Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
د
الفرح
عناصر الموضوع
مفهوم الفرح
٢٠٤
الفرح في الاستعمال القرآني
٢٠٦
الألفاظ ذات الصلة
٢٠٨
حقيقة الفرح
٢١٣
أنواع الفرح
٢٢٧
دوافع الفرح
٢٣٥
أساليب القرآن في الحديث عن الفرح
٢٤٢
ضوابط الفرح
٢٤٨
الفرح بين القرآن وعلم النفس
٢٠٥
المُجَلَّ السَّادِسْ وَالعشْرُونْ
حرف الفاء
مفهوم الفرح
أولًا: المعنى اللغوي
الفرح: مصدر قولهم: فرح يفرح، هو خلاف الحزن يقال: فرح بكذا فهو فرح، ويطلق
الفرح أيضًا: على البطر، ويقال: رجل فَرِح وفَرْ حَان وامرأة فَرِحة وفَرْحَى(١).
والمفراح: الذي يفرح كلما سره الدهر. وهو الكثير الفرح، وقد أفرحه وفرحه.
والفَرْحة: المسرة، والفرحة أيضًا: ما تعطيه المفرح لك أو تثيبه به مكافأة له. وفي حديث
التوبة: (لله أشد فَرَحًا بتوبة عبده)(٢)، وصفة الفرح ثابتة لله عز وجل كما يليق بجلاله
وكماله(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب الأصفهاني: الفرح انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون في اللذات
البدنية والدنيوية (٤).
وقال المناوي: ((الفرح: انفتاح القلب بما يلتذ به)) (٥).
وقال الكفوي: ((الفرح ما يورث أشرا أو بطرا، ولذلك كثيرا ما يذم كقوله تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. ويتولد هذا عن القوة الشهوية. وقيل: شرح الصدر بلذة
عاجلة، وقيل: لذة القلب لنيل المشتهى)) (٦).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٤١/١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، ٢١٠٣/٤، رقم
٢٧٤٤.
(٣) انظر: تهذيب اللغة ٢٠/٥، الصحاح، الجوهري ١/ ٣٩٠، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٤٩٩، لسان
العرب، ابن منظور ٥٤١/٢.
(٤) المفردات، ص ٣٧٥، الذريعة في مكارم الشريعة، الراغب الأصفهانى ص ٣٣٩.
(٥) التوقيف على مهمات التعريف ص ٢٥٨.
(٦) الكليات، الكفوي ص ٥٠٨.
جَوَنُور
القرآن الكريمِ
٢٠٤
الفرح
الفرح في الاستعمال القرآني
ورد الجذر (فرح) في القرآن الكريم (٢٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٧
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ
[التوبة: ٨١]
الفعل المضارع
٩
﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ اَلْمُؤْمِنُونَ ﴾ [الروم: ٤]
﴿إِنَّهُ لَفَرٌِ فَخُورُ ﴾ [هود: ١٠].
صفة مشبهة
٦
٣٢) ﴾ [الروم: ٣٢]
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ {
وجاء الفرح في القرآن على ثلاثة أوجه(٢):
الأول: البطر: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورُ﴾ [هود: ١٠]. يعني: بطر فخور.
الثاني: الرضا: ومنه قوله تعالى: ﴿ وَفَرِحُواْ بِالَّوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٢٦]. يعني: رضوا بها.
الثالث: السرور: ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ
بِهَا﴾ [يونس: ٢٢]. يعني: سروا بها.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٥١٤.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٥٩ - ٣٦٠.
www. modoee.com
٢٠٥
حرف الفاء
الألفاظ ذات الصلة
١
السرور :
السرور لغة:
يقال: سررت برؤية فلانٍ وسرني لقاؤه، وقد سررته أسره أي فرحته، السرور خلاف
الحزن؛ تقول: سرني فلانٌ مسرةً، والسرور: ما ينكتم من الفرح (١).
السرور اصطلاحًا:
((حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد وعلم أو ظن لحصول شيء لذيذ))(٢).
وقيل: هو انشراح الصدر بلذة فيها طمأنينة الصدر عاجلًا وآجلاً(٣).
الصلة بين الفرح والسرور:
هناك تقارب في المعنى بين الفرح والسرور إلى حد كبير، بحيث يصعب التفريق بينهما
وفرق أبو هلال العسكري بينهما فقال: ((الفرق بين السرور والفرح؛ أن السرور لا يكون إلا
بما فيه نفع أو لذة على الحقيقة، وقد يكون الفرح بما ليس بنفع أو لذة: كفرح الصبي بالرقص
والعدو والسباحة وغير ذلك مما يتعبه ويؤذيه، ولا يسمى ذلك سرورًا))(٤).
الحبور:
٢
الحبور لغة:
هو السرور. الحيرة: النعمة التامة (٥).
والحبور من الحبرة وهو الفرح، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾[الروم: ١٥] (٦).
الحبور اصطلاحًا:
المبالغة فيما وصف بجميل
(٧)
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ /٣٦١.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٩٣.
(٣) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٦٢٨.
(٤) انظر: الفروق اللغوية ص ٢١٩.
(٥) الصحاح، الجوهري ٢/ ١٨٣، تاج العروس، مرتضى، الزبيدي ١٠/ ٥٠٦.
(٦) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ١٢٧.
(٧) المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٣١٦/٣.
٢٠٦
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الفرح
الصلة بين الحبور والفرح:
قيل: الفرح: انبساط القلب لنيل محبوب أو توقعه، والحبور: السرور الذي يظهر في
الوجه أثره، فهو أشد من الفرح، ولذا خاطب الله تعالى أهل الجنة بقوله ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ
لزخرف: ٧٠].(١)
أَنْتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ تُحْبَرُونَ
البشرى:
٣
البشرى لغة:
هي الخبر السار وكذلك البشارة، يقال: بشرته فأبشر واستبشر وتبشر وبشر فرح (٢).
البشرى اصطلاحًا:
اسم لخبر يغير بشرة الوجه مطلقا سارا كان أو محزنا إلا أنه غلب استعماله في الأول
وصار اللفظ حقيقة له بحكم العرف حتى لا يفهم منه غيره (٣).
الاستبشار في الاصطلاح:
البشارة: هي الخبر الصدق السار الذي ليس عند المخبر به علمه (٤) ووجود المبشر به
وقت البشارة ليس بلازم بدليل قوله تعالى ﴿ وَبِثَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ﴾ [الصافات: ١١٢].
