Indexed OCR Text

Pages 21-40

غزوة أحد
طلحة)(١).
وقد خرجت بعض النسوة مع جيش
المسلمين إلى أحد، منهن أم سَلِيط، فقد
ثبت عنها أنها كانت تحمل قرب الماء
لسقاية المسلمين(٢).
وكانت حمنة بنت جحش الأسدية تسقي
العطشى وتداوي الجرحى، عن معاوية بن
عبيد الله بن أبي أحمد بن جحش، قال:
(رأيت بعيني حمنة بنت جحش يوم أحد
تسقي العطشى، وتداوي الجرحى)(٣).
وصح أن عائشة رضي الله عنها وأم سليم
قامتا بسقي الجرحی بعد تراجع المسلمین،
عن أنس رضي الله عنه، قال: (لما كان
يوم أحد، انهزم الناس عن النبي صلى الله
عليه وسلم، قال: ولقد رأيت عائشة بنت
أبي بكر، وأم سليم وإنهما لمشمرتان، أرى
خدم سوقهما تنقزان القرب، وقال غيره:
تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في
أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب (إذ همت طائفتان منكم أن
تفشلا)، ٩٧/٥، رقم ٤٠٦٤، ومسلم في
صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة
النساء مع الرجال ١٤٤٣/٣، رقم ١٨١١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب حمل النساء القرب إلى الناس
في الغزو ٣٣/٤، رقم ٢٨٨١.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير
٢١٦/٢٤، رقم ٥٤٩، قال الهيثمي: إسناده
حسن. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٩/ ٢٦٢.
فتفرغانها في أفواه القوم) (٤).
وبهذا الثبات العظيم من النبي صلى
الله عليه وسلم وصحبه استطاعوا السيطرة
على الموقف الحربي تجاه تفوق نسبي
للمشركين، فصدوا الهجمات، وأعيدت
المعنويات، فيئس المشركون من القضاء
على المسلمين، ثم انسحبوا من ساحة
المعركة.
فالثبات فى ميدان المعركة هو أحد صور
الثبات التي يربي الإسلام المسلمين عليها،
وذلك أنها صفة تدل على قوة العزيمة
والإرادة واليقين بالحق، ولذا عد الفرار من
الزحف من كبائر الذنوب.
رابعًا: مشهد النعاس:
امتن الله على عباده المؤمنين يوم أحد
بآيات عظيمة، كانت معينة لهم على الثبات،
ومقوية لهم في محنتهم، رغم قلتهم وكثرة
عدوهم، ولما اشتد على المؤمنين الكرب
وعظم خوفهم، ونالهم من التعب ما نالهم،
وغشيهم من الكرب ما غشيهم؛ ألقى الله
تعالى عليهم النعاس وهو أول النوم(٥)؛
لينسيهم غمهم، ويزيل تعبهم، ويجدد
نشاطهم، فكان ذلك كرامة من الله تعالى
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال
٤/ ٣٣، رقم ٢٨٨٠.
(٥) المصباح المنير، الفيومي ٦١٣/٢.
www. modoee.com
١٦٥

حرفالغين
لهم، وسكينة عليهم: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ
الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىْ طَآئِفَةٌ مِّنْكُمْ﴾ [آل
عمران: ١٥٤].
ومن شأن النعاس أن يزيل عن الإنسان
بعض المتاعب، وصاحبه لا یغیب، ولو کان
نومًا ثقيلًا لهاجمهم الكفار.
یقول ابن كثير رحمه الله: «یقول تعالی
ممتنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة
والأمنة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم
مستلمو السلاح في حال همهم وغمهم،
والنعاس في مثل تلك الحال دليل على
الأمان، كما قال تعالى في سورة الأنفال،
في قصة بدر: ﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً
مِنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيْطَهِّرَكُمْ
◌ِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلَرْبِطَ
عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ اٌلْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:
١١])(١) .
وهذا النعاس ((ظاهرة عجيبة تشي برحمة
الله التي تحف بعباده المؤمنين، فالنعاس
حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعین،
ولو لحظة واحدة، يفعل في كيانهم فعل
السحر، ويردهم خلقًا جديدًا، ويسكب في
قلوبهم الطمأنينة، كما يسكب في كيانهم
الراحة. بطريقة مجهولة الکنه والکیف»(٢).
يقول الفخر الرازي: ((واعلم أن ذلك
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٤٤ .
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٤٩٥.
النعاس فيه فوائد:
أحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين
لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة
ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك
أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة
الجديدة ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ومتى
صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو
ووثوقهم بأن الله منجز وعده.
وثانيها: أن الأرق والسهر يوجبان
الضعف والكلال، والنوم يفيد عود القوة
والنشاط واشتداد القوة والقدرة.
وثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل
المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي
منهم؛ لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم، فيشتد
الخوف والجبن في قلوبهم.
ورابعها: أن الأعداء كانوا في غاية
الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم
مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل
الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم،
وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم
مزید الوثوق بوعد الله تعالى (٣).
قال الزبير بن العوام رضي الله عنه:
(لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم أحد حين اشتد علينا الخوف،
وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا وذقنه في
صدره).
(٣) مفاتیح الغيب، الرازي ٩/ ٣٩٣-٣٩٤.
١٦٦
مَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريم

