِيًا
مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الدخان: ٣١].
قال أبو السعود: ((كان رفيع الطبقة من بين
المسرفين فائقًا لهم بليغًا في الإسراف))(٢)،
ولقد أسرف فرعون فاجتراً على محارم الله،
قال السعدي: المفسدون هم المتجاوزون
لحدود الله المتجرئون على محارمه (٣).
قال الطبري: ((إنه كان جبارا مستعليًا
مستكبرًا على ربه، ﴿مِّنَ اٌلْمُسْرِفِينَ﴾ يعني:
من المتجاوزين ما ليس لهم تجاوزه. وإنما
يعني جل ثناؤه أنه كان ذا اعتداء في كفره،
٠
واستكبار على ربه جل ثناؤه))(٤)
قال الزحيلي ((إن فرعون كان جبارا عنيدًا،
مسرفًا في التمرد والعتو متجاوزًا الحد في
لظلم والفساد، شديد البطش والفتك، حتى
إنه ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء،
وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه
خوفًا شديد»(٥).
ففرعون في إسرافه تجاوز كل حدود
(١) جامع البيان ١٦٧/١٥.
(٢) إرشاد العقل السليم ٨/ ٦٣.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٧٧٣.
(٤) جامع البيان ٣٧/٢٢.
(٥) التفسير المنير ٢٤٤/١١.
الكيد هو المكر (٧)، وقد كاد فرعون
ومکر لموسی کثیرًا،؛ فقد أمر هامان ببناء
صرحًا له كي يبلغ أبواب السماء فيطلع إلى
إله موسى.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَنْهَمَنُ ابْنِ
لِ صَرْحًا لَعَلِّ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ آ أَسْبَبَ
السَّمَوَتٍ فَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ.
كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَهُ عَمَلِهِ،
وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى
تَبَابٍ ﴾ [غافر: ٣٦-٣٧].
قال ابن عاشور: ((والمراد بكيده ما أمر به
من بناء الصرح والغاية منه))(٨).
وقال السمعاني: ((أي: وما حيلة فرعون
ومكره إلا في هلاك وخسران)) (٩).
وقد قال الرازي: «وما کید فرعون إلا في
تباب والتباب الهلاك والخسران، ونظيره
قوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ﴾
[هود: ١٠١].
وقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ وَتَبَّ
(٦) التفسير الواضح ٢/ ٨٤.
(٧) انظر: الصحاح، الجوهري ٥٣٣/٢.
(٨) التحرير والتنوير ١٤٨/٢٤.
(٩) تفسير القرآن ٢١/٥.
www. modoee.com
٢٥٩

حرف الفاء
٢﴾ [المسد: ١]) (١).
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
وقال تعالی:
بِثَايَئِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ
﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ
أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، وَأَسْتَحْيُو ◌ْنِسَآءَ هُمَّ
وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّ فِ ضَلَالٍ
[غافر: ٢٣ -٢٥].
قال الطبري: ((وما احتيال أهل الكفر
لأهل الإيمان بالله إلا في جوز عن سبيل
الحق، وصد عن قصد المحجة، وأخذ على
غیر ھدی»(٢).
أما الرازي فقال: ((﴿وَمَا كَيْدُ
اَلْكَفِرِينَ إلَّا فِ ضَلَالٍ ﴾ ومعناه أن جمیع
ما يسعون فيه من مكايدة موسى ومكايدة من
آمن معه یبطل، لأن ما يفتح الله للناس من
رحمة فلا ممسك لها))(٣).
وقال الشوكاني: ((في خسران ووبال،
لأنه یذهب باطلا، ویحیق بهم ما يريده الله
(٤)
عز وجل)) (٤).
وقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ نَجَمَعَ
كَيْدَهُ ثُمَّ أَ ن﴾ [طه: ٦٠].
قال الواحدي: «أي: حيله وسحرته))(٥).
(١) مفاتيح الغيب ٥١٧/٢٧.
(٢) جامع البيان ٢١/ ٣٧٣.
(٣) مفاتيح الغيب ٥٠٦/٢٧.
(٤) فتح القدير ٤ / ٥٦٠.
(٥) الوجيز الواحدي ٦٩٨.
