Indexed OCR Text

Pages 21-40

غزوة تبوك
النبي صلى الله عليه وسلم وكرامته على
ربه، حيث بدأ بالعفو قبل المعاتبة. وقيل:
هي افتتاح كلام كما تقول: أصلحك الله
وأعزك الله. وعلى هذا فلا يكون في الآية
أى عتاب (١).
والذي يقتضيه النظر الصحيح للآية، أن
الإذن للمنافقين في التخلف لم يكن محظورًا
قبل الآية حتی یکون فيه مخالفة، بل كان أمرًا
متروكًا إلى الاختيار كما نقل القاضي عياض:
«کان مخیّرًا في أمرین، وقد كان له أن يفعل
ما شاء فیما لم ينزل عليه فيه وحي)» (٢) فليس
في الإذن ذنب، بل غايته أنه اجتهاد فيما لا
نص فیه، وهذا جائز في حق الأنبياء، فقد نص
علماء الأصول على جواز الاجتهاد في حق
الأنبياء فیما لا نص فيه، لکن الوحي یصوب
لهم اجتهادهم، ولا ضير في ذلك(٣).
وقد أوضحت الآية الحكمة في عدم
الإذن لهم: ﴿حَقَّ يَتَبَبَّنَ لَكَ الَّذِينَ
صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِينَ ﴾ وحتى للغاية،
أي: هلا تأنيت إلى أن يظهر لك الصادق في
إيمانه وفي وعده من الكاذب.
قال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى
(١) انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب ٣٠١٢/٤.
(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضى
عياض ٢/ ١٥٨.
(٣) انظر: المستصفى، الغزالى ص٣٥٩، شرح
التلويح على التوضيح، التفتازاني ٢٣٩/٢.
عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ وفيه بيانٌ لفضيلة الله عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَعْذِتُكَ الَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ استئناف بياني قصد
به إظهار الفرق بين المؤمن والمنافق،
فالمؤمن لا يستأذن في الخروج للجهاد بل
دأبه المبادرة والمسارعة دومًا. كما ورد في
الحدیث: (من خیر معاش الناس لهم رجل
ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على
متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه،
يبتغي القتل والموت مظانه)(٥).
فالمؤمن الحق يخرج إلى الجهاد ولا
يحتاج إلى استئذان، قال صاحب الكشاف:
((وكان الخلص من المهاجرين والأنصار
يقولون: لا نستأذن النبي صلى الله عليه
وسلم أبدًا في الجهاد، ولنجاهدن أبدًا معه
بأموالنا وأنفسنا)»(٦).
وإذا كان المؤمنون لا يستأذنون في القيام
بالجهاد، فإنهم لن يستأذنوا في تر که من باب
أولی.
وفي مقابل هؤلاء المؤمنين جاء ذكر
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤/ ٥٥.
قال رشيد رضا في المنار ٤٠٤/١٠ :
والظاهرأن مراده لم يكن يعرفهم كلهم،
ويعرف شؤونهم بمثل ما في هذه السورة من
التفصيل.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب فضل الجهاد والرباط، رقم ١٨٨٩ عن
أبي هريرة مرفوعًا.
(٦) الكشاف ٢/ ٢٧٥.
www. modoee.com
٢٨٣

حرفالغين
المنافقين الذين لا يؤمنون بالله واليوم
الآخر، والذين يحرصون على الاستئذان
في ترك الجهاد والغزو، فوصفهم الله بعدم
الإيمان، لأن الإيمان هو الباعث المحرك
للنفس.
ثم بينت الآيات الكريمة أن المنافقين ما
كانوا بذوي أعذار؛ لأنهم لم ينووا الخروج
أصلًا، ولو نووا الخروج لأعدوا له عدة،
والعدة أولًا عدة نفسية بالتهيؤ وصدق
العزم، ثم عدة عسكرية تشمل كل ما يحتاجه
المجاهد من مؤن وسلاح، و کان منهم عبد
الله بن أُبي، وعبد الله بن نبتل، وأوس بن
قیظي، ورفاعة بن التابوت، وغيرهم كما
ورد عن مجاهد(١)، وقد كانوا ذوي مال
وبأس، ولن یعجزهم إعداد العدة، لكنهم ما
أرادوا وما خرجوا.
لم يخرج هؤلاء المنافقون بل ثبطهم
الله وكسلهم وثقل عليهم الخروج لكراهة
انبعاثھم، وقيل لهم: ﴿فَاقْعُدُوا﴾. والقائل:
يحتمل أن يكون قول بعضهم لبعض،
ويحتمل أن يكون من قول الرسول صلى
الله عليه وسلم غضبًا عليهم، ويحتمل أن
یکون من قول الشيطان لهم بالوسوسة، أو
من قول الله تعالى أو هو خذلان أوقعه الله
تعالى في قلوبهم(٢).
(١) جامع البيان، الطبري ١١/ ٤٨٤.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤٨/٥، حاشية
الشهاب على البيضاوي ٤ / ٥٧٦.
والقاعدون هم الذين تخلفوا بعذر
كالنساء والأطفال، وفي لفظ:
اُلْقَعِدِينَ﴾ زيادة مذمة لهم بإلحاقهم
بهذه الأصناف التي لا تخرج ولا يطلب منها
خروج.
فإن قيل: إذا ما كان الأمر كذلك، فلم
عوتب النبي صلى الله عليه وسلم على إذنه
لهم بالقعود، ولا فائدة في خروجهم أصلًا؟
وللجواب نقول: لا شك أن المفسدة
تحصل بخروجهم مع الجيش، لكن وجه
العتاب كان للإذن قبل أن ينكشف أمرهم
انكشافًا تامًّا، فقد كانت المصلحة تقتضي
عدم الإذن لهم حتى يظهر الصادق من
الكاذب (٣). هذا هو الوجه.
أما خروجهم فلا فائدة منه أصلًا، بل إنه
كما قال ربنا: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا
خَبَالًا وَلَ وَضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِئْنَةَ
وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
[التوبة: ٤٧].
أولها: أنهم لن يزيدوا الصف المسلم
شيئًا من القوة أو العزة، بل يزيدونكم خللاً
في النظام واضطرابًا في الرأي، وفسادًا في
القتال، فوجودهم لا خير فيه، والاستثناء
على هذا الوجه متصل؛ لأنه مستثنى من أعم
الأشياء(٤).
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/٨.
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٧٦/٢، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود ٢ / ٤١٤.
٢٨٤
القرآن الكريم