غزوة أحد
وقال أبو طلحة الأنصاري رضي الله عليهما ثياب بياض، ما رأيتهما قبل ولا بعد،
عنه: (غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام) (٤).
أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي
وآخذه ويسقط وآخذه)(١).
وفي رواية قال أبو طلحة: (رفعت
رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم
يومئذ من أحد إلا يميد تحت حجفته من
النعاس؛ فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ
عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ [آل عمران:
١٥٤])(٢).
وعن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال:
(كنت ممن يعتريه النعاس يوم أحد، فلا
أنسى أنه أسمع صوت معتب بن قشيرٍ
كالحلم)(٣).
خامسًا: تنزل الملائكة:
من الآيات التي أيد الله بها عباده
المؤمنين يوم أحد: أن الملائكة حضروها،
ودافعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما
روى الشيخان من حديث سعد رضي الله
عنه قال: (رأیت عن یمین رسول الله صلى
الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (أمنة نعاسًا)، ٣٨/٦، رقم
٤٥٦٢.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب
ومن سورة آل عمران ٢٢٩/٥، رقم ٣٠٠٧ .
(٣) أخرجه الإسماعيلي في مستخرجه، ٣/ ٦٠،
رقم ٨٦٤، والبزار في مسنده ١٨٩/٣.
وهذا «فيه بيان كرامة النبي صلى الله عليه
وسلم على الله تعالى وإكرامه إياه بإنزال
الملائكة تقاتل معه. وبيان أن الملائكة
تقاتل وأن قتالهم لم يختص بیوم بدر، وهذا
هو الصواب، خلافا لمن زعم اختصاصه به
فهذا صريح في الرد عليه))(٥).
فكانت الملائكة حاضرة في غزوة أحد؛
لحراسة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد
وعد الله المؤمنين إن صبروا واتقوا أمدهم
بخمسة آلاف من الملائكة معلمين بعلامات
يعرفونهم بها، فلما عصوا أمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وترك الرماة عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يبرحوا
منازلهم رفع الله عنهم مدد الملائكة.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ
وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١) إِذْ
تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم
( بَلَ إِن
◌ِثَلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَلِكَةِ مُنْزَلِينَ
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُبْدِدَكُمْ
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب (إذ همت طائفتان منكم أن
تفشلا)، ٩٦/٥، رقم ٤٠٥٤، ومسلم في
صحيحه، كتاب الفضائل، باب في قتال
جبريل وميكائيل عن النبي صلى الله عليه
وسلم يوم أحد ١٨٠٢/٤، رقم ٢٣٠٦،
واللفظ لمسلم.
(٥) شرح صحيح مسلم، النووي، ١٥/ ٦٦.
www. modoee.com
١٦٧

حرف الغين
رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَ الَفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل الله عنه قال: (لما قتل أبي جعلت أكشف
الثوب عن وجهه وأبکي، وینھونني عنه وهو
عمران: ١٢٣ - ١٢٥].
لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال
فشرط الله لإمدادهم ثلاثة شروط:
الصبر، والتقوى، وإتيان المشركين من
فورهم هذا(١).
النبي صلى الله عليه وسلم: (تبكين أو لا
تبكين، فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها
حتی رفعتموه)(٤).
ومن أعمال الملائكة في أحد: أنهم
غسلوا من كان جنبًا من الصحابة رضي الله
عنهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
في شأن حنظلة بن أبي عامر: (إن صاحبكم
تغسله الملائكة، فاسألوا صاحبته)، فقالت:
(إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب)،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لذلك غسلته الملائكة)(٢).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
(أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة
بن الراهب وهما جنب، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (رأيت الملائكة
تغسلهما)(٣).
ومن أعمال الملائكة إظلالها لبعض
الصحابة، فقد أظلت عبد الله بن حرام
رضي الله عنه، کما روی ابنه جابر رضي
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٦.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك على
الصحيحين ٢٢٥/٣، والبيهقي في السنن
الكبرى ٤ / ٢٢، رقم ٦٨١٤.
وصححه الألباني. في إرواء الغليل ١٦٧/٣
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير
٣٩١/١١.
وحسنه الألباني في أحكام الجنائز ١ / ٥٦.
سادسًا: موقف الرماة:
جعل النبي صلی الله عليه وسلم جيشا
من الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير،
وأمرهم أن لا يبرحوا أماكنهم حتى وإن ظهر
المسلمون.
عن البراء بن عازب رضي الله عنهما،
يحدث قال: جعل النبي صلى الله عليه
وسلم على الرجالة يوم أحد -وكانوا
خمسین رجلًا- عبد الله بن جبير، فقال:
(إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا
مکانکم هذا حتی أرسل إلیکم، وإن رأيتمونا
هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى
أرسل إليكم)، فهزموهم، قال: فأنا والله
رأیت النساء یشتددن، قد بدت خلاخلهن
وأسوقهن، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج
في أكفانه ٧٢/٢، رقم ١٢٤٤، ومسلم في
صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله
تعالى عنهم، باب من فضائل عبد الله بن
عمرو بن حرام والد جابر رضي الله تعالى
عنهما ٤ /١٩١٨، رقم ٢٤٧١.
١٦٨
القرآن الكريم

غزوة أحد
عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة،
ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبدالله
بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله
صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتين
الناس، فلنصيين من الغنيمة، فلما أتوهم
صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك
إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق
مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر
رجلا، فأصابوا منا سبعين (١
.(١).
يقول سبحانه، مبينا حقيقة ما حصل:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ
تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ
وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَبْتُم مِّنْ بَعْدِ
مَآ أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ
الدُّنْيَا وَمِنكُم مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ
صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا
عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل
عمران: ١٥٢].
قال محمد بن كعب القرظي: ((لما رجع
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة
وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس
من أصحابه: من أین أصابنا هذا وقد وعدنا
الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ الآية إلى قوله:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف
في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه ٦٥/٤،
رقم ٣٠٣٩.
﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ يعني: الرماة
الذين فعلوا ما فعلوا يوم أحد(٢).
ومعنى تحسونهم أي: تقتلونهم
وتستأصلونهم(٣).
والمعنى: ولقد حقق الله تعالى لكم
أيها المؤمنون ما وعدكم به من النصر على
أعدائکم؛ إذ أیدکم في أول معركة أحد بعونه
وتأييده، فصرتم تقتلون المشركين قتلا ذريعا
شديدا بإذنه و تیسیره ورعایته.
﴿حَتٌَّ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى
اُلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن ◌ْ بَعْدِ مَآ أَرَكُم مَّا
تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
((أي: حتى إذا جبنتم وضعفتم
﴿وَتَنَزَعْتُمْ فِ الْأَمْرِ﴾، أي: واختلفتم
في أمر الله، وعصيتم وخالفتم نبيكم،
فتركتم أمره وما عهد إليكم. وإنما يعني
بذلك الرماة الذين كان أمرهم صلى الله
عليه وسلم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم
الشعب بأحد بإزاء خالد بن الوليد ومن كان
.
معه من فرسان المشركين)»(٤)
﴿مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾،
أي: من بعد الذي أراكم الله، أيها المؤمنون
بمحمد، من النصر والظفر بالمشركين،
(٢) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص ١٢٦،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٣٣/٤ .
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢٣٥/٤.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٢٨/٤.
www. modoee.com
١٦٩