الصلة بين البشرى والفرح
البشارة إذا كانت في الخير، فإنه تورث الفرح والسرور.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١ / ١٩٧.
(٢) انظر: المحكم والمحيط، ابن سيده ٥٩/٨، المصباح المنير، الفيومي ص ٣١
(٣) انظر: الكليات، الكفوي ص ٢٣٩
(٤) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
٢٠٧
حرف الفاء
حقيقة الفرح
أولًا: صفة الفرح في حق الله تعالى:
من الصفات الثابتة لله تعالى صفة الفرح
فهي صفةٌ فعليةٌ خبريةٌ ثابتةٌ بالأحاديث
الصحيحة، أثبتها النبي صلى الله عليه
وسلم، وهذه الصفة من صفات الله تعالى
لها معنی وأثرٌ.
جاء في صحيح مسلم عن الحارث بن
سويدٍ، قال: دخلت على عبد الله أعوده
وهو مریضٌ، فحدثنا بحدیثین: حديثًا عن
نفسه، وحديثًا عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله
علیه وسلم، يقول: (لله أشد فرحا بتوبة عبده
المؤمن، من رجلٍ في أرضٍ دويةٍ مهلكةٍ، معه
راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ
وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش،
ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه،
فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده
ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده
وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد
المؤمن من هذا براحلته وزاده) (١).
فصفة الفرح من الصفات الفعلية الخبرية
التي انفردت بها السنة دون الكتاب، وهي
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب
في الحض على التوبة والفرح بها، ٢١٠٣/٤،
رقم ٢٧٤٤.
ثابتة بالسنة الصحيحة التي تلقاها أهل السنة
بالقبول، وعقد إجماعهم استنادًا إليها على
إثباتها، وهذه الصفة تدل بالتضمن على
لطف الله بعباده ورحمته لهم، حيث يوفق
من يشاء من عباده ليتوبوا فإذا تابوا تقبل
توبتهم وفرح بها فرحًا شديدًا ولطيفًا في
وقت واحد، إذ يرد إليه عباده الشاردين من
طاعته لئلا يضيعوا، وهو الذي لا تضره
معصيتهم ولا تنفعه طاعتهم(٢).
ففي هذا الحديث إثباتٌ لصفة الفرح
لله تعالى، وشبه النبي صلى الله عليه وسلم
فرح الله تعالى بتوبة عبده بفرح الذي ضلت
راحلته وعليها طعامه وشرابه في أرض
صحراء مهلكة، لا ماء فيها ولا طعام، فأيس
منها، فنام وأيقن بالموت والهلاك، فاستيقظ
فوجدها قائمة عند رأسه، فالله أشد فرحا من
هذا براحلته.
قال ابن القيم: ((والفرح صفة كمال،
ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه
وأكملها، كفرحه بتوبة التائب أعظم من
فرحة الواجد لراحلته التي عليها طعامه
وشرابه في الأرض المهلكة)) (٣).
قال الهراس: عند شرحه لهذا الحديث
((وفي هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله
عز وجل، والكلام فيه كالكلام في غيره
(٢) انظر: الصفات الإلهية في الكتاب، محمد
أمان بن علي جامي علي ص ٢٩٧.
(٣) مدارج السالكين، ابن القيم ١٥٨/٣.
٢٠٨
جَوَسُوع
القرآن الكريم
الفرح
من الصفات، أنه صفة حقيقية لله عز وجل
على ما يليق به، وهو من صفات الفعل
التابعة لمشيئته تعالی وقدرته، فیحدث له
هذا المعنی المعبر عنه بالفرح عندما يحدث
عبده المثوبة والإنابة إليه، وهو مستلزم
لرضاه عن عبده التائب، وقبوله توبته.
وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع،
فقد یکون فرح خفة، وسرور، وطرب، وقد
یکون فرح أشرٍ وبطر، فالله عز وجل منزه
عن ذلك کله، ففرحه لا یشبه فرح أحد من
خلقه، لا في ذاته، ولا في أسبابه، ولا في
غاياته، فسببه كمال رحمته وإحسانه التي
يحب من عباده أن يتعرضوا لها، وغايته
إتمام نعمته على التائبين المنيبين)) (١).
وأما تفسير الفرح بلازمه، وهو الرضا،
وتفسير الرضا بإرادة الثواب، فكل ذلك نفيٌ
وتعطيل لفرحه ورضاه سبحانه أوجبه سوء
ظن هؤلاء المعطلة بربهم، حيث توهموا أن
هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق،
تعالى الله عن تشبيههم وتعطيلهم (٢).
قال المناوي: «في الحدیث إظهار صفة
الكرم والحلم والغفران، ولو لم يوجد لا تثلم
طرفٌ من صفات الألوهية، والإنسان إنما
هو خلیفة الله في أرضه، يتجلى له بصفات
(١) شرح العقيدة الواسطية ص ١٦٦
(٢) انظر: عقيدة السلف أصحاب الحديث،
الصابوني ص ٥.
الجلال والإكرام والقهر واللطف»(٣).
فمن صفات الله تعالى الفرح والغضب
والسخط. وغيرها، واحتجاج أصحاب
الفرق الضالة، بأن هذا انفعال وتأثير من
العبد، والمخلوق لا يؤثر في الخالق، فلو
أغضبه أو فعل ما یفرح به لکان المحدث قد
أثر في القدیم.
فالله تعالى خالق كل شيء، وربه
ومليكه، فهو سبحانه خالق الأسباب التي
ترضيه وتغضبه، وتسخطه وتفرحه، فهو
سبحانه خالق ذلك كله، والمخلوق أعجز
من أن يؤثر فيه(٤).
فالسلف الصالح لا يؤولون ولا يلحقون
صفة بأخرى، وإنما يثبتونها لله تعالى كما
هي، وما أثبتها الله تعالی لنفسه، و کما أثبتها
له رسوله.
قال البغوي «فهذه ونظائرها صفاتٌ لله
تعالی ورد بها السمع، يجب الإيمان بها
وإمرارها على ظاهرها، معرضا فيها عن
التأويل، مجتنبا عن التشبيه، معتقدا أن الباري
سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته
صفات الخلق، کما لا تشبه ذاته ذوات، قال
الله سبحانه وتعالى ﴿لَيَسَ كَمِثْلِهِ شَى
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١])(٥).
فالفرقة الناجية، من أهل السنة والجماعة،
(٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير ٣٠٥/٥.