غزوة تبوك
والمفسدة الثانية المترتبة على خروجهم:
﴿وَلَأَ وَضَعُواْ خِلَلَكُمْ﴾ أي: لأسرعوا في
السعي بالنميمة وتفريق الصف، وتخذيل
المجاهدین، ویث الأراجیف والتخويف من
العدو، ویبغونکم الفتنة یعني: يطلبون لکم ما
تفتنون به عن الخروج إلى الغزو. وفيكم من
الضعاف الذين يكثرون من سماع كلامهم
ويتأثرون بهم فتضعف همتهم عن القتال،
يقول قتادة: وفیکم من يسمع كلامهم(١).
وتفسير السماع بالتأثر والقبول هو ما عليه
جمهور المفسرين(٢).
ثم تختتم الآية بهذا الوعيد والتهديد لهم:
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ فهو سبحانه عالم
بدخائل نفوسهم مطلع عليها وسيجازيهم
عليها، وهل الظالمون هنا المنافقون فقط أم
المنافقون والسماعون؟ الظاهر الأول ولعله
يشمل الثاني.
وليس هذا الفعل بجديد عليهم، فقد
أرادوا وحاولوا التخذيل من قبل وذلك
في غزوة أحد، فعندما وصل المسلمون
إلى موضع بستان بين المدینة وأحد یسمی
الشوط انسحب عبد الله بن أُبي بثلاثمائة من
وأبو حيان يوجه اتصال الاستثناء بأنه كان في
الغزوة منافقون ولهم خبال فلو خرج هؤلاء
لزاد الخبال.
انظر: البحر المحيط ٤٩/٥.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٠٢.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤١/٣.
المنافقین قائلًا: أطاع الولدان ومن لا رأي له،
أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا؟(٣).
وكان مقصده من ذلك زلزلة الصف
المسلم، حتى كادت طائفتان من المسلمين أن
تفشلا وهما بنو سلمة وبنو حارثة وفيهم نزل
قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ
تَفْسَلَا وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢].
وقوله: ﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ الْأُمُورَ﴾ يعني:
أنهم أعملوا الحيل والمكايد، ودبروا
الأمور وقلبوها على كل أوجهها، وحاولوا
بكل جهدهم أن يفشلوا أمرك، ولكن الله
أخزاهم؛ فجاء الحق وفتحت مكة وتم
النصر وظهر دین الله وهم کارهون.
وبعد أن ذكرت الآيات السابقة موقف
المنافقين من الجهاد واستئذانهم ومفاسد
خروجهم على وجه الإجمال، جاءت هذه
الآيات لتفصل القول في مواقفهم التي قاموا
بها قبل الغزوة وأثناءها. وتذكر أمثلة عملية
الأعذارهم الكاذبة في التخلف عن الجهاد.
عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول لجد بن قيس: (يا
جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟) قال
جد: أتأذن لي يا رسول الله؟ فإني رجل
أحب النساء، وأخشى إن أنا رأيت نساء بني
الأصفر أن أفتتن. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو معرض عنه: (قد أذنت
(٣) انظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٦٤.
www. modoee.com
٢٨٥

حرفالغين
لك). فأنزل الله: ﴿وَمِنَّهُم مَن يَقُولُ أَثْذَن قبل أن يذهب. ثم يأتي التهديد القرآني له
◌ِ وَلَا نَفْتِنَّ أَلَا فِ اَلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ ولأمثاله:
جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾(١).
جاء أحد المنافقين وهو الجد يستأذن
النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر عذرًا
هو في حد ذاته ذنب فيقول: ائذن لي في
القعود وعدم الذهاب ولا تفتني، أي: لا
تؤثمني بأمرك إياي في الخروج، وذلك غیر
متیسر لي فآئم، فإذنك لا يوقعني في الإثم.
وجاء الرد القرآني على شبهته الواهية:
﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ وألا الاستفتاحية
تفيد التنبيه لما يأتي بعدها، والسقوط يفيد
معنى الهوي والضياع والتمكن في الوقوع،
يقول سيد قطب: ((والتعبير يرسم مشهدًا كأن
الفتنة فيه هاوية يسقط فيها المفتونون، وكأن
جهنم من ورائهم تحيط بهم، وتأخذ علیھم
المنافذ والجهات فلا يفلتون، كناية عن
مقارفتهم للخطيئة كاملة وعن انتظار العقاب
عليها حتمًا جزاء الكذب والتخلف والهبوط
إلى هذا المستوى المنحط من المعاذير))(٢).
إن فتنته الحقيقية ليست في ذهابه إلى
بلاد الروم كما زعم، ولکن فتنته في تخلفه،
وقبيح اعتذاره، وهذه هي الفتنة التي أصابته
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٨٩/٦ رقم
٩٦٠٠، وله طريق آخر عن ابن عباسٍ عند
الطبراني في الكبير رقم ١٢٦٥٤ والأوسط
رقم ٥٦٠٠، والبيهقي في الدلائل ٢١٣/٥.
(٢) في ظلال القرآن ١٦٦٤/٣.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ
پآڵڪفِینَ﴾ فلن يستطيعوا منها فكاكًا
ولن يجدوا عنها مهربًا.
ثم تذكر الآيات موقفًا آخر يبين سوء
بواطنهم وخبث ضمائرهم ومحبتهم إلحاق
الأذى بالمسلمين فيقول تعالى: ﴿ إِن
تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ والحسنة نكرة
في سياق الشرط فتفيد العموم.
وورد في نزولها عن جابر قال: «جعل
المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون
عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار
السوء، يقولون: إن محمدًا وأصحابه قد
جهدوا في سفرهم وهلكوا فبلغهم تكذيب
حديثهم وعافية النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه فساءهم ذلك، فأنزل الله تعالى:
﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾))(٣).
ثم یعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم
طريق الرد على هؤلاء بقوله: قل لهم يا
محمد، لن يأتينا إلا ما قدره الله عز وجل
وقضاه في اللوح المحفوظ، واللام تفيد
الاختصاص أي: إن هذه الإصابة لصالحنا
ولخيرنا. وقوله: ﴿هُوَ مَوْلَننَا﴾ أي: هو
ناصرنا ومتولي أمورنا لا ولي لنا غيره؟
ولذلك فلن نتوكل إلا عليه، ولن نستعصم
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨١٠، رقم
١٠٣٠٦.
٢٨٦
الْقُرآن الكَرِيمِ

غزوة تبوك
إلا بحبله المتين.
ويأتي تلقين الجواب الثاني على ما قام به
المنافقون فيقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَنَّصُونَ
◌ِنَّا إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وهل للاستفهام
وتفيد معنى التقرير، وفيه توبيخ للمنافقين،
والمعنى: ما تنتظرون بنا إلا أحد أمرين كل
منهما أحسن من العواقب الأخرى ومن
عاقبة أمركم: أما أولهما فالنصر والفتح من
الله، وفي ذلك عز الدنيا والآخرة. وثانيهما:
الشهادة والمنزلة الرفيعة عند الله، ولا أفضل
منهما، ولن یأتینا غيرهما.
أما أنتم أيها المنافقون فإنا نتربص بكم
إحدى سوأتين: إما أن يأتيكم عذاب من
الله في الدنیا فیھلککم کما أهلك الأولین
والسابقين، أو يجعلنا الله أداة لقدرته
فيهلككم بأيدينا، ولننتظر نحن وأنتم
موعود الله بنا وبكم، فنحن على ثقة من
نصره سبحانه، قال الحسن: تربصوا مواعيد
الشيطان إنا معكم متربصون مواعد الله من
إظهار دينه واستئصال من خالفه (١).
ثم تأتي الآيات بعد ذلك لتبین أنه لا فائدة
من نفقتهم؛ لأنها بنيةٍ مدخولةٍ ولن يكون
مالهم إلا حسرة عليهم يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّنْ
يُنَقبَّلَمِنگُمْ﴾ والمعنى: قل یا محمد لهؤلاء
المنافقين: لا فائدة من نفقتكم، فإن أنفقتموها
(١) لباب التأويل، الخازن ١٠٦/٢.
طائعین باختيارکم أو مكرهين من رؤسائكم
فالأمران مستويان في عدم القبول، فالأمر
بالإنفاق بمعنى التسوية.
وقد روي في سبب نزول الآية أن الجد
ابن قيس قال: إني إذا رأيت النساء لم أصبر
حتى أفتتن، ولكن أعينك بمالي. ففيه نزلت
الآية (٢). لكن السبب ضعيف، وبفرض
صحته فالآية تذكر أمرًا عامًّا بصيغة الجمع
يصدق عليه وعلى غيره.
وقوله: ﴿لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ يحتمل أن
يكون المعنى: لن يتقبلها منكم رسول الله
ويأخذها، ويحتمل: لن يتقبلها الله منكم.
ثم تذكر الآية علة عدم قبول نفقتهم
﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ والفسق
مطلق الخروج ويراد به الكفر والمعاصي.
والظاهر إرادة المعنى الأول هنا بدليل
التفصيل الوارد في الآية التي بعدها ﴿وَمَا
مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ
كَفَرُواْ بِالَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ
إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ
کرِمُونَ﴾.
والمعنى: الذي منع قبول نفقاتهم في أي
شيء من الأشياء في هذه الغزوة وفي غيرها
ثلاثة أسباب:
أولها: الكفر بالله وبرسوله، ومعلومٌ أن
العمل لا يقبل ولا يزكو إلا بالإيمان؛ فلا
(٢) جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٠٦.
www. modoee.com
٢٨٧

