Indexed OCR Text
Pages 41-50
غزوة تبوك الذین کذبوا، إن الله قال للذین کذبوا حین أنزل الوحي شر ما قال لأحد: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَّ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّهُ جَزَّاءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمَّ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ اَلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾(١). ولم يكتف هؤلاء المنافقون بالأعذار المنحولة المفتراة وإنما بالغوا في تأكيدها بالحلف، وقد نبأ القرآن عن ذلك قبل أن يحلفوا، وسيكون حلفهم إذا رجع المسلمون إليهم، وهدفهم من الحلف أن عنه فهل يدل هذا على رضا الله؟ كلا يعرض المؤمنون عن إيذائهم وأن يغضوا وحاشا. الطرف عن فعلتهم. فيجيء التوجيه القرآني للمؤمنين ﴿فَأَعْرِضُواْعَنْهُمْ﴾ هم أرادوا إعراض الستر والإغضاء فأعرضوا إعراض البغض والازدراء، والمقت والبغضاء. وهذا هو الذي يستحقونه؛ لأنهم رجس، فدعوا معاتبتهم؛ إذ المعاتبة لمن تريد أن تستبقي وده أما هؤلاء فلا، لن تطهرهم المعاتبة لأنهم نجس وقذر، فهذا تعليل الإعراض؛ يعني: أعرضوا لأنهم لا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حديث الثلاثة الذين خلفوا، رقم ٤٤١٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الرقاق، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبیه، رقم ٢٧٦٩. فائدة منهم، فقد تلبسوا بالنجاسة المعنوية حتى صارت علمًا عليهم وبالتالي فلن یکون لهم من مأوی إلا نار جهنم و فاقًا بما صنعوا، وقد يحتمل المعنى: أعرضوا عنهم ولا تقتربوا منهم لأنهم رجس إذ الطبع یعدي. والأول أو فق عندي. وبعد أن حاولوا بحلفهم أن يعرض المؤمنون عنهم فإنهم يحاولون أن يرتقوا مرتقى أصعب ليرضى عنهم المؤمنون، فيحلفون جهد أيمانهم لإرضاء المؤمنين، فإن توهم متوهمهم أن المؤمنين سيرضون وهناك صنف آخر من المنافقين وهم الأعراب، فقد جاؤوا يعتذرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿وَجَّةُ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ قال تعالى: اٌلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٌ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠]. ولفظ المعذرون يفيد أن عذرهم غير حقيقي. قال الفراء: ((وأما المعذر على جهة المفعل فهو الذي يعتذر بغير عذر)»(٢). فهؤلاء اعتذروا وقبل عذرهم، أما المنافقون فقد قعدوا ومنهم من لم يعتذر؛ (٢) معاني القرآن، الفراء ١/ ٤٤٨. www. modoee.com ٣٠٣ حرفالغين قال أبوعمرو بن العلاء: ((كلا الفريقين كان منهم، فتبين الآيات أن في المدينة منافقين مسيئا: قوم تكلفوا عذرا بالباطل، وهم الذين وكذا حولها من أهل الأعراب الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ ﴾ وقوم تخلفوا عن غير تكلف عذر فقعدوا جرأة على الله تعالى، وهم المنافقون فأوعدهم الله بقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(١). وهذا الوعيد للكفار من كلا الصنفين: المعتذرين والقاعدین. ولأن سورة التوبة من أواخر السور نزولا فقد بينت مراتب وطبقات المجتمع ومنها طبقة أولئك الأعراب الذين يقيمون في البوادي، فتورثهم هذه الإقامة غلظة في الطباع، إنهم أشد كفرًا ونفاقًا من أهل الحضر في القرى والأمصار، وكانوا أخلق الناس وأولاهم بقلة المعرفة لحدود الله، ومن جنس هؤلاء الأعراب فریق آخر،یرون نفقتهم في الواجبات والمندوبات مغرمًا ثقيلًا ملازمًا لهم لا يستطيعون الفكاك منه، فهم ينفقون ولا يرجون لنفقتهم ثوابًا ولا يخشون بها عقابًا؛ لأنهم مكرهون عليها ولذا فهم يتربصون إصابة المسلمين بمكروه وسوء حتى لا يؤدوا المال. وتعود الآيات مرة أخرى للحديث عن منافقي المدينة وما حولها بعد الحديث عن منافقي البادية، وذلك ليحذر المؤمنون أسلموا، ومنهم من مرد على النفاق، أي: توطن عليه وصار النفاق لهم سجية وخلقًا وطبعًا حتى لان لهم، وأسروه عن أعين الناس لمهارتهم في التخفي، حتى إن رسول الله صلی الله عليه وسلم وهو الفطن اللبيب ليخفى عليه حال هؤلاء القوم لكن الله عز وجل يعلمهم وسيعذبهم. ثانيًا: قصة الثلاثة