حرفالغين
وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن
نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم
التي کان رسول الله صلی الله عليه وسلم
أقعدهم فيها، وقبل خروج خيل المشركين
على المؤمنين من ورائهم(١).
قال الفخر الرازي: ((ما الفائدة في قوله:
﴿مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَتَكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾؟
والجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه
على عظم المعصية؛ لأنهم لما شاهدوا أن
الله تعالی أکرمهم بإنجاز الوعد كان من
حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا
عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام،
وأذاقهم وبال أمرهم»(٢).
((وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم،
ووجه التوبيخ لهم أنهم رأوا مبادئ النصر،
فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في
الثبات لا في الانهزام» (٣).
ثم قال سبحانه: ﴿وَمِنكُم مَن يُرِيدُ
الْآخِرَةَ ﴾ عن عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه، قال: «ما كنت أظن أن في أصحاب
النبي صلی الله عليه وسلم أحدًا یحب الدنيا
حتى نزلت: ﴿مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن
يُرِيدُ اْلْآَخِرَةَ﴾))(٤).
(١) جامع البيان، الطبري، ٢٨٩/٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٨/٩.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٣٧ .
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده ١/ ٢٨٤، رقم
٤٣٠ .
ثم قال: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمّ
وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
﴿ثُمَّ
يقول ابن عاشور: ((وإنما قال:
مَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَنْتَلِيَكُمْ﴾؛ ليدل على أن
ذلك الصرف بإذن الله وتقديره، كما كان
القتل بإذن الله وأن حكمته الابتلاء؛ ليظهر
للرسول وللناس من ثبت على الإيمان من
غيره، ولأن في الابتلاء أسرارا عظيمة في
المحاسبة بین العبد وربه سبحانه وقد أجمل
هذا الابتلاء هنا وسيبينه.
وعقب هذا الملام بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا
عَنكُمْ﴾ تسكينًا لخواطرهم، وفي ذلك
تلطف معهم على عادة القرآن في تقريع
المؤمنین.
وفي تذييله بقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ تأكيد ما اقتضاه قوله: ﴿وَلَقَدْ
عَفَاعَنكُمْ﴾ والظاهر أنه عفو لأجل
التأويل، فلا يحتاج إلى التوبة، ويجوز
أن يكون عفوا بعد ما ظهر منهم من الندم
والتوبة))(٥).
وقوله: (صَرَفَكُمْ﴾ يدل على أن
ما حدث في أحد لم يكن هزيمة، وإن لم
يكن نصرا أيضًا؛ لأن الهزيمة تقتضي أن
يولي المسلمون الأدبار، وأن يأسر بعضهم
أعداؤهم، ویسبي نساءهم، ويتحكم فيهم،
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٤ /١٣٠.
١٧٠
القرآن الكريم

غزوة أحد
وما حدث في أحد لم یکن کذلك.
عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنه
قال: ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في
موطن كما نصر يوم أحد قال: فأنكرنا ذلك،
فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك
كتاب الله عز وجل إن الله عز وجل يقول
في يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ
وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم پِإِذْنِهِ ﴾ [آل عمران:
١٥٢].
يقول ابن عباس: والحس: القتل،
﴿حَقََّ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِ الْأَمْرِ
وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَنَكُمْ مَّا تُحِبُّونَ،
مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن
يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
لِبْتَلِيَّكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاَللَّهُ ذُو
فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
وإنما عنى بهذا: الرماة، وذلك أن النبي
صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم
قال: (احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل،
فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا، فلا
تشركونا)، فلما غنم رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين،
انكشف الرماة، فدخلوا في العسكر
ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم فهم هكذا، وشبك بين
أصابع يديه، والتبسوا فلما أخل الرماة تلك
الخلة، التي كانوا فيها، دخل الخيل من ذلك
الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم فضرب بعضهم بعضا والتبسوا وقتل
من المسلمین ناس كثير (١).
ونستفيد من هذا الحدث الطريقة المثلى
لمعالجة الخطأ وتوجيه المخطئ، فقد ترفق
القرآن وهو يعقب على ما أصاب المسلمين
في غزوة أحد، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ
صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم
بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ
فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن ◌ْ بَعْدِ مَا أَرَنَكُمْ
مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا
وَمِنكُمْ مَّن يُرِيدُ اُلْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَّكُمْ
عَنْهُمْ لِبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاَللَّهُ
ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
على عكس ما نزل في بدر من آیات في
شأن أسرى بدر، قال تعالى: ﴿مَاكَانَ
لِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِ الْأَرْضِّ
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ لَّوْلَا كِنَبٌّ ◌ِنَ اللَّهِ سَبَقَ
لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:
٦٧ - ٦٨].
فكان أسلوب القرآن الكريم في محاسبة
المنتصر على أخطائه أشد من حساب
المنكسر، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه
(١) أخرجه أحمد ٣٦٨/٤، رقم ٢٦٠٩، والحاكم
في المستدرك على الصحيحين ٣٢٤/٢، رقم
٣١٦٣، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد
ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي.
www. modoee.com
١٧١