قال الرازي: ((ودخل تحت قوله: ﴿فَجَمَعَ
كَيْدَهُ﴾ السحرة وسائر من يجتمع لذلك
ويدخل فيه الآلات وسائر ما أوردته السحرة
ثم أتى دخل تحته أتى الموضع بالسحرة
وبالقوم وبالآلات))(٦).
وقد أوضح ابن عاشور كيف جمع
فرعون كيده فقال: ((ومعنى جمع الكيد:
تدبير أسلوب مناظرة موسى، وإعداد
الحيل لإظهار غلبة السحرة عليه، وإقناع
الحاضرين بأن موسى ليس على شيء، وهذا
أسلوب قديم في المناظرات: أن يسعى
المناظر جهده للتشهير ببطلان حجة خصمه
بكل وسائل التلبيس والتشنيع والتشهير،
ومباداته بما يفت في عضده ويشوش رأيه
حتى يذهب منه تدبيره» (٧).
وقد فسر الشنقيطي هذا الكيد بنظيره
من القرآن فقال: ((وقوله تعالى: فجمع كيده
الظاهر أن المراد بـ ﴿ڪيدَهُ﴾ ما جمعه
من السحر ليغلب به موسى في زعمه، وعليه
فالمراد بقوله فجمع كيده هو جمعه للسحرة
من أطراف مملكته، ويدل على هذا أمران:
أحدهما تسمية السحر في القرآن كيدًا،
كقوله ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْكَيْدُ سَحِرِ﴾ [طه: ٦٩].
وقوله تعالى عن السحرة: ﴿فَأَجِعُواْ
كَيْدَكُمْ ﴾ [طه: ٦٤].
(٦) مفاتيح الغيب ٦٤/٢٢.
(٧) التحرير والتنوير ٢٤٧/١٦.
٢٦٠
جَوَسُولَة التقنية
القرآن الكريم

فعون
و کیدهم سحرهم، الثاني أن الذي جمعه
فرعون هو السحرة كما دلت عليه آيات من
كتاب الله، كقوله تعالى في ((الأعراف»:
﴿قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلٌ فِ اَلْمَدَآَيِنِ
خَشِرِينَ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحٍِ عَلِيمٍ ()﴾
[الأعراف: ١١١- ١١٢].
وقوله ﴿حَشِرِينَ ﴾ أي: جامعین یجمعون
السحرة من أطراف مملكته.
وقوله في ((الشعراء)»: ﴿وَعَثْ فِ اَلْدَآيِنِ
خَشِينَ ﴿ يَأْتُكَ بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ
(٦) فَجُِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾
[الشعراء: ٣٦-٣٨].
وقوله في ((يونس)): ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ أُقْتُونِ
بِكْلِ سَحٍِ عَلِيمٍ ﴾ [يونس: ٧٩].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة:
ثُمَّأَ﴾ أي: جاء فرعون بسحرته للميعاد
لیغلب نبي الله موسى بسحره في زعمه)) (١).
سادسًا: الإضلال:
لقد أعطى الله فرعون وملأه الزينة
والأموال، لكنهم استغلوها في إضلال
الناس، ولم ينتفعوا بها في مرضات الله،
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ
فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةٌ وَأَمْوَّلًا فِىِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا
رَيَّنَا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَْمِسْ عَلَ
أَمَوَ لِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَقَّى يَرَوَأْ
(١) أضواء البيان ٣٢/٤.
٨٨﴾ [يونس: ٨٨].
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
قال سيد قطب: «ینشأ عنها إِضلال الناس
عن سبيلك، إما بالإغراء الذي يحدثه مظهر
النعمة في نفوس الآخرين، وإما بالقوة التي
يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين
على إذلال الآخرين أو إغوائهم)) (٢)، فكانت
العاقبة أن طمس اللهعلى أموالهم، وشدعلى
قلوبهم؛ بل وأصبحوا أئمة يدعون إلى النار،
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُصَرُونَ
٤١
[القصص: ٤١].
قال المراغي: «أي وجعلنا فرعون وقومه
أئمة يقتدى بهم أهل العتو والكفر بالله،
فهم يحثون على فعل الشرور والمعاصي،
وتدسية النفوس بالفسوق والآثام التي
تلقى بفاعلها في النار، وما كفاهم أن كانوا
ضالین کافرین بالله ورسوله، بل دأبوا على
إضلال سواهم وتحسين العصيان لهم، وبذا
قد ارتكبوا جريمتين، فباءوا بجزاءين: جزاء
الضلال وجزاء الإضلال))(٣).