الذين خلفوا: قال تعالى: ﴿ وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمِْاللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦]. وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَنُّوا أَنْ لََّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: ١١٨]. نزلت هاتان الآيتان في حديث الثلاثة الذين خلفوا، أما أولاهما فليست صريحة الدلالة عليهم إلا أن جمهور المفسرين على نزولها في شأنهم، وأما الثانية فھي نصّ واضح فيهم. قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ المعنى: وآخرون من المتخلفين مرجون أي: مؤخرون وهي من الإرجاء أي التأخير (١) معالم التنزيل، البغوى ٤ / ٨٤. ٣٠٤ القرآن الكريمِ غزوة تبوك ومنه: ﴿أَرْجِهِ وَأَخَاءُ ﴾ [الأعراف: ١١١]. لا ملجأ لهم من الله إلا إليه، ثم رزقهم الله أي: أخرهما حتى ننظر في أمرهما. وقد تعالى الإنابة إليه والرجوع إلى مرضاته إنه قرئت بالهمزة والتسهيل(١). وهم مرجئون لأمر الله إما أن يعذبهم الله أو يتوب عليهم، فظل أمرهم معلقا بين الخوف والرجاء، وهو سبحانه العليم بحالهم الذي يفعل أموره كلها على مقتضى الحكمة. وإلى كونها نزلت في الثلاثة الذين خلفوا ذهب جمع من أهل التفسير؛ فهو قول مجاهد، وقتادة والضحاك ومقاتل(٢) ورجحه جمهور المفسرین(٣). أما الآية الثانية فهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَاَلْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧]. والمعنى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصاروعلى الثلاثة الذين خلفوا عن الغزوة، حتی ضاقت الأرض بما وسعت عليهم بسبب ندمهم وحزنهم على ما بدر منهم، وضاقت علیهم أنفسهم لما نالهم من الكرب والغم والهم، وأيقنوا أن (١) قرأها بالهمز ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب وأبوبكر عن عاصم. وقرأ الباقون بدون همز. انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٤٠٦/١. (٢) انظر: تفسير عبد الرزاق الصنعاني ١٦٥/٢، وجامع البيان، الطبري ١١ / ٦٧٠. (٣) ورجحه الفراء في معاني القرآن ١/ ٤٥١، والسمر قندي في تفسيره ٢/ ٨٧، والثعلبي في الكشف و البيان ٩١/٥. هو الموفق عباده للتوبة. والآية نزلت في كعب بن مالك السلمي وهلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري، وجاءت الآية بالخبر المؤكد بأداة القسم (اللام) ودخول حرف التحقيق (قد) على الماضي لتبين عظيم فضله وسابغ نواله وإحسانه على هؤلاء الصادقين الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعطف عليهم هؤلاء الثلاثة الذين خلفوا، وصيغة: (خلفوا) بالبناء للمفعول، والمعنى إما أن يكون خلفوا عن الغزوة لا نفاقًا بل تكاسلًا، أو خلفوا عن قبول التوبة، فكأنهم خلفوا عن المعتذرين الذين قبل الرسول صلى الله عليه وسلم عذرهم، والثاني: أرجح، لأن (إذا ضاقت) غاية للتخفيف، ولم يكن ذلك عن تخليفهم عن الغزو، وإنما ضاقت عليهم الأرض عن تخليفهم عن قبول العذر)) (٤). وهذا هو الذي نص علیه کعب بن مالك، حيث قال في تفسير الآية، وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إیانا وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه))(٥). (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣ / ٩٤. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، رقم www. modoee.com ٣٠٥ حرفالغين ثم ذكرت الآية الكريمة أنه بسبب تأخر التوبة حصل لهم ثلاثة أشياء: أولها: أنه ضاقت عليهم الأرض على اتساعها ورحابتها. وثانيها: أنه ضاقت عليهم أنفسهم. وثالثها: أنهم أدركوا يقينا ألا مفر من الله إلا إليه. ثم وفقهم الله لتوبة وقبلها منهم بفضله وجوده وكرمه. وفي الصحيحين تفصيلٌ من كعب لأحداث التخلف وما بعدها وهو حديث طويل غزير الفوائد وسبق طرف منه، ومن فوائد القصة: لحوق اللوم بکل فرد تخلف، وترك قتل المنافقين، وعظم أمر المعصية، وأن القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف في الدين، وجواز إخبار المرء عن تقصيره وتفريطه، وأن المرء إذا لاحت له فرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف بها