Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ العَيْنُ عناصر الموضوع مفهوم العين ٣٨ العين في الاستعمال القرآني ٣٩ الألفاظ ذات الصلة ٤٠ ٤٢ تصنيف العين في القرآن الكريم المُجَلَدَ الخَامِسْ وَالعشْرُونْ حرف العين مفهوم العين أولًا: المعنى اللغوي: العين والياء والنون أصلٌ صحيح يدل على عضوٍ من خلاله يبصر وينظر، ويترتب على ذلك الأصل اللغوي معان عديدة (١)، أوصلها العلامة مرتضى الزبيدي رحمه الله نقلاً عن بعض مشايخه إلى ما يزيد على المائة، وكل معانيها ترجع إلى ما ذكر، فالباصرة أصل في معناها، وهو الذي جزم به الكثيرون (٢)، وتطلق العين في اللغة، ويراد بها: عين الينبوع(٣)، وعين الجاسوس(٤)، وعين الشيء ونفسه(٥)، وعين التأمل والمعاينة (٦)، وعين الشرف والأشراف (٧)، وعين المال الحاضر (٨)، وعين الحسد(٩). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: نظرًا لأن المعاني اللغوية كلها رجعت إلى معنى واحد، هو أصلها والبقية فرع عنه، فسيكون التعريف الاصطلاحي تبعًا له، وعليه فإن التعريف الاصطلاحي قد تغلب عليه السمة التشريحية الطبية، وفي ضوء هذا عرفوا العين في الاصطلاح بأنها عبارة عن: ((عضو صغير معقد، يتم به الإبصار، مكون من عدة أجزاء، على شكل كرة، موجودة داخل محجر، تدرك الأشكال والحركات والنتوءات والألوان واختلافات الإضاءة بصورة معكوسة))(١٠). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /١٩٩. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩٩/٤، تاج العروس، الزبيدي ٤٤٠/٣٥ . (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٣/ ١٣٠، لسان العرب، ابن منظور ٣٠٣/١٣. (٤) انظر: العين، الفراهيدي ٢/ ٢٥٤. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٠٦/١٣. (٦) انظر: العين، الفراهيدي ٢/ ٢٥٥، تهذيب اللغة، الأزهري ١٣٢/٣. (٧) انظر: العين، الفراهيدي ٢٥٥/٢، تهذيب اللغة، الأزهري ١٣٣/٣، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٢٠٣. (٨) انظر: العين، الفراهيدي ٢/ ٢٥٤. (٩) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٠١/١٣. انظر: أمراض العين وعلاجاتها، ابن سينا ص٢٦، أسرار العيون، محمود مصطفى ص ٧، العين (١٠) عناية ووقاية، خالد طبارة ص ١٣. ٣٨ ◌َ اللََّـ القرآن الكريمِ العين العين في الاستعمال القرآني وردت مادة (عين) في القرآن الكريم (٦١) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الإفراد ١٨ بِاَلْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ٨٤ ٢ [يوسف: ٨٤] ﴿تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا الجمع ٣٢ يُنفِقُونَ ﴾ [التوبة: ٩٢] الصفة المشبهة ٤ ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ [الدخان: ٥٤ ] وجاءت العين في القرآن على خمسة وجوه(٢): ٨ # [ البلد: ٨]. أحدها: العين الباصرة الجارحة: ومنه قوله تعالى: ﴿الرَّجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ الثاني: الماء الجاري أو النهر: ومنه قوله تعالى: ﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجْرُونَهَا تَفْسِيرًا [الإنسان: ٦]. الثالث: الحفظ والكلاءة والرعاية: ومنه قوله تعالى: ١٣ ے ٨ے ۶ ودسر ﴿وَحَمَلَتَهُ عَلَى ذَاتِ الواح تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٣ - ١٤]. يعني: بحفظنا ورعايتنا. الرابع: القلب: ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِ غِطَلٍ عَن ذِكْرِى﴾ [الكهف: ١٠١]. يعني: قلوبهم. الخامس: بمعنى النفس: ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرِى عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦]. يعني: طيبي نفسًا. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٤٩٥-٤٩٦، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب العين ص٨٤٤- ٨٤٥. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٤٤ -٣٤٥، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤٤٣- ٤٤٤. www. modoee.com ٣٩ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَاَلْعَيْنَ التثنية ٧ حرف العين الألفاظ ذات الصلة ١ الظرف: الطرف لغة: يطلق الطرف في اللغة على ثلاثة معانٍ، وهي: تحريك جفني العين؛ بأن يطبق الجفن على الجفن، وبمعنى العين نفسها ويكون جمعًا ويكون واحدًا(١)، وبمعنى النظر إلى الشيء مد البصر، يقال: طرفت إليه مد بصري، أي: نظرت إلى نهايته (٢). الطرف اصطلاحًا: لا يختلف معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي. الصلة بين الطرف والعين: إن الطرف في المعاني اللغوية الأول والثالث يكون جزءًا من معنى العين ومدلولها، وفي المعنى اللغوي الثاني یکون مرادفًا لها. البصر: ٢ البصر لغةً: هو إدراك العين، ويطلق على القوة الباصرة، وهو قوة مرتبة فى العصبين المجوفين التي من شأنها إدراك أشباح الصور، بانعكاس الضوء فيها؛ إذ البصر هو حاسة الرؤية، وورد في القرآن مع ما يتعلق به من العمليات؛ ليدل على العلم القوي المضاهي لإدراك الرؤية، فيقال: بصر بالشيء: علمه عن عيان، فهو بصير به(٣). البصر اصطلاحًا: ((هو القوة المودعة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان ثم تفترقان، فيتأديان إلى العين تدرك بها الأضواء والألوان والأشكال)» (٤). الصلة البصر والعين: (الفرق بين العين والبصر أن العين آلة البصر وهي الحدقة، والبصر اسم للرؤية؛ ولهذا يقال: إحدى عينيه عمياء، ولا يقال: أحد بصريه أعمى، وربما يجري البصر على العين (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢١٣/٩. (٢) انظر: معاني القرآن، الفراء ٢/ ٢٩٤، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٥٠١/٣. (٣) انظر: الحواس في القرآن الكريم، بليل عبد الكريم، مقال منشور على موقع