(٤) انظر: الصواعق المرسلة ١٤٦٣/٤
(٥) معالم التنزيل، البغوي ١٨/١.
www. modoee.com
٢٠٩
حرف الفاء
يؤمنون به من غير تحريف ولا تعطيل ولا كان منطلقًا، فيجوز إطلاق ذلك كما جاز
تكييف ولا تمثيل، وهؤلاء هم الوسط في إطلاق الفرح (٤).
فرق الأمة، كما أن الأمة المرحومة هي
الوسط في الأمم، فهم وسط الأمة في باب
التمثيل المشبهة)) (١).
ومن الصفات القريبة لصفة الفرح،
البش فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله
عليه وسلم، قال: (ما توطن رجلٌ مسلمٌ
المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشيش الله
له، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم
علیھم)(٢).
فقال ابن حبان (العرب إذا أرادت وصف
شيئين متباينين على سبيل التشبيه أطلقتهما
معا بلفظ أحدهما، وإن كان معناهما في
الحقیقة غیر سیین. فتبشبش الله جل وعلا
لعبده الموطن المكان في المسجد للصلاة
والخير؛ إنما هو نظره إليه بالرأفة الرحمة
والمحبة لذلك الفعل منه)) (٣).
والبشبشة؛ معناها يقارب معنى الفرح،
والعرب تقول: رأيت لفلان بشاشة وهشاشة
وفرحًا، ويقولون: فلان هش بش فرح، إذا
(١) شرح العقيدة الواسطية، هراس ص ١٨٢
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب المساجد
والجماعات، باب لزوم المساجد وانتظار
الصلاة، ٩٩/٢، رقم ٨٠٠.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٩٨١،
رقم ٥٦٠٤.
(٣) صحيح ابن حبان ٤/ ٤٨٥.
وقال المباركفوري: ((إن هذا الفرح له
شأن لا ينبغي للعبد إهماله والإعراض عنه،
الصفات بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة بالله
وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله)) (٥).
وقد فهم معنى أمثال هذه الصفات،
الرجل الأعرابي الذي قال حينما سمع أن
الله تبارك ينظر إليكم الرب قنطين فيظل
يضحك يعلم أن فرجكم قريب(٦).
فقال له أبو رزين العقيلي یا رسول الله أو
يضحك الرب؟ (قال: نعم قال: لن نعدم من
رپ یضحك خیرًا)(٧).
فجعل الأعرابي العاقل - بصحة فطرته -
ضحكهدليلا على إحسانه وإنعامه؛ فدل على
أن هذا الوصف مقرونٌ بالإحسان المحمود
وأنه من صفات الكمال والشخص العبوس
الذي لا يضحك قط هو مذمومٌ بذلك وقد
قيل في اليوم الشديد العذاب: ﴿إِنَّ نَخَافُ مِن
(٤) انظر: صفات الله عز وجل، علوي السقاف
ص٨٦.
(٥) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، أبو
الحسن المباركفوري ٨/ ٦.
(٦) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح
البخاري، عبد الله بن محمد الغنيمان ٢/ ٩٠.
(٧) أخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب في
فضائل أصحاب رسول الله، باب فيما أنكرت
الجهمية ١/ ١٨٣ رقم ١٧٩.
وحسنه ابن تيمية، كما في مجموع فتاوى ابن
تيمية ٣/ ١٣٩.
جَوَسُولَةُ التَّفِيـ
الْقُرْآن الكَرِيمِ
٢١٠
الفرح
◌َّيِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَطَرِيرً﴾ [الإنسان: ١٠](١).
والمسلم حین یعلم أن من صفات الله
تعالى الفرح والبش، والضحك فعليه أن
يزداد إيمانا بربه، ويزداد حبا وتقربا إليه،
ويكون لسان حاله يقول كما قال الأعرابي
«لن نعدم من رب یضحك خیرًا».
ثانيًا: الفرح طبيعة إنسانية.
الفرح هو واحد من تلك العواطف
والمشاعر القلبية، ولازم من لوازم الطبيعة
الإنسانية فقد اعتنى القرآن ببيان أحواله،
واعتنى بتوجيهه وضبط مساره، بل إن القرآن
قد ارتقى به إلى مصاف الأعمال القلبية
المطلوبة من أهل الإيمان.
فقد وجه القرآن الكريم المشاعر القلبية
توجيهًا صحيحًا، ونظمها على أساس من
التوازن والفاعلية المثمرة والفرح واحد
من عدة انفعالات أساسية للنفس البشرية،
وهي: الفرح، والحزن، والحب، والكره،
والرغبة، والتعجب(٢).
والفرح الفطري المعروف، كغيره
من الانفعالات التي خلقت مع الإنسان،
وجبلت عليها النفس، فما من إنسان إلا وهو
یفرح ويحزن(٣).
(١) انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية ٦/ ١٢١.
(٢) انظر: انفعالات النفس، ديكارت ص٥١.
(٣) انظر: المدخل إلى عالم النفس الإسلامي،
سبیعي ٢/ ٣٤.
والإنسان بصفة عامة غير متزن تجاه
انفعالاته، وما یعرض له، ویتأثر به، وهذ ما
أكده القرآن الكريم فقال تعالى:
إِنَّ
الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا (
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِينَ
٢٢
[المعارج: ١٩- ٢٢].
وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةٌ
فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَبِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَبْدِهِمْ إِذَا
هُمْ يَقْنَطُونَ (٦)﴾ [الروم: ٣٦].
لقد عزى الله تعالى المؤمنين رحمة
بهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم
بأن أسفهم على فوت المطلوب لا يعيده،
وفرحهم بحصول المحبوب لا يفيده، وبأن
ذلك لا مطمع في بقائه إلا بإدخاره عند الله
تعالى وذلك بأن يقول: المصيبة قدر الله
تعالى وما شاء فعل ويصبر؛ وفي النعمة
هكذا قضی وما أدري مآله هذا من فضل ربي
ليبلوني أأشكر أم أكفر فلا يزال خائفًا عند
النعمة قائلًا في الحالين ما شاء الله تعالى
كان وما لم يشأ لم يكن، وأكمل من هذا أن
یکون مسرورًا بذكر ربه في كلتا الحالتين،
وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات المغيرة
فمن لم يتغير بالمضار ولم يتأثر بالمسار فهو
سید وقته.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس
من أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن المؤمن
يجعل مصيبته صبرًا وغنيمته شكرًا والحزن
www. modoee.com
٢١١
حرف الفاء
والفرح المنهي عنهما هما اللذان تتعدى
فيهما إلى ما لا يجوز))(١).