لئلا يحرمها، واستحباب بكاء العاصي أسفا على ما فاته من الخير وفيها إجراء الأحكام على الظاهر وفيها عظم مقدار الصدق في القول، وجواز الزجر بالهجر إلى غير ذلك من الفوائد(١). ٤٤١٨. (١) فتح الباري، ابن حجر ١٢٣/٨. العضوي جَوَسُولَةُ التَّقِينَ القرآن الكريمِ القيادة النبوية في الغزوة كانت قيادة النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين الصادقين في تبوك قيادة عظيمة، وقد ظهر أثر هذه القيادة في أمور أوجزها فيما يأتي: ١. الاهتمام بمواطن العبرة عند المرور عليها. فعن عبدالله بن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال: (لاتدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باکین، أن یصییکم ما أصابهم) ثم تقنع بردائه وهو على الرحل)(٢). وما ذلك إلا ليأخذ القوم العظة بما حل وأصاب المكذبين قبلهم، ولتكون النفس المؤمنة على وجل من العقوبة الدنيوية، وليفقه القوم حكمة المرور على أماكن العذاب. ٢. الاهتمام بالجند أحياء وأمواتًا. وتجلى ذلك في قصة ذي البجادين؛ ويرويها عبدالله بن مسعود فيقول: (قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: فرأيت (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (وإلى ثمود أخاهم صالحا)، رقم ٣٣٨٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهدوالرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، رقم ٢٩٨٠. ٣٠٦ غزوة تبوك شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: الصحابة وتحذيرهم من التعرض للهلاك. فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوبكر وعمر، وإذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبوبكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: أدنيا إلي أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: (اللهم إني أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه). قال: يقول عبدالله بن مسعود: ياليتني كنت صاحب الحفرة)(١). وفيها الاهتمام النبوي بأمر الجنود جميعا، والعناية البالغة بالفقراء المخلصين من الصحابة في حياتهم ومماتهم. ٣. حدبه صلى الله عليه وسلم وحرصه على سلامة أصحابه من أي أذى. عن أبي حميد قال: (وانطلقنا، حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستهب علیکم الليلة ريح شديدة، فلايقم فيها أحد منكم فمن كان له بعير فلیشد عقاله) فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيئ)(٢). وفيها من دلائل نبوته: إخباره بالريح قبل هبوبها، وفيها: الحرص البالغ على سلامة (١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٥٢٨/٢. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل باب في معجزات النبي، رقم ١٣٩٢، ٤ / ٠١٧٨٥ ٤. أسلوب الحزم والجدية. ويتضح ذلك في الغزوة من مواقف متعددة؛ منها الحزم مع من تأخر، والعقوبة على من تخلف من المؤمنين. ٥. ومن بركات القيادة النبوية في هذه الغزوة: تكثير الماء والطعام. وهذا من دلائل النبوة. وقد ورد في هذا أکثر من روایة، فعن معاذ بن جبل قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم ستأتون غدا، إن شاء الله، عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي) فجئناها وقدسبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل مسستما من مائها شيئا؟) قالا :نعم، فسبهما النبي صلی الله عليه وسلم، وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا، حتى اجتمع في شيء، قال: وغسل رسول الله صلی الله عليه وسلم فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر أو قال: غزير -شك أبوعلي أيهما قال- حتی استقی الناس، ثم قال: (يوشك، یامعاذ إن طالت بك حیاة، أن تری ما هاهنا www. modoee.com ٣٠٧ حرف الغين قد ملئ جنانًا)(١). وفي الحديث يتضح أسلوب الحسم والقوة في معاتبة من خالف الأمر النبوي، وهو عنوان بارز في هذه الغزوة، وفيه بركة النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره بالغيب الذي تحقق واقعًا. وحدث مثل ذلك في الطعام؛ فقد (طلب عمر من رسول الله أن يدعو بفضل الزاد ثم يدعو الله عليه