شبكة الألوكة الإسلامية. (٤) التعريفات، الجرجاني ص٤٦. ٤٠ جوسيس القرآن الكريمِ العين الصحيحة مجازًا، ولا يجري على العين العمياء، فيدلل هذا على أنه اسم للرؤية، ويسمى العلم بالشيء إذا كان جليًا بصرًا، يقال: لك فيه بصر، يراد أنك تعلمه كما يراه غيرك))(١). النظر: ٣ النظر لغةً: ((النظر: حس العين، وتقول: نظرت إلى كذا وكذا من نظر العين ونظر القلب، وإذا قلت: نظرت إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت: نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكرًا فيه، وتدبرًا بالقلب، والنظر: الفكر في الشيء تقدره وتقيسه منك، والنظر يقع على الأجسام والمعاني، فما كان بالأبصار فهو للأجسام وما كان بالبصائر كان للمعاني))(٢). النظر اصطلاحًا: ((تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، وهو الرَّويَّة))(٣). الصلة بين النظر والعين: إن النظر له خاصية من خواص العين، وليس مرادفًا لها. الرؤية: ٤ الرؤية لغة: وتعني إدراك المرئي والإقبال بالبصر نحوه، قد يدرك وقد لا يدرك؛ ولذلك قد ينظر الشخص ولا يرى المرئي، وعليه فيجوز أن يقال لله تعالى: إنه راءٍ، ويقال: إنه ناظر. والرؤية اصطلاحًا: ((المشاهدة بالبصر حيث كان في الدنيا والآخرة)) (٤). الصلة الرؤية والعين: وبهذا يتضح الفرق بين النظر والرؤية، كما يتضح ببيان أن الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالبًا؛ لذا أجريت كلمة النظر على الرؤية على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب. (١) الفروق اللغوية، العسكري ص٣٨١. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٦/ ٤٤٦٦. (٣) المفردات الراغب الأصفهاني ٤٣٨/٢. (٤) التعريفات، الجرجاني ص١٠٩. www. modoee.com ٤١ حرف العين تصنيف العين في القرآن الكريم وردت العين في القرآن الكريم متعددة ومتنوعة، ولذا اختلف تصنيف العين إلى أصناف مختلفة، نتناولها في أربعة أنواع. أولًا: الأعين الممنون بها على كل البشر: امتن الله تعالى علي بني البشر بنعم عظيمة آفاقية وأنفسية لا تعد ولا تحصى، ومن الآفاقية هذه العيون المائية التي بها قوام كل شيء حي، والتي ذكر الله تعالى بها البشر في قوله تعالى: ﴿ وَءَايَةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَحْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّتٍ مِّن ◌َّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ ٣٣ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ ، لِيَأْكُلُواْ مِنْ تَمَرِهِ. وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمٌ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٣-٣٥]. ومظاهر الامتنان في الآيات الكريمة -وبخاصة العيون- كثيرة وظاهرة، من أبرزها أمران: الأول: التعبير بالتفجير في قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ للدلالة على الكثرة والقوة. الثاني: مجيء العيون بصيغة الجمع؛ للدلالة على الكثرة والتعدد والتنوع، وهذا من عظيم فضل الله تعالى على عباده. ومن النعم الأنفسية العظيمة هذه التى أكرمنا الله عز وجل؛ لنبصر بها، ولا يقدر عظم نعمة إلا من حرمها، نسأل الله تعالى أن يمتعنا بأبصارنا وأسماعنا و قوتنا ما أحيانا وأبقانا، اللهم آمين. وهذا الامتنان ورد صريحًا في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَجْعَل لَّهُ, عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨]. ويلاحظ على هذا الموطن الكريم أمران: أولهما: أهمية نعمة البصر، وعظم نفعها، وذلك؛ لتقديمها على بقية النعم المذكورة معها. ثانيهما: أنه ليس المراد بالعينين وما بعدها العضو وحده، بل ما يترتب عليه من آثار وتبعات، ينتج عنها الثواب والعقاب ((من أمانة البصر والنطق؛ تمهيدًا لما يلي في السورة، من تقرير تبعات الرشد، ومسئولية الكلمة بعد وسائل الإدراك الحسي من بصر ونطق، ثم يأتي بعد ذلك التذكير بما هدي تعالى الإنسان إليه من إدراك مميز لمعالم الطريقين في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَیْنِ﴾ [البلد: ١٠])(١) والله أعلم. ثانيًا: عين الإنسان: المستقرئ لآيات القرآن يجد أن (عين الإنسان) وصفت بصفات مدح في آیات، ويصفات ذم في آيات أخر، وقطعت عن المدح والذم في مجموعة ثالثة، ويمكن جمع هذا في ثلاث مسائل: (١) انظر: التفسير البياني للقرآن الكريم، بنت الشاطئ ١/ ١٨١. مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم ٤٢ العین ١. الأعين الممدوحة وصفاتها. أقصد بالمدح ما جاء في القرآن وصفًا للعين في سياق المدح تصريحًا أو تلويحًا، من أمور تتعلق بالمؤمنين في الدنيا أو الآخرة، وكذلك ما ورد بصيغة الأمر مما يتعلق بشأن العین، واعتباره مدحًا؛ لأن الله تعالی لا یأمر بالفحشاء، بل یأمر بکل فضل وخیر، ولا ینهى إلا عن كل سوء وشر، وعلى هذا اعتبرت قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨] من قبيل المدح. ووصفت العين بناء عليه بـ(الثابتة غير المتطلعة) وهكذا. والله تعالى وصف المؤمنين في كتابه بأوصاف عدة، فوصف أفعالهم مرة، وأقوالهم أخرى، ووجوههم ثالثة وهكذا، وكما هو معلوم أن تعدد الصفات يدل على شرف الموصوف. وعلى هذه الشاكلة يأتينا وصف أعين المؤمنين في القرآن بصفات متعددة، یمکن تجليتها في السطور الآتية: ١. الفياضة. يقصد بها: العين التي يفيض دمعها، وينزل منها منهمرًا مدرارًا، إما من خشية الله تعالی، أو خوفًا من التقصير في عبادته، أو فوت طاعته وقربه، ونحو ذلك، مأخوذ من قولهم «فاض الماء: إذا سال منصبًا، ومنه: فاض صدره بالسر أي: سال، ورجل فياضٌ، أي: سخي، وحديث مستفيضٌ: منتشر، والفيض: الماء الكثير، يقال: إنه أعطاه غيضًا من فيض، أي: قليلًا من كثير))(١). وورد هذا الوصف في