ولقد وصفه الله بالإضلال بصريح الآية
فقال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ، وَمَا هَدَى(٨)
[طه: ٧٩].
قال ابن عاشور: ((إن فرعون أوقع قومه
في الجهالة وسوء العاقبة بما بث فيهم
(٢) في ظلال القرآن ١٨١٧/٣.
(٣) تفسير المراغي ٢٠/ ٦٢.
www. modoee.com
٢٦١

حرف الفاء
من قلب الحقائق والجهل المركب، فلم ممن يتصور منه الهداية في الجملة، وذلك
إنما يتصور في حقه بطريق التهكم وحمل
يصادفوا السداد في أعمالهم حتى كانت
خاتمتها وقوعهم غرقى في البحر بعناده في
تكذيب دعوة موسى عليه السلام)»(١).
الإضلال والهداية على ما يختص بالديني
منهما يأباه مقام بيان سوقه بجنوده إلى
مساق الهلاك الدنيوي، وجعلهما عبارةً عن
الإضلال في البحر والإنجاء منه مما لا يقبله
العقل السليم»(٣).
وإلى هذا ذهب الطبري فقال: ((يقول
جل ثناؤه: وجاوز فرعون بقومه عن سواء
السبيل، وأخذ بهم على غير استقامة، وذلك
أنه سلك بهم طريق أهل النار، بأمرهم
بالكفر بالله، وتكذيب رسله ﴿وَمَا هَدَى﴾
يقول: وما سلك بهم الطريق المستقيم،
وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى،
والتصديق به، فأطاعوه، فلم يهدهم بأمره
إياهم بذلك، ولم يهتدوا باتباعهم إياه)»(٢).
وقال أبو السعود مبينا المعنى: ((أي سلك
بهم مسلكًا أداهم إلى الخيبة والخسران في
الدين والدنيا معًا حيث ماتوا على الكفر
بالعذاب الهائل الدنيوي المتصل بالعذاب
الخالد الأخروي وقوله تعالى ﴿وَمَاهَدَى﴾
أي ما أرشدهم قط إلى طريق موصلٍ إلى
مطلب من المطالب الدينية والدنيوية تقريرٌ
لإضلاله وتأکیدٌ له إذ رب مضلٍ قد يرشد
من يضله إلى بعض مطالبه، وفيه نوع تهكم
به في قوله ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلََّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾
[غافر: ٢٩].
فإن نفي الهداية عن شخص مشعرٌ بكونه
(١) التحرير والتنوير ٢٧٢/١٦.
(٢) جامع البيان ٣٤٥/١٨.
سابعًا: الغرور:
سيطر الغرور على قلب فرعون فأضله
ضلالًا بعيدًا، واغتر بما آتاه الله من النعم.
قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ،
قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ
تَِّى مِن ◌َّحْتِىَّ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ( أَمْ أَنْ خَيْرٌ
مِنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينٌ ﴾
[الزخرف: ٥١-٥٢].
قال المراغي: ((نادى: إني غني كثير
المال عظيم الجاه، فلي ملك مصر وهذه
الأنهار تجري من تحتي، وموسی فقیر مھین
وليس له بيان ولا لسان)) (٤).
وقال الخازن مبينًا غرور فرعون: ((أفلا
تبصرون أي عظمتي وشدة ملكي»(٥).
وقد بين القشيري أن غروره کان سبب
هلاكه فقال: «تعزز بملك مصر، وجرى
النيل بأمره! وکان في ذلك هلاكه ليعلم أن
(٣) إرشاد العقل السليم ٣٢/٦.
(٤) تفسير المراغي ٢٥/ ٩٦.
(٥) لباب التأويل ١١١/٤.
٢٦٢
جوسيس
القرآن الكريم

فعون
من تعزز بشيء من دون الله فحتفه وهلاكه
في ذلك الشيء))(١).
وقد أشار ابن کثیر إلی غرور فرعون
وعتوه وكفره في مقولته تلك فقال: ((يقول
تعالى مخبرا عن فرعون وتمرده وعتوه
وكفره وعناده: أنه جمع قومه، فنادى فيهم
متبجحًا مفتخرًا بملك مصر وتصرفه فيها:
﴿أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اَلْأَنْهَرُ تَّجْرِى
مِنْ تَحْتِّئَ﴾))(٢).