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَتِرُكُ فِ اَلْبَرِّ وَالْبَعْرِ
حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجِ طَيِّبَةِ
وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ
اَلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُواْ أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
دَعَوُاَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَيِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ،
﴾ [يونس: ٢٢].
٢٢
لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِينَ
فالله تعالى بقدرته یحملکم في البر على
الدواب، وفي البحر على السفن التي تسير
على وجه الماء، حتى إذا كنتم في البحر
علی ظهور هذه السفن وجرین بهم بالربح
اللينة الطرية التي تسير السفن فمن فطرتهم
فرحوا بها، وفجأة جاءتها ربح عاصف أي:
جاءتها الريح الشديدة العاصفة المدمرة
﴿وَجَآءُ هُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ أي وأحاطت
بهم أمواج البحار من كل جهة ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ
أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي أيقنوا بالهلاك رجعوا إلى
طبيعتهم فدعوا الله مخلصين له الدين،
أي: أخلصوا الدعاء لله وتركوا ما كانوا
يعبدون(٢).
قال القرطبي: ((وفي هذا دليل على أن
الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في
الشدائد، وأن المضطر یجاب دعاؤه وإن
كان كافرًا، لانقطاع الأسباب، ورجوعه
(١) انظر: السراج المنير، الشربيني ٢٢٣/٤.
(٢) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ٥٤٠.
جوية
القرآن الكريم
إلى رب الأرباب، ﴿لَيِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ،
لَنَكُونَنَ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ أي: لئن أنقذتنا من
هذه الشدائد والأهوال لنكونن من الشاكرين
لك على نعمائك، والعاملين بطاعتك
ومرضاتك)»(٣).
ومعنى الإخلاص إفراده بالدعاء من
غير إشراك أصنام وغيرها وقال الحسن:
مخلصين لا إخلاص إيمان ولكن لأجل
العلم بأنهم لا ينجيهم من ذلك إلا الله فیکون
ذلك جاريًا مجرى الإيمان الاضطراري
﴿ فَلَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ
اَلْحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣].
أي: فلما خلصهم وأنقذهم إذا هم
يعملون في الأرض بالفساد والمعاصي قال
ابن عباس: يبغون بالدعاء فيدعون غير الله
(٤)
ويعملون بالمعاصي
من طبيعة الناس إظهار الفرحة في
المناسبات ومنه إظهار السرور في العيدين
فهو من شعار الدین وإعلاء أمره، وفیه دلیل
أن العيد موضوع للراحات وبسط النفوس
إلى ما يحل من الدنيا والأكل والشرب
والجماع ألا ترى أنه أباح الغناء من أجل
عذر العيد، فيجوز لهم إظهار الفرحة في
مثل هذا اليوم (٥).
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٥/٨.
(٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ٣٤.
(٥) انظر: الكواكب الدراري، الكرماني ٦٢/٢،
حاشية السندي على سنن ابن ماجه ١ / ٥٨٧.
٢١٢
الفرح
فعن عائشة قالت: (دخل أبو بكر وعندي
جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما
تقاولت به الأنصار یوم بعاث، قالت: ولیستا
بمغنيتين. فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان
في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (يا أبا بكر، إن لكل قوم
عيدا، وهذا عيدنا)(١).
فالفرح: انفعال جبل عليه الإنسان وتلبس
به، ومن الخذلان بقاء النفس على ما جبلت
عليه، فلابد من مقابلة هذا الفرح الفطري
بشيء مكتسب؛ ليضبط هذا الانفعال، وهذا
متوافر في توجيهات الشرع، وهي تؤدي
هذه المهمة خير أداء، هذه المهمة التي
أوكلها الفلاسفة وعلماء النفس إلى الإرادة،
أو المكابدة، أو قوة التفكير فحرص الإسلام
علی تهذيب الفرح وتوجيهه؛ لإبراز الجانب
الإيجابي منه، ولاستثماره بما يعود على
النفس بالخير والسعادة(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا
معصية فيه في أيام العيد، ٢/ ٦٠٧، رقم ٨٩٢.
(٢) انظر: الضوء المنير، ابن القيم ٤٧٩/٣.
أنواع الفرح
بين القرآن الكريم أنواع الفرح فمنه ما
یمدح أو یذم بحسب السیاق الذي ورد فيه،
وهذا يعني أن للفرح أنواعًا ثلاثة:
النوع الأول: المحمود، وهو ما يتعلق
بالدين، وله آثاره الإيجابية.
النوع الثاني: المذموم، وقد تحدث عنه
القرآن الکریم، فذکر صورًا منه، صدرت عن
اليهود والمنافقين والكافرين والمترفين، وله
آثار سلبية كثيرة.
النوع الثالث: الفرح المباح: هذ ينسجم
مع طبيعة الإنسان السوية، مع ضرورة
الاحتراز منه؛ لكيلا يؤدي التساهل فیه إلى
الفرح المذموم.
أولًا: الفرح الممدوح:
إن أسمى درجات الفرح وأفضلها هو
الفرح بالإسلام، فأمر الله به وأثاب عليه،
ومن أعرض عنه كان له الضنك.
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَءَتَّكُمْ
مَوْعِظَةٌ مِّن رَّيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدِّى
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِِّ
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ:
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ
٥٨
[يونس: ٥٧-٥٨].
وعن أبي سعيد الخدري، في تفسير
قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضَّلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ.﴾، قال:
((فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من
www. modoee.com
٢١٣
حرف الفاء
أهله)»(١).
لهم مما يجمعونه من الذهب والفضة،
قال ابن القيم: ((يريد بذلك أمرين؛ والخيل المسومة، والأنعام، والحرث،
الأول: الفضل في نفسه، والثاني: استعداد
المحل لقبوله، كالغيث يقع على الأرض
القابلة للنبات، فيتم المقصود بالفضل
وقبول المحل له.
وهذا الفرح الذي يقتضيه اللفظ؛ هو
بفضل الله وهو هداية الناس للقرآن،
والرحمة هي التوفيق إلى اتباع السنة التي
هي الرحمة في الدنيا والآخرة)»(٢).
قال الرازي في تفسير قوله تعالى ﴿فَذَلِكَ
فَلْيَفْرَحُواْ﴾: ((يفيد الحصر؛ فيجب أن لا
يفرح الإنسان إلا بذلك،. فثبت أن الفرح
باللذات الجسمانية فرح باطل» (٣).