آيتين، هما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٌّ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]. وقوله تعالى ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَرَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُمَا أَحْلُكُمْ عَلَيَّهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ نَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]. فالآية الأولى: واردة في سياق الآيات النازلة في نصارى الشام الذين كانوا بالحبشة وأتوا المدینة مع اثنین وستین راهبًا مصاحبين للمسلمين الراجعين من الحبشة، وسمعوا القرآن وأسلموا كما ذكره جمع من المفسرين (٢). وتظهر بلاغة التعبير القرآني عنھم ههنا من وجهين: الأول: التعبير بقوله: ﴿ترى ﴾ الدالة على الرؤية البصرية، والتي هي من أقوى أسباب (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٦٤٨. (٢) روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٥٠٧، البسيط، الواحدي ٧ / ٤٩٣. www. modoee.com ٤٣ حرف العين العلم الحسي، مبالغة في مدحهم، حيث - كالآية السابقة - فقال: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ يراهم الرائي وهم على تلك الصورة من رقة مِنَ الدَّمْعِ﴾، ولاشك أن التعبير بذلك أبلغ القلب وشدة التأثر عند سماع الحق(١). الثاني: التعبير ب﴿تَفِيضُ﴾ ومعناه: امتلاء العين من الدمع حتى تفيض؛ لأن الفيض أن يمتلأ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب مبالغة في وصفهم بالبكاء، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أى: تسيل من الدمع من أجل البكاء، من قولك: دمعت عينه دمعًا (٢)، وفي ذلك بيان لغاية رقة قلوبهم، وشدة خشيتهم، ومسارعتهم إلى قبول الحق، وعدم إبائهم إياه (٣). والآية الثانية: واردة في سياق الذين رفع الله تعالى عنهم الحرج من ذوي الأعذار ممن تخلفوا عن غزوة تبوك؛ لعذرهم، وعرف هؤلاء بـ(البكائين)، وحق لهم أن يعرفوا بذلك، وأن ينزل الله تعالى رفع الحرج عنهم من فوق سبع سموات؛ لشدة إخلاصهم، ورغبتهم الصادقة في الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزو والجهاد، ونظرًا لقوة إيمانهم وفرط محبتهم للاستشهاد وصفهم الله تعالى بأبلغ وصف (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٣٢٨/٥، التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٥٦/٤. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٦٦٩. (٣) روح المعاني، الألوسي ٤/ ٥. من قولنا: (يفيض دمع أعينهم)؛ لأن العين في التعبير القرآني جعلت كأنها كلها دمع فائض (٤) . ٢. القريرة. هذا الوصف - كما يقول ابن فارس- يدل علی معنیین، أحدهما برد، والآخر تمكن. فالأول: القر، وهو البرد، ومنه: يوم قار، أي: بارد، ويقال: أقر الله عینه، إذا سر ورضي، وقرة العين: ما يسر ويفرح من الأمور، ونظرًا لأن للسرور دمعة باردة، وللحزن دمعة حارة قالوا لمن يدعى عليه: أسخن الله دمعه. والثاني: التمكن، يقال: قر واستقر، أي: هدأ واطمأن، وقولهم: قرت عينه، أي: أعطاه الله تعالی ما تسکن به عينه فلا يطمح إلى غيره (٥)، وعليه قال بعض أهل اللغة: إن معنی قرة العين أن يصادف عينه ما يرضاه قلبه، فتقر عينه عن النظر إلى غيره، يعني: لا تنظر إلى غيره (٦). ووصف العين بالقريرة يشمل المعنيين (٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٠١/٢. (٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٧/٥، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٢٢/٦، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ١/ ٤٦٠. (٦) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٢٥/٨. ٤٤ جوثيق لِلْقُرْآن الكَرِيمِ العين معًا، حيث إنها تكون باردة و دمعتها كذلك عند فرحها وسرورها، كما تكون عندئذ قارة ثابتة غير متطلعة لما ليس لها غالبًا. والدعاء بقول بعضهم: أقر الله عينك معناه: «صادفت عينك سرورًا فنامت وذهب سهرها، وصادفت ما يرضيك، أي: بلغك الله أقصی أملك، حتى تقر عينك من النظر إلى غيره؛ استغناء ورضى بما في يديك»(١). ورد هذا المعنى في القرآن في سبع آيات: قال الله تعالى: ﴿فَكُلِى وَاشْرَِ وَقَرِى عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] وقال أيضًا: ﴿فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [ طه: ٤٠] وقال أيضًا: ﴿رَبَّنَاهَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ [ الفرقان: ٧٤] وقال أيضًا: ﴿وَقَالَتِ أُمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِ وَلَكَ لَا نَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩] ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَنْ نَقَرَّ وقال أيضًا: عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ [ القصص: ١٣] وقال أيضًا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. وقال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَّ ذَلِكَ أَدْفَى أَنْ تَغَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١]. (١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤٧٠/٥. ويلاحظ على هذه الآيات المباركات أمور: الأول: أن الله تعالى عبر بالفعل (تقر - وقري) في أربع آیات، وبالاسم (قرة) في ثلاث، وهذا أراه في قمة البلاغة، حيث استعمل الفعل -وهو موضوع؛ للدلالة على التجدد والحدوث- حينما كان المقام مقتضيًا لذلك في هذه المواضع، فمثلًا في قصة أم موسى عليه السلام كان قلبها متلهفًا علی ولیدها وفلذة كبدها، فرده الله تعالى إليها؛ لإرضاعه وتربيته فترة ما، کي تقر عينها بوليدها؛ لأنه غاب عنها فترة من الزمان، وسيغيب فترة أخرى بعد انتهاء الإرضاع، فلكي تتجدد لها قرة العين مرة بعد مرة جاء التعبير بالفعل، في موضعي (طه والقصص)، وكذلك الحال