ولقد وصل الغرور بفرعون أن يدعي
الألوهية ويأمر قومه بعبادته.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَتَأَيُّهَا الْمَلَأُ
مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْلِ
يَهَمَنْنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل ◌ِ صَرْحًا لَّعَلِّ
أَطَّلِعُ إِلَ إِلَّهِ مُوسَى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِبِنَ
* [القصص: ٣٨].
٣٨
((فتضمن كلامه نفي إلهية غيره وإثبات
إلهية نفسه))(٣)، ولقد أمر هامان أن يبني له
قصرًا منيفًا ليظهر غروره بادعائه الألوهية
كما قال ابن كثير: ((فرعون بنى هذا الصرح
الذي لم ير في الدنیا بناء أعلى منه، إنما أراد
بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما
زعمه من دعوى إله غير فرعون»(٤).
بل وهدد وتوعد موسی بأن یسجنه أن
(١) لطائف الإشارات ٣٧٠/٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣١/٧.
(٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٦٠/١٥
(٤) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٢٣٨.
﴿قاللبن
لم يعبده ويتخذه إلهًا؛ قال تعالى:
أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
[الشعراء: ٢٩].
قال النسفي: ((أي لأجعلتك واحدًا ممن
عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته
أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة
ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فردًا لا يبصر
فیها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل ولو
قيل لأسجننك لم يؤد هذا المعنى وإن كان
أخصر)) (٥).
ثامنًا: الاستبداد:
إن مقومات استبداد فرعون: ادعاء
الربوبية، وأداء الألوهية. أما ادعاء الربوبية
كما في قوله: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]
وقوله: ﴿أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ
تَّجْرِى مِن تَحْقِيَ﴾ [الزخرف: ٥١]؛ فيدعي لنفسه
صفات الربوبية التي وردت في قوله تعالى:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِكَ لَشَهِيدٌ ﴿ إِنَّهُ, هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
٢) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ . فَعَّالٌ
لِمَا يُرِيدٌ ﴾ [البروج: ١٢- ١٦].
وأما ادعاء الألوهية كما ورد في قوله
تعالى: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾
[القصص: ٣٨].
فيدعي صفة الألوهية التي جاءت في
قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ مَا لَهُممِّن
(٥) مدارك التنزيل ٢ / ٥٦٠.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف الفاء
دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ: أَحَدًا ﴾
[الكهف: ٢٦]؛ فالحاكم المستبد يبدأ فيدعي
بأن كل البلد ملكه الشخصي، ويتصرف
على هذا الأساس ﴿أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ﴾
ثم ينتقل إلى التصرف على أساس أن الناس
العقلاء ملكه أيضا، تمهيدًا للادعاء الثاني،
وهو ادعاء الألوهية، الذي يختص بالعاقل
فقط كما في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ
إِلَهٍ غَيْرِى﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْلُ عَنَّا
يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
فالألوهية تتضمن الطاعة الكاملة
من الناس لفرعون، بألا يتصرفوا بشيء
بقناعاتهم الشخصية دون إذن منه، لذا قال
فرعون للسحرة ﴿مَامَنْتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ
[الأعراف: ١٢٣].
وأنزل بهم العقوبة بقوله: ﴿لَأُقَطِعَنَّ
أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَفٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ
[الأعراف: ١٢٤]؛ لا لأنهم
أجمعين {(١٢٤)
آمنوا برب موسى وهارون، وإنما لأنهم آمنوا
قبل أن يأذن لهم، ولو أنهم استأذنوه لكان من
الأرجح أن یأذن لهم، لأنهم باستئذانهم له،
لا يتحدونه في ألوهيته.
وقد استبد فرعون لدرجة أنه لم يتفرد
برأيه فقط بل ألزم قومه أن لا يروا إلا ما
يرى، لاسيما في قتل موسى عليه السلام؛
قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى
وَمَآ أَهْدِيَكُمْ إِلََّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].
قال الزمخشري: ((أي: ما أشير عليكم
برأي إلا بما أرى من قتله، يعني لا أستصوب
إلا قتله، وهذا الذي تقولونه غیر صواب وما
أهديكم بهذا الرأي إلا سبيل الرشاد))(١).