فالتعبير في الآية غاية في البلاغة؛ لما فيه
من التأكيد والمبالغة في التقرير؛ فإن أصل
المعنى بدونهما: قل ليفرحوا بفضل الله
وبرحمته، فأخر الأمر وقدم متعلقة؛ لإفادة
الاختصاص، کأنه قال: إن كان في الدنيا
شيء يستحق أن يفرح به؛ فهو فضل الله
ورحمته (٤).
والفرح بفضل الله وبرحمته أفضل وأنفع
(١) المعجم الأوسط، الطبراني ٣٤٧/٥، رقم
٥٥١٢.
(٢) الضوء المنير، ابن القيم ٣/ ٤٥٤.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢٣/١٧-١٢٤.
(٤) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا،
٤٠٦/١١.
وسائر متاع الدنيا مع فقدهما، لا لأنه سبب
سعادة الآخرة الباقية المفضلة على الحياة
الدنيا الفانية - كما اشتهر فيما خطته الأقلام
ولاكته الألسنة - بل لأنه هو الذي يجمع بين
سعادة الدارين، كما حصل بالفعل؛ إذ كانت
هداية الإسلام بفضل الله وبرحمته سببًا
لما ناله المسلمون في العصور الأولى من
الملك الواسع، والمال الكثير، مع الصلاح
والإصلاح، والعدل والإحسان، والفوز
الکبیر، فلما صار جمع المال، ومتاع الدنيا،
وفرح البطر به هو المقصود لهم بالذات،
وتركوا هداية الدين في إنفاقه والشكر
علیه؛ ذهبت دنیاهم من أیدیهم إلى أيدي
أعدائهم(٥).
إن الآيات هدفت أول ما هدفت إلى
التنويه بالقيمة العليا لهذا الدين، الذي
أخرج من آمن به من عالم الأموات إلى
عالم الأحياء، وجعلهم يدركون أن للحياة
معنى أسمى وأعظم مما يتصوره الكافرون
الجامعون لمتاعها.
فيهذا الفضل الذي آتاه الله عباده، وبهذه
الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان،
فبذلك - وحده - فليفرحوا، فهذا هو
الذي يستحق الفرح، لا المال، ولا أعراض
(٥) انظر: المصدر السابق ٤٠٦/١١.
جوسى
القرآن الكريم
٢١٤
الفرح
هذه الحياة، إن ذلك هو الفرح العلوي،
الذي يطلق النفس من المطامع الأرضية
والأعراض الزائلة، فيجعل هذه الأعراض
خادمة لا مخدومة، ويجعل الإنسان فوقها
وهو يستمتع بها، لا عبدًا خاضعًا لها)» (١).
ومن الفرح الممدوح فرح الصحابة
الکرام عندما سمعوا قول الرسول صلی الله
عليه وسلم للأعرابي الذي سأله عن الساعة:
(أنت مع من أحببت)، فيقول أنس: ((فما
رأیت فرح المسلمین بعد الإسلام فرحهم
أشد مما فرحوا به»، وفي حديث آخر جاء
قوله: «فما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحنا
بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (أنت
مع من أحببت) (٢).
وكذلك عندما بشر الرسول صلى الله
عليه وسلم أنسًا بفضل انتظاره لصلاة
العشاء؛ قال: (فما فرحت بعد الإسلام
فرحي به)(٣).
الفرح - ففرحهم بالإسلام؛ جعلهم
يشعرون م بالنقلة التي نقلهم الإسلام إليها
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٨٠/٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب علامة حب الله عز وجل، ٨/ ٤٠، رقم
٦١٧١.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
من أحق بالإمامة، ٢٢٨/١، رقم ٥٨٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣١١/١، رقم ١٤٨٣.
حین أخرجهم من الظلمات إلى النور.
وعن عقبة بن الوليد، عن صفوان بن
عمرو، قال: سمعت أيفع بن عبدِ الكلاعي
يقول: لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي
الله عنه خرج عمر ومولّی له، فجعل عمر
يعد الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل
عمر يقول: ((الحمد لله تعالى)) ويقول مولاه:
«هذا والله من فضل الله ورحمته)»، فقال
عمر: «كذبت، ليس هذا هو الذي يقول الله
تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَغْرَحُواْ
[يونس: ٥٨](٤).
٥٨
هُوَخَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ (
فالفرح بالقرآن، وبالإسلام، وبالرحمة
فرحٌ محمود؛ لأن هذه الأمور ﴿خَيْرٌمِمَّا
يَجْمَعُونَ﴾، أي: يجمع الكافرون من متاع
وضياع، وهم في غيهم سامدون. فما جمع
من مال بین یدي عمر صعب عليه إحصاؤه
يستدعي الفرح ولا شك، لكنه رضي الله
عنه مهما كان لا يرقى بحال إلى أن يفرح
فالصحابة كانوا يفرحون مما يستحق به كفرحه بالإسلام، الذي كان سببًا في هذا
الخير.
وفي قوله تعالى ﴿يجمَعُونَ ﴾، قرأ رویس
بتاء الخطاب (تجمعون)؛ خطابًا للمسلمين،
والباقون بياء الغيبة، (يجمعون) والمقصود
الكفار، (٥) أي: خيرٌ كذلك مما تجمعون
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٢٧٥.
(٥) انظر: البدور الزاهرة في القراءات العشر
المتواترة، القاضي ص ١٤٩، البحر المحيط،
أبو حيان ١٧٠/٥.
www. modoee.com
٢١٥
حرف الفاء
أنتم أيها المسلمون، ولعل هذا ما يشير إليه في عشرين ثم جاء النبي صلى الله عليه
قول عمر رضي الله عنه.
قرئ فلتفرحوا بالتاء، قال الفراء: وقد
ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء وقال:
معناه فبذلك فلتفر حوا یا أصحاب محمد هو
خير مما يجمع الكفار، قال وقريب من هذه
القراءة قراءة أبي فبذلك فافرحوا والأصل
في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقم
يا زيد وليقم زيد، وذلك لأن حکم الأمر في
الصورتين واحد، إلا أن العرب حذفوا اللام
من فعل المأمور المخاطب لكثرة استعماله،
وحذفوا التاء أيضا وأدخلوا ألف الوصل
نحو اضرب واقتل ليقع الابتداء به وكان
الكسائي یعیب قولهم فليفرحوا لأنه وجده
قليلا فجعله عيبا إلا أن ذلك هو الأصل (١).