بالبركة فجعل الرجل يجيء بکف ذرة، قال: ويجيءالآخر بکف تمر، قال: ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء یسیر، قال: فدعا رسول الله صلی الله عليه وسلم فيه بالبركة، ثم قال: (خذوا في أوعیتکم)، قال: فأخذوا في أوعیتھم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة)(٢). وفي الحديث رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه وقبول مشورة عمر، والحرص على تموين الجيش بالطعام وفيه أيضا شاهد من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. ٦. السير ليلًا. ومن معالم القيادة النبوية الرشيدة في هذه الغزوة: أن قطع المسلمون أكثر المراحل (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي، ٤ / ١٧٨٤. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، رقم ١،٤٥ /٥٦ عن أبي سعيد الخدري. بين المدينة وتبوك ليلا، ليتخلصوا من الحر الشديد. إن الحركة ليلا في موسم الحر ضرورية جدا خاصة في الصحراء؛ وهذا ما تطبقه الجيوش الحديثة في العصر الحاضر. إن غزوة تبوك تدريب عنيف للمسلمين، كان غرض النبي صلى الله عليه وسلم منه إعدادهم لرسالة حماية حرية نشر الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية وتكوين الدولة الاسلامية المترامية الأطراف؛ فقدكانت هذه الغزوة آخر غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم فلا بد من الاطمئنان إلى كفاية جنوده قبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى (٣). (٣) الرسول القائد، الواء محمود شيت خطاب ص٤١٥. ٣٠٨ جوسين القرآن الكريم غزوة تبوك الدروس المستفادة من غزوة تبوك لم یحارب المسلمون في تبوك؛ بل مکثوا عشرين يوما صالحهم فيها حكام البلدان الشامية ودفعوا الجزية، ومن هؤلاء ملك أيله وملك دومة الجندل الذي أسره خالد بن الوليد فافتدی نفسه بألفي بعير، وثمان مئة رأس، وأربع مئة درع ودفع الجزية، وصالح المسلمون أهل جرباء وأذرح وتعاهدوا على دفع الجزية (١)، وإذا كان الأمر قد تم بدون خسائر مادية ومعنوية للمسلمين، فإن الغزوة في الواقع كان لها آثار عظيمة على المسلمين داخليًّا وخارجيًّا. فقد كان للغزوة أثر خارجي تمثل في إبراز قوة المسلمين، وتأكيد سيطرتهم على الحدود الشمالية للجزيرة العربية، وإرهاب متنصرة العرب الذين كانوا خاضعين للروم؛ فقد أدركوا يقينا أن هناك قوة صاعدة لن يقف أمامها أحد ولابد لهم أن يعيدوا النظر في ولائهم للروم. أما فوائدها وآثارها على الجماعة المسلمة فقد كانت جمة وافرة، انتفع بها الأولون، ولا زال معینها عذبا ينتفع منه کل وارد، ومن هذه العظات والعبر ما يأتي: ١. أنه لم يؤت المسلمون إلا من قبل خيانة الداخل، فالمنافقون أضر على الأمة (١) السيرة النبوية، ابن هشام ٥٢٥/٢. من عدوها الظاهر،إذ هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا؛ فخطرهم أشد وطعنتهم أسد. ٢. على قائد الصف المسلم أن ينقي الصف من هؤلاء المنافقين وأمثالهم، وقد استنبط الإمام الشافعي رحمه الله هذا الحكم من آيات سورة التوبة؛ فبعد أن ذكر مواقف المنافقين في أحد والخندق وبني المصطلق وتبوك قال: «فمن شهر بمثل ما وصف الله تعالى المنافقين لم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه . لأنه ممن منع الله أن يغزو مع المسلمين؛ لطلبه فتنتهم، وتخذيله إياهم، وأن فيهم من يستمع له بالغفلة والقرابة والصداقة، وأن هذا قد يكون أضر عليهم من عدوهم))(٢). وفي المغني لابن قدامة: ((ولا يستصحب الأمير معه مخذلا وهو الذي يثبط الناس عن الغزو . ولا مرجفا. ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار، ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اَللّهُ اَلْيِعَانَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ اَلْقَعِدِينَ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُمَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ (٢) الأم، الإمام الشافعي ٤/ ١٧٥. www. modoee.com ٣٠٩ حرفالغين يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾(١). ٣. إنما يفتتن المفتون. كلمة صحيحة؛ فما أوقعه في الفتنة إلا قابليته لها واستعداده الداخلي. ٤. وقد كشفت الغزوة كثيرًا من خصائص المنافقين؛ فهم قوم يفرقون. هكذا سجل القرآن عليهم هذه الصفة، ولذا فإنهم يحسبون كل صيحة عليهم، وإذا جاء الخوف تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت، وعند ذكر القتال ينظرون نظر المغشي عليه من الموت، وما هذا كله إلا بسبب جبنهم وفرقهم ولولا ذلك لأعلنوا كفرهم صراحة. وهم يريدون إيقاع الفتنة وزيادة الخبال ويتذرعون بالأعذار الكاذبة، ويلمزون المؤمنين، ويكثرون الحلف الكاذب، ويخوضون ويلعبون ويستهزئون بآيات الله وبرسوله، ويفرحون بالجبن والقعود، ويتفننون في إخفاء نفاقهم، ويستخدمون المساجد وأماكن الطاعة في تقوية باطلهم. ٥. ومن دورس الغزوة أن الجهاد هو محك التمييز بين المؤمن والمنافق، فالمنافق قد يظهر بعض الطاعات لكنه لا يتحمل التضحية بنفسه وماله لأنه متعلق بحب الدنيا؛ فالدنيا بأعراضها (١) المغنى، ابن قدامة ٩/ ٢٠١. مَوَسُورُ النَّفِيَة القرآن الكريمِ القريبة تغري أهل النفاق فيتحمسون ويخرجون. ٦. لابد أن يفتضح أمر الكاذب، وإن ظل فترة يداهن أو ينافق، فلا بد أن تظهر خبيئته على فلتات لسانه وسيماء وجهه وفعله. ٧. أسوأ خصلتين يتحلى بهما إنسان الجبن والبخل، وقد جمع أهل النفاق بين الأمرين فهم جبناء بخلاء، ولا أسوأ من اجتماعهما في شخص. ٨. لا حرج على المرء إن بذل ما في وسعه وطاقته حتى وإن كان يسيرًا، فإن الله يبارك له فيه ويربيه له، وقد سئل الرسول عليه السلام: أي الصدقة أفضل؟ فقال: (جهد المقل)(٢). وعليه فلا يحوز السخرية بالمؤمنين، ولا احتقار عملهم في الخير أيًّا كان قدره، ومن سخر بمؤمن کوفيء بنفس عمله. ٩. لا يجوز الاستغفار لمن علم نفاقه، وظهر من أقواله وأفعاله ما يلحقه بهذه الطائفة. ومن بدأ بالفسق فلن يصل للهداية، ومن زاغ أزاغ الله قلبه، ومن كان في الضلالة أمده الله على ما هو علیه. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٢٤/٤، وأبو داود في سننه، كتاب الزكاة، رقم ١٦٧٧ . وصحيحه الألباني في صحيح الجامع، ٢٤٩/١، رقم ١١١٢. ٣١٠ غزوة تبوك ١٠. من علامات الإيمان الصادق حب الجهاد، والتحرق شوقًا للبذل والاستشهاد،حتى يبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو النفقة عن الخروج إلى حد فيضان البكاء أسفًا وحزنًا على فوات نصيب الخير. ١١. المسلم يحرص على مجاهدة نفسه وهواه، وان زینت له قعودا يتمناه، فأبو خيثمة يترك معافسة الأهل وینطلق مسرعا، عندما قارن حاله بحال المجاهدين الصادقين. ١٢. جواز القتال في الأشهر الحرم. ١٣. خطورة الاستهزاء بالدين والصالحين. ١٤. الاتعاظ بآثار السابقين، وأخذ العبرة منها، فلا يمر المرء عليها مر الغافلين، بل يتذكر مصير أولئك الذين تنكبوا طريق الهداية وظلوا في عماية، كي يحذر طریقھم فینجو ویفوز بما يرجو. ١٥. أهمية الشورى: وقد تجلى ذلك فى مواقف كثيرة منها: قبول مشورة أبي بكر الصديق في الدعاء حين تعرض الجيش لعطش شديد، قبول مشورة عمر بن الخطاب في ترك نحر الإبل حين أصابت الجيش مجاعة، قبول مشورة عمر في ترك اجتياز حدود الشام والعودة إلى المدينة. ١٦. أن الإمام إذا استنفر الجيش لزمهم النفير، ولم يجز لأحد التخلف إلا بإذنه، ولا يشترط في وجوب النفير تعیین کل واحد منهم بعينه، بل متى استنفر الجيش، لزم كل واحد منهم الخروج معه، وهذا أحد المواضع الثلاثة التي يصير فيها الجهاد فرض عين. والثاني: إذا حضر العدو البلد. والثالث: إذا حضر بين الصفين. ١٧. تركه قتل المنافقين، وقد بلغه عنهم الكفر الصريح، فاحتج به من قال: لا يقتل الزنديق إذا أظهر التوبة، لأنهم حلفوا لرسول الله أنهم ما قالوا، وهذا إذا لم یکن إنکارًا، فهو توبة وإقلاع. ١٨. تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها، کما حرق رسول الله مسجد الضرار، وأمر بهدمه، وهو مسجدٌ يصلى فيه، ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه، فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له(١). موضوعات ذات صلة: غزوات الرسول مع اليهود، غزوة أحد، غزوة الأحزاب، غزوة بدر (١) زاد المعاد، ابن القيم ٣/ ٥٠٠. www. modoee.com ٣١١