وقد استنكر على السحرة أن يؤمنوا
بالله قبل أن يأذن لهم؛ حتى الإيمان بالله لا
يفترض إلا أن يكون بإذن منه.
قال تعالى: ((﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنْتُم بِه قَبْلَ
أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ
لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
١٢٣
[الأعراف: ١٢٣].
قال الواحدي: «أصدقتم موسی من قبل
أمري إیاکم»(٢).
(١) الكشاف ٤/ ١٦٤.
(٢) الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز ص ٤٠٧.
٢٦٤
جَوَسُولَةُ النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

فعون
فرعون وموسى عليه السلام
لقصة فرعون مع موسى فصولٌ كثيرة
ومحطاتٌ عديدة، وسنتوقف عند بعض
تلك المحطات؛ فالمحطة الأولى هي تربية
فرعون لموسى عليه السلام.
أولًا: تربية فرعون لموسى عليه السلام:
يقول الطبري في تفسير قوله تعالى:
﴿وَإِذْ نَّنَكُمْ مِنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ
سُوَّهَ اٌلْعَذَّادِ يُذَّ بِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمّ
وَفِي ذَلِكُمْ بَلَآءٌ مِّن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
٤٩
[البقرة: ٤٩].
کان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن
نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت
على بيوت مصر، فأحرقت القبط وتركت
بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر، فدعا
السحرة والكهنة، فسألهم عن رؤياه فقالوا
له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو
إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس- رجل
يكون على وجهه هلاك مصر؛ فأمر ببني
إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا
تولد لهم جارية إلا ترکت (١).
ولقد ولد موسى في تلك الظروف، قال
تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا
خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِ اَلْيَرِّ وَلَا تَّخَافِ وَلَا
تَحْزَنِ إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكٍ وَجَاِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
(١) انظر: جامع البيان ٢/ ٤٤.
[القصص: ٧].
٧
فانصاعت لأمر ربها، وكانت النتيجة أن
أخذه فرعون ليربيه في قصره تلبية لرغبة
زوجته، وقر عين أمه بأن حرم عليه المراضع
إلا هي.
قال تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِىّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ
أَدُلُكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ، فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ وَقَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ
وَفَنَّكَ فُوناً فَلَبِئْتَ سِنِينَ فِىَ أَهْلِ مَذْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ
عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى ﴾ [طه: ٤٠].
قال المراغي: ((فاستدعت أم موسى
وأحسنت إليها وأعطتها العطاء الجزيل، ثم
سألتها أن تقيم عندها وترضعه فأبت ذلك
عليها وقالت إن لي بعلا وأولادًا ولا أستطيع
المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في
بيتي فعلت، فأجابتها إلى ما طلبت، وأجرت
عليها النفقة والصلات والكسا وجزيل
العطايا ورجعت بولدها إلى بيتها راضية
مرضية قد أبدلها الله بعد خوفها أمنا وهى
موفورة العز والجاه والرزق الواسع)»(٢).
ومما يستنتج من تربية فرعون لموسى:
١. قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَ هُوَ أْشَيْئًا وَهُوَ
خَيْرٌلَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. فلا أكره لأم
موسی من وقوع ابنها بید آل فرعون،
ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة،
وآثاره الطيبة.
(٢) تفسير المراغي ٤١/٢٠.
www. modoee.com
٢٦٥

حرف الفاء
٢. أن الله إذا أراد شيئا هيا أسبابه، وأتی به
شيئا فشيئا بالتدريج لا دفعة واحدة.
٣. أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في
الضعف ما بلغت، لا ينبغي أن يستولي
عليها الكسل عن السعي في حقوقها.
٤. أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا
تطالب بحقها لا یقوم لها أمر دینھا، کما
لا یقوم لها أمر دنياها.
٥. أن من أعظم نعم الله على العبد
تثبیت الله له عند المقلقات والمخاوف.
٦. أن العبد وإن عرف أن القضاء
والقدر حق، وأن وعد الله نافذ لا بد
منه، فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي
تنفع.
٧. جواز أخذ الأجرة على الكفالة
والرضاع، كما فعلت أم موسى، فإن
شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد من
شرعنا ما ينسخه(١).