حرفالغين
يتقبل الله إلا من المتقين.
والأمر الثاني: أنهم لا يأتون الصلاة إلا
وهم على حال من الكسل والفتور والتراخي،
وجاء التعبير بصيغة الحصر للدلالة على أن
هذا شأنهم في كل صلاة يصلونها؛ إذهم لا من مبتغاه.
يرجون بها ثوابًا ولا يخافون عقابًا.
والسبب الثالث: أنهم لا ينفقون إلا
وأنفسهم غير راضية؛ فهم يعدون النفقة
مغرمًا وبها تنقص أموالهم.
والتعبير بلفظ: ﴿كَرِمُونَ﴾للدلالة على
أن مجرد الأمر لهم بالنفقة إکراه لهم، وقد
جاء ذكر عدم الصلاة الصحيحة، وعدم
الإنفاق الصادق بعد الكفر - وإن كان الكفر
وحده سببًا كافيًا لعدم القبول- إشارة إلى
أن فعل الصلاة والإنفاق منهم لا يدل على
إيمان، وإنما يدل على تمكن النفاق في
القلب؛ لأنها صلاة بلا روح ونفقة بلا رغبة،
والله أعلم.
وقد كان هؤلاء المنافقون من ذوي السعة
في المال، فجاءت الآية على سبيل التعليم
للنبي والأمة ألا يعجبوا بكثرة المال والولد،
فإنه مصدر شقاء لهم في الدنيا والآخرة
﴿فَلَا تُمْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ
اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ
وَهُمْ كَفِرُونَ
والمعنى: لا تظنن أن كثرة المال والولد
مصدر سعادة وهناء لهؤلاء القوم، بل هي
مصدر شقاء وغمِ وهمٍ وحسرةٍ في الدنيا قبل
الآخرة، فقد قضى الله قضاءً لا يرد أن من
أحب شيئًا من دون الله عُذِّب به في الدنيا
قبل الآخرة، ومن استعز بغير الله أتاه الذل
ثم تفضح الآيات دخائل نفوسهم
وتبين كذبهم في حلفهم وقولهم إنهم لمن
المؤمنین، وتبين أن الذي دفعهم إلى ذلك
أنهم قوم يخافون الإخراج من الديار، أو
يخافون قتال المؤمنین لهم، فیھرعون إلى
الحلف وإلى التأكيد بأكثر من مؤكد أنهم
من المؤمنين، وأنهم ينسبون إليهم في الدين
وفي طاعة الله والرسول، والحق أنهم ليسوا
كذلك ولكنهم يتظاهرون بذلك؛ لأنهم قوم
يفرقون.
وتأتي الآية التي تليها لتفصل فرقهم
وشدة جزعهم وخوفهم، وأنهم لو وجدوا
مكانًا حصينًا أو كهفّا في جبل، أو مغارة
وسربًا تحت الأرض لفرُّوا إليها مسرعين لا
يلوون على شيء، وما ذاك إلا لتماديهم في
كراهيتكم وكراهية المعيشة معكم؛ ولفرقهم
من اكتشاف نفاقهم. وفي الآية تصوير بليغ
لموقف نفوسهم، وحركة أبدانهم وإسراعهم
نحو التخفي، وهم على شر حال من الذعر
والجبن والفزع حتى لكأنك تتمثل موقفهم
هذا كالعيان أمامك.
٢٨٨
جوب
القرآن الكريمِ

غزوة تبوك
ثانيًا: تثبيط المنافقين للمؤمنين عن بالخروج))(١).
الخروج للجهاد:
تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ
بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ
بِأَمْوَالِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَنَفِرُواْ فِى
اُلْحَرَّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأْ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ
فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًاً وَلْيَبَكُوا كَثِيرًا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
٨١
فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَيِفَتِمِنْهُمْ
يَكْسِبُونَ ®
فَأَسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن ◌َّخْرُواْ مَعِىَ أَبَدًا
وَلَن نُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ
أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقْعُدُ واْ مَعَ الْخَلِفِينَ وَلَا تُصَلِّ عَلَى
أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَعُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ (٥)
وَلَا
تُعْجِبْكَ أَمْوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم
بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَنَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ
٨٥
مَعَ رَسُولِهِ أَسْتَشْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ
ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ اَلْقَهِدِينَ ﴿ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ
مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا
﴾ [التوبة: ٨١ - ٨٧].
يَفْقَهُونَ (
روي عن ابن عباس قال: ((وذلك أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس
أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال
رجال: يا رسول الله، الحر شديد، ولا
نستطيع الخروج فلا تنفر في الحر ﴿قُلْ
نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّحَرَاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ فأمره الله
بينت الآية السابقة أن المنافقين هم أهل
الفسق، وجاءت الآيات التي بعدها لتذكر
الأدلة العملية على فسقهم ومنها: فرحهم
بالقعود وكراهة القتال ثم بينت أن ما فعلوه
كان سببًا لعدم خروجهم مع الصف المسلم
مرة أخرى.
وقد سجلت الآيات الكريمة ثلاثة
مواقف لأهل النفاق:
أولها: فرحهم بالقعود في المدينة
خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم
أو بالمخالفة له، وفي وصفهم بالمخلفين
بالبناء للمفعول مزيد ذم وتحقير لهم، فإن
الذي خلفهم نفاقهم وشيطانهم وضعف
همتهم، وسوء فعالهم وضعف إيمانهم،
ويجوز أن يكون المخلف والمثبط لهم هو
ربنا ومولانا، ذلك أنه تعالى كره انبعاثهم، أو
یکون النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن لهم
في التخلف، ولفظ مقعدهم يوحي بأسوأ
الحالات عند الجهاد وهي حالة القعود، وما
فرحهم إلا دلالة على خبث باطنهم.
وثاني الأمور: كراهيتهم الجهاد في سبيل
الله، وهذا من العجب، فالجهاد شرف يحبه
المؤمن؛ لأنه يرفع درجته عند الله، فقد صح
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٩/٠، تفسير
ابن أبي حاتم في التفسير ٦/ ١٨٥٥، رقم
١٠٥٠٤.
www. modoee.com
٢٨٩