إن الفرح بالإسلام يقتضي الفرح بمن
أنزله، وتفضل به على خلقه، ولهذا یفرح
المسلمون بالله، وتطمئن قلوبهم بذكره
وتأنس، ويفرح المسلمون أيضًا برسول
الله صلى الله عليه وسلم الذي حمل لهم
الإسلام من الله، فعن البراء بن عازب في
الهجرة، (أول من قدم علينا من أصحاب
النبي صلی الله عليه وسلم مصعب بن عمير
وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن ثم جاء
عمار وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب
(١) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري
٢٨٥/٢، مفاتيح الغيب ١٧/ ٢٧٠.
وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء
فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان
یقولون هذا رسول الله صلی الله عليه وسلم
قد جاء فما جاء حتی قرأت سبح اسم ربك
الأعلى في سور مثلها)(٢).
قال ابن القيم: ((الفرح بالعلم والإيمان
والسنة دليل على تعظيمه عند صاحبه،
ومحبته له، وإيثاره له على غيره، فإن فرح
العبد بالشيء - عند حصوله له - علی قدر
محبته له ورغبته فیه، فمن ليس له رغبة في
الشيء، لا يفرحه حصوله له، ولا يحزنه
فواته؛ فالفرح تابع للمحبة والرغبة)» (٣).
وهنا فرح محمود آخر وهو أهل الكتاب
بالإسلام، وقد أشار إليه قول الله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ
إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦].
فأهل الكتاب من اليهود والنصارى
يفرحون بالقرآن والإسلام، وأهل الكتاب
هنا من أسلم منهم، کعبدالله بن سلام رضي
الله عنه.
قال السعدي: ((الشهادة إذا أضيفت إلى
طائفة، أو أهل مذهب، أو بلد ونحوهم،
فإنها إنما تتناول العدول الصادقين منهم.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (لتركبن طبقًا عن طبقٍ)،
١٦٨/٦، رقم ٤٩٤١.
(٣) الضوء المنير، ابن القيم ٤٥٥/٣ -٤٥٦.
٢١٦
جوسين
القرآن الكريم
الفرح
وأما من عداهم، فلو كانوا أكثر من غيرهم إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم، فنزلت
فلا عبرة فيهم، لأن الشهادة مبنية على العدالة فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه: لا يقرر
والصدق، وقد حصل ذلك بإیمان کثیر من
أحبارهم الربانیین، کـ «عبد الله بن سلام))
وأصحابه و کثیر ممن أسلم في وقت النبي
صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، ومن بعده
و ((كعب الأحبار)) وغيرهما))(١).
وهذه بعض صور من الفرح المحمود:
١. الفرح بنصر الله.
قال تعالى: ﴿قُلِبَتِ اُلُّوُمُ ن فِ أَدْنَ
الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدٍ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
فِي بِضْعِ مِنِينٌَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ
وَمِنْ بَعْدٌ وَيَوْمَّيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ ))
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ
[الروم: ٢-٥].
الرَّحِيمُ ك
احتربت الروم وفارس بين أذرعات (٢)
وبصری(٣)، فغلبت فارس الروم، فبلغ الخبر
مکة فشق على النبي صلی الله عليه وسلم
والمسلمين؛ لأن فارس مجوس لا كتاب
لهم والروم أهل الكتاب، وفرح المشركون
وشمتوا وقالوا:أنتم والنصارى أهل الكتاب،
ونحن وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا على
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٣٧٣.
(٢) بلد في أطراف الشام، يجاور أرض البلقاء
وعمان، ينسب إليه الخمر. معجم البلدان،
ياقوت الحموي ١/ ١٣٠.
(٣) من أعمال دمشق، وهي قصبة كورة حوران.
معجم البلدان، ياقوت الحموي ٤٤١/١.
الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على
فارس بعد بضع سنين فقال له أبي بن خلف:
كذبت یا أبا فصیل، اجعل بيننا أجلّا أناحبك
عليه. والمناحبة: المراهنة فناحبه على عشر
قلائص من كل واحد منهما، وجعلا الأجل
ثلاث سنین، فأخبر أبو بكر رضي الله عنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده
في الخطر وماده في الأجل، فجعلاها مائة
قلوص إلى تسع سنين، ظهرت الروم على
فارس، وذلك عند رأس سبع سنين، وقد
ورد أن هذا النصر تزامن مع غزوة بدر؛
فتكون الإشارة إلى فرح المسلمین بالانتصار
علی کفار مکة، وهي بشری بفرح آجل، وقد
تحقق، وهذا يجعل فرح المسلمین مضاعفًا،
حين فرحوا بانتصارهم على كفار مكة، ثم
فرحوا بانتصار الروم على الفرس (٤).
فأنزل الله تعالى هذه الآيات مشيرةً
إلى هزيمة الروم وأن الفرس سيهزمون
في معركتهم القادمة مع الروم، وسيكون
هذا بعد بضع سنين، ﴿وَيَوْمَیذٍ يَفْرَحُ
اَلْمُؤْمِنُونَ ل ◌ِنَصْرِ اللَّهِ﴾، وقد تحقق
وعد الله.
قوله تعالى: (غلبت) قرئت بالفتح
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤٦٦/٣.
www. modoee.com
٢١٧
حرف الفاء
على البناء للمعلوم، والروم فاعل، وقرئت
(سیغلبون) بالمبني للمجهول، أي:
سيغلبهم المسلمون فيما بعد، ويفرحون
بهذا النصر))(١).
فالمسلم مأمور بأن یفرح، حین ينتصر
الحق على الباطل، في أيٍ من ميادين
الصراع، وهو فرح محمود یثاب عليه.
٢. فرح الشهداء بلقاء الله تعالى.
لقد ذكر القرآن الكريم فرح الشهداء،
أولئك الذين فرحوا بالإسلام في الدنيا؛
فهانت عليهم أرواحهم في سبيله؛ فماتوا من
أجله؛ فامتد فرحهم في الآخرة؛ يقول الله
تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( فَرِحِينَ
بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ
لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ
يَحْزَنُونَ ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠].
وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم
أن (أرواح الشهداء عند الله يوم القيامة في
حواصل طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش
تسرح في الجنة حيث شاءت ثم ترجع إلى
قناديلها فيشرف عليهم ربهم فيقول ألكم
حاجة تريدون شيئا فيقولون لا إلا ان نرجع
إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى)(٢).
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٧/ ١٦١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة،
١٥٠٢/٣، رقم ١٨٨٧.