ثانيًا: آيات موسى عليه السلام إلى
فرعون:
أيد الله موسى بآيات كثيرة، علها تثني
فرعون عن كفره وتجعله يؤمن بالله وحده،
ولكنه أبى واستكبر وكان من العالين، واتهم
موسی بأنه رجلٌ مسحور.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَىْ تِسْعَ
(١) انظر: تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير
القرآن، السعدي ص٢٢٧.
◌َيَتٍ بَيْنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ إِذْ جَآءَ هُمْ فَقَالَ
لَهُ فِرْ عَوْنُ إِنِّ لَأَظُنُّكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا
[الإسراء: ١٠١].
قال الطبري: «التسع الآيات البينات:
يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان،
والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات
مفصلات)»(٢).
وآيات موسى ذكرت كثيرًا في القرآن،
وقد اختلف المفسرون في تحديدها اختلافًا
کثیرًا، وهناك كلامٌ نفيس للرازي يجمع فيه
بین الأقوال جمیعًا حیث قال في تبینھا:
أحدها: أن الله تعالى أزال العقدة من
لسانه قيل في التفسير ذهبت العجمة وصار
فصیحًا.
وثانيها: انقلاب العصاحية.
وثالثها: تلقف الحية حبالهم وعصيهم
مع کثرتها.
ورابعها: اليد البيضاء.
وخمسة أخر وهي: الطوفان والجراد
والقمل والضفادع والدم.
والعاشر: شق البحر، وهو قوله: ﴿وَإِذْ
فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠].
والحادي عشر: الحجر، وهو قوله:
﴿أَنِ أَضْرِبِ يِّعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾
[الأعراف: ١٦٠].
الثاني عشر: إظلال الجبل، وهو قوله
(٢) جامع البيان ١٧ / ٥٦٤.
٢٦٦
جَوَسُولَةُ التقيـ
القرآن الكريمِ

فرعون
تعالى: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾
[الأعراف: ١٧١].
والثالث عشر: إنزال المن والسلوى عليه
وعلى قومه.
والرابع عشر والخامس عشر: قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْفَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِلْسِنِينَ
وَنَقَّصِ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠].
والسادس عشر: الطمس على أموالهم
من النحل والدقيق والأطعمة والدراهم
والدنانير، إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى
ذكر في القرآن هذه المعجزات الستة عشر
لموسى عليه الصلاة والسلام وقال في هذه
الآية: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات
وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه
ثبوت الزائد عليه لأنه بينا في أصول الفقه
أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي
الزائد بل نقول إنما يتمسك في هذه المسألة
بهذه الآية ثم نقول: أما هذه التسعة فقد اتفقوا
على سبعة منها وهي العصا واليد والطوفان
والجراد والقمل والضفادع والدم، وبقي
الاثنان ولكل واحد من المفسرين قول آخر
فيهما (١).
ثالثًا: دعاء موسى عليه السلام على
فرعون:
بعد أن طال السجال بين موسى عليه
(١) انظر: مفاتيح الغيب ٤١٤/٢١.
السلام وفرعون، دعا موسى عليه السلام
على فرعون وقومه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ
مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَّهُ زِينَةٌ
وَأَمْوَلَا فِى الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ
رَبَّنَا أْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَلَا يُؤْمِنُواْ حَقَّ يَرَوَّأْ الْعَذَابَ الْأَلِيَ
[يونس: ٨٨].
فالوارد في كثيرٍ من الآثار أن أستجيب
له بعد أربعين عامًا، لا أنه مكث أربعين عامًا
يدعوا عليهم.
قال السيوطي في الدر المنثور: ((أخرج
ابن المنذر عن ابن عباس - رضي الله عنهما
- قال: يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه
الدعوة أربعين سنة، وأخرج ابن جرير عن
ابن جريج مثله، وأخرج الحكيم الترمذي
عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله:
قال قد أجیبت دعوتکما ۔ قال: بعد أربعین
سنة»(٢).
وقال الزمخشري: «المعنی: إن دعاءكما
مستجاب، وما طلبتما كائن، ولكن في وقته
فاستقيما فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة
والزيادة في إلزام الحجة، فقد لبث نوح عليه
السلام في قومه ألف عام إلا قليلا، ولا
تستعجلا، قال ابن جريج: فمكث موسی
بعد الدعاء أربعين سنة»(٣).