حرفالغين
المربي الناصح لأمته.
ونستفيد أيضًا من هذا الموقف: أهمية
مبدأ الطاعة في الإسلام، بل يعد في غاية
الأهمية في الأمور الحربية، فإن النبي صلى
الله عليه وسلم أخذ يؤكد على الرماة أهمية
الأمر بالأمر الصريح المباشر بقوله: (احموا
ظهورنا)، وألا یقوموا بغير هذا الدور أيا
كان مسار المعركة، (وإن رأيتمونا نقتل فلا
تنصرونا).
((ولعل ما ترتب على عصيان الأوامر
في هذه الموقعة درس عميق يتعلم منه
المسلمون قيمة الطاعة، فالجماعة التي
لا يحكمها أمر واحد، أو التي تغلب على
أفرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة
لا تنجح في صدام، بل لا تشرف نفسها في
حرب أو سلام.
-مؤمنها وكافرها- تعرف
والأمم كلها
هذه الحقيقة، ولذلك قامت الجندية على
الطاعة التامة، وعند ما تشتبك أمة في حرب،
تجعل أحزابها جبهة واحدة، وأهواءها رغبة
واحدة، وتخمد كل تمرد أو شذوذ ينجم في
صفوفها، وإحسان الجندية كإحسان القيادة،
فكما أن إصدار الأوامر يحتاج إلى حكمة،
فإن إنفاذها يحتاج إلى كبح وكبت، ولكن
عقبى الطاعة في هذه الشئون تعود على
الجماعة بالخير الجزيل»(١).
(١) فقه السيرة، محمد الغزالي ص ٢٧١ -٢٧٢.
سابعًا: مشهد إشاعة مقتل النبي صلى
الله عليه وسلم:
لما للحرب النفسية من أثر عظيم في
كسر إرادة الإنسان، فقد مارسها المشركون
في أثناء هذه الغزوة، وذلك أن ابن قمئة
المجرم، قتل مصعب بن عمير رضي الله
عنه، وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه
وسلم؛ لشبهه به، فانصرف ابن قمئة إلى
المشركين، إن محمدًا قد قتل(٢).
وصرخ الشيطان عند جبل عينين وقد
تصور في صورة جعال بن سراقة رضي الله
عنه: (إن محمدًا قد قتل» ثلاث صرخات،
ولم یشك فيه أنه حق و کان جعال إلى جنب
أبي بردة يقاتل أشد القتال، فقال جماعة
من المسلمين لما سمعوا ذلك: إن كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل
أفلا تقاتلون على دينكم، وعلى ما كان
عليه نبيكم، حتى تلقوا الله تعالى شهداء؟!
وقال جماعة: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله
بن أبي يأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان، يا قوم
إن محمدًا قد قتل فارجعوا إلی قومکم، قبل
أن يأتوكم فيقتلوكم، واختلط المسلمون،
فصاروا يقتلون على غير شعار، ويضرب
بعضهم بعضًا، من العجلة والدهش وما
يدري(٣).
(٢) دلائل النبوة، البيهقي ٢٥٥/٣ .
(٣) سبل الهدى والرشاد، الصالحي ١٩٦/٤ .
١٧٢
العضو
صَوْسُورَةُ النَّقِينَ
القرآن الكريم

غزوة أحد
وذكر الله سبحانه المؤمنين بما كان ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل
منهم عندما أشيع بأن رسول الله صلى الله لهم بأحد: إن محمدًا قتل، ومقبحًا إليهم
انصراف من انصرف منهم عن عدوهم
وانهزامه عنهم -: أفئن مات محمد، أيها
القوم، لانقضاء مدة أجله، أو قتله عدو
﴿انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقِگُمْ﴾، یعني: ارتددتم عن
دینکم الذي بعث الله محمدًا بالدعاء إليه
ورجعتم عنه کفارًا بالله بعد الإیمان به، وبعد
ما قد وضحت لكم صحة ما دعاكم محمد
إليه، وحقيقة ما جاءكم به من عند ربه ﴿وَمَن
يَنْقَلِبْ عَى عَقِبَيْهِ﴾، يعني بذلك: ومن يرتدد
منکم عن دینه ویرجع كافرًا بعد إیمانه)»(١).
علیه وسلم قد قتل، فنزلت آیات تقرر هذه
الحقيقة الثابتة، وهو أن النبي صلى الله
علیه وسلم بشر، وأنه سيموت كما يموت
سائر البشر، وليس له صفة تميزه عن غيره
من البشر سوى الرسالة التي منحها الله إياه،
فقال الله سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ
أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ
فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ
﴾ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ
١٤٤
كِتَبًا مُؤَجَّلَاً وَمَنْ يُرِدْتَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا
وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَاً وَسَنَبْزِى
الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤ - ١٤٥].
قال الطبري مبينًا المعنى الإجمالي
الآيات: ((يعني تعالى ذكره بذلك: وما
محمد إلا رسول کبعض رسل الله الذين
أرسلهم إلى خلقه، داعيًا إلى الله وإلى
طاعته، الذين حين انقضت آجالهم ماتوا
وقبضهم الله إليه.
يقول جل ثناؤه: فمحمد صلى الله عليه
وسلم إنما هو فيما الله به صانعٌ من قبضه
إليه عند انقضاء مدة أجله، كسائر رسله إلى
خلقه الذين مضوا قبله، وماتوا عند انقضاء
مدة آجالهم.
ثم قال لأصحاب محمد -معاتبهم على
قال ابن كثير: ((لما انهزم من انهزم من
المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل منهم،
نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل،
ورجع ابن قمئة إلى المشركين فقال لهم:
قتلت محمدًا. وإنما قد ضرب رسول الله
صلی الله عليه وسلم فشجه في رأسه. فوقع
ذلك في قلوب کثیر من الناس، واعتقدوا أن
رسول الله صلی الله علیه وسلم قد قتل،
فحصل ضعف ووهن وتأخر بين المسلمين
عن القتال. ففي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿ وَمَا
مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾
الآية»(٢).
وروى الطبري بسنده في قصة غزوة
(١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٢٥١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٢٨.
www. modoee.com
١٧٣

