Indexed OCR Text

Pages 61-62

الغيب
بذلك في الشرك - شرك الاتباع -.
وعلى هذه الصورة، كانت الجاهلية
العربية التي ذكرها الله في القرآن ذكرًا
مفصلًا في كثير من الآيات الكريمة في
السور المكية بخاصة. وعلى هذه الصورة
كذلك نجد نماذج كثيرة من الجاهلية
المعاصرة التي غرفت في الشهوات إلى
أذنيها، ورفضت الاعتراف بالوحى الرباني؛
لأنها تريد أن تتبع أهواءها، ولا تريد أن تلتزم
بما أنزل الله(١).
٣. الخلود في النار.
تقدم آنفًا أن أعظم ثمرات الإيمان بالله
تعالى والإيمان بالغيب هو دخول جنات
النعيم، مع ما أعده الله تعالى للمؤمنين من
أنواع مما لا يخطر على قلب بشر. وعلى
الضفة الأخرى: فإن إنكار الغيب وجحوده
-الذي هو في حقيقته إنكار لله تعالى وإنکار
لما أخبر الله به من الغيوب، كالجنة والنار
والملائكة- يترتب عليه الخلود في نار
جهنم، ولن تنفعه تلك الأعمال التي كان
يعملها، ويظن أنها تدفع عنه شيئًا، أو أنها
تقبل مع ما هو عليه من ضلال وحجود.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ
كَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلَّمْشَانُ مَآءٌ حَقَّى إِذَا جَاءَهُ.
لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهُ عِندَهُ، فَوَقَّتُهُ حِسَابَةُ.
وَاللَّهُ سَرِيعُ اْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩].
(١) انظر: ركائز الإيمان، محمد قطب، ص ٧٨.
وأبان الله تعالى عن مصيرهم وخلودهم
في النار، فقال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ
كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًّاً حَّةٍ إِذَا جَاءُوهَا
فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَُهَا أَلَمَّ يَأْيِّكُمْ
رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ
وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ
حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ ) قِيلَ
أُدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَتِينَ﴾ [الزمر: ٧١ - ٧٢].
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه
الله: «لما ذكر الله تعالى حكمه بين عباده،
الذين جمعهم في خلقه ورزقه وتدبيره،
واجتماعهم في الدنيا، واجتماعهم في
موقف القيامة، فرقهم تعالى عند جزائهم،
كما افترقوا في الدنيا بالإيمان والكفر،
والتقوى والفجور، فقال: ﴿وَسِيقَ أَلَّذِينَ
كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ أي: سوقًا عنيفًا،
يضربون بالسياط الموجعة، من الزبانية
الغلاظ الشداد، إلى شر محبس وأفظع
موضع، وهي جهنم التي قد جمعت كل
عذاب، وحضرها كل شقاء، وزال عنها كل
سرور.
ويساقون إليها ﴿زُمَرًا﴾ أي: فرقًا متفرقة،
كل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها،
وتشاكل سعيها، يلعن بعضهم بعضًا، ويبرأ
حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا
بعضهم من بعض.
أي: وصلوا إلى ساحتها ﴿فُتِحَتْ﴾ لهم
www. modoee.com
١٣٧

حرف الغين
لقدومهم وقرّی
أي: لأجلهم
النزولهم. ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنْهَا﴾ مهنئين ينظرون. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَذِينَ﴾
أي: بئس المقر، النار مقرهم؛ وذلك لأنهم
تكبروا على الحق، فجازاهم الله من جنس
عملهم، بالإهانة والذل، والخزي)) (١).
لهم بالشقاء الأبدي، والعذاب السرمدي،
وموبخين لهم على الأعمال التي أوصلتهم
إلى هذا المحل الفظيع.
﴿أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُ﴾ أي: من جنسكم
تعرفونهم وتعرفون صدقهم، وتتمكنون من
التلقي عنهم؟ ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ﴾
التي أرسلهم الله بها، الدالة على الحق
اليقين بأوضحِ البراهين. ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ
لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: وهذا يوجب عليكم
اتباعهم والحذر من عذاب هذا اليوم،
باستعمال تقواه، وقد كانت حالكم بخلاف
هذه الحال؟
﴿قَالُواْ﴾ مقرين بذنبهم، وأن حجة
الله قامت عليهم: ﴿بَلَ﴾ قد جاءتنا رسل
ربنا بآياته وبيناته، وبينوا لنا غاية التبيين،
وحذرونا من هذا اليوم ﴿ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ
اُلْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ أي: بسبب كفرهم
وجبت عليهم كلمة العذاب، التي هي لكل
من کفر بآيات الله، وجحد ما جاءت به
المرسلون، فاعترفوا بذنبهم وقيام الحجة
عليهم.
ف﴿قِيلَ﴾ لهم على وجه الإهانة
والإذلال: ﴿أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ كل
طائفة تدخل من الباب الذي يناسبها ويوافق
عملها. ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أبدًا، لا يظعنون
عنها، ولا يفتر عنهم العذاب ساعة ولا
وفي آيات كثيرة جاء النص بصيغة التأبيد
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ
يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ
عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْئَلُكَ النَّاسُ
عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ
(٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ اَلْكَفِرِينَ
السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا
وَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٥ خَلِينَ فِيهَا أَبْدٌ لَّا يَجِدُونَ
وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٣ - ٦٥].
وفي هذه الآية الكريمة الأخيرة إشارة
إلى أن كفر هؤلاء الكفار وما ترتب عليه
من تخليد في النار على جهة التأبيد، وليس
على جهة المكث الطويل، كما قد تفيده
العبارة أحيانًا. في هذا إشارة إلى أن هذا
الحکم علیھم بالکفر إنما هو نتيجة تکذییھم
بالساعة، وهي غیب من غیوب كثيرة. والله
أعلم.
موضوعات ذات صلة:
الإيمان، التقوى، التوحيد، اليوم الآخر
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٣٠.
مَقَالَرُ الْتَفْسِيْ
جوسيس
القرآن الكريم
١٣٨