Indexed OCR Text

Pages 41-48

الفرح
ولا شك أنهم وقعوا في ذلك بسبب
الفراغ وضعف الإيمان والبعد عن ذكر الله
تعالى، ومصاحبتهم لجلساء السوء الذين
يزينون لهم بعض المحرمات.
عن جابر بن سمرة کنت أجالس رسول
الله صلی الله علیه وسلم کثیرًا، وكان لا
يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح
حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، فكانوا
يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية
فیضحكون ويبتسم(١).
فالنبي صلى الله عليه وسلم قدم عبادة
الله تعالى على الفرح كما ظهر من الحدیث.
ثالثًا: ألا يكون في فرحه سخرية
واستهزاء بالناس:
السخرية والاستهزاء بالناس من الكبائر،
يقول تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ
مِّن قَوْمٍ عَسَوَ أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن
نِسَآءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرٌ مِنْهُنَّ وَلَا نَلْمِزُواْ أَنْفُسَكُمْ
وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ بِئْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ
اَلْإِيمَنَّ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأَوْلَئِكَ هُ الظَّالِمُونَ
=
[الحجرات: ١١].
قال ابن كثير: ((المراد من ذلك احتقارهم
واستصغارهم والاستهزاء بهم، وهذا حرام،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب فضل الجلوس في
مصلاه بعد الصبح، ١ / ٤٦٣، رقم ٦٧٠.
ويعد من صفات المنافقين)) (٢)
.
ويقول الطبري: ((اللمز باليد والعين
واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلا
باللسان)» (٣).
وعن الحسن: (إن المستهزئين بالناس
ليفتح لأحدهم باب الجنة فيقال: هلم،
فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أغلق دونه)(٤).
ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن السخرية بالمسلمين فعن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا،
ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع
بعضٍ، وكونوا عباد الله إخوانًا المسلم أخو
المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره
التقوى هاهنا) ويشير إلى صدره ثلاث
مراتٍ (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه
المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ،
دمه، وماله، وعرضه)(٥).
رابعًا: أن لا يكون في فرحه ترويع
للمسلمين:
قال ابن أبي ليلى: «حدثنا أصحاب محمد
(٢) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣٧٦.
(٣) جامع البيان ٢٤/ ٥٩٧.
(٤) انظر: شعب الإيمان، البيهقي ٣١٠/٥، رقم
٦٧٥٧.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم،
٤ / ١٩٨٦، رقم ٢٥٦٤.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف الفاء
صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع واللعب. فمن الغلط العظيم أن يتخذ الفرح
حرفة»(٥).
النبي صلی الله عليه وسلم، فنام رجل منهم
فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع»
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا
يحل لمسلم أن يروع مسلمًا)(١).
و کذلك قوله صلی الله عليه وسلم: (لا
يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا)(٢).
لقوله: صلی الله عليه وسلم (لا ضرر
ولا ضرار)(٣).
والحرام غلب الحرام(٤).
خامسًا: ألا يكثر من الفرح المباح:
ينبغي ألا يداوم على الفرح؛ لأن الجد
سمات المؤمنين، وما الفرح إلا رخصة
وفسحة لاستمرار النفس في أداء واجبها،
فبعض الناس لا يفرق بين وقت الجد
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
من يأخذ الشيء على المزاح، ٤ /٤٥٨، رقم
٥٠٠٦.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٢٦٨/٢، رقم ٧٦٥٨.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
من يأخذ الشيء على المزاح، ٤ /٤٥٨، رقم
٥٠٠٥.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع،
١٢٥٧/٢، رقم ٧٥٧٨.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٣٨/٣٧، رقم
٢٢٧٧٨.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
٤٩٨/١.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١١٩/٤.
مُوسُو ◌َرَ
جوبيبو
قال تعالى: ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا يَبْكُونَ ))﴾
[النجم: ٦٠].