حرفالغين
أحد: وفشا في الناس أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قد قتل، فقال بعض أصحاب
الصخرة: ((ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن
أُبي، فيأخذ لنا أمنةً من أبي سفيان !! يا قوم،
إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل
أن یأتوکم فیقتلوکم». قال أنس بن النضر: «یا
قوم، إن کان محمد قد قتل، فإن رب محمد
لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد
صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أعتذر
إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء
به هؤلاء!» ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل(١).
((وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله
تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم
عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه، فقد رئیس
ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر
من أمور الدين بعدة أناس من أهل الكفاءة
فیه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون
عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله،
والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا یکون لهم
قصد في رئیس دون رئیس، فبهذه الحال
یستتب لهم أمرهم، وتستقیم أمورهم»(٢).
ورجعت طائفة من الجيش إلى المدينة
يوم أحد لما أشيع مقتل النبي صلى الله عليه
وسلم، وقد تحدث الله سبحانه عن هذه
الطائفة وأخبر بأنه عفا عنها، فقال:
﴿إِنَّ
(١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٢٥٥ .
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥١ .
مَوَسُوا
القرآن الكريم
الَّذِينَ تَوَلَوْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا
أُسْتَزَلَهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ
عَفَا اللهُ عَنْهُمُّ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:
١٥٥].
قال ابن الجوزي: ذكر في سبب فرارهم
يومئذ أنهم سمعوا أن النبي صلى الله عليه
وسلم قد قتل، فترخصوا في الفرار، قاله ابن
عباس(٣).
ومعنى قوله: ﴿أَسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ﴾،
أي: دعاهم إلى الزلة وحملهم عليها (٤)،
وهذه الآية إعلام من الله تعالی أنه قد غفر
لهم انهزام یوم أحد من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم(٥).
وهي ((في عمومها تصوير لحالة النفس
البشرية حين ترتكب الخطيئة، فتفقد
ثقتها في قوتها، ويضعف بالله ارتباطها،
ويختل توازنها وتماسكها، وتصبح عرضة
للوساوس والهواجس، بسبب تخلخل
صلتها بالله وثقتها من رضاه! وعندئذ يجد
الشيطان طريقه إلى هذه النفس، فيقودها
إلى الزلة بعد الزلة، وهي بعيدة عن الحمى
الآمن، والركن الركين))(٦).
ولما شاع الخبر في معسكر الإيمان
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي، ٣٣٨/١.
(٤) مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٣٠٤.
(٥) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
١١٥٨/٢.
(٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٤٩٧ .
١٧٤

غزوة أحد
بمقتل النبي صلی الله عليه وسلم، انتھی
أنس بن النضر رضي الله عنه إلی عمر بن
الخطاب، وطلحة بن عبيد الله رضي الله
عنهم في رجال من المهاجرين والأنصار
وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا:
قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال:
فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا
على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل.
ووجد بأنس بن النضر يومئذ سبعون ضربة
ما عرفته إلا أخته، عرفت بنائه.
وكان أول من عرف بأن الرسول صلى
الله عليه وسلم حي هو كعب بن مالك رضي
الله عنه، فنادى في المسلمين يبشرهم فأمره
الرسول صلى الله عليه وسلم بالسكوت؛
لئلا يفطن له المشركون(١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا
رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ
أَوْ قُتِلَ أَنقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ
عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ
الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
دليل واضح يبين ضرورة الارتباط
بالرسالة والتمسك بالمنهج السليم، والحذر
من الارتباط بالأشخاص، قال القرطبي:
(«فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل
(١) السير والمغازي، محمد بن إسحاق، ص
٣٣٠.
ليست بباقية في قومها أبدا، وأنه يجب
التمسك بما أتت به الرسل، وإن فقد الرسول
بموت أو قتل فهذه الآية من تتمة العتاب مع
المنهزمين، أي: لم يكن لهم الانهزام وإن
قتل محمد، والنبوة لا تدرأ الموت، والأديان
لا تزول بموت الأنبياء» (٢).
ثامنًا: نهاية الغزوة:
لما يئس المشركون من إنهاء المعركة
بنصر حاسم، وتعبوا من طولها ومن جلادة
المسلمين، فكفوا عن مقاتلة المسلمين في
شعاب أحد، أشرف أبو سفيان فقال: أفي
القوم محمد؟ فقال: (لا تجيبوه)، فقال:
أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: (لا تجيبوه)،
فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن
هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم
يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله،
أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان:
اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(أجيبوه) قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا: الله
أعلى وأجل) قال أبو سفيان: لنا العزى ولا
عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(أجيبوه) قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا الله
مولانا، ولا مولى لكم) قال أبو سفيان: يوم
بیوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة،
لم آمر بها ولم تسؤني (٣).
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٢٢/٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
www. modoee.com
١٧٥

حرفالغين
ثم انسحب المشركون مكتفين بما نالوا في الخروج معه فأذن له (٢).
من المسلمين، فأرسل النبي صلى الله عليه
وسلم جماعة من أصحابه رضي الله عنهم
على رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله
عنه محددا لهم الهدف من خروجهم:
(اخرج في أثر القوم فانظر ماذا يصنعون،
وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل
وامتطوا الإبل فإنھم یریدون مكة، وان ركبوا
الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة،
والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسیرن إليهم
فيها، ثم لأناجزنهم) فخرج علي رضي الله
عنه في أثرهم، فوجدهم قد جنبوا الخيل،
وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة (١).
فلما رجع علي بن أبي طالب رضي الله
عنه أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم
بتوجه قریش إلی مکة، وکانت غزوة أحد
یوم السبت للنصف من شهر شوال، فلما
كان الغد يوم الأحد السادس عشر من شوال
أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في
الناس بطلب العدو، فقال: من يذهب في
أثرهم، فانتدب منهم سبعون رجلًا، قال
صلى الله عليه وسلم: لا يخرج معنا إلا من
حضر بالأمس، فاستأذنه جابر بن عبد الله
وكان خروجه إرهابا للعدو، وليظنوا أن
الذي أصابهم لم يوهنهم عن طلب عدوهم،
ثم ندب النبي صلى الله عليه وسلم سبعين
رجلا فيهم كبار الصحابة رضوان الله
عليهم؛ لتعقب جيش المشركين، فاستجابوا
لأمر الله وأمر رسوله صلی الله عليه وسلم،
قال سبحانه مادحا لهم: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ
لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ
أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:
١٧٢].
ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى:
الَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ الآية ثم ساق
بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت
لعروة: (يا ابن أختي كان أبواك منهم - الزبير
وأبو بكر- لما أصاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف
عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: (من
يذهب في أثرهم؟) فانتدب منهم سبعون
رجلًا قال: كان فيهم أبو بكر والزبير)(٣).
وأخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى
ابن عباس أن منهم أبا بكر وعمر وعثمان
وعليًّا والزبير وسعدًا وطلحة وعبد الرحمن
المغازي، باب غزوة أحد ٩٤/٥، رقم ٤٠٤٣
(١) السير والمغازي، محمد بن إسحاق، ص
٣٣٤ .
(٢) جوامع السيرة النبوية، ابن حزم الأندلسي ص
١٤٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب (الذين استجابوا لله
والرسول)، ١٠٢/٥، رقم ٤٠٧٧.
١٧٦
جَوْسُورَةُ النَّقْتَبـ
القرآن الكريمِ