قال ابن القيم: ((حين يلقى المؤمن أهله
وأصحابه، فیفرحون به ويفرح بهم، فرح
الغائب يقدم على أهله، وهذا كله قبل الفرح
الأكبر، يوم حشر الأجساد، بجلوسه في ظل
العرش، وشربه من الحوض)» (٣).
إن فرح المؤمن بلقاء الله عندما يقال
له: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ ( أَرْجِىّ إِلَى رَبِّكِ
رَاضِيَّةً مَّرْضِيَّةً (٥) فَادْخُلِ فِي عِبَدِى ) وَأَدْخُلِ جَنَِّي
[الفجر: ٢٧ - ٣٠].
٣٠
فلو لم يكن له إلا هذه الفرحة وحدها،
لكان العقل يأمر بإيثارها، فكيف ومن
بعدها؛ أنواعٌ من الفرح؟ ويظهر هذا على
الناجي يوم القيامة فيأخذ كتابه بيمينه، وهو
يدعو الخلائق كلها لتقرأ كتابه فى رنة الفرح
والغبطة ﴿هَاؤُمُ أَقْرَهُ واْكِتَبِيَهْ (٦) إِنِّ ظَنْتُ أَنّى
مُلَقٍ حِسَابِيَة (٥)﴾ [الحاقة: ١٩- ٢٠] (٤).
وآخر فرح هو الفرح برؤية وجه الله
تبارك وتعالى، فعن صهيب رضي الله عنه
عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (إذا
دخل أهل الجنة، يقول الله تبارك وتعالى:
تريدون شيئًا أزيدكم؟ يقولون: ألم تبيض
وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟
قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا
أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم
تلاهذه الآية: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الُْسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
(٣) الروح، ابن القيم ص٣٩٩.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٦٧٦.
٢١٨
جوسين
القرآن الكريمِ
الفرح
[يونس: ٢٦](١).
إن الفرح المحمود الطيب بآثاره، عباس وقل له: لئن كان امرؤ منا فرح بما
والمثاب صاحبه عليه - له حلاوة لمن
تذوقها فلا يلقي بالًا لغيرها، وهذا الفرح
المحمود من أسمى أقسام الفرح وأكملها،
وتخلو صوره كلها من المكدرات
والشوائب، ومن المزاحمات، فلا شحناء
ولا تحاسد(٢).
ثانيًا: الفرح المذموم:
عرض القرآن الكريم الفرح المذموم،
فذكر منه صورًا، أسندها إلى طوائف من
الناس صدر عنهم هذا الفرح، وكان هذا
الفرح المذموم له أسبابه، ودوافعه، آثاره.
والمتأمل في الآيات القرآنية - التي تحدثت
عن هذا الفرح المذموم، نجد أن أكثرها في
اليهود والمنافقين والكافرين والمترفين.
وهذه بعض صور الفرح المذموم من
خلال الآتي:
١. فرح اليهود.
قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
بِمَآ أَتَواْ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا
تَحْسَبَهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِّ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
[آل عمران: ١٨٨].
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم
سبحانه وتعالى ١ / ١٦٣ رقم ١٨١.
(٢) انظر: مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة
ص ٢١٣.
قال مروان لرافع بوابه: اذهب إلى ابن
أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل عذب،
لنعذبن أجمعين، فقال ابن عباس: ما لكم
ولهذا، إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم
يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه
بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما
أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا
من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس ﴿وَإِذْ
أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ.
لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ
وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَأْسَ مَا يَشْتَرُونَ
﴾ [آل عمران: ١٨٧] (٣).
١٨٧
التبس على مروان بن الحكم معنى هذه
الآية، وكان قد غفل عن سبب نزولها، ورأى
أن فيها وعیدًا وتهدیدا لمن يفرح ويحب
الثناء، وعلى هذا لن ينجو أحد من العذاب؛
فكل الناس يفرحون بما أتوا ويحبون أن
يحمدوا بما لم يفعلوا.
فكان اليهود يخالطون الرسول صلى الله
عليه وسلم في المدينة أحيانًا، وحدث أن
سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم سؤال
اختبارٍ و کشف نیاتٍ، فكذبوا علیه، ثم فرحوا
بهذا الكذب، ثم أشعروا الرسول صلى الله
عليه وسلم أنهم يستحقون منه المدح والثناء
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا
٦/ ٤٠، رقم ٤٥٦٨.
www. modoee.com
٢١٩
حرف الفاء
علی تجاوبهم.
قال الضحاك: ((كتب يهود المدينة إلى
یهود العراق والیمن ومن بلغهم کتابهم من
اليهود في الارض كلها إن محمداً ليس نبي
الله فاثبتوا على دينكم وأجمعوا كلمتكم
على ذلك، فأجمعت كلمتهم على الكفر
بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن،
ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع
كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا، وقالوا:
نحن أهل الصوم والصلاة ونحن أولياء
الله، فلذلك قول الله تعالى يفرحون بما أتوا
- بما فعلوا - ويحبون أن يحمدوا بما لم
يفعلوا - يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة
والعبادة)) (١).
وقد توعد الرسول صلی الله عليه وسلم
من يكذب؛ من أجل أن يضحك الناس،
ويدخل الفرح إلى قلوبهم(٢)، فالكاذب
يفرح؛ لأنه استطاع أن يضحك الناس، وهم
يضحكون ويفرحون بما يسمعون.
٢. فرح المنافقين.
إن الصلة وثيقة بين المنافقين واليهود؛
فإن اليهود احتضنوا بذرة النفاق ورعوها،
و کان منهم منافقون.
* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ
قال تعالى:
يَقُولُونَ لِإِخْوَِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
(١) انظر: أسباب نزول القرآن، الواحدي ص٩٢
(٢) انظر: سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب فيمن
تكلم بكلمة يضحك بها الناس ٤ / ٥٥٦.
لَبِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيَكُ
أَحَدًا أَبَدًّاً وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَنصُرَ نَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ
﴾ [الحشر: ١١].
فالكذب أبرز صفة في المنافقين، وهو
الذي يميزهم عن أهل الكفر الصريح،
فهو عندهم منهج حياة؛ فكان أول وعيد
للمنافقين على كذبهم: بقوله تعالى ﴿وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠].
وعن أبي سعيد الخدري: (أن رجالًا من
المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى الغزو، تخلفوا عنه، وفرحوا
بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو
اعتذروا إلیه، وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما
لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
بِمَآ أَتَوَا﴾ [آل عمران: ١٨٨](٣).