والمذموم من الضحك ما كان مصحوبًا
بصوت ويسمى القهقهة، وذلك لما يترتب
علیه من آثار سيئة، كموت القلب وذهاب
الهيبة وضياع الوقت.
قال الماوردي: ((وأما الضحك فإن
والقاعدة الشرعية: إذا اجتمع الحلال اعتياده شاغل عن النظر في الأمور المهمة،
مذهل عن الفكر في النوائب الملمة وليس
لمن أكثر منه هيبة ولا وقار، ولا لمن وصم
به خطر ولا مقدار» (٦).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
من كثر ضحكه قلت هيبته. وقال علي بن
أبي طالبٍ رضي الله عنه: إذا ضحك العالم
ضحكةً مج من العلم مجةً (٧).
وعن ابن عباس في تفسير قوله تعالى:
مال هذا الكتاب ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَاَ كَبِيرَةً
إِلَّا أَحْصَنَهَا﴾ [الكهف:٤٩].
((إن الصغيرة الضحك)) (٨).
سادسًا: ألا يكون الفرح فيه غيبة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم في
(٥) إحياء علوم الدي، الغزالي ١٢٩/٣.
(٦) أدب الدنيا والدين ص ٣١٣
(٧) المصدر السابق.
(٨) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٥٢١.
٢٤٤
القرآن الكريم

الفرح
تعريف الغيبة (ذكرك أخاك بما يكره) (١).
وقال تعالى: ﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا
مِّنَ النَّنِ إِنَّ بَعْضَ اَلَّنِّ إِنْرٌ وَلَا تَهْتَسُواْ وَلَا يَغْتَب
بَعْضُكُمْ بَعْضَاً أَيُحِتُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ
أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوَةٌ وَأَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ الَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ
[الحجرات: ١٢].
١٢
وما أروع هذا التمثيل حیث یقول الله:
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
مَيْنًا﴾ وحقا من ولغ في العرض فكأنه أکل
اللحم من أخیه وهو میت لا يقدر على رده،
و کذلك المغتاب في غيبة أخیه ینهش من
عرضه وهو لا يستطيع رده، فهذا أسلوب
غاية في التنفير من الغيبة، ثم أتبع ذلك
ربنا جل جلاله بقوله: فكرهتموه فقد صور
المغتاب بصورة من يحب شيئا، حقه أن
یکون في غاية الكراهية وهو أكل لحم الأخ،
وزاده أن صوره بصورة الميت، وحقه أن
یکون منه أنفر (٢).
فالغيبة عادة مرذولة، وصفة مستهجنة،
كثيرا ما أودت بالصلات، وأثارت الأحقاد،
وشتتت من جمع، وفرقت من شمل، وهي
مع هذا عذابها شديد وعقابها أليم، وهي
بالفساق أولى فاتقوا الله واجتنبوها وهل
يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تحريم الغيبة، ٤ /٢٠٠١، رقم
٢٥٨٩.
(٢) انظر: التفسير الواضح، الحجازي ٥١٠/٣.
(٣)
ألسنتهم .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها
تکفر اللسان فتقول: اتق الله فينا؛ فإنما نحن
بك: فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت
اعوججنا)(٤).
(الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا
یمکن الوصول إلیه إلا بها وهو ستة أسباب
فهو سماها غيبة يقول: تباح، لكن في
الحقيقة هي ليست غيبة هذه: نصيحة، لكن
لما كان بعض الناس يرى أنها غيبة تسامح
في إطلاق الغيبة عليها وعلى فرض أنها غيبة
فإنها مباحة بل واجبة.
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم
إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له
ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه،
فیقول: ظلمني فلان بکذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد
العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو
قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا،
فازجره عنه ونحو ذلك ويكون مقصوده
التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد
(٣) المصدر السابق.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد،
باب ما جاء في حفظ اللسان، ٤ /٦٠٨، رقم
٢٤٠٧.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١٢٤/١،
رقم ٣٥١.
www. modoee.com
٢٤٥

حرف الفاء
ذلك کان حرامًا.
الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتي:
ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي، أو فلان
بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص
منه، وتحصيل حقي، ودفع الظلم؟ ونحو
ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط
والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو
شخص، أو زوج، كان من أمره كذا، فإنه
يحصل به الغرض من غير تعيين ومع ذلك،
فالتعیین جائز كما سنذكره في حديث هند
إن شاء الله تعالى.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر
ونصیحتهم، وذلك من وجوه:
منها: جرح المجروحين من الرواة
والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين،
بل واجب للحاجة.
ومنها: المشاورة في مصاهرة إنسان،
أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو غير
ذلك، أو مجاورته، ويجب على المشاور أن
لا يخفي حاله، بل یذکر المساویء التي فيه
بنية النصيحة.
ومنها: إذا رأی متفقها يتردد إلى مبتدع،
أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر
المتفقه بذلك، فعلیه نصيحته ببيان حاله،
بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط
فيه. وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد،
ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه
نصيحة فلیتفطن لذلك.
ومنها: أن يكون له ولایة لا يقوم بها على
وجهها، إما بأن لا یکون صالحا لها، وإما بأن
یکون فاسقا، أو مغفلا، ونحو ذلك فيجب
ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله،
ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله
بمقتضى حاله، ولا يغتر به، وأن یسعی في أن
یحثه على الاستقامة أو يستبدل به.
الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو
بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة
الناس، وأخذ المكس؛ وجباية الأموال
ظلما وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما
يجاهر به؛ ويحرم ذكره بغيره من العيوب،
إلا أن یکون لجوازه سبب آخر.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان
معروفا بلقب، كالأعمش، والأعرج،
والأصم، والأعمى، والأحول، وغيرهم
جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على
جهة التنقص، ولو أمکن تعریفھم بغير ذلك
كان أولى)»(١).
سابعًا: ألا يكون الفرح في تبذير للمال:
قال تعالى ﴿وَءَاتٍ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ.
وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْدِيًّا ) إِنَّ
الْمُبَذِّرِينَ كَانُّواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
[الإسراء: ٢٦-٢٧].
لِرَبِّهِ، كَفُورًا )
(١) رياض الصالحين، النووي ص٤٣٢.
٢٤٦
القرآن الكريمِ

الفرح
وهذا في أمر واجب وهو الإنفاق على
ذي القربى والمسكين وابن السبيل فكيف
الحال في الأفراح التي ينفق فيها المال على
المنكرات.
ثامنًا: ألا يكون الفرح في اختلاط بين
الرجال والنساء:
وهذا يفضي إلى من النظر المحرم،
والخلوة المحرمة، بالإضافة إلى أنه قد
يكون ذريعة لمخالفات شرعية أكبر، والله
تعالی قد نھی عن مجرد قرب الزنا ولم
يقتصر على تحريم الزنا، بل القربان فقد
قال تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً
وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢].
قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ
أَبْصَدِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَ لَمُّ
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ
إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾)
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
[النور: ٣٠-٣١].
وكذلك يجب على أفراحنا أن تخلو
من المعازف لقوله صلى الله عليه وسلم:
(ليكونن من أمتي أقوامٌ، يستحلون الحر
والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوامٌ
إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحةٍ لهم،
یأتیھم - يعني الفقير - لحاجةٍ فیقولون:
ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العلم،
ويمسخ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم
القيامة)(١).
تاسعًا: ألا يكون الفرح في الميسر:
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَّرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠].
قال صلى الله عليه وسلم (من لعب
بالترد فقد عصی الله ورسوله)(٢).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من
لعب بالتردشير فكأنما غمس يده في لحم
الخنزير)(٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة،
باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير
اسمه، ٧/ ١٠٦، رقم ٥٥٩٠.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب
اللعب بالفرد، ١٢٣٧/٢، رقم ٣٧٦٢.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع،
١١١٣/٢، رقم ٦٥٢٩.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الشعر، باب
تحريم اللعب بالنردشير، ٤ / ١٧٧٠، رقم
٢٢٦٠.
www. modoee.com
٢٤٧

حرف الفاء
الفرح بين القرآن وعلم النفس
الفرح انفعال فطري محله القلب، یمدح
ويذم بحسب تعلقه، لذا اهتم الإسلام به؛
ليجعله فرحًا محمودًا.