غزوة أحد
ابن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن سفيان، فقال: (حسبنا الله ونعم الوكيل) (٤).
اليمان وأبا عبيدة بن الجراح(١).
وذکر القرطبي: «أنه نهض مع النبي صلى
الله عليه وسلم مائتا رجل من المؤمنين)) (٢).
قال ابن جرير رحمه الله: ((وإنما عنى
الله تعالى ذكره بذلك: الذين اتبعوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد
في طلب العدو -أبي سفيان ومن كان معه
من مشركي قريش منصرفهم عن أحد-
وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد،
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في
أثره حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على
ثمانية أميال من المدينة؛ ليرى الناس أن به
وأصحابه قوةً على عدوهم))(٣).
ومر بأبي سفيان ركب من عبد القيس،
فقال: أین تريدون؟ قالوا: نريد المدينة؟
قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل
أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلکم بها
إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا
وافيتموها؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه
فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى
أصحابه؛ لنستأصل بقيتهم، فمر الركب
برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو
(١) جامع البيان، الطبري، ٤٠٢/٧.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٧٧.
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٩٩/٧.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَّهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًّا
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اُللَّهُ وَيَعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل
عمران: ١٧٣].
وهذا التصرف يبين لنا أن على المسلمين
أن ينظروا بعين ثاقبة إلى مخططات أعدائهم؛
ليعرفوا منتهى خططهم، وما الذي يهدفون
إليه، بل عليهم أن يقفوا لهم بالمرصاد؛
لصد هجماتهم، مبينين لهم أن لديهم القدرة
-بإذن الله- على القضاء على مخططاتهم
ومکرهم.
وفي نهاية هذه الغزوة أمر النبي صلى الله
عليه وسلم بدفن الشهداء، وكانوا سبعين
شهيدا، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه
قتل من الأنصار يوم أحد سبعون(٥)، ويؤيد
هذا قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ
قد أصبتـ
﴾ [آل عمران: ١٦٥].
مَغْلَتْهَا
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما،
قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع
بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد،
ثم يقول: (أيهم أكثر أخذا للقرآن)، فإذا
أشیر له إلی أحدهما قدمه في اللحد، وقال:
(أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة)، وأمر
(٤) السيرة النبوية، ابن هشام ٢/ ١٠٣.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب من قتل من مسلمين يوم أحد
١٤٩٧/٤، رقم ٣٨٥٠.
www. modoee.com
١٧٧

حرفالغين
بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ
فَرَّحُ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْجُ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:
عليهم)(١).
١٤٠]»(٤) .
ولم یؤسر أحد من المسلمین، أما قریش
فقد قتل منهم اثنان وعشرون رجلا(٢) وأسر
منهم أبو عزة الشاعر، فقتل صبرا؛ لأنه
أخلف وعده للنبي صلى الله عليه وسلم بأن
لا يقاتل ضده عندما من عليه ببدر، وأطلقه
فعاد فقاتل بأحد(٣).
و «تسمية ما أصاب المسلمين هزيمة
ليست تسمية تنطبق على الواقع تمام
الانطباق، إنما تكون الهزيمة إذا كان جيش
الإيمان قد فر فرارا، والآخر قد تبعه في
فراره، حتى داهم المدينة المنورة، وكان ما
یکون بعد ذلك.
إنما الذي أنهى القتال هم المهاجمون،
وكأنما اكتفوا بأن أصابوا مقتلة من المسلمین،
ورضوا بذلك؛ لأنهم لا طاقة لهم فيما وراء
ذلك، وقد رأوا السيوف الإسلامية تبرق،
وذاقوها مرتین، ولذا تتبعهم النبي صلى الله
تعالی علیه وسلم.
وإذا كان ما في أحد لا يسمى هزيمة، فإنه
لا يسمى نصرا أيضًا لأحد الفريقين. وقد
يسمى جراحا للمسلمين، كما سماها القرآن
الکریم؛ إذ سماها قرحًا، وسماها إصابة، فقد
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب الصلاة على الشهيد ٩١/٢، رقم ١٣٤٣.
(٢) السيرة النبوية، ابن كثير ٣/ ٩٢.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٤٨٥.
(٤) خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم، أبو
زهرة، ٢/ ٦٢٤.
١٧٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

غزوة أحد
التوجيهات القرآنية بعد نهاية الغزوة
أولًا: تحريم الغلول:
الغلول هو: السرقة من مال الغنيمة قبل
القسمة(١)، وهو محرم إجماعًا، بل هو من
الكبائر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر
الغلول فعظمه وعظم أمره قال: (لا ألفين
أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء
على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول
الله أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئا
قد أبلغتك، وعلى رقبته بعیر له رغاء يقول: يا
رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا
قد أبلغتك، وعلى رقبته صامت، فيقول: يا
رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا
قد أبلغتك أو على رقبته رقاع تخفق، فيقول:
يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك
شيئا قد بلغتك)(٢).
وفي سورة آل عمران نفى الله تعالى عن
نبيه الغلول، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيّ ◌َنْ يَغُلَّ
وَمَن يَغْلُلٌ يَأْتِ بِمَا غَلَّى يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ ثُمَّ تَوَلَّى
كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل
عمران: ١٦١].
(١) القاموس الفقهي، سعدي، ١/ ٢٧٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب الغلول ١١١٨/٣، رقم ٢٩٠٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب غلظ
تحريم الغلول ١٤٦١/٣، رقم ١٨٣١.
أي: «ما كان له، فهو ليس من شأنه أصلًا
ولا من طبعه ولا من خلقه، فالنفي هنا نفي
لإمكان وقوع الفعل، وليس نفيًا لحله أو
جوازه، فطبيعة النبي الأمينة العادلة العفيفة
لا يتأتى أن يقع منها الغلول ابتداء)»(٣).
﴿وَمَن يَغْلُلٌ يَأْتِ بِمَا غَلَّى يَوْمَ الْقِيَمَةِ
أي: ((يأت به حاملًا له على ظهره، كما
صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم،
فيفضحه بين الخلائق، وهذه الجملة تتضمن
تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه بأنه ذنب
يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد
يطلع عليها أهل المحشر، وهي مجيئه يوم
القيامة بما غله حاملًا له قبل أن يحاسب
وافيًا من خير وشر، وهذه الآية تعم كل من
كسب خيرًا أو شرًّا ويدخل تحتها الغال
دخولًا أوليًّا لكون السياق فيه))(٤).
قال ابن الجوزي رحمه الله: في سبب
نزول هذه الآية سبعة أقوال:
أحدها: أن قطيفة من المغنم فقدت يوم
بدر، فقال ناس: لعل النبي صلى الله عليه
وسلم أخذها، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة
عن ابن عباس.
والثاني: أن رجلا غل من غنائم هوازن
يوم حنين، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك
عن ابن عباس.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١ / ٤٨١.
(٤) فتح القدير، الشوكاني، ١/ ٥٩٤.
www. modoee.com
١٧٩