بالنسبة لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتجدد لهن الفرح والسرور وقرة العين أيضًا، هذا عن صيغة المضارع، أما صيغة الأمر في قصة مريم فيلمح منها الدلالة على إنشاء قرة العين لمريم عليها السلام، وطیب نفسها، وذهاب الخوف عنها حاضرًا ومستقبلًا، عند ولادتها عيسى عليه السلام، ولا أدل على ذلك من صيغة الأمر. والله أعلم. الثاني: التعبير بإفراد العين (عين، عينها) في ثلاث آيات، والتعبير بجمعها (أعين) في ثلاث أخرى أيضًا، وأرى أن الإفراد ورد لما www. modoee.com ٤٥ حرف العين بأن لا تتطلع عينه، ولا تطمح نفسه إلى ما کان حدیث الآيات عن شخص مفرد بعينه، وهي أم موسى عليه السلام في سورتي (طه في أيدي الآخرين، وما منحهم الله تعالى إياه من نعم وآلاء، وليقنع بما رزقه الله تعالى إياه، ولعل هذه النعم من قبيل الابتلاء والفتنة لهم، فضلا عن أنه من متاع الدنيا، و کل أمرها إلى زوال. والقصص)، وامرأة فرعون في موضع من سورة (القصص)، ولما كان الحديث عن جمع من الناس كعباد الرحمن في الفرقان، وأهل الجنة في السجدة، وأمهات المؤمنين في الأحزاب ناسب ذلك الإتيان بصيغة الجمع في الجميع. والله أعلم. الثالث: التعبير بعطف نفي الحزن على قرة العين في قوله تعالى: ﴿كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾؛ لتنويع المنة على أم موسى؛ لأن قرة عينها يكون برجوع موسى عليه السلام إليها، وانتفاء حزنها يكون بتحقق سلامته من الهلاك ومن الغرق وبوصوله إلى أحسن مأوى(١). والله أعلم. ٣. الثابتة غير المتطلعة. هذا الوصف للعين جاء بطريق الإشارة من غير تصريح في موضعين من كتاب الله تعالي. قال تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَ عَيْنَكَ إِلَى مَا مَنَّعْنَا ◌ِهِ= أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُنَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١]. وهذان الموضعان استفيد منهما الوصف بطريق الأمر، حيث أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم -والأمر للأمة أيضا- (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٩/١٦. جَوَبُور القرآن الكريم واعتبار هذا الوصف الضمني من قبيل الصفات المحمودة؛ لأنه أمر من قبل الله تعالى، والله جلا وعز لا يأمر إلا بكل خير، مما فيه محبته ورضاه سبحانه وتعالى كما مر، وهذا بلا شك على رأس المحامد كلها، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّةَ عَيْنَيْكَ﴾ الآية. قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه(٢). ومد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده؛ استحسانا للمنظور إليه. والمراد: لا تنظرن بعين الرغبة إلى ما متعنا به بعض الخلق، فما أعطيناك في الدنيا من القرآن خير وأفضل مما أعطيناهم من الأموال، فاستغن بما أعطيناك من القرآن والدين والعلم، ولا تنظر إلى أموالهم(٣). وقريب من هذين الموضعين قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنيّاً وَلَا نُطِعْ (٢) تفسير ابن أبي حاتم الرازي ٢٢٧٣/٧. (٣) انظر: تفسير السمر قندي ٢٦٢/٢. ٤٦ العين مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ. يتعدى إليه بنفسه، يقال: عداه إِذا جاوزه (٤). والله أعلم. قُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. حيث ينهى الله تعالى فيه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يجاوز بصره ضعفاء المؤمنين، رغبة في مجالسة الأشراف، وكان صلى الله عليه وسلم حريصًا على إيمان الرؤساء؛ طمعًا في إيمان أتباعهم، ولم يمل إلى الدنيا قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحيان للرؤساء؛ طمعًا في إیمانهم، فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على فقراء المسلمين، وألا يلتفت إلى غيرهم(١). والملاحظ على الآيات الكريمة أمور: الأول: أن (مد العین) هنا کأنه اقترن به تمنٍ ورجاء، ولذلك عبر عن الميل إلى زينة الدنيا بـ(مد العين)(٢). الثاني: التعبير بلفظ التثنية في (عينيك) يدل على المبالغة في النهي، أي: مدًا عظيمًا بالتمني والاشتهاء المؤكد، ولذلك ثنى العين؛ احتزازًا عن حديث النفس (٣). وَلَا تَعْدُ الثالث: ظاهر قوله تعالى: عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ يفيد النهي عن الإعراض، أي: لا تعرض عن هؤلاء الفقراء لأجل الأغنياء، ولذلك ضمن فعل العدو معنى الإعراض، فعدي إلى المفعول بـ (عن) و کان حقه أن (١) انظر: الوسيط الواحدي ١٤٥/٣. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٧/٣. (٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٨٦/١١. ٤. المتلذذة. هي: العين التي تنعم وتسعد بكل ما هو طيب المخبر، أو حسن المظهر، ولا يكون كمال اللذة إلا في الجنة بنعيم الله تعالى للمؤمنين. ووردت الإشارة إلى هذا الوصف في موطن واحد، عند الحديث عن بعض ألوان النعيم للمؤمنين في الجنة، وهو قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍّ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِبِهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]. فقوله تعالى: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ من لذذت الشيء واستلذذته، والمعنى: ما من شيء اشتهته نفس أو استلذته عین إلا وهو في الجنة، وقد جمع الله تعالى جميع نعيم الجنة في هذين الوصفين، فإنه ما من نعمة إلا وهي نصيب النفس أو العين، وتمام النعيم الخلود؛ لأنه لو انقطع لم تطب (٥). هذا ويلاحظ على هذا الموضع الكريم أمور: أولها: اشتماله على جميع أنواع النعيم، وألوان المتع لأهل الجنة بأوجز عبارة وأدقها؛ لأنه ما من نعمة إلا وفيها حظ (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٥/١٥. (٥) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٨٣/٤. www. modoee.com ٤٧ حرفالعین للنفس أو العین، کما مر. ثانیھا: اختصاص العين بالذكر هنا دون بقية الجوارح؛ ((لأنها رائد النفس والقلب، وللدلالة على فرط حسن نعيم الجنة، وإلا ما قبلته العین والنفس»(١). ثالثها: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ رافع لكل ألم وتنغيص عن أهل الجنة ((فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال، ومستعقب للتحسر في مستقبل الحال)) (٢) نسأل الله تعالى أن تکون جمیعًا من أهل فضله ورضوانه في الحال والمآل، اللهم آمين. ٢. الأعين المذمومة وصفاتها. سيرًا على سنن القرآن الكريم في الجمع بين الترغيب والترهيب والمدح والذم، ألفینا الحدیث فیه عن العین جامعًا بین هذین الأسلوبين، ومر بنا سابقًا العين المحمودة وصفاتها، وهذا بلا شك من قبيل الترغيب والمدح؛ ليمتثل المؤمنون الصادقون هذه الصفات، ولهم عند ربهم حسن المثوبة في الجنات، والآن سنعرض الأسلوب الآخر، وهو من قبيل الترهيب والذم؛ ليجتنبه المؤمنون ويحذروه، وستعرض هذه الصفات حسب ترتيبها المصحفي فيما يلي: (١) غرائب التفسير وعجائب التأويل، الكرماني ٠١٠٦٧/٢ (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٥/ ٩٦. ١. المعطلة. يقصد بها: العين التي عطلت عن إدراك الحقائق والبينات من غير علة أو آفة من الآفات، ويدخل في ذلك عدم الاهتداء إلى الهدى، وسلوك طريقه دخولا أوليًّا. وورد هذا الوصف للعين في القرآن الكريم في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَاُلْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهْ أَعْيُنٌّ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَانَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَكَ كَالْأَنَْمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ: [الأعراف: ١٧٩]. والآية الكريمة واردة في سياق ذم بني البشر الذين تنكبوا الصراط المستقيم، وكفروا بربهم الذي أخذ عليهم العهد في عالم الذر، وتأكد هذا المعنى بذكر قصة الذي أوتي آیات الله ثم انسلخ منها، واتضح هنا أكثر ببيان أن بعضًا من أشقياء الجن والإنس عطلوا حواسهم فلم يستعملوها فيما ينجيهم من عذاب الله تعالى، وخزي الآخرة. ومعنى نفي الفقه والإبصار والسمع هنا عن آلاتها الكائنة فيهم: أنهم عطلوا أعمالها بترك استعمالها في أهم ما تصلح له، وهو معرفة ما يحصل به الخير الأبدي، ويدفع به الضر السرمدي؛ لأن آلات الإدراك والعلم خلقها الله؛ لتحصيل المنافع ودفع المضار، ٤٨ جوسيس القرآن الكريمِ العین فلما لم یستعملوها في جلب أفضل المنافع، ودفع أكبر المضار نفى عنهم عملها على وجه العموم للمبالغة؛ لأن الفعل في حیز النفي يعم مثل النكرة، فهذا عام أريد به الخصوص للمبالغة. وليس في تقديم الأعين على الآذان مخالفة لما جرى عليه اصطلاح القرآن من تقديم السمع على البصر؛ لأن الترتيب في آية سورة الأعراف سلك طريق الترقي من القلوب التي هي مقر المدركات إلى آلات الإدراك، القلوب ثم الأعين ثم الآذان، فللقلوب المرتبة الأولى في الارتقاء(١). يليها العين حيث تمثل المرتبة الثانية في الإدراك. ثم الأذن التي تمثل المرتبة الثالثة في الإدراك. فالآية وردت بترتيب آلات الإدراك، وهي على حد قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنُّ يُصِرُونَ بِهَاَ أَمْ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ آَدْعُواْ شُرَّكَآَكُمْ ثُمَّ كِيدُونٍ فَلَا تُنظِرُونِ ﴾ [الأعراف: ١٩٥]. والآية وإن كانت واردة في شأن الأصنام إلا أنها وصفت بما وصف به عابدوها قبل ذلك من نفي أو تعطيل آلات الإدراك والعلم، أو أنهم خوطبوا على وفق ما (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥٩/٨. يعتقدونه فيها. والله أعلم. وسبحان من هذا كلامه وبيانه، وصدق الله حين وصفه بقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اُلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُ واْفِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. ٢. المزدرية. هي: العين التي تحتقر ما تقع عليه وتستصغره؛ تقليلًا لشأنه، وتهوينًا من أمره. وهذا الوصف مأخوذ من قولهم: زريت عليه: أي: عبته، وأزريت به: أي قصرت به، وازدريت، أصله: افتعلت، والإزراء: (٢). التهاون بالناس وعليه فالعين المزدرية أي: المحتقرة للآخرين، المستصغرة لشأنهم، وقد ورد هذا الوصف في موضع واحد، هو قوله تعالى: ﴿وَلََّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَِّنُ اُللَّهِ وَلَآَ أَعْلَمُ اُلْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِّ مَلَكَّ وَلَاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىّ أَنْفُسِهِمَّ إِىَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١]. والآية واردة في ثنايا قصة سيدنا نوح عليه السلام ومجادلته قومه، وفي هذا السياق نفی نوح عليه السلام (أربعة أمور: أولها: أنه ليس عنده خزائن، فهو في الأموال دونهم، فالله تعالى لم یبعث رسولا يعطيه خزائن الأرض، لكن يبعثه بما هو (٢) انظر: العين، الفراهيدي ٣٨١/٧، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٧٩. www. modoee.com ٤٩ حرفالعین أعز وأغلى وهو إثراء الروح والنفس بمحبة فعسى الله أن يؤتيهم خيري الدارين(٢)، والله أعلم. الله ورجاء ثوابه وتقوى الله تعالى وخوف عقابه. ثانيها: نفی أنه يعلم الغيب، فما جاء إلا هادیًا للحق و داعيًا إلى الله تعالى، وذلك لا يقتضي علم الغيب الذي اختص الله تعالى به نفسه، وهو في هذا مثلکم. ثالثها: أنه لا يقول إنه ملك، وهو بشر مثلکم نشأ بینکم وعرفتم حیاته، وأنه بشر كسائر البشر. رابعها: نفى أنه يقول للمؤمنين الذين تحتقرهم أعینکم: لن يؤتيهم الله خيرا، بل لهم الخير كل الخير، وأشار بقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَا فِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١]. إلی أن الاعتبار لیس للصورة ولکن إلى نور القلوب (١). وهنا نسب الازدراء للأعین لأحد أمرين: الأول: إما بالنظر إلى قولهم: ﴿ وَمَا نَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاِلْنَا بَادِىَ الَّأْىِ﴾ [هود: ٢٧]. أي: لا أقول في شأن الذین استرذلتموهم واحتقرتموهم لفقرهم من المؤمنين: لن يؤتيهم الله خيرًا في الدنيا أو في الآخرة، (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٧ / ٣٧٠٢. جَوَنُو القرآن الكريم ٣. الدوارة. يقصد بها: العين المضطربة كثيرة الحركة والتجول من شدة الخوف والفزع لعظيم ما دهاها. أو هي: الهلعة التي تدور هلعًا من شدة الخوف. واستفيد هذا الوصف من قوله تعالى في وصف المنافقين: ﴿فَإِذَا جَآءَ لَلْنَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَىْ عَلَيْهِ مِنَ اٌلْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]. وهذه الآية الكريمة واردة في سياق غزوة الخندق من سورة الأحزاب؛ لتصف بعضًا من أحوال المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وبيان أن المنافقين قوم جبناء خوارون بخلاء، فإذا جاء الخوف واقترب الوقت الذي يتوقع فيه اللقاء بینکم وبین أعدائکم، رأیتھم -أيها الرسول الکریم- ينظرون إليك بجبن وهلع، تدور أعینھم في مآقیھم یمینًا وشمالًا، کحال الثاني: أو الإشعار بأنهم قالوا ذلك لقصور نظرهم، ولو تدبروا في شأنهم ما المغشي عليه من الموت، وجيء بصيغة المضارع في ﴿یَنظُرُونَ﴾؛ ليدل على تکرر فعلوا ذلك. هذا النظر وتجدده. وجملة ﴿تَدُورُ أَعْيُّنُهُمْ﴾: حال من (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ٢٠٣. ٥ العين ضمير ﴿يَنْظُرُونَ﴾ لتصوير هيئة نظرهم نظر أعينهم دورانا كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، فحذف المصدر وهو (دورانا) الخائف المذعور الذي يحدق بعينيه إلى جهات یحذر أن تأتیه المصائب من إحداها. وما أضيفت الکاف إليه وهو (دوران) وما أضيف (دوران) إليه وهو (عين) وأقيم (الذي) مقام (عين)، وإنما وجب هذا التقدير؛ ليستقيم معنى الكلام(٢)، والله أعلم. والدور والدوران: تحرك جسم حركة دائرية - كحركة الرحى - منتقل من موضع إلی موضع، فینتھي إلی حیث ابتدأ، يقال: دار الشيء يدور دورًا ودورانًا وأدار الشيء: (١) جعل حركاته تتواتر بعضها إثر بعض المعنى، فالدار اسم للمكان المحدود المحيط بسکانه بحیث یکون حولهم، ومنه سمیت الدارة لکل أرض تحيط بها جبال، وقالوا: دارت الرحى حول قطبها. وسموا الصنم: دوارا - بضم الدال وفتحها-؛ لأنه يدور به زائروه كالطواف، وسموا ما يحيط بالقمر والشمس دائرة، وسميت مصيبة الحرب دائرة؛ لأنهم تخيلوها محيطة بالذي نزلت به لا يجد منها مفرًا. وعليه فمعنى ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾: أنها تضطرب في أجفانها كحركة الجسم الدائري من سرعة تنقلها محملقة إلى الجهات المحيطة، وشبه نظرهم بنظر الذي يغشى عليه بسبب النزع عند الموت فإن عينيه تضطربان، ويصير حاله في أقصى دركات الوهن والخوف والفزع. وفي الآية الكريمة حذف تقديره: تدور (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٧/٢١. ويقارب هذه الآية في المعنى قوله ومشتقات هذا الفعل تدور حول هذا تعالى: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا اَلْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠]. وهي الأخرى تصف المنافقين بهذه الحالة من الهلع والخوف والذعر الذي ينتابهم حين يطالبون بالقتال أو الاشتراك فيه مع المؤمنين، إلا أن الآية السابقة دلت على هذا الوصف مع الحركة والاضطراب، وهذه دلت عليه مع السكون وثبات الحدقة وعدم التحريك، وفي ذلك يقول ابن عاشور: ((ووجه الشبه: ثبات الحدقة وعدم التحريك، أي: ينظرون إليك نظر المتحير بحیث یتجه إلى صوب واحد، ولا يشتغل بالمرئيات؛ لأنه شاغل عن النظر))(٣). فسبحان من هذا كلامه، ومنطقه وبیانه. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٨/٢١، التفسير الوسيط، طنطاوي ١٨٩/١١، التفسير المنير، وهبة الزحيلي ٢١/ ٢٥٧. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/ ٩١. www. modoee.com حرف العين ٤. المطموسة. هي: العین التي لا یکون بین جفنيها شق، حتى تصير كأنها ممسوحة. والطمس: إزالة الأثر بالمحو كلية، كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى طميس ومطموس: إذا كان لا يتبين له جفن، ولا یری شفر عينه (١). وهذا الوصف ورد في موضعين، هما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِمْ فَأَسْتَبَقُواْ الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنِ ضَيْفِهِ» فَطَمَسْنَا أَعْيُّبَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرٍ [القمر: ٣٧]. والآية الأولى: واردة في سياق ذم الكفار وتوبيخهم على تركهم سلوك طريق الحق مع وضوحه، فبين الله تعالى لهم هنا بعض مظاهر قدرته عليهم. والمعنى: لو نشاء لأعميناهم فعدلوا عن الهدى، فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين الطريق المألوف لم يستطيعوا، فكيف بغيره؟ ومن أين يبصرون لو فعلنا بهم ذلك؟! والثانية: واردة في سياق قصة لوط عليه السلام مع قومه، حیث تعرض الآية مشهدًا (١) انظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة معمر بن المثنى ١٦٥/٢، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٩٣/٤، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٢٤. من مشاهدها، حیث راودوه عن ضيفه من الملائكة الكرام، ونهاهم لوط عليه السلام عن ذلك، وحذرهم عقاب الله، إلا أنهم لم يرعووا، فطمس الله أعينهم فلم يروا الأضیاف، وخرجوا من بینھم سالمین. ويلاحظ على الآيتين الكريمتين هنا أمران: الأول: أن الطمس لم يقع في الآية الأولى، بل هو وارد على سبيل التهديد والوعيد، ويدل عليه وقوع فعل المشيئة في أسلوب الشرط، ولعل هذا من فرط رحمة الله تعالى بعباده، إذ لم يعاجلهم بالعقوبة، حتى لو كانوا كفارًا، بينما وقع الطمس في قصة لوط عليه السلام، حيث ضربهم جبريل عليه السلام على أعينهم فأعماهم، وورد الفعل ماضيًا ﴿نطمسناً﴾؛ ليؤكد ذلك. الثاني: الدلالة على تمكن الطمس وقوته عند وقوعه، وذلك للتعبير بحرف الاستعلاء (على) في الموطن الأول، مع أن الطمس يتعدى بنفسه (٢) كما جاءنا في الموطن الثاني. والله أعلم. ٥. الخائنة. يقصد بها: العين التي تنظر خلسة إلى ما لا یحل لها. أو المراد: العين التي يومئ صاحبها بخلاف ما یظهر من غدر أو قتل أو ضرب أو (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥١/٢٣. ٥٢ صَؤُ ودَةُ النَّهِ جوسين القرآن الكريم العين خيانة ونحوها فإذا كان ظهور تلك الخيانة من قبل عينه كانت عينه من خائنة الأعين (١). وهذا الوصف وردت الإشارة إليه في آية واحدة هي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ﴾ [غافر: ١٩]. علق سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما على الآية السابقة فقال: الرجل يكون في القوم فتمر بھم المرأة فیریھم أنه یغض بصره عنها، فإن رأى منهم غفلة نظر إليها، فإن خاف أن يفطنوا به غض بصره، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود أنه نظر إلى عورتها (٢). وذكر ابن حجر عن بعض أهل العلم: أن معنى ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: أن الله يعلم النظرة المسترقة إلى ما لا يحل، وأما خائنة الأعين التي ذكرت في الخصائص النبوية (٣). (١) انظر: عون المعبود، العظيم آبادي ٢٤٩/٧. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ٣٢٧/٤. (٣) يشار بذلك إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه مصعب بن سعد، عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجاء به حتى أوقفه على النبي، فقال: يا رسول الله، بایع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، ثم أقبل على أصحابه، فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟) فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ فقال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين). أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب فهي الإشارة بالعين إلى أمر مباح لكن على خلاف ما يظهر منه بالقول. قلت (٤): وكذا السكوت المشعر بالتقرير فإنه يقوم مقام القول (٥). ولما كانت هذه الخيانة من قبل العين أضيفت إليها، وكان يحرم عليه صلى الله عليه وسلم خائنة الأعين في غير الحرب، ومکایدة العدو وهي أن یشیر إلی مباح من غير أن يظهره من ضرب، أو قتل أو نحوه - كما مر - مما يحل أن ينطق به، ولا يحرم ذلك على الأمة إلا في محظور (٦). وفي ضوء ذلك نعلم أن هذا الوصف للعين ذمه القرآن الكريم، وذم متصفيه مما يؤكد أهمية ابتعاد المسلم عنه، وبخاصة إذا کان في أمر محظور نھی الشرع عنه، ولم یکن في مکیدة أو حرب، والله أعلم. ٣. أعين لا توصف بمدح ولا ذم. مر بنا حديث القرآن عن العين المحمودة أولًا، ثم المذمومة ثانيًا، وها نحن أولاء قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، رقم ٢٦٨٣، ٣ / ٥٩، والنسائي في الكبرى، كتاب المحاربة، باب الحكم في المرتد، رقم ٣،٣٥١٦/ ٤٤٣. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٣٠٠/٤. (٤) الكلام للإمام ابن حجر رحمه الله تعالى وجميع علمائنا المسلمين. (٥) فتح الباري ١١/ ٩. (٦) انظر: شرح السنة، البغوي ٤٣/١١. www. modoee.com ٥٣ حرفالعین في هذا الموضع نقف على صفات العين أحد أوزان جمع القلة (أفعل)، مراد به الكثرة الخارجة عن المدح والذم، وهي مرتبة لا القلة؛ لأن الناس في هذا اليوم جمعهم حسب ترتيبها المصحفي كما يلي: ١. المسحورة. هي: العين التي وقع عليها تأثير السحر، فيخيل إليها أنها ترى أشياء غير حقيقية أو واقعية. أو هي: العين الواقعة تحت التأثير النفسي للسحر، فلا ترى الأشياء على حقيقتها. وهذا الوصف للعين ورد في موضع واحد من کتاب الله تعالى، وهو قوله تعالی: قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]. ويلاحظ على الآية الكريمة أمران: أولهما: أن الله تعالى نسب السحر إلى الأعين، ولم ينسبه إلى الناس أنفسهم؛ للدلالة على أنهم سحروا أعين الناس وعقولهم، أى: خيلوا إلى الأبصار -بما فعلوا من التمویه والتخییل- أن صنیعهم له صنعة وخيال، فتأثيرهم في الرؤية لا في الناس (١). (١) انظر: تفسير السمعاني ٢٠٤/٢، زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٣٩/١، التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٤٩/٥. فرعون من كل حدب وصوب لرؤية هذا الحدث الجلل، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ [طه: ٥٩]. وقوله تعالى: ﴿وَقِلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُم ◌ُجْتَمِعُونَ ﴿ لَعَلَّنَا نَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَئِلِينَ﴾ [الشعراء: ٣٩: ٤٠]. ونحو ذلك من الآيات المفيدة كثرة الناس في هذا المشهد المهيب، أو أن جمع القلة على بابه والمقصود به طائفة مخصوصة من الناس، وهم قوم فرعون ومن جمعهم لمثل هذا الأمر، والله أعلم. ٢. المبيضة. هي: العين التي غلب البياض على حدقتها من شدة الحزن، المستلزم لكثرة البكاء فتذهب الرؤية عنها (٢). واخترت هذه التسمية بدلًا من (البيضاء)؛ لأن كلمة (البيضاء) توحي بأن هذا الوصف حقيقة في الخارج مع أنه لم يكن إلا مجرد ذاتي للموصوف، وليس الأمر كذلك، بل جاءها البياض، وغلب على العين بعد تغيير الحقيقة، ولذا لم يقل