إن مفهوم الفرح لم يستطع أحد من علماء
النفس، أن يقدموا له تعريفًا جامعًا مانعًا،
فعبروا عنه أحيانًا بأنها ضد الشقاوة، أو ضد
التعاسة، أو قالوا ضد النحوسة، ولكن اتفقوا
بما فيهم فلاسفة المسلمين على أن الفرح
هو جنة الأحلام التي ينشدها کل بشر، وزاد
المسلمون على أنها تتحقق من خلال اتباع
منهج الإسلام الذي يأمر بالسيطرة على
الشهوات البدنية ومجاهدة النفس.
١. يرى سقراط أن الفرح يتحقق بالسير في
طريق الفضيلة.
٢. وقال أفلاطون الفرح سلامة النفس
وليس في سلامة البدن، وهي في
فضائل الحكمة والشجاعة والعفة
والعدل.
٣. وأما أرسطو فيعتبر الفرح هبة من
الله يحصل عليها الإنسان عندما يسير
في طريق الفضيلة ويعمل الخير (١).
وأما علماء النفس من المسلمين:
قال ابن سينا اعتقد أن السعيد في الدنيا
سيكون سعيدًا في الآخرة، لأن سعادة الدنيا
(١) انظر: تحصيل السعادات، الفارابي ص٤٩.
وإن كانت أدنى من الآخرة إلا أنها توصل
إليها وتتكون سعادة الإنسان في الدنيا من
نوعين من اللذات: لذات حسية مرتبطة
بشهوات البدن، ولذات معنوية مرتبطة
بحاجات النفس وهي أفضل وأرقی، وعرف
الفرح: بأنها البقاء السرمدي في الغبطة
الخالدة في جوار من له الخلق والأمر تبارك
وتعالى (٢).
دعا الكندي إلى الرضا في كل الأحوال
من أجل الفرح، والسرور، والقناعة بأخذ
القدر الذي يحتاجه الإنسان من مطالب
البدن دون ألم علی ما فاته (٣).
رأى ابن مسكويه أن الفرح تتحقق في
تحصيل اللذات المادية والمعنوية معًا،
ويصحة النفس وصحة الجسم معًا، وقسم
الفرح إلى نوعين: أهمهما الفرح الأخلاقية،
ويحصل عليها الإنسان عندما یعیش في خير
دائم مطلق (٤).
وعرف ابن مسكويه الفرح فقال: هي
تمام الخيرات وغاياتها، والتمام: هو الذي
إذا بلغنا إليه لم نحتج معه إلى شيء آخر (٥).
وقسم أبو حامد الغزالي: الفرح إلى
(٢) انظر: السعادة وتنمية الصحة النفسية، كمال
مرسي ١/ ٢٥-٢٧.
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) الموسوعة الفلسفية العربية والاصطلاحات
والمفاهيم، د.معن زيادة ٤٧٨/٢.
٢٤٨
جَوَسُو ◌َرَ النَّقِين
القرآن الكريمِ

الفرح
قسمین:
٤. الملذات الحسية أو المادية
والمرتبطة بإشباع حاجات الجسم.
٥. الملذات النفسية أو المعنوية: وهي
أرقى من الملذات الحسية، ويحصل
عليها الإنسان من إشباع حاجاته النفسية
والاجتماعية والدينية، ويرى الغزالي
أن أسعد الناس في الدنيا أكثرهم معرفة
بالله، والفرح الحقيقي عنده هو الفرح
الأخروي فهو الفرح الدائم والسرور
الذي لا غم فيه، والعلم الذي لا جهل
فیه (١).