وهناك آياتٌ صريحةٌ في الحديث عن
فرح المنافقين المذموم، والذي ظهر منهم
في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَقْعَدِهِمْ
خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَهِدُواْ بِأَمْوَلِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِى الْخَرُّ قُلْ
نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأْ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ
٨١
[التوبة: ٨١].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفات
المنافقين وأحكامهم، ٢١٤٣/٤، رقم
٢٧٧٧.
٢٢٠
القرآن الكريم
الفرح
فقول الله تعالى ذاما للمنافقين
المتخلفين عن صحابة رسول الله صلى
الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وفرحوا
بمقعدهم بعد خروجه، ﴿وَكَرِهُوا أَنْ
يُجَهِدُواْ﴾ معه ﴿ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَالُواْ﴾ أي: بعضهم لبعضٍ: وقالوا﴿لَا
تَنَفِرُواْ فِي الْخَرِّ﴾؛ وذلك أن الخروج في غزوة
تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال
والثمار، فلهذا قالوا ﴿لَانَفِرُوا فِي الأَرِّ﴾ قال
الله تعالى لرسوله: قل لهم: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾
التي تصیرون إلیھا بسبب مخالفتکم ﴿اشدُ
حرًّا﴾ مما فررتم منه من الحر، بل أشد حرًا
من النار (١).
صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام
في الخروج للغزو، ثم جاؤوا يعتذرون،
فعذرهم الرسولإهمالاً لهم، وتقليلاً من
شأنهم، ففرحوا حينئذٍ بعدم الخروج،
وفرحوا بإعذار الرسول صلى الله عليه
وسلم لهم.
قال تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا
رَجَعْتُمْ إِلَتْهِمَّ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكُمْ
قَدْ نَبَّأَنَا اَللَّهُ مِنْ أَخْبَارِ كُمْ وَسَيِّرَى اللَّهُ
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِ
اَلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنْتِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
[التوبة: ٩٤].
(٩٤)
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٩/٤.
كشف هذا الفرح عن كذب المنافقين،
وكشف كذلك عن كراهيتهم لهذا الدين؛
إذ لو کان في قلوبهم إیمان، لبکوا بسبب
تخلفهم عن الغزو مع الرسول صلى الله
عليه وسلم كما حصل مع فقراء المسلمين.
قال تعالى: ﴿إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ
قُلْتَ لَآ أَجِدُمَا أَخْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ
وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلََّ يَجِدُواْ
مَا يُتْفِقُونَ ﴾ [التوبة: ٩٢].
إن البكاء من هؤلاء بسبب عدم الخروج
علامة صدق وإيمان، كما كان الفرح من
أولئك للسبب نفسه - وهو عدم الخروج -
علامة كفر ونفاق، وقد توعدهم الله تعالى:
فتخلف المنافقون عن مشاركة الرسول ﴿فَيَضْحَكُوْ قَلِيلًا وَلْيَبَّكُواْ كَثِيرًا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ ﴾ [التوبة: ٨٢].
والضحك هنا كناية عن الفرح، أو أريد
ضحکهم فرحًا؛ لاعتقادهم ترويج حيلتهم
على النبي صلى الله عليه وسلم ثم رد تعالى
الملامة على الذين يستأذنون في القعود
وهم أغنياء، وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا
مع النساء الخوالف في الرحال (٢).
وكذلك يفرح المنافقون، إذا مس
المسلمین قرح، أو نزلت بهم نكسة، وتبدو
عليهم مظاهر الإعجاب؛ قال تعالى: ﴿إِن
تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ
مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ
(٢) انظر: المصدر السابق ٤ /٢٠٠.
www. modoee.com
٢٢١
حرف الفاء
وَيَتَوَلَّوَأَوَّهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: ٥٠].
وقد أظهر إخوانهم اليهود من قبل الفرح
بمصائب المسلمين، حيث ذكر القرآن
الكريم في سياق الحديث عن قبائح أهل
الكتاب، فقال تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ
تَسُؤَّهُمْ وَإِن تُصِبِّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْبِهَا﴾ [آل
عمران: ١٢٠].
فالطائفتان تفرحان بمصاب المسلمين،
وكذلك فرح كفار قريش بانتصار الفرس
على الروم، مع أنه لم تكن هناك مودة أو
تعاون بينهما، فالتشابه في المشاعر بين
اليهود والمنافقين والكفار ليس بمستغرب؛
فالكفر ملة واحدة، والقواسم المشتركة في
عداوة الجميع لهذا الدين وأهله، لذا حريٌّ
بالمسلمين أن يجمعهم الفرح المحمود
وميادينه، كما جمع الفرح المذموم
(١)
أعداءهم(١).
٣. فرح الكافرين.
ذكر القرآن الكريم فرح الكافرين في
أكثر من آية، منها قوله تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا
اُلْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ,
لَيَّئُوسُ كَفُورُ ) وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ
بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ
عَنِىٌ إِنَّهُ لَفَرِعُ فَخُورُ ﴾ [هود:٩ -١٠].
وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً
فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَفِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧٥٧/٥.
هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ [الروم: ٣٦].
وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا
اَلْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ
سَيْئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيَدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ
[الشورى:٤٨].
وتشير الآيات إلى الإنسان الكافر باعتبار
أنه جبل على عدم الاتزان، فالكافر أبرز
أفراد النوع الإنساني في هذا المجال؛ لأن
هذا الخلق هو عدم التوازن (٢) لا يزيله إلا
الإسلام؛ فالذين لم يسلموا باقون عليه(٣).
إذا أذاق الله تعالى الإنسان رحمة فرح بها
أي: إذا أعطاه رخاء وصحة وغنی فرح بها
بطرًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ
هَذِهِ، مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ
لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] أي: بلاء
وشدة ومرض بما قدمت أيديهم من الذنوب
فإن الإنسان كفور أي: كثير الكفر لما أنعم
به عليه من نعمه، غير شكور له عليها، وهذا
باعتبار غالب جنس الإنسان (٤)
لقد كان لعدم توازن الكافر في انفعالاته
مظاهر وآثار منها: أن فرحه محصور في
الدنيا، ولا يلتفت إلى الآخرة، يقول الله
تعالى: ﴿وَفَرِحُواْ بِالْمَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا اَلْيَةُ الدُّنْيَا فِ
(٢) انظر: السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية،
العامري ١٣٥/٢٥.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢١/٢٢.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٦٢٣.
٢٢٢
جَوْنُوبَة النفسية
القرآن الكريم