سبحانه سحروا ذلك لسبب من الأسباب كالحزن وكثرة البكاء ونحوهما، وهذا الوصف وارد في موطن واحد في قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ ثانيهما: أن لفظ (الأعين) الوارد على وَقَالَ يَتَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبَيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ (٢) انظر: تفسير السمعاني ٥٨/٣. ٥٤ القرآن الكريم العين اَلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: ٨٤]. الأرض؛ لإصلاح معایشهم ومنافعهم، ومن والآية مسوقة - كما هو معلوم- ضمن هؤلاء الأقوام: قصة يوسف عليه السلام؛ لبيان عظم حزن أبيه يعقوب عليه السلام عليه، وللمفسرين في ابيضاض العين قولان: أولهما: أنه ذهب بصره كلية. ثانيهما: أنه ضعف بصره؛ لبیاض حصل فیه من کثرة بكائه(١). وذهب بعضهم: إلى أن الآية من قبيل المجاز، وعليه فقوله: ﴿وَأَتَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ كناية عن غلبة البكاء (٢)، وليس ثمة ذهاب للبصر أو بعضه. وأرجح القول الأول، حيث إن ظاهر القرآن يؤيده في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِ يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٣] إلى أن قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَرْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦]. فقوله: ﴿يَأْتِ بَصِيًا﴾ و﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ يقتضيان سبق العمى، الذي أفضى إليه شدة الحزن وكثرة البكاء، والله أعلم. ثالثًا: العيون الممنون بها على بعض الأقوام السابقين. مَنَّ الله تعالى على بعض الأقوام السابقين - كما منَّ علينا أيضًا - ببعض عيون (١) النكتب والعيون، الماوردي ٦٩/٣. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٩٨/١٨. ١. قوم هود عليه السلام. قوم هود عليه السلام كانوا يسكنون الأحقاف، وهي جبال رملية قرب حضرموت من ناحية اليمن، وقد جاؤوا بعد قوم نوح عليه السلام، وكانوا ممن زاغت قلوبهم بعد فترة من الطوفان الذي طهر وجه الأرض من العصاة. دت هذه القصة في (الأعراف) وفي (هود) مفصلة، كما وردت في سورة (المؤمنون) بدون ذكر اسم هود أو عاد، وهي تعرض هنا في (الشعراء) مختصرة بين طرفيها: طرف دعوة هود لقومه، وطرف العاقبة التي انتهى إليها المكذبون منهم(٣)، وقبل هلاكهم ذكرهم نبيهم عليه السلام بعظيم نعم الله تعالى عليهم، والتي منها عيون الماء، ولولاها -بعد الله تعالى- ما كانت لهم حياة ولا وجود ألبتة، لكنهم لم يستجيبوا ولم يؤمنوا فحاق بهم سوء العذاب، وهذا ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿فَتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ ) وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُر بِمَا تَعْلَمُونَ ، أَمَذَّكُم بِأَنْعَمٍ وَبَنِينَ () وَحَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴿ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣١ -١٣٥]. هذا ويلاحظ على الآيات الكريمة أمور (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦١٠/٥. www. modoee.com حرف العين كما يلي: هذه النعم، وهذا فیه مزید إکرام وإنعام لهم، أولها: أن سيدنا هودًا عليه السلام ومع ذلك كله لم يتعظوا ولم ينتفعوا فنزل بهم ما أوعدوا به، والله أعلم. استعمل مع قومه في دعوته (أسلوب التفصيل بعد الإجمال) في قوله تعالى: ﴿وَتَّقُواْ أَلَّذِىّ أَمَذَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ) أَمَذَّكُرُ بِأَنْعَمٍ وَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٢ - ١٣٣]. وهذا بلا شك أوقع في النفس، وأبلغ في الموعظة والنصح، ولعل دعاة اليوم يستفيدون من مثل هذه المناهج الدعوية للقرآن الکریم. ثانيها: ابتدأ هود عليه السلام في تعداد النعم بذكر الأنعام؛ لأنها أجل نعمة على أهل ذلك البلد، فمنها أقواتهم ولباسهم وعليها أسفارهم، وكانوا أهل حل وترحال، وعطف عليها البنين؛ لأنهم نعمة عظيمة، وبها أنسهم وعونهم على أسباب الحياة وبقاء ذكرهم بعدهم، و کثرة سوادهم وعددهم(١). ثالثها: ثم ذكر عليه السلام (الجنات والعیون) بعد ذلك؛ لأن بها رفاهية حالهم، واتساع رزقهم، وعيش أنعامهم (٢). رابعها: ورود النعم المذكورة بصيغة الجمع يدل على تعددها وتنوعها، فهي ليست واحدة، بل أنعام وينون وجنات وعیون، وهذا الجمع باعتبار التعدد والتنوع، أو باعتبار انفراد كل واحد من القوم بمجموع (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٠/١٩. (٢) انظر: المصدر السابق ١٩/ ١٧٠. ٢. قوم صالح عليه السلام. كما ذكر سيدنا هود عليه السلام قومه بنعم الله تعالى عليهم، ذكر سيدنا صالح عليه السلام قومه كذلك، ومما ذكرهم به هذه الجنات والعيون التى أغدقها الله عليهم، والزروع والنخيل المترتبة على هذه العيون، فالعيون ههنا لم توصف بمدح أو ذم، لكنها واردة في مقام الامتنان والتذكير بنعم الله تعالى، ولننظر إلى سيدنا صالح عليه السلام هنا وهو يذكر قومه بقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِ مَا هَهُنَآ ءَامِنِينَ (٥) فِ جَنَّتِ وَزُدُوعِ وَخْلٍ طَلْعُهَا حَضِيمٌ (١) وَعُيُونٍ ) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦ - ١٤٩]. ١٤٦ وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَهُنَآ ءَامِنِينَ فِ جَنَتٍ وَعُيُونٍ﴾ أي: في هذا الخير والسعة آمنين من الموت في البساتين والأنهار، ويقال: العيون هاهنا الآثار؛ لأن قوم صالح لم يكن لهم أنهار جارية (٣). هذا ويلاحظ على الآيات الكريمة هنا أمران: الأول: أن العيون جاءت مجموعة أيضًا فهذا لتعددها أو تنوعها، وفي كلٍ مزيد إنعام (٣) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٥٦٣. ٥٦ فَضْو القرآن الكريم