وخلاصة القول في الفرح عند علماء
النفس أنه ليس بالأمر الهين، أن نعثر على
الفرح فهو أمر داخلي يتأثر بما يدور حوله
في الخارج.
فالفرح: هو ذلك الشعور المستمر
بالغبطة والطمأنينة والأريحية والبهجة، هذا
الشعور يأتي نتيجة الإيمان بالله والرضا عن
الله وقضائه وقدره بقناعة وصبر في شعارنا
الدائم ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) وبذلك
يكون الإنسان في حالة صلح مع خالقه
ومع نفسه، ثم مع الناس في طهر ونور وخیر
وأمل وحلم. لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ
ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ، مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ, يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ أَعْمَى (٣)﴾ [طه: ١٢٤].
(١) انظر: المصدر السابق ١/ ٩٧٨ -٩٧٩.
وأما في القرآن الكريم فقد ذكر السبب
الأول في جلب الفرح الحقيقي للإنسان في
الدنيا والآخرة.
فقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ
نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدُ
الَّذِينَ شَقُواْ فَفِىِ النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ
خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا
مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ
١٠٧
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ
السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءُ غَيْرَ
تَجْذُونٍ )
١٠٨)﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨].
وقال الألوسي نقلًا عن الراغب: في
الفرح هو «معاونة الأمور الإلهية للإنسان
على نيل الخير ويضادها الشقاوة، وفسر
الشقاوة بنكد العيش وسوئه، فالشقي
والسعيد هما المتصفان بما ذكر وفسر غير
واحد الأول: بمن استحق النار بمقتضى
الوعيد، والثاني: من استحق الجنة بموجب
الوعد، وهذا هو المتعارف بين الشرعيين،
وتقديم الشقي على السعيد لأن المقام مقام
الإنذار والتحذير)) (٢).
فالشقاوة قوة أسباب البلاء، والفرح:
((قوة أسباب النعم، ومعنى الآية ها هنا عند
أهل السنة، فمنهم شقي سبقت له الشقاوة،
ومنهم سعيد سبقت له الفرح، وقال بعضهم:
إن الفرح والشقاء ها هنا في الرزق والحرمان
(٢) روح المعاني، الألوسي ٦/ ٣٣٥.
www. modoee.com
٢٤٩

حرف الفاء
وفسر بعضهم: الشقاوة بالعمل السيء
والفرح بالعمل الحسن والمأثور الصحيح
هو الأول (١).
قال لبيد (٢):
فمنهم سعید آخذ بنصيبه
ومنهم شقي بالمعيشة قائع
قال سيد قطب ((ونشهد الذين سعدوا،
نشهدهم في الجنة لهم فيها عطاء دائم غير
مقطوع ولا ممنوع))(٣).
ويقول السعدي في تفسير قوله تعالى
﴿فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ((والأشقياء هم
الذين كفروا بالله وكذبوا رسله وعصوا
أمره، والسعداء هم المؤمنون المتقون)) (٤
وأما الشعراوي فقال في تفسير قوله
تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾: جاء بالاسم
المحدد لكل من القسمين شقي وسعيد، لأن
الاسم يدل على الثبوت، فالشقاء ثابت
لمن نعت بالشقي، والفرح ثابتة لمن نعت
بالسعيد(٥).
والفرح حقيقة نفسية في القلوب الصافية،
وهو فرح الالتقاء على الحق، وزيادة اليقين
بصحة ما لديهم، ومؤازرة الكتاب الكريم له.
(١) انظر: تفسير السمعاني ٢ /٤٥٨ -٤٥٩.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٩/ ١٥٠.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٩٢٩/٤.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٤٦
(٥) انظر: تفسير الشعراوي ١١ / ٦٦٨٢.
موضوعات ذات صلة:
البشرى، البكاء، الحزن، الرضا، السعادة،
الغم
٢٥٠
جَوَنُو ◌َرَ النَّفِيَّة
القرآن الكريم