حرفالغين
طلبوا من رسول الله صلی الله عليه وسلم
أن يخصهم بشيء من الغنائم، فنزلت هذه
الآية، نقل عن ابن عباس أيضًا.
والرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم
بعث طلائع، فغنم النبي صلى الله عليه
وسلم غنيمة، ولم يقسم للطلائع، فقالوا:
قسم الفيء ولم يقسم لنا، فنزلت هذه الآية،
قاله الضحاك.
والخامس: أن قومًا غلوا یوم بدر، فنزلت
هذه الآية، قاله قتادة.
والسادس: أنها نزلت في الذين تركوا
مركزهم يوم أحد طلبًا للغنيمة، وقالوا:
(«نخاف أن يقول النبي صلى الله عليه
وسلم: من أخذ شيئا، فهو له، فقال لهم النبي
صلى الله عليه وسلم: (ألم أعهد إليكم ألا
تبرحوا؟! أظننتم أنا نغل؟!))) فنزلت هذه
الآية، قاله ابن السائب، ومقاتل.
والسابع: أنها نزلت في غلول الوحي،
قاله القرظي، وابن إسحاق(١).
فالسبب السادس يذكر أنها نزلت في
أحد، وقد وردت هذه الآية الكريمة في
سياق الحديث عن غزوة أحد.
يقول محمد رشيد رضا في تفسيره:
((نزلت هذه الآية في شأن النبي صلى الله
عليه وسلم من سياق الحكم والأحكام
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٣٤١/١-٣٤٢.
وقد ضعف هذه الرواية بعض المفسرين
-وإن حسنها الترمذي-؛ لأن السياق كله
في وقعة أحد، ورجحوا عليها ما روي عن
الكلبي ومقاتل: ((إن هذه الآية نزلت حين
ترك الرماة المركز الذي وضعهم فيه النبي
صلى الله عليه وسلم يوم أحد؛ طلبا للغنيمة،
وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه
وسلم: من أخذ شيئا من مغنم فهو له، وألا
یقسم الغنائم، کما لم يقسمها يوم بدر، فقال
لهم عليه الصلاة والسلام: (ألم أعهد إليكم
ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟)
فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفًا، فقال لهم:
(بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم)، والصواب أن
هذه الآية من متعلقات هذه الوقعة كالآيات
التي قبلها و کثیر مما يأتي بعدها)»(٣).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحروف
والقراءات ٣١/٤، رقم ٣٩٧١، والترمذي
في سننه، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، باب ومن سورة آل
عمران ٢٣٠/٥، رقم ٣٠٠٩.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٦/ ٦٨٢.
(٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ١٧٦/٤.
١٨٠
جَوَسُولَةُ النَّفْسِي
القرآن الكريمِ
والثالث: أن قومًا من أشراف الناس المتعلقة بغزوة أحد، لكن أخرج أبو داود
والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: نزلت
هذه الآية في قطيفة حمراء، افتقدت يوم
بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله
صلی الله عليه وسلم أخذها، فأنزل الله:
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ﴾(٢).

غزوة أحد
النبي صلى الله تعالی علیه وسلم على أبلغ
وجه عما ظن به الرماة یوم أحد.
فقد حكى الواحدي عن الكلبي، ومقاتل
أن الرماة حين تركوا المركز يومئذ طلبا
للغنيمة قالوا: نخشى أن يقول النبي صلى
الله تعالی علیه وسلم: من أخذ شيئا فهو له
وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر،
فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم:
(ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم) ولهذا نزلت
الآية، أو تنزيهه صلى الله تعالى عليه وسلم
عما اتهمه به بعض المنافقين يوم بدر، فقد
أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير وحسناه
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال:
نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت يوم
بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله
صلی الله تعالی علیه وسلم أخذها، والرواية
الأولى أو فق بالمقام، وارتباط الآية بما قبلها
عليها أتم؛ لأن القصة أحدية)»(١).
ثانيًا: فضل الشهادة:
أثنى الله تبارك وتعالى ثناء حسنًا على
الشهداء والذين لحقوا بالرفيق الأعلى يوم
أحد، وهم مقاتلون في سبيل الله تعالى؛
وفاء منهم بصدق ما عاهدوا الله تعالى عليه
وقد جاء الثناء عليهم بالذكر الحسن في
(١) روح المعاني، الألوسي ٣٢١/٢.
ويقول الألوسي: ((والمراد تنزيه ساحة آيات من الكتاب العزيز فقال تعالى: ﴿وَلَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْبِهِم مِّنْ
خَلْفِهِمْ أَلََّّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ {
١٧٠)
﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧١].
وقد جاء في سبب نزول هذه الآيات
أحادیث منها:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
(قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لما
أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في
جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من
ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة
في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم،
ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا
عنا، أنا أحياء في الجنة نرزق؛ لئلا يزهدوا
في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، فقال
الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم)، قال: فأنزل
الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[آل عمران: ١٦٩] إلى آخر الآية)(٢).
وعن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن
هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُِّلُواْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أَمْوَنَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُّونَ﴾ [آل
عمران: ١٦٩].
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب
في فضل الشهادة ١٥/٣، رقم ٢٥٢٠.
وحسنه الألباني في صحيح أبي داود ٢٧٩/٧.
www. modoee.com
١٨١