حرفالغين
(موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام
ليلة القدر عند الحجر الأسود) (١) أرأيت
کیف یکون ثواب وقوف ساعة واحدة؟ أفلا
یحرك هذا الهمم ویحدو بالأرواح إلى بلاد
الأفراح، فإذا كره إنسان الجهاد دل ذلك
على أنه ما يؤثر إلا راحة بدنه وحفظ ماله.
وثالثة أثافيهم: أنهم قالوا : - تثبيطًا
لأنفسهم وللمؤمنين- لا تخرجوا للقتال
في الحر، ويدل ذلك على شدة تبجحهم
وغلظة نفوسهم فهم مناعون للخير، أولم
یعلموا أن حر جهنم أضعاف أضعاف حر
الدنيا؟!
وإذا تحقق لهم شيء من الضحك
والفرح بسبب عدم الخروج فإنه ضحك
قليل في الدنيا وبكاء كثير في الآخرة (٢).
فصيغة الأمر هنا خرجت مخرج الإخبار
عن صنیعھم کما یقول جمهور المفسرين،
وفائدة لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم
واجب، والمعنى: إنكم فرحون في هذه
الدنيا وسيكون في الآخرة بکاء شدید.
وقوله: ﴿ِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ جمع في
الآية بين صيغة الماضي والمضارع فهم
كانوا وما زالوا يكسبون الإثم ويقترفونه.
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه ١٠/ ٤٦٢ عن
أبي هريرة مرفوعًا.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٢٧/٢، رقم ٦٦٣٦.
(٢) انظر: تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/ ١٦٠.
وإذا كان أمرهم وحالهم کذلك فإنه يلزم
أن ينبذوا بعيدًا عن الصف المجاهد إذ لا
فائدة منهم؛ لأن الجهاد لا يكون إلا بذوي
الهمم العالية الذين يكثرون عند الفزع؛
ولذلك فإن الله يوصي نبيه: إن رجعت
إلى المدينة بعد هذه الغزوة وأرادت طائفة
منهم أن تستأذنك للخروج فقل لهم: فات
أوانه. لن تخرجوا أبدًا.
وقوله: ﴿وَلَنْ تُقَتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا ﴾ انتقال
من الشاق إلى ما هو أشق منه فإن القتال
أشد من الخروج؛ أو لأن الأول موافقة
لسؤالهم والثاني أصرح في التأكيد؛ لأن
القتال هو موضع بارقة السيوف التي تحتها
الجنة، وقيل: بينهما عموم وخصوص
إذ ربما يقاتلون العدو بلا خروج كما في
الأحزاب (٣).
وعلة عدم الإذن لهم مرة أخرى أنهم
دعوا من قبل فلم يلبوا، وكانت الحاجة
إلیھم أمس، فليس لهم بعد ذلك نصيب في
الخير، وقد كان أمامهم فرفضوه، ولا يتحمل
أمر الجهاد إلا رجال. فلیکن مکانهم إذن مع
الخالفین الذین لا خیر فیھم في دنیا ولا دین.
وإذا كان الشهید لا يصلى عليه تكريمًا له
لأنه قتل في المعركة فإن هؤلاء الذين فروا
من المعركة لا يصلى عليهم من باب الإهانة
(٣) انظر: روح المعانى، الألوسي ٢٢٢/٦، تفسير
المنار، محمد رشيد رضا ١٠/ ٤٩٣.
٢٩٠
جَوْسُورَة التَّفي
القرآن الكريم

غزوة تبوك
لهم، فجاء النهي الإلهي عن الصلاة عليهم
وعن الوقوف على قبرهم لدفنهم والدعاء
لهم. ثم عللت الآيات النهي عن الصلاة
عليهم والدعاء بأنهم كفروا بالله وبرسوله،
وظلوا علی عتوهم وخروجهم حتى ماتوا،
والآية عامة وإن كان سببها خاصا إلا أنها
تشمل من مات منهم ومن سيموت.
وإذا كان التكريم المادي لم يلحقهم
فإنهم لن ينالوا كذلك أي تكريم معنوي
حتى الإعجاب بهم، وقد سبقت آية قريبة
من هذه؛ فإما أن يكون التكرار لتأکید الأمر
وبيان خطورة الإعجاب بهم وبحالهم؛ لأن
الفتنة بالمال والولد ليست هينة، أو لأنها
نزلت في قوم آخرين.
وأموالهم وأولادهم لا وزن لها في
ضمير المؤمن؛ لأنهم كأشباه الرجال وليسوا
برجال، فإذا أنزلت سورة كاملة أو بعض
سورة تأمرهم بالإيمان بالله وبالجهاد مع
رسوله فر أولو الطول ليستأذنوا، وأولو
الطول هم أهل الغنى، وهم الملأ المترفون
الذين لا يوفقون إلى خير في الغالب، وذلك
لأنهم ألفوا معيشة النعيم وغذوا بها.
ثم تسجل الآيات عليهم أنهم لم يكتفوا
بالاستئذان وإنما قالوا: دعنا ننعم مع هؤلاء
القاعدين من النساء وغيرهم، فرضوا
لأنفسهم بالمهانة، فكان جزاؤهم أن طبع
الله على قلوبهم فلا يصل إليها خير أبدًا،
وتأمل الفرق بين ((مع)) الأولى والأخيرة،
فأمامهم معية الرسول في الجهاد لكنهم
تركوها إلى معية القاعدين الخالفين؛ ولذلك
فهم لا يفقهون أوامر الله، ولا یفقهون حكمة
الجهاد.
ثالثًا: لمز المنافقين للمؤمنين:
ذكرت سورة التوبة أكثر من موقف فيه
لمز من المنافقين للمؤمنين، وقد فضحهم
الله فیما قالوا وفعلوا ومن هذه المواقف ما
ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَلَپنِ
سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ
لَا تَمْنَذِرُواْ قَدْ كَقَرْتُمْ بَعْدَ إِسَنِكُمْ إِن
تَغْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ تُعَذِّبْ طَائِقَةٌ بِأَنَّهُمْ
كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥- ٦٦].
عن عبد الله بن عمر: (قال رجل في
غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا
هؤلاء، أرغب بطونًا، وأكذب ألسنة وأجبنتا
عن اللقاء. فقال رجل في المسجد (في
رواية الطبري هو عوف بن مالك): كذبت
ولكنك منافق. لأخبرن رسول الله صلى
الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله ونزل
القرآن. قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه
متعلقًا بحقب (بحبل) ناقة رسول الله تنكبه
الحجارة يقول: إنما كنا نخوض ونلعب.
فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أبالله
www. modoee.com
٢٩١