(٢) الدر المنثور ٣٨٥/٤.
(٣) الكشاف ٣٦٦/٢.
www. modoee.com
٢٦٧

حرف الفاء
ومن هدايات هذه الآيات أن استجابة
وقال السمرقندي: ((قال مقاتل: فمكث
موسى بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وهكذا الدعاء لا يلزم أن يكون فوريًا، وإنما يكون
في الوقت الذي تقتضيه حكمة الله، فلا
ينبغي للداعي أن يستعجل.
روى الضحاك: أن الإجابة ظهرت بعد
أربعين سنة، وقال بعضهم: بعد أربعين يومًا،
وقال بعضهم: كان هذا الدعاء حين خرج
موسى ببني إسرائيل وأيس من إيمانهم))(١).
وقال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِبَتِ دَّعْوَتُكُمَا
فَأَسْتَقِيمَا وَلَا نَّعَانٍ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
[يونس: ٨٩].
قال السمعاني: «أنه کان بین دعاء موسی
وإجابته أربعون سنة، وكذلك کان بین دعاء
یعقوب وإجابته أربعون سنة»(٢).
وقد بين ابن عاشور كيف كانت استجابة
دعوة موسى وهارون على فرعون وقومه
فقال: ((ومعنى إجابة الدعوة إعطاء ما سأله
موسى ربه أن يسلب عن فرعون وملئه
النعم، ويوالي عليهم المصائب حتى يسأموا
مقاومة دعوة موسى وتنحط غلواؤهم، قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِاَلِسِنِينَ
وَنَقّْصِ مِّنَ الثَّمَرَّتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
﴾ [الأعراف: ١٣٠].
١٣٠
وقال أيضًا: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الُوفَانَ
وَاَلْجَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَائِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ
فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ (
[الأعراف: ١٣٣]))(٣).
(١) تفسير السمر قندي ٢/ ١٢٩.
(٢) تفسير القرآن ٢/ ٤٠١.
(٣) التحرير والتنوير ١١/ ٢٧٢.
٢٦٨
جَوَبُو حَرَ النَّفِيَّ
القرآن الكريم

فرعون
أساليب فرعون في مواجهة دعوة موسى
للطغاة على مر العصور أساليب في
مواجهة الحق الذي يزلزل أركان دولهم،
ولقد انتهج فرعون مع نبي الله موسى عليه
السلام أساليب شتى لمواجهته؛ فقد ادعى
الألوهية والربوبية، واتهم موسى اتهامات
كاذبة ما أنزل الله بها من سلطان، كالسحر
والجنون وادعاء المؤامرة، وفيما يأتي بيان
ذلك.
أولًا: دعوى الألوهية:
لقد طغى فرعون وتجبر لدرجة ادعاءه
الألوهية،؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُيَتَأَيُّهَا
اَلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ
لِي يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل ◌ِ صَرْحًا لَّعَلِّ
أَطَّلِعُ إِلَ إِلَّهِ مُوسَى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ
[القصص: ٣٨].
٣٨
ولقد أوضح الرازي أسلوب فرعون في
مواجهة دعوة موسى عليه السلام فيقول:
«اعلم أن فرعون کانت عادته متى ظهرت
حجة موسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة
بشبهة يروجها على أغمار قومه))(١).
قال السعدي في معنى قوله هذا: ((أي: أنا
وحدي، إلهكم ومعبودكم، ولو كان ثم إله
غيري، لعلمته))(٢).
(١) مفاتيح الغيب ٥٩٩/٢٤.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٦١٦.
لقد نفى علمه بآلهة أخرى ولم
ينف وجودها أصلا، لذلك هدد موسى
عليه السلام قائلاً: ﴿قَالَ لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهًا
غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
[الشعراء: ٢٩].
وفي سورة طه يسأل موسى عن ربه قائلًا:
﴿قَالَ فَمَنْ رَّبُّكُمَا يَمُوسَى ﴾ [طه: ٤٩].
وفي سورة النازعات ظهر تجبره وطغيانه
في ادعائه الربوبية، حيث قال: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَالَ
آلَخِرَةِ وَالْأُولَ ) إِنَّفِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْشَ ا
[النازعات: ٢٥-٢٦].