حرفالغين
قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال:
(أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل
معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث
شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع
إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون
شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح
من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث
مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن
يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في
أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى،
فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا)(١).
وجاء في مصنف ابن أبي شيبة عن سعيد
بن جبير قال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
لما أصيب حمزة بن عبد المطلب ومصعب
بن عمیر یوم أحد قالوا: ليت إخواننا يعلمون
ما أصبنا من الخیر کي يزدادوا رغبة، فقال
الله: أنا أبلغ عنكم فنزلت: ﴿فَرِحِينَ يِمَآ
ءَاتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِأَلَّذِينَ لَمْ
يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل
عمران: ١٧١](٢).
وعن جابر بن عبد الله، قال: (لقيني
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
لي: (يا جابر ما لي أراك منکسرا؟) قلت: یا
رسول الله استشهد أبي، وترك عیالا ودینا،
قال: (أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟) قال:
بلى يا رسول الله. قال: (ما كلم الله أحدا
قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه
كفاحا. فقال: يا عبدي تمن علي أعطك.
قال: يا رب تحبيني فأقتل فيك ثانية. قال
الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها
لا يرجعون) قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿ وَلَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءُ
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩](٣).
وهذه الآية تضمنت النهي عن ظن
الموت بالشهداء فدلت علی أنهم أحياء عند
ربهم يرزقون والخطاب موجه للنبي صلى
الله عليه وسلم يقول: ولا تحسبنھم، یا
محمد، أمواتًا، لا يحسون شيئًا، ولا يلتذُّون
ولا یتنعمون، فإنهم أحياء عندي، متنعمون
في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من
كرامتي وفضلي، وحبوتهم به من جزيل
ثوابي وعطائي (٤).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة، وأنهم
أحياء عند ربهم يرزقون ١٥٠٢/٣، رقم
١٨٨٧.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ٢١٦/٤،
رقم ١٩٤٣٦.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب
ومن سورة آل عمران ٢٣٠/٥، رقم ٣٠١٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
١٣٠٩/٢.
(٤) جامع البيان، الطبري ٣٨٤/٧.
١٨٢
جوسين
القرآن الكريم

غزوة أحد
وقد جاءت آية في سورة الأحزاب ذكر [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية))(١).
المفسرون أنها نزلت فى بعض شهداء أحد
وهي قوله سبحانه: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ
مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُم
مَّنْ يَنْتَظِرٌّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وجاءت روايات في سبب نزول هذه
الآية، منها:
١. نزلت في أنس بن النضر، فعن أنس
رضي الله عنه، قال: غاب عمي أنس بن
النضر عن قتال بدر، فقال: ((يا رسول الله
غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن
الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله
ما أصنع)»، فلما كان يوم أحد، وانكشف
المسلمون، قال: ((اللهم إني أعتذر إليك
مما صنع هؤلاء -يعني: أصحابه- وأبرأً
إليك مما صنع هؤلاء - يعني: المشركين-،
ثم تقدم))، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال:
(يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر إني
أجد ريحها من دون أحد»، قال سعد: فما
استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس:
فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف
أو طعنة برمح، أو رمية بسهم ووجدناه قد
قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد
إلا أخته ببنانه، قال أنس: «كنا نرى أو نظن
أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه:
اَلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
٢. نزلت في طلحة بن عبيد الله، فعن
موسی وعیسی ابني طلحة عن أبيهما طلحة،
(أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضی
نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته
یوقرونه ویهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض
عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض
عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي
ثياب خضر، فلما رآني رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (أين السائل عمن قضى
نحبه؟) قال الأعرابي: أنا يا رسول الله، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا ممن
قضى نحبه)(٢).
٣. نزلت في مصعب بن عمير وأصحابه
يوم أحد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه،
(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير
وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم ودعا له، ثم
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب قول الله تعالى: (من المؤمنين
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)، ٤ /١٩،
رقم ٢٨٠٥.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب
ومن سورة الأحزاب ٣٥٠/٥، رقم ٣٢٠٣.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
٢٤٧/١.
www. modoee.com
١٨٣

حرفالغين
قرأ هذه الآية: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا فإن هذا القول منهم يتولد لهم عنه بإذنه
تعالى غم نفسي وحسرات قلبية تمزقهم،
عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم
مَن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وقد تودي بحياتهم، وما درى أولئك الكفرة
الجهال أن الله يحيي ويميت، فلا السفر ولا
القتال يميتان، ولا القعود في البيت جبنًا
وخورًا يحيي.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة،
فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا
يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا
عليه)(١).
والظاهر أن هذه الآية تصدق على كل من
قتل في سبيل الله، بعد أن جاهد باخلاص
وثبات؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب، والله تعالى أعلم.
ثالثًا: توجيهات عامة للمؤمنين:
بعد غزوة أحد وجه الله عباده المؤمنين
إلى توجيهات عديدة، فمن ذلك:
١. النهي عن التشبه بالمنافقين.
نهى الله عباده المؤمنين عن الاتصاف
بصفات الكافرين، ومن ذلك قول الكافرين
لإخوانهم في الكفر -إذا هم ضربوا في
الأرض لتجارة أو لغزو فمات من مات
منهم، أو قتل من قتل بقضاء الله وقدره -: لو
کانوا عندنا، أي: ما فارقونا وبقوا في ديارنا،
ما ماتوا وما قتلوا، وحسب سنة الله تعالى
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك على
الصحیحین، ٢/ ٢٧١، رقم ٢٩٧٧.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة
٣٦٥/١١.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُوا
كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِ
الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُوَأْ وَمَا
قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِمٌ وَاللَّهُ
يُحِي، وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل
عمران: ١٥٦].
يقول الطبري: يعني بذلك -جل ثناؤه -:
يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا
بما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا
کمن کفر بالله وبرسوله، فجحد نبوة محمد
صلى الله عليه وسلم، وقال لإخوانه من
أهل الكفر ﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ فخرجوا
من بلادهم سفرًا في تجارة، أو خرجوا من
بلادهم غزاةً فهلكوا فماتوا في سفرهم، أو
قتلوا في غزوهم: لو لم يكونوا خرجوا من
عندنا، و کانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما
قتلوا، وقد قیل: إن الذین نهى الله المؤمنين
بهذه الآية أن يتشبهوا بهم فيما نهاهم عنه
من سوء الیقین بالله، هم عبد الله بن أبي بن
سلول وأصحابه (٢)
٠
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٣٠/٧.
جَوْسُورَةُ النَّفْتَّ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٨٤