حرفالغين
وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟) ما
يزيده)(١).
والمعنی: لئن سألتهم عما قالوه ليقولن
-على سبيل الاعتذار -: إنما كنا نقول ذلك
هزلًا لا جدًّا، ولعبًا لا صدقًا وحقًّا، فقل
لهم مستنكرًا وموبخًا: أما كان أمامكم غير
الله وشرعه وأحكامه لتستهزئوا بها؟ إن
العذر أقبح من الذنب؛ فلا لعب ولهو مع
أحكام الله و دينه، وليس ثمة إلا الكفر بعد
الإیمان، فمن تاب تاب الله عليه، وإلا فهو
من المجرمين المعذبين.
ومن جملة لمزهم في الغزوة ما ورد
في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِرُونَ
الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى
الصَّدَقَتِ وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ
لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِةٍ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اَلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٩-٨٠].
عن أبي مسعود قال: لما أمرنا بالصدقة
کنا نتحامل، فجاء أبو عقیل بنصف صاع،
وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن
الله لغنيٌ عن صدقة هذا، وما فعل الآخر إلا
رئاء فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِرُونَ﴾(٢) .
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٩/١٠، تفسير
ابن أبي حاتم ١٨٢٩/٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
لم يكتف أهل النفاق بمنع المال وإنما
تعدى بهم الأمر إلى لمز المتصدقين
والسخرية منهم، وكان هذا في غزوة تبوك
فنزلت الآيات؛ لتبين موقفهم من الصدقة
التي تطلب منهم وموقفهم من الصدقة التي
يدفعها غیرهم عن طيب خاطر.
لقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم
الناس إلى الصدقة وحثهم عليها، فجاء كل
امرئ بما يستطيع، وقدم عبد الرحمن بن
عوف مالًا كثيرًا، وجاء رجل من الأنصار
اسمه الحبحاب بمال قليل، وكان هذا
طاقته وقدرته، فانتهزها المنافقون فرصة
للمز والعيب والطعن على الصحابة،
فصاحب الصدقة الكبيرة يتهمونه بالرياء
وصاحب الصدقة اليسيرة ينالونه بالأذى:
كيف يتصدق وهو محتاج؟ إن الله لغني
عن صدقته! ما فائدة صدقته هذه؟ وما درى
هؤلاء أن درهمًا واحدًا قد سبق ألف درهم،
قال صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة
ألف درهم قالوا: وكيف ذلك؟ قال: رجل
له مال کثیر أخذ من عرضه مائة ألف ورجل
ليس له إلا درهمان، فأخذ أحدهما فتصدق
به)(٣).
باب الذين يلمزون المطوعين، ٨/ ١٨١، رقم
٤٦٦٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة،
٧٠٦/٢، رقم ١٠١٨.
(٣) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، ٤ /٩٩، وابن
حبان في صحيحه، ١٣٥/٨، والحاكم في
٢٩٢
ـُ النَّسَّ
جوسين
القرآن الكريمِ

غزوة تبوك
الله فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه
إلّا
لَا يَجِدُونَ
الَّذِينَ
وإفراد:
فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام عمر
فأخذ بثوب رسول الله فقال: يا رسول الله
أتصلي عليه وقد نهاك ربك عن أن تصلي
عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إنما خيرني الله فقال: ﴿أَسْتَغْفِرْ
لَّمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ سَبْعِينَ
مَّةَ﴾ وسأزيده على السبعين)(٢).
جُهْدَهُمْ﴾ وعطفها على ما قبلها من باب
عطف الخاص على العام تطييبًا لخاطرهم
وتنويهًا بما قاموا به؛ ذلك أن السخرية منهم
تكون أشد، فلما اختصوا بمزيد سخرية
اختصهم الله بالذكر، وكانت عقوبة هؤلاء
الساخرين أن عاملهم الله بجنس ما
يستحقون فسخر منهم، ويا لها من سخرية
توجب ضياع الدنيا والآخرة.
ولأن ذا القلب الرحيم الرؤوف عليه
السلام كان يتألف قلوب الناس ويستغفر
لهم ويطيب قلوب أهليهم من المؤمنین،
فإن ربه تبارك وتعالى خاطبه، وبيَّن له أن
الاستغفار لهم وعدمه سواء، فهذا أمر في
معنى الخبر، والمعنى: إن استغفرت أو لم
تستغفر فلا فائدة، وقد ورد في القرآن الكريم
التسوية بين الأمرين بلفظ الخبر صراحة، قال
تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦].
والظاهر أن لفظ أو يحتمل التخيير (١).
وهذا ما فهمه رسول الله صلى الله
عليه وسلم؛ ففي الصحيح عن عمر قال:
لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد
المستدرك، ٥٧٦/١. وصححه على شرط
مسلم.
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣ /٦٤،
البحر المحيط، أبو حيان ٧٦/٥، روح
المعاني، الألوسي ٢١٤/٦.
ثم بينت الآية أن النبي صلى الله عليه
وسلم لو زاد على السبعين في الاستغفار
لهم فلن تلحقهم مغفرة، وسبب ذلك أنهم
كفروا بالله وبرسوله، وما كان الله ليوفق
أهل الكفر إلى طاعته والإيمان به ومرضاته،
فهم الذين يستحقون ذلك بسبب أفعالهم.
رابعًا: مسجد الضرار:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مَسْجِدًا
ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُّ
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىِّ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدُ
لَكَذِبُونَ )
أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ
فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ
اَلْمُطَّهِرِينَ ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُلْيَكِنَهُ.
عَلَى تَقْوَى مِنَ اَللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)،
٨/ ١٨٤، رقم ٤٦٧٠.
www. modoee.com
٢٩٣

حرف الغين
بُلْيَكِنَّهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَتْهَارَ بِهِ، فِي نَارٍ وهي كثيرة في السورة.
(٥) لا
جَهَنٌَّ وَاللَّهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
يَزَالُ بُنْيَتُهُمُ الَّذِى بَنَوْ رِيبَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَنْ
تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة:
١٠٧ - ١١٠].
عن أبي رهم الغفاري قال: أتى من بنی
مسجد الضرار رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو متجهز إلى تبوك، فقالوا يا رسول
الله، إنا بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة،
والليلة الشاتية والليلة المطيرة، وإنا نحب أن
تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: (إني على جناح
سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلینا
لكم فيه) فلما رجع نزل بذي أوان على
ساعة من المدينة، فأنزل الله في المسجد:
﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ فدعا مالك
بن الدخشم ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم
بن عدي فقال: (انطلقا إلى هذا المسجد
الظالم أهله فاهدماه وحرقاه) ففعلا(١).
يمكن أن تكون الآية متصلة بالحديث
عن القوم الذين مردوا على النفاق، أي:
تمرنوا علیه واستلان لهم، فيكون من جملة
کیدهم الخفي بناء مسجدٍ للضرار، وسيكون
هدم المسجد من جملة التعذيب الذي
يجدونه في الدنيا، ويحتمل أن تكون الآية
موصولة الحديث عن مكائد المنافقين عامة
(١) انظر: سيرة ابن إسحاق ٢١١/٥، السيرة
الحلبية، الحلبي ٣/ ١٢٣.
لقد اتخذ جماعة من بني غنم بن عوف (٢)
مسجدًا ليصلوا فيه ویترکوا مسجد قباء وقد
كان قريبًا منهم، وقد تعللوا بعلل كاذبة
لإنشائه، لکن الآیات کشفت سرائرهم.
وبيَّنت أنهم اتخذوه لأربعة أهداف:
أولها: إيقاع الضرر بالمؤمنين؛ وذلك
ببناء مسجد بجوار مسجد، ولا فائدة من
البناء الثاني.
وثانيها: الإتيان بالكفر، أو تقوية ما
هم عليه من الكفر؛ وذلك بتدبير الطعن
والمكائد للمسلمين والتشاور في ذلك، وقد
یکون کفرهم بالاعتقاد، قال ابن العربي ((لما
اتخذوا المسجد ضرارًا لاعتقادهم أنه لا
حرمة لمسجد قباء ولا لمسجد النبي صلى
الله عليه وسلم كفروا بهذا الاعتقاد))(٣).
وثالثها: التفريق بين المؤمنين؛ فقد كانوا
يجتمعون في المسجد للصلاة، فتزداد
ألفتهم وتجتمع كلمتهم إثر اجتماع قلوبهم
وأبدانهم، وهذا مقصد كبير من مقاصد
صلاة الجماعة، فإن تعددت المساجد بلا
داع تفرقت الكلمة.
ورابعها: إعداد المكان انتظارًا لوصول
أبي عامر الراهب؛ وقد كان من مُتَنصِّرة
العرب، وقد كان يطمع أن يكون زعيمًا
(٢) انظر: تفسير عبدالرزاق ١٦٥/٢، جامع البيان
١٩/١١، تفسير ابن أبي حاتم ٤ / ٩٥.
(٣) أحكام القرآن ٢/ ١٠١٣.
٢٩٤
◌َةُ التَّ
جَوَُّو
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ

غزوة تبوك
في قومه، فلما رأى نصر المسلمين فَرَّ إلى وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾(١).
المشركين وألبهم على المسلمين، فلما
كانت وقعه أُحد حاول أن يستزل بعض
الأنصار فقال: أنا أبو عامر. فقالوا: لا أنعم
الله بك عينًا یا فاسق. فلما سمع ردهم
عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر. ثم
قاتلهم قتالًا شديدًا ورماهم بالحجارة،
وظل يقاتل المسلمین في کل حرب حتی
یوم حنین فیٹس. ثم انقطع وخرج إلى ملك
الروم، فوعده بالجند فأرسل إلى قومه أن
يبنوا معقلًا يقوم عليهم فيه، ومنَّاهم بجيش
يقاتل فيه المسلمين، فبنوا المسجد وأعدوه
قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى
تبوك، فكان هذا إرصادهم لمن حارب الله
ورسوله من قبل.
عن عبد الله بن عباس قال: «وهم أناس
من الأنصار ابتنوا مسجدًا فقال لهم أبو
عامر: ابنوا مسجدكم واستعدوا بما استطعتم
من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر
ملك الروم، فلآتي بجند من الروم فأخرج
محمدًا وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم
أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد
فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه
وتدعو لنا بالبركة فأنزل الله: ﴿لَانَقُمْ فِيهِ
أَبَدًّا لَمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّوَيَوْمٍ أَحَقٌّ
أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَظَهَّرُواْ
ثم يبين القرآن أنهم سيحلفون: أنهم ما
قصدوا بالبناء إلا أفضل شيء حسن، وهو
التوسعة على المسلمين والمنفعة لهم،
وتيسير أمر الصلاة على الضعفاء والعجزة
وغيرهم إذا جاء السيل يقطع الطريق ويحول
بين الناس وبين الصلاة، أو يكون مقصدهم
بالحسنى الجنة؛ أي: ما أردنا بعملنا هذا إلا
دخول الجنة، وهذا قول ظاهره الخير وباطنه
الشر والسوء، فسجل القرآن عليهم كذبهم،
و کشف باطنهم، وكذبهم في قولهم.
ولأن هذا المسجد لم يُيْن على أساس
من الطاعة، فقد نهى الله رسوله صلى الله
عليه وسلم أن يصلي فيه؛ وذلك لأن صلاة
النبي صلى الله عليه وسلم تعد تزكية للمكان
ولأهله، ولربما ینخدع بذلك بعض الناس،
وليس معنى ترك الصلاة فيه أن الصلاة
ستتأخر عن وقتها، فها هو الأصل موجود؛
المسجد الذي تأسس على تقوى الله من
أول يوم أقيمت فيه الصلاة بالمدينة، وظاهر
سياق الآيات ومعرض الحديث أنه مسجد
قباء، وعلى ذلك ابن عباس وعروة وقتادة
وغيرهم، لکن ورد عن أبي سعيد الخدري
قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه
وسلم في بیت بعض نسائه فقلت: يا رسول
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/١١، تفسير
ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٨.
www. modoee.com
٢٩٥

حرفالغين
الله: ما المسجد الذي أسس على التقوى؟ رضوان الله تعالى وابتغاء محبته وجنته
فقال: فأخذ كفا من حصباء فضرب به خير أم من ابتدأ البنيان على أضعف قاعدة
الأرض فقال: (هو مسجدکم هذا) لمسجد
المدينة)(١).
وسیاق القصة یشهد لمسجد قباء، لکن
إذا صح الحدیث فلا محيد عنه، وهو كما
تری صحیح، وقد ذهب جمع من العلماء
إلى التوفيق، فقال السهيلي: ((وليس بين
الحديثين تعارض، وكلاهما أسس على
التقوى))(٢)؛ فكلاهما مراد من الآية ولا مانع
من ذلك؛ فقولك: لرجل صالح أحق أن
تجالسه، فلا يقتصر على هذا الشخص فقط.
ثم مدح الله أهل هذا المسجد بأن فيه
رجالًا يحبون أن يتطهروا، وقد ورد في بعض
الروايات أن المقصود الطهارة الحسية، ولا
شك أن الطهارة الحسية دليل على طهارة
الباطن وسلامته، فهم يتطهرون من الآثام
الحسية والمعنوية؛ لينالوا أعظم ما يفوز به
مسلم وهو محبة الله.
ثم تأتي المقابلة بين من بنوا المسجدين
وبين بناء المسجدين، والاستفهام للتقرير،
والمعنى: أفمن ابتدأ أساس بنيانه على
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، رقم
٠٨٣٦/٢،١٣٩٧
(٢) انظر: الروض الأنف، السهيلي ٢٤٦/٢.
وعليه جماعة من المفسرين انظر: مفاتيح
الغيب، الرازي ٧٧/٨، تفسير المنار، محمد
رشيد رضا ١١/ ٣٤.
وأهزلها، فهي على حافة منهارة لا تثبت أمام
أي نائبة؟ فلا بد أن تكون النتيجة هي الانهيار
والبوار والخسار والعار والشنار، كالشجرة
الخبيثة ليس لها على الأرض قرار. وهذا
مثل عجيب يكشف وضع المنافقين المادي
والمعنوي، فهم على أضعف حال.
وهل الآية على سبيل التمثيل لحال
المنافقين؟ يحتمل، ولا مانع من إرادة
المعنى الظاهر، فيكون الانهيار الذي أصاب
بنيانهم الهزيل قد أدی به في النار، وفي ذلك
روايات: قال جابر: لقد رأيت الدخان يخرج
من مسجد الضرار حيث انهار على عهد
رسول الله صلی الله علیه وسلم(٣).
وبنحوه عن قتادة والسدي وسفيان
والضحاك وغيرهم، وقد قام بعض أصحاب
رسول الله بهدمه بعد نزول الأمر الإلهي،
فصلى أهله فيه الجمعة والسبت والأحد
فقط، وهُدم يوم الإثنين (٤).
ثم تختتم الآية بسنة الله عز وجل مع أهل
الظلم؛ فالله تعالى لا يوفقهم إلى خير ولا
يرشدهم إلى طاعة؛ لأنهم ظلموا أنفسهم
بصنائعهم وما اقترفوه.
ويبقى وزر هؤلاء القوم ممتدًّا، وتظل
(٣) أخرجه الحاكم وصححه ٦٣٨/٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١١ / ٦٩٧.
مَوْسُو ◌َر النفسية
القرآن الكريمِ
٢٩٦