يقول السمرقندي: ((ويقال: الآخرة
والأولى. يعني: العقوبة بالكلمة الأولى،
والكلمة الأخرى، فأما الأولى قوله:
﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ ما
والأخرى قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَ﴾ وكان بين
الكلمتين أربعون سنة، ويقال: قوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ
الْأَعْلَ﴾ كان في الابتداء، حيث أمرهم بعبادة
الأصنام، ثم نهاهم عن ذلك، وأمرهم بأن لا
يعبدوا غيره))(٣).
ویقول سيد قطب: «فأما فرعون فوجد في
قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب
من الإيمان، ما جرؤ به على قول هذه الكلمة
الكافرة الفاجرة: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وما كان
ليقولها أبدًا لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة،
تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء،
(٣) تفسير السمر قندي ٥٤٣/٣.
www. modoee.com
٢٦٩

حرف الفاء
وإن يسلبه الذباب شيئا لا يستنقذ من الذباب
شيئا! وأمام هذا التطاول الوقح، بعد الطغيان
البشع، تحركت القوة الكبرى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ لَكَالَ
آَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾))(١).
وقد خلد القرآن الكريم قوله ذلك ليبقى
لعنة عليه إلى قيام الساعة، ويوم القيامة
أدخلوا آل فرعون أشد العذاب.
ثانيًا: الاتهامات الكاذبة:
منهج الطغاة في كل عصرٍ من العصور،
إعراضٌ، ثم تكذيبٌ، فتشهير، فإيذاء، فقتل
أو حبس، وقد لجأ فرعون الطاغية لأسلوب
الاتهامات الكاذبة؛ والتي تتهم موسى
بالكذب، والتشهير به؛ بأنه ساحر أو مجنون.
قال تعالى على لسان فرعون عندما
عجزت الحجة أمام دعوة موسى عليه
السلام وآياته البينة: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ
ءَايَتِعٍ بَيْنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ إِذْ جَاءَ هُمْ فَقَالَ
لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظْتُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا ﴾
[الإسراء: ١٠١].
فقد كذب فرعون تلك المعجزات
الباهرات والآيات البينات، واعتبرها عجائبًا
سحرية مكذبًا موسى ومتهمًا له بالسحر؛
قال الطبري: ((فقال لموسى فرعون: إني
لأظنك يا موسى تتعاطى علم السحر، فهذه
العجائب التي تفعلها من سحرك))(٢).
(١) في ظلال القرآن ٣٨١٥/٦.
(٢) جامع البيان ١٧ / ٥٦٨.
وكلام الذين يكيلون الاتهامات الكاذبة
غير متزن فضلاً عن تناقضه؛ فقد اتهم فرعون
موسی بالسحر والجنون.
قال تعالى: ﴿وَفِ مُوسَىَ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ
بِسُلْطَنِ مُّبِينٍ
٣٨
، فَتَوَلَّ بِرَّكِهِ، وَقَالَ سَحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
(٢)) [الذاريات: ٣٨-٣٩].
((قال أهل العلم: هذا تناقض؛ لأن السحر
لا يكون إلا بعقل كامل، والمجنون هو الذي
لا عقل له)»(٣).
ولما فشلت الاتهامات الكاذبة التي کالها
لموسى انتقل لمرحلة التهديد بالقتل؛ فقال:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلٌ مُوسَى وَلَيَدْعُ
رَبَّةٌ إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي
الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ (٦)﴾ [غافر: ٢٦].
مدعيًا خوفه على دينهم من التبديل؛
وما ذلك إلا للضعف حيلته وحجته؛ قال
ابن عاشور: ((وقد حمله غروره وقلة تدبره
في الأمور على ظن أن ما خالف دينهم يعد
فسادًا إذ ليست لهم حجة لدينهم غير الإلف
والانتفاع العاجل)) (٤).
ثالثًا: ادعاء المؤامرة:
كلما زاد البغي والطغيان على الدعاة إلى
الله زادت الأتباع، هذه سنة إلهية؛ فبعدما
فشلت الاتهامات الكاذبة والتهديد، وفشله
بمقارعة موسى عليه السلام بالحجة؛ فهم
(٣) تفسير السمعاني ٢٦٠/٥.
(٤) التحرير والتنوير ١٢٥/٢٤.
٢٧٠
جَوَسوبر
الْقُرآن الكَرِيمِ