غزوة تبوك
معرّة فعلهم لا تغادرهم، ولا يزال هذا
البناء الذي بنوه ريبة في قلوبهم، أي:
شگًا(١) عند بنائه، لخوف انفضاح أمرهم،
وشگًا عند هدمه لظهور نفاقهم أمام الکل،
وحزازة في نفوسهم بعد ذلك لن يخرجها
إلا تقطع قلوبهم بالموت والهلاك، والله
علیم بأحوالهم حكيم في صنعه بهم. وقيل:
إلا أن تقطع قلوبهم بالتوبة، وعندئذ يقبلهم
ربهم ويعفو عنهم؛ فهو العليم بأحوال عباده
جميعًا.
إن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره
انقطع لا محالة وانفصل، ومن فعل أمرًا بنية
صالحة زكاه له ربه وبارك فيه، وأعلى قدر
ما صنع، أما من عمل عملاً حتى وإن كان
ظاهره عمل خیر، لکن نيته فيه غير سليمة،
فإن عمله سينقلب عليه ويبوء بإثمه ولا
يبارك له فيه، وبناء مسجد الضرار ثم هدمه
وتحریقه خير شاهد على ما نقول.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَأَّهُ وَأَمَّا
مَايَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧].
وفي الآيات إشارة إلى عدم تکثیر سواد
أهل الكفر والنفاق فلا تحضر مجالسهم
ومنتدياتهم، حتى وإن كان ظاهرها الخير،
فمن کثر سواد قوم فهو منهم، ولربما ينخدع
بعض الناس بمعسول حديثهم فيكون من
ذلك فتنة.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١ / ٢٥.
ومن فوائد القصة ما ذكره القرطبي: ((كل
مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فهو
في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة
فيه)) (٢). ومنها: استحباب الصلاة في
المساجد المؤسسة على الطاعة، المعمورة
بأوتادها من أهل الخير والذكر والصلاح،
وأن المسجد لا يمدح بأثاثه أو مفروشاته
أو غير ذلك، وإنما يمدح بالرجال الذين
يقيمون فيه ويتربون على هديه، وتتعلق
قلوبهم وأرواحهم به، وتنطلق تصوراتهم
وأفكارهم من خلال هديه ومنهجه.
خامسًا: محاولة قتل النبي صلى الله
عليه وسلم:
قال تعالى: ﴿يَحْلِّفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ
وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ
وَهَقُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَبِّهُمُ
اللّهُ وَرَسُولُ: مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًاً لَّ
وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِ الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةُّ وَمَا لَمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا
نَصِيرٍ ﴾ [التوبة: ٧٤].
ذهب جمع من المفسرين(٣) إلی أن الھمَّ
الذي لم ینالوه هنا هو محاولتهم قتل رسول
الله صلی الله عليه وسلم وقد ورد في هذا
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٥٤/٨.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٩١/٢، مفاتيح
الغيب، الرازى ١٠٤/١٦، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٤ /١٨١.
www. modoee.com
٢٩٧

حرفالغين
روايات صحيحة منها ما رواه أحمد عن أبي عليهم بأشد ألوان الإساءة؛ فقد كانوا عالة
فقراء لا يجدون مالًا فأغناهم الله بالغنائم
وأغناهم رسوله من عطایاه لهم حتى صاروا
من أهل اليسار فهل هذا هو ما ينقمون به على
الإيمان؟!
الطفيل، قال: (لما أقبل رسول الله صلى الله
عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديًا فنادى:
إن رسول الله أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد،
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقوده حذيفة ويسوق به عمار إذ أقبل رهط
متلثمون على الرواحل، غشوا عمارا وهو
یسوق برسول الله صلی الله عليه وسلم،
وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة:
(قد، قد) حتى هبط رسول الله صلى الله
عليه وسلم فلما هبط رسول الله صلى
الله عليه وسلم نزل ورجع عمار، فقال:
(ياعمار، هل عرفت القوم؟) فقال: قدعرفت
عامة الرواحل والقوم متلثمون، قال: (هل
تدري ما أرادوا؟) قال: الله ورسوله أعلم،
قال: (أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله
عليه وسلم فيطرحوه)(١).
يتعمد المنافقون الحلف الكاذب؛
فيحلفون ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر
وكفروا وهموا بقتل الرسول صلى الله
عليه وسلم وتلك جريمة شنيعة سجل
القرآن عليهم وزرها وعارها إلى يوم الدين،
والعجب العجاب أنهم بادلوا إحسان رسول
(١) أخرجه مسند أحمد في مسنده، ٢١٠/٣٩،
قال محققه: إسناده قوى على شرط مسلم.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٩٥/٦ :
رجاله رجال الصحيح.
٢٩٨
القرآن الكريمِ

غزوة تبوك
المخلفون عن الغزوة
أولًا: أنواع المخلفين:
لقد تعددت أسباب التخلف عن غزوة
تبوك، واختلف الموقف مع کل حالة، وقد
أجمل ابن كثير أنواع المخلفين في أربعة
أنواع فقال: ((كان المتخلفون عن غزوة
تبوك أربعة أقسام مأمورون مأجورون،
كعلي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة
وابن أم مكتوم. ومعذورون وهم الضعفاء
والمرضى والمقلون، وهم البكاءون.
وعصاة مذنبون، وهم الثلاثة، وأبو لبابة
وأصحابه المذكورون. وآخرون ملومون
مذمومون وهم المنافقون»(١).
أما النوع الأول فقد ورد في شأنهم
أحاديث تبين أنهم تخلفوا بإذن سابق؛ ففي
الصحيح: (أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليا فقال:
أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: (ألا
ترضى أن تكون مني في منزلة هارون من
موسی؟ إلا أنه لا نبي بعدي)(٢).
وسنفصل القول في الأقسام الثلاثة
(١) السيرة النبوية، ابن كثير ٤ / ٥٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه،كتاب المغازى،
باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، رقم
٤٤١٦، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل
الصحابة، باب من فضائل علي، ٤ / ١٨٧٠،
رقم ٢٤٠٤.
الأخرى؛ لأنه قد ورد فيها عظات قرآنية.
١ . المعذورون.
قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا
عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُوْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوََّكَ لِتَحْمِلَهُمْ
قُلْتَ لَآَ أَجِدُمَا أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ
وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلََّ يَجِدُواْ
مَا يُنفِقُونَ﴾[ التوبة: ٩١- ٩٢].
وقد سبق التعرض للآية عند الحديث
عن إنفاق الفقراء وبيان أنه لا حرج على
المعوزين ولا لوم، ولا حرج كذلك على
من ((ملكوا قدر النفقة إلا أنهم لم يجدوا
المرکوب»(٣).
فأتوا رسول الله صلی الله عليه وسلم
فإذا بأعينهم تفيض من الدمع حزنًا، وذلك
لأجل أنهم لا يجدون ما ينفقون.
لقد أعطى الله من فضله ورسوله قوما
من المعوزين فوجدوا حمولة تحملهم
ومن هؤلاء الأشعريون الذين روى قصتهم
أبو موسى حيث قال: (أرسلني أصحابي
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله
الحملان لهم، إذ هم معه في جيش العسرة،
وهي غزوة تبوك فقلت: يانبي الله، إن
أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال:
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦ / ١٢٢.
www. modoee.com
٢٩٩

حرف الغين
(والله لا أحملکم على شيء) ووافقته، وهو
غضبان ولا أشعر ورجعت حزينًا من منع
النبي صلى الله عليه وسلم، ومن مخافة أن
یکون النبي صلى الله عليه وسلم وجد في
نفسه علي.
فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي
قال النبي صلی الله عليه وسلم، فلم ألبث
إلاسويعة، إذ سمعت بلالاً ينادي: أي
عبدالله بن قيس، فأجبته، فقال: أجب رسول
الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلما أتيته
قال: (خذ هذين القرينين، وهذين القرينين
-لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد-،
فانطلق بهن إلى أصحابك، فقل: إن الله،
أو قال: إن رسول الله صلی الله علیه وسلم
يحملكم على هؤلاء فاركبوهن). فانطلقت
إليهم بهن، فقلت: إن النبي صلى الله عليه
وسلم يحملكم على هؤلاء)(١).
ولم تكف النفقة أقواما آخرين فعادوا
باكين حزنين على فوات نصيبهم من الخير،
ولشدة حزنهم وبكائهم عرفوا بهذا الاسم:
(البكائين) في كتب التفسير والسير، وقد
حفظت الكتب أسماءهم.
قال ابن إسحاق: «البكاؤون، وهم سبعة
نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن
عوف: سالم بن عمير، وعلبةبن زيد، أخو
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي
باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، رقم
٤٤١٥.
بني حارثة، وأبو ليلى عبدالرحمن بن كعب،
أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن حمام
بن الجموح، أخو بني سلمة، وعبدالله بن
المغفل المزني- وبعض الناس يقول: بل
هو عبدالله بن عمرو المزني- وهرمي بن
عبدالله، أخو بني واقف، وعرباض بن
سارية الفزاري)»(٢).
٢. المؤمنون الذين خلطوا عملًا
صالحًا وآخر سيئًا.
قال تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ أُعْتَّرَقُواْ بِذُنُوبِهِمْ
خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اَللّهُ أَنْ يَتُوبَ
عَلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ آ خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ
صَدَقَّةُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ
صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَُّمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾
[التوبة: ١٠٢-١٠٣].
هذا نوع آخر من الذين تخلفوا في هذه
الغزوة، والآية معطوفة على ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكٌ
مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ [التوبة: ١٠١].
فهم ليسوا منافقین، ولكنهم قوم مؤمنون
استزلهم الشيطان فقعدوا عن الغزو فخلطوا
بين العمل السيء وهو ترك الغزو، وبين
العمل الصالح وهو التوبة والاعتذار والندم؛
فاعترافهم بالذنب ومعرفتهم قبحه أرجى
لقبول التوبة، وهم إن شاء الله أهل لأن
يتوب الله عليهم إنه هو الغفور الرحيم.
عن ابن عباس قال: (كانوا عشرة رهطٍ
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٥١٨/٢.
٣٠٠
صَوْسُو
القرآن الكريم

غزوة تبوك
تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في
غزوة تبوك، فلما حضر رجوع النبي صلى
الله عليه وسلم، أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم
بسواري المسجد، فكان ممر النبي صلى
الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم.
فلما رآهم قال: (من هؤلاء الموثقون أنفسهم
بالسواري؟) قالوا: هذا أبولبابة وأصحابٌ
له تخلفوا عنك يارسول الله، وحلفوا
لا يطلقهم أحد حتى تطلقهم وتعذرهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأنا أقسم
بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتی یکون
الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا
عن الغزو مع المسلمين!) فلما بلغهم ذلك
قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون
الله الذي يطلقنا! فأنزل الله تبارك وتعالى:
﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِمًا
وَءَاخَرَ سَيْئًا عَسَى اللّهُأَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فلما نزلت
أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم
فأطلقهم وعذرهم)(١).
ثم أمر رسوله صلی الله عليه وسلم
تكاسلهم وتزكي نفوسهم، وهذا علاج
قرآني مستمر لكل من خلط بين عمل صالح
وغيره، وباب التوبة مفتوح على مصراعيه
في سورة التوبة.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١ / ٦٥١، تفسير
ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٧٢.
٣. المتخلفون من المنافقين.
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّمَا السَّبِيِلُ عَلَى
الَّذِينَ يَسْتَعْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ
بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ يَعْتَّذِرُونَ إِلَيْكُمْ
إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَتِهِمَّ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَنْ تُؤْمِنَ
لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ"
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ, ثُمَّ تُرَدُونَ إِلَى
عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنْتِّئُكُمْ بِمَا
تَعْمَلُونَ ١ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا
كَتُمْ تَحْمَ
أَنْفَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ
يِجْسٌ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ
عَنْهُمّ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ
اَلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٩٣ - ٩٦].
ذكرت الآيات السابقة حال القوم
المؤمنين الذين لم يجدوا ما ينفقون فأنفقوا
الدمع الهتون في سبيل الله، وأمثال هؤلاء
معذورون لأنهم لم يجدوا فلا مؤاخذة
عليهم، إنما المؤاخذة على الخلي المليء؛
أن يأخذ من أمولهم صدقة تطهرهم من إذ لا عذر له في الحقيقة، وإن اجتهد في
تلمس كواذب الأعذار. فجاءت هذه
الآيات لتقطع عذرهم، ولتحدث المقارنة
بينهم وبين المؤمنين الصادقين.
ما من سبيل على الضعفاء وغير
الواجدين؛ لأنهم بذلوا وسعهم ولم
يقصروا، إنما المؤاخذة والمعاتبة
www. modoee.com
٣٠١

حرفالغين
والمعاقبة على أولئك الذين يستأذنون في نفوسكم من السوء والقبح، وسيرى ويعلم
ترك الجهاد وهم ذوو يسار، وليس بهم ما عملكم كله الآتي في المستقبل.
يحول دون الخروج.
ولعل سائلًا يسأل: ما الذي دفعهم إذًا والإنابة، وبعد ذلك ستعودون إليه،
إلى الجبن والنكول؟ فيكون الجواب:
ما دفعهم إلى ذلك إلا دناءة نفوسهم،
ورضاهم بالدون والمذلة، فسلكوا أنفسهم
في مسلك العجزة والنساء والأطفال، وما
كان ذلك إلا بسبب خذلان الله لهم، حيث
طبع على قلوبهم فلم يعلموا عاقبة الجهاد
وفائدته في الدين والدنيا، وتلك نتيجة
حتمية للكسل وحسب السلامة والنوم
الذي يعقبه اللوم.
ثم ينبئ الله نبيه بما سيصنع هؤلاء
المنافقون إذا رجع المسلمون إليهم
وفي ذلك إعجاز غيبي بذكر المستقبل
ويكشف المخبوء من نفوسهم، فإنهم
سيأتون ليعتذروا للنبي صلى الله عليه
وسلم وللمؤمنين معه، وذلك لیکونوا رأيًا
عامًا يناصرهم ويغض الطرف عن فعلتهم
الشنيعة، لكن الآيات تنبه القائد الأعظم
صلى الله عليه وسلم الذي سيقول الكلمة
الفصل في هذا الأمر وتقول له: قل لهم إن
اعتذارکم کلا اعتذار، فلا تعتذروا، لأننا
لن نصدقكم، لن نؤمن لكم، لن تنطلي
وفي هذا إمهال لهم وإغراء بالعودة
ویومها: سیجازیکم علی کل عملكم، وقد
عدل التعبير القرآني عن لفظ الجلالة إلى:
﴿عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ لكي يعلموا
أنه تعالى مطلع على خفيات نفوسهم وفي
هذا تهديد لهم، والتنبئة يقصد بها نتيجتها
وهي الجزاء على عملهم وجاءت بلفظ
الإنباء لتوافق ﴿قَدْ نَبَّأَنَا﴾ وفيه إشارة إلى
أنهم قد تخفى عليهم بعض أعمالهم لكنها
لا تخفى على الخبير سبحانه.
وقد حدث ما أخبر القرآن؛ فقد أتوا
يعتذرون.
ويروي كعب بن مالك في حديثه الماتع
موقفھم فیقول: (لما قدم رسول الله صلى
الله عليه وسلم من تبوك جلس للناس فلما
فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون
إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين
رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم
وو کل سرائرهم إلى الله وصدقته حديثي،
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة
قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي
علينا خديعتكم، فقد فضحكم الوحي، من صدقي رسول الله صلى الله عليه
لقد أعلمنا الله علمًا مؤكدًا بما كان في وسلم ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك
٣٠٢
القرآن الكريم